بواسطة :
الزيارات : 3٬718 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

الْحَمْدُ للهِ والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على رسول الله ، وعلى آله وصَحْبِهِ ، ومَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ, وبعد :

فقد كان هذا اللقاء مع شيخنا -حفظه الله- في استراحة مكسيم يوم السبت الموافق الثامن من شهر ذي القعدة ، من عام ثلاثة وعشرين ، وأربعمائة ، وألف من الهجرة النبوية المباركة .

 

يقول الشيخ : في كتاب التبصرة .

مداخلة : لعله في كتاب صيد الخاطر لابن الجوزي .

الشيخ : بل في كتاب التبصرة ذَكَرَ أَثَرًا عن علي -رضي الله عنه- ، قال : كان يُرَى عَلَى عَلِيِّ بن أبي طالب ملابسُ الصَّيْفِ في الشتاء ، فقيل له : أَلَا يُؤْلِمُكَ الْبَرْدُ ، فقال له : حرارة قلبي تكفيني .

مداخلة : فضيلة الشيخ لكن هذه العبارة ليست من عبارات القوم .

الشيخ : نعم العبارة غير صحيحة ، والمعنى فيها غير صحيح .

مداخلة : فضيلة الشيخ هل ثبت مثلها ؟

الشيخ : ذكر صاحب الكتاب مثل هذا ، وفي بعض الأخبار التي تُرْوَى في كُتُبِ الرقائق أو الوعظ تُشَبَّهُ بالزهرة اليابسة ، يعني : يَرُوقُكَ منظرها ، لكن لو ضَغطت عليها تكسرت ولما استفدت منها ، فلا يُعتمد عليها .

سبب تصنيف السلف كتبهم في الرقائق بالأسانيد

إن أئمة الحديث عندما أَلَّفُوا في كتب الزهد والرقائق ذَكَرُوهَا بالأسانيد لِيَقْطَعُوا الطَّرِيقَ على من يُرَوِّجُ الأقاويل الشَّاذَّةَ والمنكرةَ ، أو الزُّهْدَ بِغَيْرِ سُنَّةٍ ؛ لأن مَجَالَ الزهد والرَّقَائِقِ وما يتبعها ، والْقَصَصِ والوَعْدِ ميدان لِكُلِّ غَرِيبٍ جَدِيدٍ ، وميدان للاجتهادات ولِلْكَذِبِ والخيالات ، وقد يكذبُ الْقُصَّاصُ والْوُعَّاظُ ليُصْلِحُوا النَّاسَ ، فتأتي أقوال ليس لها خُطُمٌ ولا أَزِمَّةٌ مما يُنسب للسلف .

فَصَنَّفَ الأئمةُ عَدَدًا من الْمُصَنَّفَاتِ في الزهد والرقائق ، وسَبَقُوا تَصْنِيفَاتِ الصُّوفِيَّةِ ، فمن هذه تصنيفات عبد الله بن المبارك ، وعبد الرزاق ، والإمام أحمد ، وهَنَادِّ بن السَّرِيِّ ، ووَكِيعٍ ، والبخاري في الصحيح ، وجماعات .

أهمية المحافظة على الوقت

قرأت في كتاب ( الشوارد ) لعبد الوهاب عزام -وهو عبارة عن خواطر خَصَّصَ له سَنَةً ، جعل في كُلِّ يوم خَاطِرَةٍ في ورقة- قوله :

تُقَلِّبُ الأيامُ مِنْ أًوْرَاقِهَا    أَسْرَعَ مِنْ تَقْلِيبِنَا أَوْرَاقَنَا( [1] )

يقول هذا في وقته ولم تكن هناك شواغل .

مداخلة : لا بُدَّ أن يستفيدَ الإنسانُ من الوقت ، وإلا سيمضي عليه الوقت سُدًى .

الشيخ : نعم ، لكن الاسْتِفَادَةُ تَتَعَدَّدُ مَنْاحِيهَا ، فالقِرَاءَةُ والتَأْلِيفُ والْكِتَابَةُ تتطلب انقطاعًا خاصًّا لها ؛ لأن الذِّهْنَ لا يكون مُهَيَّئًا طوال الوقت ، فقد يُرِيدُ الْكَاتِبُ الكتابة لكن لا يُطَاوِعُهُ قَلْمُهُ ولا يطاوعه البحث ، فيتركها مدة إلى أن تنشط نفسه ، قد تكون المدة شهرًا أو شهرين ، فإذا انْغَلَقَ عَلَيْهِ البابُ انغلق ، مثل الشعر ، فالكتابة أقرب ما تكون للشعر ، كذلك مراجعة البحوث لها نَفْسِيَّةٌ خاصة ، إما أن ينشط فيها فيمشى أو يَكْسَلَ .

مداخلة : فضيلة الشيخ : هل يفيد لو جعل له وقتا بالليل خاصة ؟

الشيخ : أحسن وقت للكتابة أو المراجعة أو التأليف يكون لَيْلًا لمن يَسْهَرُ ، من بعد الفراغ في الليل إلى الفجر .

 أما للذي ينام مُبَكِّرًا فأنسب وقت يكون من بعد الفجر إلى الظهر ، أما غير هذين الوقتين فتكون له عوارض كثيرة تقطعه .

 ففي الليل فإنه يكون أخذ قِسْطَهُ من النَّوْمِ والرَّاحَةِ ومشى إلى الفجر ، فهذا يُنتج ، أو من بعد صلاة الفجر جلسة واحدة إلى الظهر ، فهذا يُنتج .

مداخلة : شيخ الإسلام له عبارة في هذا لما سُئل من أين لك هذا العلم ؟ قال : والناس نيام .

الشيخ : الإمام الذَّهَبِيُّ -رحمه الله- كُفَّ بَصَرُهُ من الكتابة على ضوء السِّرَاجِ ، لأنه لم يكن يكتب إلا في الليل على ضوء السِّرَاجِ ؛ لأنه في النهار إما في تدريس ، أو مع الناس ، أو يذهب في شؤونه ، أو في لقاء العلماء .

مداخلة : هذا كثير في كلام السلف ، يعني : اختيار أوقات للعلم .

الشيخ : نعم ، كلامهم كثير في اختيار أوقات التعلم والْمُدَارَسَةِ ، خاصة الكتابة وتحرير المسائل ، والكتابة تحتاج إلى خلوة ، إما في الليل ، وإما إلى الظهر ، أما بعد الظهر ، أو بعد العصر ، أو بعد المغرب إلى العشاء لا يُفِيدُ .

مداخلة : لما سُئل سفيان قال : بالأسحار, والشافعي قال : إذا اضطجعت على فراشي قَلَبْتُهَا إلى الفجر . ولما قيل للإمام أحمد ألا تقوم الليل ؟ قال : هو خير من قيام الليل أي : طلب العلم .

الشيخ : منفعة المذاكرة متعدية ، فمذاكرة الإمام أحمد مع أبي حاتم ، ومع أبي زرعة إلى الفجر قال عبد الله بن أحمد بن حنبل : لما قَدِمَ أبو زُرْعَةَ نَزَلَ عند أَبِي ، فكان كثير الْمُذَاكَرَةِ له ، فسمعت أَبِي يوما يقول : مَا صَلَّيْتُ غيرَ الْفَرْضِ ، إني قد اعْتَضْتُ بِنَوَافِلِي مذاكرة هذا الشيخ( [2] ) .

مداخلة : حتى الرواتب .

الشيخ : إن التأليف ، والكتابة ، وتحرير المسائل ، وتدقيقها تحتاج إلى وقت متصل ، وإلى إنسان غير مشغول بلقاءات ، أو واجبات ، أو أكل ، لأن الأفكار تجيء يَجُرُّ بعضها بعضًا ، إذا بدأتها جَرَّتْ عليك غيرها ، لذلك يصدق على هذه قول الشاعر :

إِذَا هَبَّتْ رِيَاحُكَ فَاغْتَنِمْهَا        فَإِنَّ لِكُلِّ خَافِقَةٍ سُكُونًا

وهذا صَحِيحٌ فالهمة حينما تجيء في شيء يجب أن يستثمرها الإنسان .

مداخلة : يخشى الإنسان إذا سَهِر الليل -خاصة صاحب العمل- أن يؤثِّرَ في واجب من الواجبات .

الشيخ : صاحبُ الْعَمَلِ لا يَسْتَطِيعُ ؛ ولذلك إذا جاءته فرصة فَلْيَغْتَنِمْهَا ، مثل مراجعة القرآن ، مراجعة ما حَفِظَهُ من السُّنَّةِ ، أو من الْمُتُونِ ، إذا بدأت لا تَتَرُكْ نفسك ، لأنك إذا تَرَكْتَهَا تَفَلَّتَ العلمُ ونُسِيَ ، فإذا انْشَرَحَتْ نَفْسُكَ ، وصِرْتَ مُسْتَعِدًّا اسْتِعْدَادًا كاملا ، وخَلَا من هذا الشهر رُبُعُهُ نِصْفُهُ تراجع بحسب استعدادك وقُوَّتِكَ ؛ لأنه أقوى وبعضها يأتي مع بعض ، وقال الشاعر في العزيمة :

إِذَا كُنْتَ ذَا رَأْي فَكُنْ ذَا عَزِيمَةٍ      فَإِنَّ فَسَادَ الرَّأْي أَنْ تَتَرَدَّدا

معاني ( ال ) :

مداخلة : فضيلة الشيخ نحن لا نَدْرِي بم نبدأ ونقدم في هذا الوقت ، فعندي مجموعة رسائل ، وعندنا في التفسير بعض الأسئلة .

قال الشيخ : أعطنا واحدًا من هذه الأسئلة .

مداخلة : ( ال ) مع أسماء الله -عز وجل- في القرآن ، الرحمن ، الرحيم ، وهكذا ، ما هي ؟

الشيخ : بعضهم يقول : ( ال ) التعريف ، وبعضهم يقول : لام التعريف ؛ لأنه لا يمكن أن تَبْدَأَ بِسَاكِنٍ فأَتَوْا بالألف قبلها ، مثل ما قال ابن مالك في ( ال ) ، في الألفية :

ال حرفُ تعريفٍ أو اللامُ فقطْ  . . . فَنَمَطٌ عَرَّفتَ قُلْ فيه النَّمَطْ

فإذا اتصلت باسم فاعل ، أو اسم مفعول لا تكون للتعريف ، تقول مثلًا في قائم : القائم ، لم تعَرِّفْهُ ، ولذلك تكون هنا اسم موصول بمعنى ( الذي ) ، فإذا كانت اسمًا موصولًا عَمَّتْ ما حَوَاهُ اسم الفاعل من الْحَدَثِ أو الْمَصْدَرِ ، يعني عَمَّتِ الْقِيامَ ، تقول : القائم بأمر الله ، عَمَّتْ أنواع القيامِ بأمر الله .

فاسم الله -جل وعلا- الرحيم ، فِعِيل ، وهي صيغة مُبَالَغَةٍ عن فاعل ، يعني : أصلها فاعل عُدِلَ عنها إلى فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ في تحقق هذه الصفة ، فإذا دَخَلَت ْعليها اللام دلت على استيعاب ، أو شمول أنواع الرحمة ، ولهذا فَهِمَ ابن عباس -رضي الله عنهما- من قوله تعالى : {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [سورة الفاتحة : الآية 1] أنه رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما . فهذا نوع من العموم الذي فهمه من اسم الفاعل .

مداخلة : مِنَ الرَّحْمَنِ والرحيم .

الشيخ : كلها ، فابن عباس -رضي الله عنهما- عَبَّرَ برحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما ، يعني : رحمته في الدنيا والآخرة ، من أين فهمه ؟ فهمه من اللام . ولذلك كثير من تفاسير السلف تقول : دليله عليه اللغة التي هي ملكة أصلية عندهم .

مداخلة : فـ( ال ) في تفسيرها اسم موصول بمعنى الذي ؟

الشيخ : نعم ، مثل قوله تعالى : {إِنَّ المُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [سورة الأحزاب : الآية 35] يعني : إن الذين أَسْلَمُوا ، واللَّاتِي أَسْلَمْنَ .

مداخلة : يعني : يقول : بسم الله الذي هو الرحمن ؟

الشيخ : لا ، تقول هنا : بسم الله الذي شَمِلَتْ رَحْمَتُهُ كلَّ شيء .

مداخلة : أنا أريد تقرير قضية أنها موصولة فقط .

الشيخ : الْعُمُومُ على الْحَدَثِ الذي هو الرحمة .

مداخلة : هل هذا في جميع الأسماء ؟

الشيخ : لا ، هذه الأسماء التي فيها اسم فاعل واسم مفعول ، مثل : الْمُعِزُّ اسم فاعل ، النافعُ اسم فاعل ، الضارُّ اسم فاعل ، السَّمِيعُ اسم فاعل ، الْبَصِيرُ اسم فاعل ، أو اسم المفعول في الأسماء مثل : المحمودُ ، الْمَوْدُودُ .

مداخلة : اسم الله المؤمن هل تأتي على الوجهين اسم فاعل واسم مفعول ؟

الشيخ : لا ، مؤمنٌ اسم فاعل .

مداخلة : هل تأتي اسم مفعول الذي أومن ؟

الشيخ : كيف  ؟ لا ، تصبح مُؤمَنًا .

مداخلة : تعني شيخنا من جهة الصياغة .

الشيخ : نعم من جهة الصياغة ، مؤمن مُفْعِل ، اسم فاعل .

مداخلة : بالنسبة للصِّيَغِ في اسم الرَّحِيمِ يقال فيها : صيغة مبالغة ، ولا يقال : صفة مشبهة ؟

الشيخ : لا ، هي ليست صِفَةً مُشَبَّهَةً .

مداخلة : من أين اشتقت الصفة المشبهة ؟

الشيخ : الصفة الْمُشَبَّهَةُ هي مُشَبَّهَةٌ باسم الفاعل ، وهي ما لم تكن صيغته صالحة إلى أن تكون اسم فاعل أو صيغة مبالغة ، مثل : الْحَسَنُ الوجه ، فالحسنُ ما هي ؟ الحسنُ وَجْهُهُ ، الكَثِيرُ خَيْرُهُ ، هذه صفة له شُبِّهَتْ باسم الفاعل ، فإذا أردت أن تُؤَوِّلَهَا أو تُفسِّرَهَا ، تقول -وإن كان غلطًا لغة- : الحاسن وجهه ، لو صح التعبير ، فليس في اللغة : حاسن وجهه ، لذلك استعملت الصفة المشبهة باسم الفاعل ، فهي مشبهة باسم الفاعل من حيث الدلالة .

مداخلة : هل يصح لغة قولنا : المحسن وجهه ؟

الشيخ : المحسن تعدي إحسان ، والحسن في الذات ، هذا اسم الصفة المشبهة .

في خلاف بين النُحَاةِ ، ( ال ) إذا دخلت على الصفة المشبهة هل تفيد العموم أم لا ؟ والصحيح الذي رجحه ابن هشام في ( مُغْنِي اللَّبِيب )( [3] ) وجماعة إنها لا تفيد العموم ، في اسم الفاعل واسم المفعول .

مداخلة : من جهة دلالتها البلاغية هل تدل على الاستمرار التي هي الصفة المشبهة ؟

الشيخ : تقصد علم المعاني ، علمُ الْمَعَانِي له دلالات أخرى .

مداخلة : أما بالنسبة لاسم الفاعل لا يدل على الاستمرار والدوام .

الشيخ : في ماذا ؟

مداخلة : من جهة المعاني ، الفرقُ بين الصِّفَةِ الْمُشَّبَهَةِ ، واسم الفاعل ، واسم المفعول .

الشيخ : اسم الفاعل ، واسم المفعول يَدُلَّانِ على ثُبُوتِ الْحَدَثِ ، أو المصدر الذي في الكلمة ، مثل : الرَّحِيم ، الحدث أو المصدر الذي فيه هو الرَّحْمَةُ ، ليدل على ثبوتها ولزومها ، هذا من جهة البلاغة وعلم المعاني .

مداخلة : أما الصفة المشبهة فتدل على الثبوت .

الشيخ : من أين جاء الثبوت ، من المصدر لأنَّهُ حَدَثٌ تَجَرَّدَ عن الزمان ، فإذا أَدْخَلْتَ العمومَ في مصدر تَجَرَّدَ عن الزمان من حيث الْمَعْنَى فإنه يدل على الثبوت ، فإن المصدر مع الزمن يُفِيدُ الاستمرار .

مداخلة : ليس خاصًّا بزمن دون زمن .

الشيخ : لا نقول إنه خاص ، إذا قلت : خاص . أخرجته من علم المعاني .

مداخلة : ما هي عبارتهم ؟

الشيخ : أنا أُفسر لك بحسب لغتهم ، تقول مثلًا : الْحَدَثُ عندما يَتَجَرَّدُ عن الزمان ، ودخلت عليه ( ال ) يدل على ثُبُوتِهِ واسْتِقْرَارِهِ .

مداخلة : في جميع الأزمنة .

الشيخ : ثبوته واستقراره ، لأنك جَرَّدْتَهُ عن الزمن ، فهل الأمر واضح لك ؟

مداخلة : فهمت الآن .

الشيخ : لذلك في أسماء الله -جل وعلا- كلها اسم فاعل واسم مفعول ، السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، كلها اسم فاعل واسم مفعول ، لماذا ؟ لهذا المعنى وهو : الثبوت والاستقرار ، ولما فيها من الشمول في اسم الفاعل .

فأسماء الله المتعلقة بأحداث ، ليست صفات ذاتية ، مثل الوجه واليدين ، لكن أسماء الله المتعلقة بصفات السَّمِيعُ ، البَصِيرُ ، الرَّحِيمُ ، الوَدُودُ ، الْكَرِيمُ ، الْجَوَادُ ، الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ ، . . . إلى آخره .

مداخلة : لكن الرحمن ليس داخلًا فيها ؟

الشيخ : لماذا ؟

مداخلة : هل هو اسم فاعل أو اسم مفعول ؟

الشيخ : رحمن صيغة مبالغة ؛ لأن وزنها يدخل في فعلان ، وهي داخلة في صيغ المبالغة ، مثل : عَطْشَان غَضْبَان ، وأشباههما .

مداخلة : الركن من صيغ المبالغة ؟

الشيخ : لا ، نقول : تُلْحَقُ بصيغ المبالغة .

مداخلة : هم لم يقولوا : إن الرحمن باعتبار الصفة الذاتية ومنها الوجه ، بل قالوا : تعلقها بالصفة الذاتية ، والرحيم تعلقها بما شَمِلَتْهُ من رحمة ، أو تعلقها بالصفة الفعلية ، وكذلك منها : الوجه .

الشيخ : لا ، هذا من حيث التفريق الذي في التَّعَدِّي على أي أثر ، يعني : الذي قال هذا الكلام يريد أن الرحيمَ له أَثَرٌ ، وأما الرحمن فصفة ذاتية ، لكن هذا فيه نظر ، لا تساعده اللغة .

مداخلة : هل عند أهل السنة والجماعة في مسالة الأسماء وتعديها ، كل اسم له أثر ؟

الشيخ : من حيث اللغة ليس هناك دليل .

دَعْوَى ترك الكلام على الْفِرَقِ المخالفة

مداخلة : يا شيخ الله يحفظك ، بعض الإخوان الذين يُسَمَّوْنَ الوسطيين في مسألة العقيدة ، عندهم إضافات من السُّنَّةِ ومن الحنابلة بشكل خاص ، فيا شيخ -يحفظك الله- لو ترد عليهم فيما ترى ، جزاك الله خيرًا .

الشيخ : الأصل في الاعتقاد هو ما جاء في النَّصِّ من الكتاب والسُّنَّةِ ، أما التَّوَسُّعُ في مسائل الاعتقاد للحاجة فليس هو الأصل ، بل كان لِلْحَاجَةِ ، للدفاع عن أعظم شيء في الْمِلَّةِ وهو توحيد الله -جل وعلا- في رُبُوبِيَّتِهِ ، وأُلُوهِيَّتِهِ ، وأسمائه وصفاته ، فالتفصيل فيها ، والرَّدُّ على أهل الكلام ، وما أشبه ذلك لأنهم أحدثوا ، لذلك نَذْكُرُ لَكُمْ في هذا كلمة علي -رضي الله عنه- : العلم نقطة كثرها الجاهلون .

فهو قليل ، العقيدة ليست صعبة ، فهي سهلة قريبة ، لكن كَثُرَ التَّفْصِيلُ لأجل كثرة المخالفات ، فإذا انتهت الحاجة للتفصيل فالأصل أن تُقَرِّرَ العقيدة الإجمالية بدليلها بدون تفاصيل .

مثلًا لا يحسن أن تقول في مكان : وقالت الأشاعرة ، وقالت المعتزلة ، وذهب الكرامية في مسألة الكلام ، وتَجِيءُ بتفاصيل ، إذا كنت في مكان لا يستفيدون منه ؛ لأنه ليس من العلمِ النَّافِعِ الْمُتَعَلِّقِ بكل أحد ، وإنما هو نَافِعٌ إذا كان في وجهه الشرعي ، في الرَّدِّ على الخصوم ، في تعليمه لطلبة العلم المتقدمين كي يحملوا ذلك دفاعًا عن التَّوْحِيدِ ، وحق الله -جل وعلا- .

 أما آحاد الناس فلا يصح ، مثلًا : شيخ يُلْقِي درسًا في قناة فضائية ، فيقول : قالت الفرقة الفلانية ، وقالت الفرقة الفلانية ، هذا لا يَصِحُّ ، إنما يَذْكُرُ ما دَلَّ عليه النَّصُّ ولا يتجاوز ؛ لأن الأصل عندنا : أَمِرُّوهَا كما جاءت ، فلا يتجاوز القرآن والحديث .

فنحن هنا نتجاوز لحماية السُّنَّةِ ، وحماية التوحيد ، حِمَايَةِ الْمِلَّةِ ، والرد على المخالف ، وبقاء الْغَيْرَةِ على التوحيد ، وعلى السُّنَّةِ ، وعلى أسماء الله -جل وعلا- وصفاته ، ومسائل الإيمان ، ومسائل العقيدة جميعًا من انْتِحَالِ الْمُنْتَحِلِينَ ، وتأويل الجاهلين ، وتَحْرِيفِ الضَّالِّينَ .

 فلا بُدَّ أن يَبْقَى التفصيلُ والرَّدُّ على أهل الأهواء والبدع ، لكن ليس معنى ذلك أن نتحدث به في كُلِّ مكان ، أو أن تُعَلِّمَهُ عِيَالَكَ ، بل تُعَلِّمُ عيالك ما فيه صلاحهم ، وهو ما جاء في الكتاب والسُّنَّةِ ، الزائد يُعْطَى بِقَدْرِهِ ، فمع طلبة علم الذين يحملون هذا العلم ، وينافحون عنه ، هذا واجب .

مداخلة : هم يقولون -حفظك الله- : الذي نحتاجه أن نُوَحِّدَ المسلمين الآن ، ونجمعهم ، فلماذا نتكلم في هذه الأشياء في دروس العلم ، لماذا نتكلم عن المعتزلة ؟ فالواحد منا قد لا يقابل مُعْتَزَلِيًّا أبدًا ؟

الشيخ : لا ، المعتزلة موجودون ، الْمُعْتَزِلَةُ كأصول وتفريعات موجودة ، فأصولهم موجودة عند الشِّيعَةِ ، وعند الإبَاضِيَّةِ ، وعند الزيدية ، وموجودة عند معتزلة الأشاعرة ، عندما تقرأ كتب الزَّيْدِيَّةِ في العقائد تَجِدُهَا اعتزالا ، عندما تنظر في كتب الإباضية تجد أكثر مسائلها اعتزال ، مع أنهم ضد المعتزلة ، والشيعة كذلك هم خليط ، فبقاء فَهْمِ كَلَامِ المعتزلة والرَّدِّ عليه ، وفَهْمِ كَلَامِ خُصُومِ السُّنَّةِ والرد عليه واجب ، لأنه من أعظم الحماية لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ ، ولِحَقِّ الله -جل وعلا- .

صحيح أن هناك مبالغة حدثت ، مثل : تفصيلات ابن حامد وأبي يَعْلَى وغيرها ، لا نحتاجها ، تفصيلات الْعَضُدِ ، والسَّاقِ ، واللَّهَوَاتِ ، والسِّنِّ ، هذه ليس لها وجه ، لكن كانت التفصيلات في وقتها أداة للنِّكَايَةِ في الذين بالغوا في التأويل ، فبالغوا في الإثبات ، لكن هذا خلاف الصواب .

أنا مع الذين يقولون : لا تبالغ في ذلك .

إنَّ الذين يقولون : وَحِّدُوا الأمة ، وما يتعلق بهذا ، هؤلاء يريدون تَرْكَ التَّوْحِيدِ ، فهذا ضلال ، أو ترك الاهتمام به ، أو لا تتكلم في التوحيد ، تكلم في الأمور العامة ، في الكون والحياة والإنسان .

فالمبالغة في غير محلها خطأ ، والتساهل في غير محله خطأ أيضا ، التوسط هو الصواب في ذلك ، وهو طريقة أهل العلم ، إن العلماء الذين أدركناهم ، ومن آخرهم سماحة الشيخ عبد العزيز ، إذا جاء يُقَرِّرُ العقيدة لا يُقَرِّرُها بخلافيات ورُدُودٍ ، لأن هذه الطريقة لا تنفع الناس ، وإذا جاء موطن الحاجة قَرَّرَ ورَدَّ على المخالف في توضيحه لطلبة علم في درس ، ونحو ذلك ، وهذا واجب .

إتيان الكهان وتصديقهم

مداخلة : فضيلة الشيخ ، هل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الكفر المعرَّف بالألف واللام( [4] ) هو المخرج من الملة ، وإذا كان مُنَكَّرًا المقصود به الزجر عن ذلك ، هل يُطَبَّقُ على مثل قوله -صلى الله عليه وسلم- في إتيان الكهان وتَصْدِيقهم : «مَنْ أَتَى كَاهِنًا ، أَوْ عَرَّافًا ، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»( [5] ) ؟ فهل هو كفر مُخْرِجٌ من الملة ؟

الشيخ : أولًا : البحث فيها من الثلاث جهات التي ذكرت ، القول بأن الكفر إذا عُرفت بالألف واللام يُراد بها الكفر الْمُخْرِجُ من الملة ، هذا فيه نظر من جهتي اللغة ، ومن جهة الحقيقة الشرعية .

فالحقيقة اللغوية لا تساعد ؛ لأن الكفر مصدر ، و( ال ) الداخلة عليه لا تشمل أنواع الكفر ، فهو لا بُدَّ من تعريفه .

فشيخ الإسلام -رحمه الله- دخل إليه من أجل مسألة الصلاة ، حديث الصلاة : «بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ -أَوِ الشِّرْكِ- تَرْكُ الصَّلَاةِ»( [6] ) ، وفي قوله : «فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»( [7] ) في حديث بُرَيْدَةَ الذي في السُّنَنِ ، فجعل : «فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» كُفْرًا أكبر ، لأنه عَرَّفه في حديث جابر -رضي الله عنه- المتقدم عند مسلم : «الْكُفْر» ، وهذا التَّعْرِيفُ يَدُلُّ على أنه كُفْرٌ أَكْبَرُ بِضَمِيمَةِ قول عبد الله بن شَقِيقٍ : «كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ»( [8] ) ، لكن اللغة والحقيقة الشرعية لا تساعدان ، ولا توجد قرائن أخرى تدل على أن كلمة الكفر تدل على الكفر الأكبر ، هذا من جهة .

المسألة الثانية : حديث الكهان «مَنْ أَتَى كَاهِنًا ، أَوْ عَرَّافًا ، فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ» قال : «فَقَدْ كَفَرَ» ، فمسألة التعريف غير متحققة في ذلك .

والمسألة الثالثة : قد ذكرت لكم عدة مرات أن الصحيح فيها : أن إتيان الكاهن مع التصديق ليست كفرًا أكبر مخرجًا من الملة ، وذلك لسببين :

أولاً : لِلْشُبْهَةِ ، اشتباه أنه أخذها ، يعني : صَدَّقَهَا لا لادعاء الغيب ، يقول : لعله مما أخذه مسترقو السمع .

الثاني : أنه جاء في حديث بإسناد صحيح في مسند أحمد : «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»( [9] ) ، وعدم قُبُولِ الصلاةِ هذه المدة دليل على أنه لم يَخْرُجْ مِنَ الْمِلَّةِ لأنه لو خرج من الملة لم تُقْبَلْ له صلاة حتى يعود إلى  إسلامه ، وقد ذكرته في شرح كتاب التوحيد ، وهناك عدد من المشايخ المعاصرين يخالفون في هذا ، منهم الشيخ صالح الفوزان ، يرى أنها كفر أكبر .

والإمام أحمد له ثلاث روايات في المسألة ، رواية بالكفر الأكبر ، ورواية بالكفر الأصغر ، والرواية الثالثة بالتوقف ، قال : أقول كفر ولا أقول . لأنَّ المقصود منها الوعيد والتهديد .

مداخلة : وهل كان الكهان في زمن النبوة يأخذون إلا من مسترقي السمع ؟ لم يكونوا يَدَّعُونَ علم الغيب ، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ» وهم يعلمون أنه لا يأخذ علم الغيب إلا عن طريق مسترقي السمع .

الشيخ : لذا جاء في الحديث : «فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ»( [10] ) فيأخذ واحدة ويكذب مائة .

مداخلة : بعضهم يقولون : قوله : «قَدْ كَفَرَ» هذا دليل لمن يقول بعدم الكفر الأكبر ، وليس دليلًا للآخرين ؟

الشيخ : لماذا ؟

مداخلة : على تأصيل شيخ الإسلام في المسألة في الفرق بين الكفر المعرف بأل وغير المعرف ، فعلى هذا التأصيل قالوا : كل كفر . وهذا لا يُفْهَمُ من كلام شيخ الإسلام .

الشيخ : الذي فهمته من كلام السائل أنه يقول : إن الكهانة كفر أكبر ، فهو استدل بها على الخروج من الإسلام ، ومع ضميمة غير منضبطة مشوشة .

مداخلة : الظاهر أنه يَرُدُّ على كلام شيخ الإسلام في مسألة التصديق ، وأنتم بَيَّنْتُمْ أن كلام شيخ الإسلام غير منضبط إلا من الحقيقة اللغوية والشرعية .

الشيخ : أنا لم أقل : غير منضبط ، أنا لا أقول : كلام شيخ الإسلام غير منضبط . قلت فيه نظر من جهتين : من جهة الحقيقة اللغوية ، والحقيقة الشرعية .

مداخلة : يعني شيخ الإسلام لا يقول : إن هذه في الكفر الأكبر ، وهذه في الكفر الأصغر ، وإنما قال : وفرق بين الكفر الْمُعَرَّفِ بأل ، وبين الكفر الذي لم يُعرف ، فقط ، لم يقل : إنها فيصل بين الكفر الأكبر والكفر الأصغر .

الشيخ : لكن هو استدل بها على تكفير تارك الصلاة .

مداخلة : في نفس الموضع يكون الدليل له وجهه .

الشيخ : هو ذكرها في أكثر من موضع ، في ( كتاب الإيمان ) مرتين ، وفي ( الصارم المسلول ) ، وفي ( الفتاوى ) .

مداخلة : عبارته متقاربة جدًّا ، فيقول : فرق بين الكفر ، لكن ( ال ) في الكفر يا شيخ في الصلاة للعهدية أو للجنسية ؟

الشيخ : كيف ؟

مداخلة : العهد .

الشيخ : العهد يُسَمَّى العهد الذهني .

مداخلة : التفريق بين الغيب النسبي والمطلق ؟

الشيخ : وما تعريف الغيب ؟ ما هو الغيب النسبي ، وما هو الغيب المطلق ؟

مداخلة : الغيب الماضي الذي يعلمه بعض الناس دون بعض ، هذا الغيب النسبي ، والغيب المطلق هذا لا يعلمه إلا الله ، وأن الغيب النسبي الْمُصَدِّقُ به كفر أصغر ، والغيب المطلق المصدق به كفر أكبر .

الشيخ : تعني العراف والكاهن ؟ العراف الذي يستدل عليها ، والذي يُخْبِرُ عنِ الماضِي ، الذي يُخْبِرُ عن شيء وقع وانتهى ، هذا خرج من كونه غيبًا مختصًّا بالله ، ليس فيه كفر أكبر ، لا يستعين بالجن ليخبروه ، هذا كفر دون كفر ، إلا إذا انْضَمَّ إليه أشياء أخر ، فهذه قد تنقله إلى الكفر الأكبر .

مداخلة : بالنسبة لإتيان الكاهن أو العراف وسؤالهم في أي شبهة ، لكن يعلم أنه لن يستطيع أن يصل إلى هذه المعلومة إلا بالتقرب إلى الجن ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- صح عنه أنه قال : «الراضي بالذنب كفاعله»( [11] ) ، فمن هذه الجهة ألا يُحْكَمُ عليه بالشرك الأكبر لأجل هذا الحديث .

الشيخ : يعني : الذي أتى الكاهن .

مداخلة : الذي أتى الكاهن ، ويعلم أنه لن يصل إلى هذه المعلومة إلا إذا تقرب الكاهن إلى الجن .

الشيخ : لا ، هذا غير منضبط ، لأن الحدود تُدْرَأُ بالشبهات ، ومسائل التكفير تُدرأ بالشبهات ، ووجه الشبهة هنا : أنك لا تستطيع أن تقول عن هذا الذي سأل الكاهن أنه متيقن أن الكاهن أعطاه هذه المعلومة بناءً على تَقَرُّبِهِ لِلْجِنِّيِّ ليخبره بهذه المعلومة ، فالتكفير غير ظاهر فيها من هذه الجهة .

مداخلة : لكن النُّشْرَة -عفا الله عنك- تُقَرِّبُ النَّاشِرُ والْمُنْتَشِرُ ينطبق عليه الكفر .

الشيخ : المنتشر قد لا يتقرب إلى جني ؟

مداخلة : مثلًا الساحر .

الشيخ : قد لا يتقرب ، قد يعطيه مبلغ من المال وهو أُجْرُهُ .

مداخلة : كلام ابن القيم أنَّ تَقَرُّبَ الناشر والمنتشر إلى الشيطان حتى يكشف ما به( [12] ) .

الشيخ : هذا قد يحصل ، لكن لا يتعين إن المنتشر يتقرب إلى الشيطان ، وهذا هو الواقع اليوم ، فالذي يُذْكَرُ المالُ ، قال : أنا أَحُلُّ لك السحر وتُعْطِينِي ألفين ، ثلاثة آلاف ، فالذي يجيئهم لا يدري ما حقيقة المسألة ، لا يدري أنه ساحر .

ففي بلدان كثيرة مثل : المغرب ، واليمن ، وموريتانيا ، ومالي ، ووسط أفريقيا يُشِيعُونَ عند الناس أن هؤلاء السحرةِ أَوْلِيَاءُ ، وأنهم يستخدمون الملائكة في حَلِّ السحر ، فإذا سألت واحدًا منهم يقول : لا ، إنه يستخدم الملائكة . لا تجد أحدًا يقول إن هذا يستخدم الجن . فتكفير العوام بهذا فيها مجازفة .

الأسماء والصفات

مداخلة : ما هو الضابط الذي تَنْضَبِطُ به النصوص الشرعية في كون هذا النص مشتملًا على أسماءٍ وصفات أم لا ؟

الشيخ : يعني المشتمل على صفة ؟ إذا كان مُتَعَيِّنًا له لا احتمال فيه .

مداخلة : بالقرائن في السياق ؟

الشيخ : إذا لم يكن هناك احتمال آخر يكون من نصوص الصفات ، إما إذا كان هناك احتمال آخر لا يَتَعَيَّنُ القول بأنه من نصوص الصفات ، وأوضح مثال على ذلك قول الله -جل وعلا- : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة : الآية 115] .

مداخلة : يعني : النصوص المحتملة لا يقال : إنها من نصوص الصفات ؟

الشيخ : يعني : لا يقال إنها من نصوص الصفات قَطْعًا لورود الاحتمال ، لكن إذا اسْتُشْهِدَ بها مع تفسير صحيح قد يَصِحُّ ، ولذلك في المناظرة التي أُقيمت لابن تيمية على الواسطية مناظرة مشهورة ، قالوا له : إنه في آية أجمع السلف على أنها ليست من نصوص الصفات وفيها صفة ، قال ، تريد قول الله -جل وعلا- : {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة : الآية 115] ( [13] ) ، الوجه هنا ليس صفة الوجه ، بل المراد منه الْوِجْهَةَ وهو الْقِبْلَةُ ، وهو أصلًا ليس من نصوص الصفات حتى يُجْمِعُوا أنها خرجت ، فإذا عَرَضَ لها الاحتمال فلا يقال بالقطع ، مثل الساق في قوله تعالى : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} [سورة القلم : الآية 42] ، لو لم يَرِدْ حديث أبي سعيد كان إثباتُ السَّاقِ مُشْكِلٌ ، لكن حديث أبي سعيد الذي في البخاري في أحد الروايات ، وليس في كل رواياته ، في رواية واحدة منه ، أكثر رواياته : «فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ»( [14] ) وفي رواية واحدة فقط في البخاري ، وبعض العلماء تكلم في سندها مثل البيهقي وغيره ، لكن فيه : «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ»( [15] ) .

مداخلة : هل الْجَنْبُ في قوله تعالى : {عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ} [سورة الزمر : الآية 56] محتملة ؟

الشيخ : هذا محتمل ، مثل قوله تعالى : {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [سورة الفتح : الآية 10] يعني : لو لَمْ يَرِدْ في نصوص الصفات في إثبات اليد إلا هذه الآية كان إِثْبَاتُهَا فيه إشكال ، لذلك تَجِدُ أن السلف لما أرادوا إثبات صفة اليدين لم يستدلوا بهذه الآية ، بل استدلوا بالواضح الذي لا يَقْبَلُ احتمالًا وهو : {مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ} [سورة ص : الآية 75] فالصفة ، والتثنية والإلصاق السبـبي الذي هو بحرف الباء فيه قوةٍ تُبْعِدُ التأويل .

مداخلة : أحسن الله إليك ، هل يكون الاختلاف سائِغًا في الأشياء المحتملة ، وإن خالف فيها من خالف ؟

الشيخ : الاختلاف في الاستدلال .

مداخلة : أو كانت مما لم يرد فيه إلا هذا النص ؟

الشيخ : نعم ، بمعنى لو جاء في قوله تعالى : {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} وفَسَّرَهَا بِتَشْدِيدِ الْبَيْعَةِ والتَّحْذِيرِ من نَكْسِ الأمرِ ، لا نقول هذا مُؤَوِّلٌ ، ولو جاء في قوله تعالى : {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ} وقال : هَوْلُ يوم القيامة وشِدَّتِهِ ، لا نقول مُؤَوِّلٌ في هذا .

مداخلة : كيف نُفَرِّقُ بين النص المحكم والنص غير المحكم ؟

الشيخ : نُفَرِّقُ بِتَفَاسِيرِ السلف لها ، فننظر كيف فَسَّرَهَا السلف ، وَجْهُ الله اختلفوا في تفسيرها ، الساقُ أيضًا جاءت عدة أقوال في تفسيرها .

مداخلة : هذا مثل التفريق بين قوله تعالى : {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَالإِكْرَامِ} [سورة الرحمن : الآية 27] وبين قوله تعالى : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [سورة القصص : الآية 88] ، في الْأُولَى لم يُخْتَلَفْ فيها ، وفي الثانية اختلفوا ، فَمَنْ فَسَّرَهَا لم يُقَلْ له : مؤول .

الشيخ : صحيح ، يعني : لو لم يَرِدْ في إثبات الوجه إلا قوله تعالى : {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} صار مُحْتَمِلًا أن يكون معناها : إلا ما أُرِيدَ بِهِ وَجْهُهُ ، إلا ما أُخْلِصَ له فيه . هذا محتمل ، وقد فَسَّرَهَا السلف بذلك .

مداخلة : فضيلة الشيخ هل ثبت أن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في مسائل العقيدة ؟

الشيخ : لا ، أنا بحسب علمي لا أعرف أنهم اختلفوا في مسألة من مسائل العقيدة .

مداخلة : في العقيدة كذا على إطلاقها ؟

الشيخ : أعني : في مسائل التوحيد .

مداخلة : رؤية الله -عز وجل- هل يعتبرونها من مسائل العقيدة ، وهل كانت عَيَانًا أو في المنام ؟

الشيخ : الرؤيا ليست من مسائل العقيدة ، فرؤيةُ النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ليست وصفًا لله -عز وجل- .

مداخلة : كيف ؟

الشيخ : يعني : متعلقة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- .

مداخلة : هل يُرى في الدنيا أم لا ؟

الشيخ : ما أُلحق بالعقائد من مسائل لأجل مخالفة الفرق مثل : الصحابة ، وأمهات المؤمنين ، والرؤيا ، والأولياء ، صار فيها خلاف ، مثل : التَّرَضِّي عن جميع الصحابة فيه خلاف ، عن جميع أمهات المؤمنين فيه خلاف .

لكن مسائل الإيمان الستة : الرُّبُوبِيَّةُ ، الْأُلُوهِيَّةُ ، الصِّفَاتُ ، الإيمانُ بالملائكة ، بالرُّسُلِ ، بالكُتُبِ ، ليس فيها خلاف .

مداخلة : الاختلاف يا شيخ بين السلف ، لكن بين الصحابة -رضي الله عنهم أجمعين- أنفسهم لم يكن بينهم خلاف ، إنما أُلحقت فيما بعد .

الشيخ : موالاة جميع الصحابة فيها خلاف .

مداخلة : بالنسبة للإشكال في أن باب الأسماء أضيق من باب الصفات ، وباب الصفات أضيق من باب الأخبار هذا واضح ، أما أن نقول : إن باب الصفات أضيق من باب الأفعال ، تجد أن تقسيم الصفات إلى صفات ذاتية وصفات فعلية ، ولذلك نقول : إن من صفات الله -جل وعلا- المجيء ، وأخذنا هذه الصفة من فِعْلٍ ، ومن صفاته الإِتْيَانِ ، ومن صفاته النُّزُولِ ، وعندما نقول : إن باب الأفعال أوسع من باب الصفات ، فهذا يُحْدِثُ عندي إشكالا ، وحتى هذه العبارة لم أجدها عند ابن القيم -رحمه الله تعالى- أو من ذكر هذه القاعدة .

الشيخ : الذي ذكرها ابن القيم( [16] ) .

مداخلة : لكن بدون ذكر الأفعال .

الشيخ : معنى هذا الكلام أن التوقيف في الاسم ، يعني : الاسم أضيق شيء فلا بُدَّ أن يكون تَوْقِيفِيًّا مثل التعبير بالأسماء .

 إن الصفات أوسع من حيث التعبير عن الشيء بالصفة ، مثل قول السلف في صفات المجيء والإتيان إنها -أو قول ابن تيمية وغيره- صفات الحركة ، وقول عثمان بن سعيد : وأنه يتحرك إذا شاء الله -جل وعلا-( [17] ) ، من أين جاء بها ؟ والحركة هنا ويتحرك ، هذا من التوسع في اللفظ . فهذا في باب الصفة جائزٌ ، لكن لا يُشْتَقُّ من الصفة اسم ، لأن باب الأسماء ضيق .

هل كل فعل تأخذ منه صفة ؟ لا ، ممكن تُعبِّر بالأفعال مثل أن نقول : ويحكي الله -جل وعلا- ، ليس فيه دليل على أن الله يقال عنه إنه : حَكَى ويَحْكِي . لكن يَحْكِي هي نوع من السَّعَةِ في التعبير عن صفة الكلام ؛ لأن حَكَى بمعنى : تكلم ، استعملها ابن القيم ، واستعملها عدد من العلماء على أنها حكاية عن كذا ، وحكى في القرآن ، حكى الله -جل وعلا- قصة موسى ، أنا لا أختار استعمال حكى ؛ لأنه يُشبه قول الأشاعرة بأن القرآن حكاية عن كلام الله ، لأجل الاشتباه ، كما قال الله -جل وعلا- : {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا} [سورة البقرة : الآية 104] لكن صار فيه سعة .

فقول من قال : إن بابَ الأفعالِ أوسعُ ، ظاهر ؛ فلك أن تُعبِّرَ في باب الأفعال بما قاله هنا يتحرك ، ما في شيء اسمه متحرك ، لكنه اسْتُعْمِلَ ، في باب الصفات نقول مثلًا : الْمَكْرُ ، فهذه من باب التَّوَسُّعِ لكنها غيرُ صحيحةٍ ، لأنه لم يأت في الفعل إلا يمكر ، لم يأت مكر {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [سورة الأنفال : الآية 30] ، {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [سورة البقرة : الآيتان 14- 15] ، والكيد : {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا} [سورة الطارق : الآيتان 15- 16] هذه كلها فيها الفعل ، بعضهم عَبَّرَ بالصفة مع أن الصفةَ أَضْيَقُ من الأفعال لأنه هنا فيه إثبات الصفة في الفعل ، لكن باب التعبير يمكن يُعبِّر بأخرى لم تَرِدْ .

بعض السلف أو بعض الأئمة عبَّر في بعض الأسماء مثل : الدَّلِيل ، والْبُرْهَان ، وأشباه ذلك ، هذه لم تأت من حيث الصفة ، ولم تجيء من حيث الاسم ، ومع ذلك عبَّروا ، ومثل : الغِيَاث ، في قولهم : غياث المستغيثين . هذه كلها لم تأت ، من أين أتوا بها ؟ أتو بها من باب التوسع ، لكن الذي عليه الْعُمْدَةُ في هذا الباب أن باب الأسماء ضَيِّقٌ ، ليس فيه التعبير ، الصفات أوسع ، الأفعال يعني : يُعبر عن صفة لم تَرِدْ ، وقد ورد ما يماثلها ، أو ما يدل عليها .

مداخلة : هل لنا أن نقول : إن الأفعال قد يُشْتَقُّ من بعضها صفة ؟

الشيخ : ما هو الفعل ؟ الفعل زَمَنٌ ومَصْدَرٌ ، المصدر هذا هو الصفة ، تقول مثلًا : يَغْضَبُ أو غَضِبَ ، يغضب هو غَضَبٌ في الزمن الحاضر أو المستقبل ، غَضِبَ هو غَضَبٌ -هو الحدث- في الزمن الماضي ، فالفعل يمكر في قوله تعالى : {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [سورة الأنفال : الآية 30] فيه مكر في الزمن المستقبل ، فالْحَدَثُ هو الذي يُؤْخَذُ منه الصِّفَةُ ، لكن إذا جاء الفعل ولم تجيء الصفة فيجب الحذر ، لأن المراد بالفعل ما يُقَيَّدُ به مثل : يكيد ، ويمكر ، ويستهزئ ، وأشباه ذلك مقيدة بـ : المكر بحق ، والكيد بحق ، والاستهزاء بحق ، ونحو ذلك .

مداخلة : أحسن الله إليك ، بالنسبة للمكر ، المعنى الْكُلِّي المشترك في الصفات الأخرى ، هل هو موجود في هذا ، أو يقال : مكرُ اللهِ غَيْرُ مكرِ البشر ؟

الشيخ : هو غيره لا شك {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى : الآية 11] ، والأصل في هذا أن نقول : أَمِرُّوهَا كما جاءت ، لا ندخل في التفسير ، لكن عندما يقول أحدهم : والله تفسير المكر هو شيء آخر غير ما يُعْرَفُ في لغة العرب . نقول : لا ، المكر على ظاهره ، وهو معلوم في لغة العرب ، لكن لا نفعل مثل ما فعل الْحَلِيميُّ والْبَيْهَقِيُّ عندما فَسَّرُوا كل شيء بمقتضى اللغة بما يناسب البشر ، وبعد ذلك نَفَوْا .

مداخلة : المعنى الكلي المشترك الذي يقال في الصفات لا يقال في هذا ؟

الشيخ : لا ، نحن عندما نقول المعنى الكلي المشترك فإنما نقوله لإثبات الصفة والحذر من التأويل ، وليس لتفسير الصفة ، لأن الصفات الأصل فيها : أَمِرُّوهَا كما جاءت ، ولذلك الكلمة التي قالها الإمام أحمد وغيره : أمروها على ظاهرها ، آمنت بالله ، وما جاء عن الله ، على مراد الله . المقصود بها النهي عن الخوض في التفسير ؛ لأنه مهما فَسَّرْتَ شيئًا لم تدركه ، ما لم تره ، أو تر مثله ، أو تَرَ ما يقاس عليه ، لا بُدَّ أن تخطئ في التفسير ، لكن عندما يجيء واحد ويقول : الْكَيْدُ غيرُ مراد ؛ لأن الكيد في البشر هو كذا وكذا . نقول : أنت جعلت الكيد بما يناسب البشر ، والكيد معنى عام يَصْدُقُ على الْبَشَرِ ، والحيوان ، ويصدق على كل واحد بما يناسبه ، وكذلك السمع والبصر ، والقوة ، وكل الصفات .

فالإضافة التي ذكرها ابن تيمية في التدمرية أن الصفات كلية ، وأنها تختلف في الواقع بحسب الإضافة والتخصيص ، هذا هو معنى الكلام .

مداخلة : هل يُمكن أن تُفَسَّرَ ؟

الشيخ : الذي يَحُدُّ المعنى الكلي بالإضافة والتخصيص لم يكن إلا متناقضا أو مُقصِّرًا ، كيف يفسر السمع ؟ لا يفسرها إلا بإضافة وتخصيص ، يفسر القوة ، الإتيان ، خذ مثلًا المجيء ، جاء من بلد كذا لبلد كذا ، بأي شيء جاء ؟ مجيء بالسيارة ، على راحلة ، مجيء بطائرة ، والله -جل وعلا- يخلق ما لا تعلمون ، هذا في حياة البشر ، قد يكون مجيء في أشياء أخر ، كيف مجيء الرحمن -جل وعلا-  ؟ فما يُحَدُّ فيُبْقَى المعنى الكلي دون أن يخطر في الذهن الإضافة والتخصيص ؛ لأن الإضافة والتخصيص لم تنشأ عندك إلا برؤية المشابهة ، والمماثلة ، أو ما يُقاس عليه ، لهذا قال بعض السلف : ما خطر ببالك فالله بخلافه .( [18] ) لماذا ؟ لأن كل ما يَخْطُرُ ببالك هو من الواقع ، والله -جل وعلا- {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} .

مداخلة : ما الطريق إلى معرفة هذه المعاني الكلية ؟

الشيخ : لا تعرفها ، تُؤْمِنُ بها ، المعاني الكلية من حيث هي كلية موجودة في المعاجم ، لكن لا نَجْعَلُ هذا المعنى الكلي منطبقًا على الله -جل وعلا- ؛ لأن المعنى الْكُلِّي ذهني ، الإضافة والتخصيص تحتاج إلى رؤية وإلى قياس ، إلى شيء رأيته ، الله -جل وعلا- لا نعرف كيفية اتصافه بهذه الصفة ، ولا شمولية اتصافه بهذه الصفة ، يعني الله -جل وعلا- مُثْبَتٌ له الأصابع ، معنى الأصابع معروف ، لكن عندما تقول : معنى الأصابع معروف ، وتتخيل الأصابع التي في الإنسان ، إذا فعلت ذلك لم يَصْبِحِ الْمَعْنَى كُلِّيًّا ، بل جاءك التخصيص .

مداخلة : كيف يكون معروفًا دون أن أخصصه ؟

الشيخ : المعاني أصعبُ ما يكون ، لأن القدرة على تَصَوُّرِ المعنى الكلي بدون إضافة أو تخصيص يحتاج إلى قوة في اللغة ، وملكة بحيث لا يسيطر عليك المعنى المخصص ، وكل علماء الأشاعرة الذين خاضوا سيطر عليهم الْمَعْنَى المخصص ، المؤولة كلهم سيطر عليهم المعنى المخصص ، ولذلك نَفَوْا ، كما قال العلماء : إن كل من أول إنما شَبَّهَ ، لا بُدَّ أن يقع في قلبه التمثيل والتشبيه ثم أَوَّل ، أي لم ينفِ الشيء الكلي النفي لم يأت في ذهنه .

وهذه مسألة مهمة وعظيمة ، ولم تُبْسَطِ الْبَسْطَ الكافي ، ابن تيمية -رحمه الله- عرض لها في عدة مواضع ، ومن أحسن ما عرض له في ذلك : التدمرية على إيجاز فيها ، وفي رده على الرازي بطول ، وهو الذي أصَّل فيه المسألة تَأْصِيلًا طَيِّبًا جدًّا ، وإن شاء الله يُطبع قريبًا في المجمع .

مداخلة : قد يأتي إشكال يقول : كيف عُرِّفت هذه المعاني الكلية ؟ وهذا الإشكال غير وارد عندي .

الشيخ : اللغويون منهم -وهم الأكثر- من فَسَّرَ المعنى بالصفة الكلية ، أو فسَّر المعنى وفي ذهنه التخصيص ، ولذلك هو يفسرها بالإضافة ، لكن منهم من فسرها بالعموم ، ويوجد هذا وهذا ، ومن أحسن الكتب في هذا الباب هو كتاب أبي منصور الأزهري( [19] ) ( تهذيب اللغة ) ، فهو أفضل معجم في اللغة بلا منازع .

 أولًا : من جهة رَصَانَتِهِ ، وحسن استدلالاته ، واعتماده على كلام علماء اللغة المتقدمين ، والأزهري سليم الاعتقاد ، وهو مُضَمَّنٌ في ( لسان العرب ) ، لكن ( لسان العرب ) لم يورد كل ما فيه .

ثانيا : أحيانًا يورد كلامه مع كلام الجوهري( [20] ) في ( الصِّحَاحِ ) ، مع كلام ابن سِيدَهْ( [21] ) في ( الْمُحْكَمِ والمحيط الأعظم ) وفيها تأويلات ، لكن أبا منصور كلامه طيب .

مداخلة : هي مدركة في غالبها ، المعنى الكلي في كلماتها مدرك في الغالب ، خصوصًا إن كان يتكلم بلسان عربي ، فالغضب مُدْرَكٌ ، الْمَحَبَّةُ مدركة ، لكن تخصيصها هو الذي قد يحتاج إلى شيء ، لكن بعض المعاني هي التي يحتاج إلى أن يُراجع فيها بعض الكتب ، أليس كذلك  ؟

الشيخ : صحيح ، لكن التعبير عن الصفة صَعْبٌ .

مداخلة : لا شك في ذلك .

الشيخ : التعبير صعب جدًّا ؛ لأنك لا تَقْدِرُ على أن تُعبِّرَ عن الشيء كله .

مداخلة : أشكل على الإخوة إذا ما أَثْبَتْنَا المعاني الكلية كيف نأتي ونُثْبِتُ الصفة من دونها ، كأننا عندما نُقَرِّب ذلك فَوَّضْنَا ، ونحن نَهْرَبُ من هذا .

الشيخ : لذلك قال السلف : أَمِرُّوهَا كما جاءت ، لماذا قالوا هذه العبارة ؟ لأن الخوض فيه صعب ، لا في الكيف ، ولا الْمَعْنَى ؛ لأنه إذا خُضَّتَ في المعنى يأتيك التخصيص ويؤدي إلى التشبيه ، كل من أراد أن يؤول في المعنى لا بُدَّ أن يعود إلى التشبيه .

مداخلة : هل سيطبع كتاب ( نقض التأسيس ) قريبًا ؟

الشيخ : نعم ، وقد كَتَبْتُ مقدِّمَتُه هذه الأيام ، وأتوقع -إن شاء الله- أن يُطْبَعَ بعد الحج ، أو في شهر صفر ، وسيكون في ثمان مجلدات ، فقد كان رسائل وراجعناه .

مداخلة : هل ثبت عن شيخ الإسلام أنه قال عن الأشاعرة : إنهم أهل السنة بالمعنى الخاص ؟

الشيخ : لا أحفظ .

مداخلة : قال إذا لم يوجد في بلد إلا هم والمعتزلة وكذا وكذا ، فهم أهل السنة في ذاك الوقت . هذا قصده .

الشيخ : ليس هناك شك ، فالأشاعرة أقرب الطوائف إلينا ، ما بيننا وبينهم مشكلات كبيرة .

مداخلة : أحسن الله إليك ، هل يمكن رؤية الله منامًا ؟

الشيخ : لا ، يَرَى إِيمَانَهُ بالله ، يرى صورة تُمِثِّلُ إيمانه بالله ، فإذا كان إيمانه بالله حسنًا رأى صورةً حَسَنَةً ، يعني من جِهَةِ الإمكان ، ودل على الوقوع أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : «أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»( [22] ) ، وذلك لكمال إيمانه -عليه الصلاة والسلام- ، أما رؤيته على صورته الذاتية -جل وعلا- فلا ، فالله سبحانه {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار} [سورة الأنعام : الآية 103] وقد رَدَّ ابن تيمية على الرازي في مسألة الصورة في بحث كنت أعطيته للشيخ حمود التويجري في حياته وقال لي : أنا كتبت كتابا في حديث : «خُلِقَ آدمُ على صُورَةِ الرَّحْمَنِ»( [23] ) ، فقلت له : عندي مخطوط لابن تيمية في هذا الباب ، فقال : صَوِّرْهُ لي ، فأعطيته إياه ، وهو حوالي مائة صفحة ، وضعه كله في الرسالة .

مداخلة : أحسن الله إليكم ، أسماء الله الحسنى أيضًا دلت على وصف غير متعددٍ ، دل ذلك على إثبات الاسم وإثبات الصفة .

الشيخ : صحيح .

مداخلة : دون إثبات مقتضاه وحكمه ، هل للتمثيل باسم الحي ينضبط هذا ؟

الشيخ : لا ، لأن الحي هو مفيض ، أثره متعدي هو مفيض الحياة .

مداخلة : {يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [سورة الروم : الآية 19] .

الشيخ : كلها من آثاره ، كل الحياة من آثار حياته -جل وعلا- .

مداخلة : هل الحي غير المحيي ؟

الشيخ : من جهة الوصف أنه -جل وعلا- موصوف بالحياة لها أثر ، وكونه -سبحانه وتعالى- محيي لأن من صفاته اللازمة الذاتية صفة الحياة ، وابن القيم لما ذكر الجمال ، الله جميل ، وأقل رتبة من الحياة ، قال في النونية قال :

وَهُوَ الجَمِيلُ عَلَى الحَقِيقَةِ كَيْفَ لا   وجمَالُ سَائـِرِ هذهِ الأكْـوَانِ

مِنْ بَعْض آثَـارِ الجَمِيـلِ فَرَبُّهَا     أَوْلْى وَأجْدرُ عِنْدَ ذِي العِرْفَانِ

فَجَمَالُهُ بِالذَّاتِ والأوصَافِ وَالـ    أَفعَـالِ وَالأسْمَاءِ بالبُرهَـانِ

يقول : جمال سائر هذه الأكوان من بعد آثار الجميل ، أي : آثار اسم الله الجميل .

مداخلة : إن مما جعل التوحيد ينقص في قلوب العباد ويبدأ بالانقراض أمران : الأول : تفسير لا إله إلا الله الخاطئ ، والثاني : عدم التفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، وهذا يقول به الأشاعرة أليس كذلك ، بارك الله فيكم ؟

الشيخ : ماذا تقول الأشاعرة ؟

مداخلة : أخطأوا في تفسير لا إله إلا الله فَفُتِحَ على العباد باب الشرك ، وأيضًا بالنسبة للتفريق بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان نتج عن هذا التفسير ؟

الشيخ : نحن في باب الكرامات أوسع منهم ، هم أضيق من أهل السنة والجماعة في الكرامات ، والمعتزلة ينفون الكرامات والمعجزات جميعًا ، الأشاعرة أخف منهم ، أما  الصوفية حدِّث ولا حرج .

مداخلة : هل هذه العبارة صحيحة : أكبر مدخل على أهل التوحيد من هاتين الجهتين ؟

الشيخ : نعم صحيح .

مداخلة : هل تعرفون أحدًا قال بهذا يا شيخ ؟

الشيخ : أما الأول فمعروف ، الذي هو سبب الانحراف في كلمة الشرك ، لكن الفرقان يحتاج إلى مراجعة الكلام لا أذكر الآن .

أسباب إجابة الدعاء

مداخلة : ما الجمع بين كلام العلماء في أن إجابة الدعاء من مقتضيات الربوبية ، والشروط المتعلقة بالألوهية مثل : أكل الحلال ، وخُلُو القلب من الغفلة ؟

الشيخ : ما وجه التعارض ؟ أليست الألوهية متضمنة للربوبية ؟

مداخلة : لكن الربوبية أوسع ، مثل قوله -جل وعلا- : {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ} [سورة الإسراء : الآية 20] .

الشيخ : ما وجه الإشكال أنا لم أفهمه ؟

أنا أعطيك مقدمة ، إن الربوبية داخلةٌ في الألوهية ، فتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية ، وتوحيد الربوبية مُسْتَلْزِمٌ لتوحيد الألوهية ، لو كان العكس كان للإشكال وجه ، فالآن ما دام يدعو ، ونقول : إنه من آثار الربوبية ، فدعاؤه متضمن لإقراره بتوحيد الربوبية ، لدعائه بتوحيد الله -جل وعلا- ، فهو مُتَضَمِّنٌ للجهتين ، بالنسبة للمؤمن الذي اشترطت فيه هذه الشروط ، لكن بالنسبة للكافر الشروط غير واردة لأنه غيرُ مُوَحِّدٍ توحيد الإلهية ، فالكافر لا يُشترط فيه أن يكون طَيِّبَ الْمَطْعَمِ ولا غيره .

مداخلة : هل هذه الشروط للمؤمن فقط ؟

الشيخ : هي ليست شروطًا بمعنى كلمة شروط ؛ لأن الشرط يحتاج إلى دليل ، لكن نعبر عنه بـ : أسباب إجابة الدعاء .

مداخلة : مثل قوله -جل وعلا- : {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [سورة ص : الآية 82] فالدعاء من أفراد توحيد الربوبية ؟ فمن أَخَلَّ بالدعاء فدعا غير الله -سبحانه وتعالى- فقد أشرك في توحيد الألوهية والربوبية ؟

الشيخ : لم أفهم  ؟ إجابة الله لدعاء عبده هذا متعلق بتوحيد الربوبية ، أما الدعاء فتوحيد إلهية ، لكن إجابة الله للدعاء متعلق بالربوبية يعني : أنه يشمل الْبَرَّ والفاجر والكافر ، إبليس أُجيب دعاؤه ، والكافر إذا كان مضطرًا يُجَابُ ، إذا كان محتاجًا يجاب ، إذا كان في مصلحة لدنياه ولجأ إلى الله يجاب ، لذلك المشركون الآن يجاب دعاؤهم لأسباب ، الذي عند القبر يَدْعُو ويجاب دعاؤه ، ويظن أن صاحب القبر هو الذي أجابه ، لأجل أمر آخر .

مداخلة : لا يقال : إن للمؤمن مَيْزَةً أخرى ، مثل ما ورد في الحديث ، فيكون إجابة الدعاء أعم من إعطاء السؤال ، أم أن الكافر لا يحصل له ما يحصل للمؤمن من ادِّخَارٍ أو دفع السوء ، لذلك اشترط فيه هذا ؟

الشيخ : ماذا يُشترط فيها ؟

مداخلة : لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال : «فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»( [24] ) ؟

الشيخ : الاشتراط بعيد ، فكلمة الشرط معناها : إذا تخلف المشروط تخلفت الإجابة بعموم ، وهذا فيه نظر .

مداخلة : الواقع يخالف أن يقال : إنها شروط ، فهناك من يُجَابُ وقد يكون مطعمه حرامًا ؟

الشيخ : التعبير بالشرط مُحْدَثٌ في العلوم ، الشرط الذي يتخلف عن المشروط ما لا يلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم ، فتطبيقها على هذه الصورة صعب .

الفرق بين غُذِّي وغُذِي

مداخلة : هل هناك فرق بين غُذِّي وغُذِي ؟

الشيخ : ضَبَطَهَا في صحيح مسلم بالتَّخْفِيفِ ، ضُبِطَ المقروء في صحيح مسلم غُذِي ، أما غُذِّي -بالتشديد- ليست في صحيح مسلم ، قد يكون في رواية أخرى في السنن ، أو في غيرها لا أدري ( [25] ) ، وصحيح مسلم لم نقرأه ، وهو كتاب عظيم جدًا ، كما قال الشاعر :

تَنَازَعَ قَوْمٌ في البُخَارِي ومسلم      فقـالـوا أي هَذَيْـِن تُقَــدِّمُ

فقلتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً     كما فَاقَ مُسْلِم في حُسْنِ الصناعة

مسلم من حيث الصناعة والضبط فاق البخاري ، لأنه ليس له إلا راوٍ واحد ، وهو إبراهيم بن سفيان ، ولم يسمعه جميعه ، فَاتَهُ منه ثَلَاثُ مواضع طويلة ، وكان سماعه له متأخرًا ، ذكر ابن رُشيد في رحلته سنة وشهر سماع إبراهيم بن سفيان للصحيح ، وفواته .



( [1] ) الشوارد ص 151 .

( [2] ) تاريخ دمشق ( 38 / 17 ) .

( [3] ) راجع مغني اللبيب ( ص71 ) وما بعدها .

( [4] ) اقتضاء الصراط المستقيم ( ص 238 ) .

( [5] ) أخرجه أحمد ( 2 / 429 ، رقم 9532 ) .

( [6] ) أخرجه أحمد ( 3 / 370 ، رقم 15021 ) ، وأبو داود ( 4 / 219 ، رقم 4678 ) ، والترمذي ( 5 / 13 ، 2619 ) من حديث جابر ، وابن ماجه ( 1 / 342 ، رقم 1080 ) من حديث أنس .

( [7] ) أخرجه أحمد ( 5 / 346 ، رقم 22987 ) ، والترمذي ( 5 / 13 ، رقم 2621 ) ، وقال : حسن صحيح غريب . والنسائي ( 1 / 231 ، رقم 463 ) ، وابن ماجه ( 1 / 342 ، رقم 1079 ) .

( [8] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 14 ، رقم2622 )  .

( [9] ) أخرجه أحمد ( 4 / 68 ، رقم 16689 ) .

( [10] ) أخرجه البخاري ( 4 / 1736 ، رقم 4424 ) .

( [11] ) لم أجده .

( [12] ) إعلام الموقعين ( 4 / 301 ) .

( [13] ) مجموع الفتاوى ( 3 / 193 ) .

( [14] ) أخرجه البخاري ( 6 / 159 ، رقم 4919 ) .

( [15] ) أخرجه مسلم ( 1 / 168 ، رقم 183 ) .

( [16] ) انظر : مدارج السائلين ( 3 / 383 ) .

( [17] ) نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد ( 1 / 215 ) .

( [18] ) انظر : العقيدة رواية أبي بكر الخلال ( ص116 ) .

( [19] ) هو : العلامة أبو منصور, محمد بن أحمد بن الأَزْهَر بن طلحة الأزهري الْهَرَوِيُّ اللغوي الشافعي ، مات في ربيع الآخر سنة سبعين وثلاث مائة, عن ثمان وثمانين سنة . انظر ترجمته في سير أعلام النبلاء ( 12 / 328 ) ، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ( ص252 ) .

( [20] ) هو : إسماعيل بن حماد ، أبو نصر الجوهري ، كان من أعاجيب الزمان ذكاء وفطنة وعلما ، مات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة . انظر ترجمته في : تاريخ الإسلام ( 27 / 281 ) وفيات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة ، معجم الأدباء ( 2 / 656 )

( [21] ) هو : أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيده الأعمى اللغوي ، لا يعلم بالأندلس أشد اعتناء من هذا الرجل باللغة ، توفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة . انظر ترجمته في : المغرب في حلى المغرب ( 2 / 259 ) ، البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة ( ص 202 ) .

( [22] ) أخرجه أحمد ( 1 / 368 ، رقم 3484 ) ، والترمذي ( 5 / 367 ، رقم 3234 ) .

( [23] ) أخرجه الدارقطني في الصفات ( 1 / 36 ، رقم 48 ) وعبد الله بن أحمد في السنة ( 1 / 268 ، رقم 498 ) ، الطبراني ( 12 / 430 ، رقم 13580 ) .

( [24] ) أخرجه مسلم ( 2 / 703 ، رقم 1015 ) .

( [25] ) قال النووي في شرح مسلم ( 7 / 100 ) : هو بضم الغين وتخفيف الذال المكسورة .

شاركها مع أصدقاءك