بواسطة :
الزيارات : 1٬134 مشاهدة
  • إسم الملف : اليوم الآخر
  • عدد الزيارات : 1٬134 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

اليوم الآخِر

الخطبة الأولى :

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، مَن يَهْدِهِ الله فلا مُضِلَّ له ، ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ له ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيُّه وخليلُه ، نشهد أنه بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ، ونصح الأُمَّة وكشف علينا من الدين الغُمَّة ، وجاهَدَ في الله حقَّ الجهاد ، ونشهد أنه لا خيرَ لنا إلا دَلَّنَا عليه ، ولا شرَّ لنا إلّا حذَّرنا منه ، فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد كِفاءَ ما أرشد وعلَّم ، وكِفاء ما هدى وأَلْهَمَ ، وكفاء ما جاهد في الله حقَّ الجهاد ، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ على نبيك ورسولك محمدٍ ما تتابع الليل والنهار .

أما بعدُ :

فيا أيها المؤمنون ، اتقوا الله حق التقوى . .

الإيمان باليوم الآخر :

عبادَ اللهِ ، يقول الله جل وعلا : ﴿ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ ( 68 ) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( 69 ) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [ الزمر : 68 – 70 ] .

في هذه الآيات ذِكرى للإيمان بيوم الله الآخِر ؛ للإيمان بيوم المَعاد ، الذي هو كائن لا مَحالةَ ؛ فإن الإيمان بيوم الله الآخِر رُكْنٌ من أركان الإيمان ، لا يصح إيمان عبدٍ حتى يَعلم ويَتَيَقَّنَ دون رَيْبٍ ولا تَرَدُّدٍ أنَّ ثَم يومًا يَرجع فيه الناس إلى الله ، فيُحاسب المحسِن والمسيء ، فيجازي المحسِن بإحسانه ، ويجازي المسيء بإساءته ، والله – جل جلاله – يقول : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [ الزمر : 69 ] ؛ حين أشرقت الأرض بنور الله – جل وعلا – وضع الله – جل وعلا – كتاب كل أحد الذي فيه أعمالُه ؛ الذي فيه ما عمِله من صالحٍ واتبع فيه رسوله صلى الله عليه وسلم ، وما عمِل فيه من طالحٍ خالَفَ فيه أمر الله – جل وعلا – وأمر رسوله .

يقول تعالى : ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا ( 13 ) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [ الإسراء : 13 ، 14 ] ، ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ﴾ يعني ما يطير عنه وما ينفصل عنه من عملٍ صالحٍ كان أو غيرَ صالحٍ ، فإنَّه مع المرء يُلازِمه حتى يخرج له يوم القيامة ويُخرَج له يوم القيامة كتابٌ يلقاه منشورا أمامَه ، فيُقَرِّرُه الله – جل وعلا – بما فيه من العمل : ألم تعمل يا عبدي يوم كذا ، كذا وكذا ؟ ألم تعمل يوم كذا ، كذا وكذا ؟ فيقرر الله – جل وعلا – عباده بما عمِلوا من خيرٍ ومن سُوءٍ ، فأما المؤمن فإنه يقر بذلك ، وهو يرجو عفو الله ، وأما الكافر أو المنافِق أو الفاسق فربما جادَلَ في ذلك ، والله – جل جلاله – يُقِيم عليهم الحُجَّة حتى يقول بعض أولئك المجادِلين : يا ربَّنا ، أنت الحكم العدل ، لا نَقبل علينا شهيدًا إلا من أنفسنا . فيُنْطِقُ الله – جل وعلا – جُلُودَهم وسَمْعَهم وأبصارَهم وجوارحَهم بما اكتسبوا ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 22 ) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ( 23 ) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ﴾ [ فصلت : 21 – 24 ] .

أحداث اليوم الآخر :

ففي ذلك اليوم تُنْشَر الكتب ، ويَعرِف المرءُ عَمَلَه فيكون فَرِحًا مسرورًا ، ويأخذ كتابه بيمينه ، ويكون الكافر أو الفاجر خائفًا وَجِلًا لا يدري ما يُصنع به ، وتُرفَع النارُ فيُساق إليها الكفارُ وِرْدًا ، يُساقون إليها فيَتَهَافَتُون فيها تَهَافُتَ الجَرَاد .

وأما أهل الإيمان فإنهم يتأخرون ، وكذلك الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيِّئًا ، فهم في أمر عَصيبٍ .

وتقام الظُّلْمَة دُونَ الجسر ، ويُنْصَبُ الصراط على الناس ، والأنبياء يقولون وهم على الصِّراط : «اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ ، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ»( [1] ) مِن شِدة ما يرون من الهول ، فكلٌّ لا يُهِمُّه إلا نفسُه .

فيأتي أهل الإيمان يمشون على الصراط بقَدْر أعمالهم ، ويَرَوْن الصراط ودونه الظُّلمة ؛ لأنهم يُعْطَوْنَ نُورًا ، فيَعْبُر بعض أهل الإيمان كالبرق سرعةً ، وبعضهم يعبر كالراكب بسرعةٍ ، وبعضهم يمشي مشيًا ، وبعضهم يحبو حَبْوًا ، والقلوب خائفة وَجِلة في أمرٍ عصيبٍ ؛ لأن بعده عذابًا سرمديًّا أو نعيمًا سرمديًّا .

والناس إذا عبروا على الصراط فمِن ناجٍ مُسَلَّمٍ ومن مُكَرْدَسٍ( [2] ) في النار ، فينقي الله أهل قلوب أهل الإيمان في النار – إذا لم يشأْ أن يغفر لهم – من الخَبَث ؛ لأن العاصيَ في قلبه خَبَثٌ لا بد أن يُطَهَّر ؛ وذلك إن لم يغفرِ الله له ذلك ويطهره بِمَنِّه وكرمه .

فتكون النار للكفار ، وتكون طبقتها العليا لأهل التوحيد يمكُثون فيها زمانًا طويلًا وهم في عذاب شديدٍ شديدٍ في يوم كان مقدارُه خمسين ألف سنةٍ ، حتى يَشْفَعَ الشُّفَعَاءُ ، وتبقى شفاعة ربِّ العالَمين إلى آخِرِ ما يَحصُل من ذلك .

وإذا جاوز أهل الإيمان القَنْطَرَةَ – جاوزوا الصراط – اجتمعوا دون الجنَّة ، فتأخَّرَ الأغنياء عن دخول الجنة بنصف يوم ، يعني بخمسمائة سنة ، ويدخل الفقراء الجنة أول الأمر ؛ لأن حقوق المال عظيمة ، ولأن حقوق ما آتى الله عِبَاده فيها أمر شديد وفيها حساب ، فيؤخَّر الأغنياء حتى يُعطَى الناس منهم حقوقَهم ، وعند ذلك يحصُل بلوغ المنازل لهم .

ثم يدخل أولئك الأغنياء الجنَّةَ بعد الفقراء بخمسمائة عام ، ﴿ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ الحج : 47 ] . ثم يدخل أهل الجنة الجنة ودرجاتهم متفاوِتة ، وإن منهم لَمَن يتراءى درجة إخوانه كما نرى اليوم الكوكب الدُّرِّيَّ الغابِرَ في السماء ، نرى بصيص نوره ولا نرى ما فيه ؛ لأجل شِدَّة ارتفاعه ، وإن من الناس من هم مع الأنبياء : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ( 69 ) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ﴾ [ النساء : 69 ، 70 ] .

أيها المؤمن ، لا بد من أن نَتَيَقَّنَ الإيمان باليوم الآخِر ، وما يَحْصُل فيه يجب أن يكون في قلوبنا من غير شك ولا مِرْيَةٍ ، فنرى الجنة أمامنا دائمًا ، لا تغيب عنَّا ، ونرى النار بهَوْلِها وعذابها وما فيها ، نراها دائمًا ولا تغيب عنا .

الإيمان باليوم الآخر يُثْمِر التقوى :

وهذه العقيدة وهذا الإيمان يُثْمِر في قلب المؤمن الرجاءَ في أن يكون من أهل الجنة ، فيَحْمِلُه رجاؤه على طاعة الله ، وعلى خوف الله ، وعلى أن يَتَنَكَّبَ أن يأتيَ ما لم يَأْذَنْ به الله جل وعلا ، فترى الذي يخاف الدار الآخرة مراقِبًا لنفسه ، فيأتي الواجباتِ مسرعًا مطيعًا ؛ من الصلاة والزكاة والصيام والحج ، وكذلك ما أمر الله به من أداء الأمانة ومن العدل في الناس ، وكذلك ما أمر الله – جل وعلا – به من أنواع الأوامر في التعامل مع النفس ومع الأهل وفي البيت ومع المسلمين ، ومع غير المسلمين .

إن لله في ذلك كله أوامر ، فيرى المؤمن أمامه الجنة والنار ، ويرى أمامه تَطَايُرَ الصُّحُف ، ويرى أمامه الميزان والصِّراط ، وذلك الهول بما سمِع في القرآن والسنَّة ، فيُلْزِم نفسه بتقوى الله .

والمؤمن الذي يعي ذلك يجد نفسَه عظيمًا عليها أن تخالفَ أمر الله جل وعلا ، فيرى نفسه عظيمًا عليها أن تخالف الحق أو أن تأتي بالباطل ، فهذا ما يولده الاعتقاد بالنار وبأنه يدخلها الكفارُ ، والعصاةُ إنْ لم يَغفِر الله لهم ، وذلك في حق غير التائبين إن لم يشأِ اللهُ مَغْفِرَتَه لهم ، فإنهم يُعَذَّبُون في النار ، وعذاب النار مَن يصبر عليه ؟! فيتذكر المؤمن أن من أولئك الذين يُعذَّبون من يقول الكلمة لا يُلْقِي لها بالًا ، فيهوي بها في النار سبعينَ خريفًا( [3] ) ، وتلقي المرأة بالكلمة لا تلقي لها بالًا تظن أنها سهلة ، وهي تهوي بها في النار سبعين خريفًا .

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَدْنُو مِنَ الْجَنَّةِ حَتَّى يَكُونَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قِيدَ ذِرَاعٍ فَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فَيَتَبَاعَدُ مِنْهَا أَبْعَدَ مِنْ صَنْعَاءَ»( [4] ) وهذا من شدة أثر الكلام ؛ لأنه نوع من أنواع ما يُحاسَب به العبد .

كذلك أعمال القلوب من الصالحات كالإيمان والتوكل والرَّغَب فيما عند الله وخشية الله ، والبكاء من خشية الله ، وكتعليق القلب بالله وبأوامره ، فهذا يُؤْجَر عليه المؤمنُ ، فيسعى في ذلك ، وتَعْظُمُ أعمالُ القلوب المحرمة من الكِبر وسُوء الظن بالمسلمين من غير حُجة ، وكذلك الإعجاب بالنفس وتزكية النفس ، ونحو ذلك من أعمال القلوب المحرمة .

وقد قال بعض أهل العلم : رُب طالحٍ كان أعظم عند الله من فاعل طاعة . قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : ذاك عمِل بمعصية فلم تزل في قلبه عظيمة يتعاظمها في حق الله حتى يغفر الله له ، وذالك صالح عمِل بطاعة فما زال يتعاظم فعلَه ويُعْجِبُه ذلك ، ويتكبر به ، ولا يَجِل من ربه حتى يُحبِطَ الله عملَه .

أيها المؤمن ؛ إن الأمر – لأنك مؤمن بالآخِرة – خطيرٌ ، والناس في غَفَلاتهم ، وأعظم ما يُعاقَب به القلب أن يكون غافلًا لا يتذكر الجنة ، ولا يتذكر النار ، ولا يتذكر اليوم الآخِر ، تَذَكَّرْ قولَ الله جل وعلا : ﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ [ الزمر : 69 ] ، يشهد النبيُّون والشهداء أنه قد أُقيمت الحُجَّة على عباد الله ، كما قال الله سبحانه : ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [ الأعراف : 6 ] .

يسأل الله – جل وعلا – المُرسَلين : هل أديتم ؟ هل بلغتم الأمانة ؟ فيقولون : يا رب ، اللَّهُمَّ بلَّغنا . ويسأل الذين أُرسلَ إليهم : هل بُلِّغْتم الأمانة ؟ وهل أتتكم رُسُلي فأعلمتْكم بما أمرتُ ونهيتُ ؟ فيقول الذين أُرسل إليهم : نعم يا رب بُلغنا . قال الله – جل وعلا – بعد ذلك : ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ الأعراف : 8 ] .

فيا أيها المؤمنون ، إن الذي تَثْقُل موازينُه هو المفلِح ، والذي تخِف موازينه هو الخاسر ، وأنت رقيبٌ على نفسك ، والدنيا لن تنفعنا إلا إذا كانت ميدانًا للطاعة ، وإن غدًا لناظِرِهِ قريبٌ ، إن يوم القيامة لناظره قريب ، وسيقول الناس يوم القيامة : ﴿ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ﴾ [ الأعراف : 44 ] ، سيرون ذلك حقًّا حقًّا .

والمؤمن يؤمن بذلك ، ولكن عليه أن يكون إيمانه بذلك قويًّا مُتَيَقِّنًا ، وأن يستحضر ذلك الإيمان ؛ فإن استحضاره دائمًا يقي المرء الهَلَكَة ، والهلكة ليست في الدنيا ، وإنما الهلكة الصحيحة في الآخِرة لِمَن خسِر وخَفَّتْ موازينُه ودخل النار ، قال جل وعلا : ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [ الزمر : 70 ] ، فكل الأنفس تُوَفَّى ما عمِلتْ ، فما عمِلت من خيرٍ فستُوفَّى ، وما عمِلت من شر فستوفى ، وسترى ذلك أمامك ، قال بعضُ السَّلف : يُعرَض على ابن آدم يوم القيامة ساعاتُ عُمُره ، فكلُّ ساعة تَمُرُّ بابنِ آدمَ لم يذكُر الله فيها تتقطَّعُ نفسه عليها حَسَراتٍ( [5] ) . وذلك أنه أمضى ساعات من عمره ليست في طاعة الله ، قال تعالى : ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾ .

فيُوَفَّى أهل الطاعة طاعاتهم ، ويُوفَّى أهل الإيمان درجاتِهم وأجورَهم ، وأما العُصاة فأيضًا سيُوَفَّوْن أُجُورَهم ، ويُعْطَوْن سيئاتهم ، ولا يظلِم ربُّك أحدًا ، فإذا كنت تُقِرُّ بذلك ، ولا شك في ذلك أبدًا ، فاعمل ليومٍ تريد أن ترى فيه ما يَسُرُّك ، وحذارِ من شهوةٍ تُعْقِبُك نَدَمًا دائمًا ، حذارِ من شهوةِ مالٍ أو من شهوة جاهٍ ، أو من شهوة دنيا ، أو من شهوة نساء ، أو من شهوة طمعٍ تُذْهِبُ عنك لذة اليقين ، وتذهب عنك الأجر في الآخرة ، بل وتَحمل عليك من الوزر ما لا تُطيقُه .

أيها المؤمن ، تذكر في كل حياتك قول الله جل جلاله : ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ [ الزمر : 70 ] حيث يُوفَّى كل أحد ما عمل ، ويُوفى أهل السنَّة أعمالهم ، ويوفى أهل البِدع أعمالهم ، ويوفى أهل الصلاح أعمالهم ، ويوفى أهل السُّوء عملهم ، والله – جل جلاله – حَكَمٌ عدل : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [ فصلت : 46 ] .

أسأل الله – جل جلاله – بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يُوقِظَنا من غفلتنا ، وأن يجعلنا من أتباع نبيه . . اللَّهُمَّ اجعلنا من الذين يَرَوْنَ الحق حقًّا فيتبعونه ، ومن الذين يرون الباطل باطلًا فيجتنبونه ، اللَّهُمَّ إنا ضِعافٌ فاحْمِلْنَا على طاعتك ، اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من كيد الشياطين علينا ، اللَّهُمَّ نعوذ بك وأنت المستعاذ به ، نعوذ بك من كيد الشياطين علينا ومن شر أنفسنا ، فلا تكِلنا لأنفسنا يا ربنا طَرْفَة عين .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ الزمر : 75 ] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ، ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله حقَّ حمده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، وصفيُّه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصَحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعدُ :

فإن أحسنَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْيِ هديُ محمدِ بنِ عبد الله ، وشرَّ الأمور مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ . . وعليكم بالجماعة ؛ فإن يد الله مع الجماعة ، وعليكم بلُزُوم تقوى الله ؛ فإن بالتقوى فَخَارَكم ورِفْعَتَكم يوم القيامة ، فاتَّقُوا الله حقَّ تُقَاتِه ، ولا تَمُوتُنَّ إلا وأنتم مسلمون .

واعلموا – رحِمني الله وإياكم – أن الله – جل جلاله – أمرنا بأمرٍ بدأ فيه بنفسه ، وثنَّى بملائكته ، فقال – جل وعلا – قولًا كريمًا : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [ الأحزاب : 56 ] .

اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارك على عبدك ورسولك محمدٍ صاحبِ الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارضَ اللَّهُمَّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء ، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون ، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين .

اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذِلَّ الشرك والمشركين ، واحمِ حَوْزَة الدين ، وانصر عبادك الموحِّدين ، اللَّهُمَّ انصر عبادك الذين يجاهدون لتكون كلمةُ الله هي العليا ، اللَّهُمَّ انصرهم وأيدهم بتأييدك ، وأمِدَّهم بمدد من عندك ؛ فإنك أنت القوي العزيز .

اللَّهُمَّ نسألك أن تُؤَمِّنَنا في دُورِنا ، وأن تُصْلِح أئمتنا ووُلاة أمورنا ، وأن تَدُلَّهم على الرشاد ، وتباعد بينهم وبين سبل أهل البغي والفساد يا أرحم الراحمين .

اللَّهُمَّ إنا نسألك أن ترفع عنا الربا والزنا وأسبابه ، وسوء الفتن ؛ ما ظهر منها وما بطن ، عن بلادنا هذه بخاصة وعن سائر بلاد المؤمنين بعامة ، يا أجود الأجودين .

اللَّهُمَّ إنا نسألك ألا تُمِيتَنا إلا وقد وفَّقْتنا لتوبة نصوح ، اللَّهُمَّ وفِّقنا لتوبة نصوح قبلَ الممات ، اللَّهُمَّ وفقنا لعملٍ صالح به ترضى عنا وأنت أجود الأجودين ، وأكرم الأكرمين ، لا تكِلنا لأنفسنا طرفة عين ؛ فإنه لا غنى لنا عن عافية الله ورحمة الله ، اللَّهُمَّ فعافنا ، نسألك العفو والعافية الدائمة في الدنيا والآخرة .

عِبادَ الرحمنِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكُم ، واشكروه على النِّعم يَزِدْكُم ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 1/ 277 ، رقم 773 ) ، ومسلم ( 1/ 163 ، رقم 182 ) .

( [2] ) المكردس : الذي جُمعت يداه ورجلاه وألقي إلى موضع . النهاية ( كردس ) .

( [3] ) أخرج الترمذي عن أبي هريرة –رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ» . ( 9/ 93 ، رقم 2484 ) .

( [4] ) أخرجه الإمام أحمد ( 4/ 64 ، رقم 16661 ) .

( [5] ) جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي ( 17/ 10 ) .

شاركها مع أصدقاءك