بواسطة :
الزيارات : 2٬680 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

حرمة دماء أهل الذمة والمستأمنين

الخطبة الأولى :

الحمد لله ، يُحِقُّ الحقَّ ويُبْطِلُ الباطل ولو كرِه المجرمون ، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له في رُبُوبِيَّتِه ، ولا شريكَ له في أُلوهيته ، ولا شريكَ له في حُكْمِه وأمره ، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون . .

وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيُّه وخليله ، نشهد أنه بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ، ونصح الأُمَّة وجاهد في الله حق الجهاد ، وترَكنا بعده – عليه الصلاة والسلام – على بَيضاءَ من الطريق والسبيل ، ليلُها كنهارها ، لا يَزيغ عنها بعده – صلى الله عليه وسلم – إلا هالك ، فصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد كِفاء ما أرشد وعلَّم ، وكما أمرنا ربُّنا جل وعلا ، وعلى الآل والصَّحب أجمعين ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فيا أيها المؤمنون ، اتقوا الله حق التقوى . .

تحكيم الشريعة والتمكين في الأرض :

عباد الله ، إن الله – جل جلاله – فرض على العباد توحيده ، وفرض على العباد أن يوحدوه في الربوبية وفي الألوهية وفي الأسماء والصفات ، وأن يجعلوا شريعته هي الحاكمة في كل ما يختلفون فيه ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا ﴾ [ يوسف : 40 ] ، وبعث رُسُله – عليهم صلوات الله وسلامه – لتكون شريعته هي الحاكمة وحدَها ، ولتكون آياته المتلوَّة هي المنفَّذة وحدها ، والله – جل جلاله – وعَد عباده الذين آمنوا به ربًّا ، وبنبيه محمدٍ – صلى الله عليه وسلم – رسولًا نبيًّا ، وبدين الإسلام دينًا ؛ وعد من رضي ذلك بالأمن التام يوم القيامة ، وبالأمن في الدنيا ، قال جل وعلا : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [ الأنعام : 82 ] .

وهؤلاء الذين آمنوا ولم يَلْبِسُوا إيمانَهم بظُلم هم الذين حققوا شريعة الله – جل وعلا – بحسَب ما في وُسْعِهم من ذلك ؛ قال تعالى : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [ التغابن : 16 ] وهم الذين امتثلوا قول الحق جل وعلا : ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [ الحج : 41 ] ، فهؤلاء الذين وُعدو بالتمكين هم الذين أقاموا الصلاة وأمروا بها ، وآتوا الزكاة وجمعوها على وَفْق الشريعة ، وأمروا بالمعروف ، وأعلاه ورأسُه التوحيدُ ، ونَهَوْا عن المنكر ، وأرذلُه وأقبحُه الشِّركُ ، ولله عاقبةُ الأمور فيما يَفعل وفيما يختار .

في تطبيقِ الشريعةِ الأمنُ :

فالله – جل جلاله – وعد الأُمة التي آمنت وحققت توحيد الله بالأمن ؛ والأمن أنواع ؛ فأعظمه أمن الدين وأمن العقيدة وأمن التوحيد ، وألا يُعبد في أرض الله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وألا يُحكَم إلا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فهذا هو أعلى أنواع الأمن ، ألا وهو الأمن العَقَدي . . فالأُمَّة الإسلامية إذا حققت شريعة الإسلام وطبقت أحكامه فإن لها الأمن النفسي في الأرواح وفي الأموال وفي الذوات ، ولهذا أمر الله – جل وعلا – عباده أن يقيموا القصاص تامًّا ، وجعل إقامة القصاص حياة للمؤمنين ، بل للناس جميعًا ، قال جل وعلا : ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [ البقرة : 179 ] . قال العلماء : نَكَّر « حياة » هنا ولم يقل : « الحياة » ؛ لأنه بذلك تدخل جميع أنواع الحياة المستلذَّة السعيدة .

ولهذا أيضًا جعل الله – جل وعلا – مَن لم يحقق الأمن النفسي الذاتي في نفس واحدة فكأنه لم يحقق الأمن في الناس جميعًا ، قال جل وعلا : ﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [ المائدة : 32 ] ، فالذي يُحْيِي النفس بترك إزهاقها فكأنما أحيا الناس جميعًا ، والذي يُهْلِك النفس بغير حق وبفساد في الأرض فإنه كأنما أهلك الناس جميعًا ؛ لأن النفوس في المجتمع الذي يحكم بشريعة الإسلام تُعَد نفسًا واحدة ليست بمتعددة ؛ إذ حمايتها فرض على الجميع ، والْحَظْ هذا مع قول الله جل وعلا : ﴿ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [ الحجرات : 11 ] جعل لَمْزَ المسلم للمسلم وجعل الاعتداء عليه في عِرضه اعتداءً على النفس ذاتها ، إذن كان إهلاك النفس الواحدة إهلاكًا لجميع الأنفس ، وكان إحياء النفس الواحدة إحياءً للأنفس جميعًا .

قال المفسرون : هذا يشمل في دار الإسلام النفسَ المؤمنةَ الموحِّدةَ وكذلك مَن أعطَتْه النفسُ المؤمنةُ الموحدةُ الأمانَ من النفوس التي هي غير مؤمنة ، كأَنْفُس الذِّمِّيِّينَ وأنفس المستأمَنين والمعاهَدين .

فصار الأمر – أيها المؤمنون – أنه في دار الإسلام التي تحكم بشريعة الإسلام : إزهاق نفس واحدة كإزهاق الأنفس جميعًا ، لا فرق في ذلك ، وأن ترك إزهاق الأنفس بغير حق هو إحياء للناس جميعًا . قال طائفة من المفسرين : معنى الآية أن مَن أحيا نفسًا واحدة فقد أحيا الناس جميعًا يعني في الأجر ، فله بترك التعدي أجرُ ذلك فضلًا من الله ونعمةً ، ومَن أهلك نفسًا واحدة بغير حق فإن عليه وِزر إهلاك الأنفس جميعًا .

وتذكر هذا مع قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في وصف ولد آدم الذي قَتل أخاه بغير حق ، قال : « لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ »( [1] ) .

المسلمون مطالَبون بتحقيق الأمن :

أيها المؤمنون ، إن المسلمين مطالَبون بتحقيق أمر الله – جل وعلا – في دار الإسلام ؛ بأن يُؤَمِّنُوا أنفسهم وإخوانهم المسلمين من أنواع الاعتداء على الأنفس وعلى الأموال وعلى الأعراض ، وأن يُؤَمِّنُوا من أعطاه المؤمنون الأمان أو العهد ؛ إذ قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال في المؤمنين : « يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ »( [2] ) يعني من أعطى الأمان من المؤمنين لواحد ممن ليس من أهل الأمان من الكفار فإنه يجب على الأُمَّة أن تعطيَه الأمان لأجل أنه أُمِّن ، وبهذا يتحقق الأمن في الأُمة المسلمة ويتحقق وعد الله ويتحقق تطبيق شريعة الله جل وعلا .

من لم يحقق الأمن فهو محارب لله ورسوله :

لهذا كان من لم يحقق هذا النوع من الأمن في بلاد الإسلام وفي دار الإسلام التي تحكمها شريعة الإسلام ويحكمها وليّ الأمر المسلم ؛ كان من لم يحقق ذلك عند الفقهاء خارجًا عن شريعة الإسلام ومضادًّا لله ولرسوله ، يعني محاربًا لله ولرسوله ، قال جل وعلا : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا . . . ﴾ الآيةَ [ المائدة : 33 ] .

قال هنا جل وعلا : ﴿ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ قال العلماء من السلف والخلف : أي : يضادون أمر الله وأمر رسوله في تحقيق الحياة للأنفس جميعًا ؛ من أنفس المؤمنين وأنفس المعاهَدين والمستأمَنين . وجعل في ذلك الفقهاء حَدَّ الحِرَابة ، يعني حد المعارِضين لأمر الله وأمر رسوله بتحقيق الأمن في مجتمع الإسلام وفي دولة الإسلام التي تُحكَم بشريعة الإسلام ؛ إذِ « الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ »( [3] ) ؛ كما جاء في الحديث .

أيها المؤمنون ، نخلص من هذا إلى أن إزهاق نفس واحدة ؛ سواء نفس مسلمة أو نفس أعطاها المسلمُ الأمانَ بأن تكون من الأنفس المعاهَدة أو المستأمَنة ، أو من الذِّمِّيِّين في دار الإسلام ؛ بالاعتداء على الأموال ؛ أن في ذلك إخلالًا بأمر الله وبأمر رسوله ، ويكون الفاعل في طرف يقابل ويعارض أمر الله ، وأمر رسوله ، ويعارض شريعة الإسلام ، فيكون إذن محارِبًا لله ومحاربًا لرسوله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ يدخل في محاربة الله ومحاربة رسوله دخولًا أوليًّا أن تكون المحاربة بمعارضة مراد الله ومراد رسوله – صلى الله عليه وسلم – بتحقيق الأمن في الناس .

وقد ذكر أصحاب الصحاح من كتب الحديث قصة العُرَنِيِّينَ الذين أتوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة مسلمين ، وكانوا قد استوخموا المدينة وأصابهم فيها نوع مرض لِجَوِّها الذي لم يعتادوه ، فأمرهم النبي – صلى الله عليه وسلم – أن يَلحقوا بإبل الصدقة ، وكانت خارج المدينة ، وأمرهم – عليه الصلاة والسلام – بأن يشربوا من ألبانها ومن أبوالها ، فلما شرِبوا من ذلك واستصحوا وتعافَوْا قتلوا الراعيَ وسملوا عينه وساقوا الإبل ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر فئة من الأنصار أن تلحقهم ، فلما لحِقوهم أتَوا بهم واقتادوهم إلى المدينة ، فأمر بهم النبي – صلى الله عليه وسلم – أن تُقَطَّع أيديهم وأرجلُهم وأن تُسْمَلَ أعيُنهم بالحديد الساخن ، يعني أن تُخْرَق أعينهم ، وأن يُتركوا في الحَرَّة ، ولم يُحْسَمُوا من جَرَّاء القطع ، وتُركوا يستسقون فلا يُسقَون حتى هلكوا بعد مدة قضوها( [4] ) .

وقال أهل العلم : فيهم نزلت آية الحرابة هذه : ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [ المائدة : 33 ] .

قال العلماء : من قتل مؤمنًا أو مستأمَنًا غِيلةً – يعني وهو آمِنٌ – فإنه ليس لأحد أن يعفو عنه ؛ إذ الغيلة لا عفو فيها ، وإنما العفو أو جريان بعض الأحكام فيما إذا واجهه وقتله بعد نزاع ، أما أن يأتيه بمأمن منه ويقتله فإن ذلك خروج عن أمر الله وأمر رسوله ، وسَعْي في الأرض بالفساد ، وإعلان لمحاربة الله ورسوله في المراد من الشريعة بأن يشيع الأمن في دار الإسلام .

تفجير الخبر :

إذا تحقق ذلك وتأصل من جهة الشرع وفهِمناه وعلِمنا ما جاء في ذلك من الأحكام فنعود إلى ما حصل وعُلم من تلك الفِعلة القبيحة التي شابهت الفعلة التي قبلها ؛ فعلة التفجير الذي حصل في شرق هذه البلاد ، وإنها لفعلة زادت في السوء ومخالفة الشريعة ومحاربة الله ورسوله عن الفعلة التي فُعلت قبلها ، زادت في ذلك لأنها مع أنها اشتركت مع الأولى في قتل مستأمَنين ومعاهَدين دخلوا لهذه الأرض بأمان ولا بد أن نحقق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم : « مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا »( [5] ) تحقق ذلك وزاد عليه أنه حصل في ذلك اعتداء على نفوس مسلمة بقتل أو بجرح أو بإسالة دماء أو بترويع ، وهذا يظهر فيه بالإجماع أنه محاربة لله ولرسوله وسعي في الأرض بالفساد .

واجبنا تجاه هذه الأفعال الإجرامية :

إن محاربة هذه الأفعال واجبة على كل مسلم يخشى الله ، ولا يكون في صف الذين يحاربون الله ورسوله ؛ إذ العلم الشرعي ونصوص الكتاب والسنة ليس فيها حتى الشُّبَه التي تكون معها تلك الأفعال ليست محارَبة لله ولا لرسوله ، إلا أن يكون في ذلك من الشبه الشيطانية التي ليس لأصحابها عذر في الشريعة ؛ لأن العلم ظاهر ، ولأن الدلائل بينة .

وقد ساق أهل العلم فيما بعد تنفيذ حكم الله – جل وعلا – وحكم رسوله – صلى الله عليه وسلم – في المجرمين الذين فعلوا ما فعلوا في التفجير الذي كان في ( العليا ) ؛ ساقوا من الأدلة والبراهين التي من اطلع عليها انقطع عنه عذره وانقطعت عنه الشبه فيما إذا فُرض أن ثم شُبهًا ، والحقيقة أن كتاب الله – جل وعلا – يُتلى وأن سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – في هذه البلاد لا تخفى ، وأن كلام أهل العلم سار تَتْرًا يتابع بعضه بعضًا ، فأي شيء يبقى لهذا؟!

إن من الوجب علينا أن نكون مُتبرِّئين ممن يعارض الله ورسوله في تحقيق الأمن والأمان في دار الإسلام ، ومَن كان في قلبه شيءٌ من خلاف ذلك فليحذَرْ أن يموت وفي قلبه هذه المعارضة ، فيكون من جملة الذين أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – عنهم بقوله : « إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا ، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، فَأَقُولُ : إِنَّهُمْ مِنِّي . فَيُقَالُ : إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ . فَأَقُولُ : سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي »( [6] ) .

إن التبرؤ من هذه الفِعلة وممن فعلها واعتقاد جُرْمه فرض من الفرائض ، لا يُعْذَر مَن تركه أو مَن أبقى في قلبه شيئًا من التردد في تقبيح ذلك وفي اعتقاد محاربته لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم .

وإذا اجتمع هذا وجب على المؤمنين أن يكونوا يدًا واحدةً مع وُلاة أمرهم ؛ حتى يتحقق أمن الله الذي وعد به المؤمنين الذين يحققون الإيمان ، وإنه لن يتم ذلك إلا عندما نكون يدًا واحدة ، فالشريعة ظاهرة ، ودارنا دار إسلام ، والشريعة محكَّمة مهما عيَّب المُعَيِّبُون ، ومهما تردد الضالون ، ومهما شكك المشكِّكون ، فالحق ظاهر ، والتردد الذي يكون في بعض الأنفس ليس مَرَدُّه إلى خفاء الحق ، وإنما مرده إلى فتنة علِقت ببعض القلوب .

والنبي – صلى الله عليه وسلم – بيَّن لنا أن هذه الأُمَّة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة ، هذه شهادة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، قال : « كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً » . قال : « هِيَ الْجَمَاعَةُ »( [7] ) . وفي لفظ قال عليه الصلاة والسلام : « مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي »( [8] ) .

وإذا تأملت حال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحال المتابعين لهم من سلف الأمة ، وحال أئمة الإسلام ؛ وجدتهم قد دوَّنوا في عقائدهم ورسَّخوا الحق وبينوه حتى صار المخالِف لهم ضالًّا بإجماع أهل السنَّة ؛ لأن مَن لم يكن مع أهل السنَّة فهو مع أهل البِدَع والضلالة ، وهو إذن مع أهل الفِرَق الضالة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام : « كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً » .

أيها المؤمنون ، واجب علينا أن نكون مناصرين لله ولرسوله ﴿ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﴾ [ آل عمران : 52 ] ، وأنصار الله هم الذين يُناصِرون عقيدة الإسلام الصحيحة ، ويناصرون عقيدة الإسلام التي أقرَّها أئمَّة سَلَف هذه الأُمَّة وبيَّنُوها ، أنصار الله هم الذين يُضَادُّون الذين يحاربون الله ورسوله ، ويَسْعَوْنَ في الأرض فسادًا ، ومَن لم يكن على ذلك فليس من أنصار الله ؛ إذ نصرُ الله نصرٌ لشريعته بجملتها ، ونصر لأحكام الله ، ونصر للمقاصد العظيمة لشريعة الإسلام ؛ ومن مقاصد الشريعة العظيمة أن يتحقق الأمن والأمان للناس في دار الإسلام ، فيظهر بذلك حُسْن الإسلام وحسن مجتمع الإسلام وأثر تطبيق الشريعة وتحقيق التوحيد في الأمن والأمان .

إن المنافقين والمجرمين الذين يسعون في محاربة الله ورسوله وفي الإفساد في الأرض هم في الحقيقة أعدى أعداء الشريعة ؛ لأنهم يريدون بفعلهم أن يُظْهِروا الإسلام ودار الإسلام في صورة ليست على ما ينبغي من الأمن والأمان ، فيُشَكَّك بعدئذٍ في ولاية المسلمين ويشكك في حُسْن الشريعة ويشكك في حُسن العقيدة .

أسأل الله – جل وعلا – بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يَدْحَرَ المجرمين أينما كانوا . .

اللهمَّ مَن أرادنا وأراد وُلاة أمرنا وعلماءنا وسائر المسلمين من إخواننا بسوء اللهم فاجعَلْ كيدَه في نَحْره . .

اللهمَّ حقِّقْ به وعدَك الذي قلتَ ﴿ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ﴾ [ المائدة : 33 ] . .

اللهمَّ افْضَحْهُم يا كريم ، اللهمَّ أسرِعْ بإدراكهم فإنك على كل شيء قدير . .

اللهمَّ نَتَبَرَّأُ مِن كلِّ معارِضٍ لحُكْمِ الله وحكم رسوله ممن يسعَون في الأرض بالفساد . .

اللهمَّ إنا نَبْرَأُ إليك منهم ونَدْرَأُ بك في نُحُورهم ، فأنت وليُّنا ، لا حول لنا ولا قوة إلا بك . .

اللهم واجعلنا مع ولاة أمورنا من المتعاونين على البر والتقوى ومن المحقِّقين لمقاصد الشريعة الغراء يا أكرم الأكرمين .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [ العصر : 1 – 3 ] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه وتوبوا إليه ، إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا كما أَمر ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصَحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعدُ :

فإنَّ أحسنَ الحديث كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْيِ هديُ محمدِ بنِ عبد الله ، وشرَّ الأمور مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وعليكم بالجماعة ؛ فإن يد الله مع الجماعة ، وعليكم بلزوم تقوى الله ؛ فإن بالتقوى فَخَارَكم ورِفْعَتَكم عند مولاكم ، فاتقوا الله حقَّ تُقاته وعظِّموه في السر والعَلَن ، وابتغوا إليه الوسيلة ، واطلبوا حاجاتِكم منه جل وعلا ، فتلكم هي حقيقة التقوى .

أيها المؤمنون ، صلُّوا على نبيكم الكريم ؛ إذ أمركم الله – جل وعلا – بذلك فقال قولًا كريمًا : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [ الأحزاب : 56 ] .

اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِك على نبينا محمد وعلى آل نبينا محمد ، وعلى الصَّحب أجمعين ، اللهم وارضَ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء أئمة الهدى والدين : أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ ، وعن سائر الصحب والآل ومَن تبِعهم بإحسان ، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا ارحم الراحمين .

اللهم نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا ، اللهمَّ اجعلنا في أمنٍ وأمان وسلامة وإسلام يا أكرم الأكرمين ، اللهم أمِّنَّا في دُورنا ، ووفِّق وُلاة أُمُورنا ، اللهمَّ دُلَّهم على الرَّشاد واجعلنا وإياهم من أهل الهدى والسَّداد يا أكرمَ الأكرمين .

اللهم انصُر عِبادك الموحِّدين ، اللهم انصر الهُدى وأهله في كل مكان ، اللهم انصر المجاهدين الذين يجاهدون لتحقيق توحيدك وإقرار سنة نبيك صلى الله عليه وسلم ، يا أكرم الأكرمين .

اللهم نسألك أن ترفع عنا الربا والزنا وأسبابهما ، وأن تَدْفَعَ عنا الزلازل والمِحن وسُوء الفتن ؛ ما ظهر منها وما بطن ، اللهم ادفع عنا الفتن ، اللهم ادفع عنا أنواع ما يُخِلّ بالأمن بأنواعه ، يا أكرم الأكرمين .

اللهم اجعلنا آمنين في عقيدتنا وتوحيدنا وشريعتنا ، آمنين على أنفسنا ، آمنين على أعراضنا ، آمنين على نسلنا ، آمنين على عقولنا ، يا أرحم الراحمين .

اللهم اجعلنا من المتعاونين على تحقيق ما تحب وترضى يا أرحم الراحمين .

عِبادَ الرحمنِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكُم ، واشكروه على النِّعم يَزِدْكُم ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1213 ، رقم 3157 ) ، ومسلم ( 3 / 1303 ، رقم 1677 ) .

( [2] ) أخرجه أبو داود ( 3 / 80 ، رقم 2751 ) ، وابن ماجه ( 2 / 895 ، رقم 2685 ) .

( [3] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 17 ، رقم 2627 ) ، والنسائي ( 8 / 104 ، رقم 4995 ) .

( [4] ) أخرجه البخاري ( 6 / 2495 ، رقم 6417 ) ، ومسلم ( 3 / 1296 ، رقم 1671 )

( [5] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1155 ، رقم 2995 ) .

( [6] ) أخرجه البخاري ( 5 / 2406 ، رقم 6212 ) ، ومسلم ( 4 / 1793 ، رقم 2290 ) .

( [7] ) أخرجه الإمام أحمد ( 4 / 102 ، رقم 16979 ) .

( [8] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 26 ، رقم 2641 ) .

شاركها مع أصدقاءك