بواسطة :
الزيارات : 2٬304 مشاهدة

قال تعالى : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى أَزِفَتِ الآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا }[ سورة النجم : الآيات 56 – 62 ]

 

موضوع الآيات :

 

هذه الآيات فيها تَقْرِيرُ الرِّسَالَةِ ، وقُرْبُ الْقِيَامَةِ ، والعجب من الناس كيف لا يهتمون بأمر آخرتهم .

قوله – جل وعلا – : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى } معناه : أنه من جِنْسِ الْمُنْذِرِينَ الأَوَّلِينَ ، والنُذُرُ جمعُ نَذِيرٍ ، والنَّذِيرُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ من اسم الفاعل مُنْذِر ، لأن الْفِعْلَ أَنْذَرَ يُنْذِرُ ، فَهُو مُنْذِرٌ ونَذِيرٌ ، وكلمة الإنذار في اللغة تَعْنِي الإعلامَ بشيء يُخَافُ مِنْهُ ، وليس بَعْدَهُ مُهْلَة للتَّصْحِيحِ ، أو لَيْسَ بَعْدَهُ مهلة طويلة يمكن معها تدارك الأمر ، بل يجب تدارك الأمر فورًا ، فالْعَرَبُ لها في الإعلام ثلاث مراتب : إخبار ، وإشعار ، وإنذار .

فالإخبار : مَعَهُ السَّعَة .

والإشعار : فَوْقَهُ .

والإنذار : لِمَا قَرُبَ وقُوعُهُ .

هذا هو المشهور ، وبعض أهل اللغة قالوا : إن الإنذار يكون بعده مدة يسع فيها التصحيح ، واستدلوا عليه بقول الشاعر :

أنذَرْتُ عَمْرًا وهو في مَهَلٍ . . . قَبْلَ الصَّبَاحِ فقد عصى عَمْرُو

فجعل الإنذار بعده مدة يتمهل فيها حتى يَسْتَدْرِكَ ، والأنبياء نُذُرٌ وإنذار الأنبياء نوعان : إنذار عام ، وإنذار خاص .

فالإنذار العام : لجميع من أُرْسِلُوا إليه ، كُلٌّ حَسَب رسالته .

والإنذار الخاص : لِمَنِ انْتَفَعَ بإنذارهم ، حتى إنَّ الْمُنْتَفِعَ يُخَصُّ بالإِنْذَارِ وكأنه لم يُنْذَرْ غَيْرُهُ .

فمن الإنذار العام : قول الله – جل وعلا – : { نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ } [ سورة المدثر : الآية 36 ] ، وقوله تعالى : { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [ سورة يس : الآية 6 ] .

ومن الإنذار الخاص : قوله – جل وعلا – : { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ } [ سورة يس : الآية 11 ] وقوله تعالى : { إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ } [ سورة فاطر : الآية 18 ] ، ونحو ذلك مِمَّا فيه أن الْمُنْذِرَ هو الْمُنْتَفِعُ ، فلا فَرْقَ بين الآيات التي فيها الإنْذَارُ عَام والآيات التي فيها الْإِنْذِارُ خاص ، فإذا خُصَّ بالإنذار قوم في بعثة محمد – عليه الصلاة والسلام – فإنما لأنهم انْتَفَعُوا بذلك ، وإلا فنِذَارَتُهُ – عليه الصلاة والسلام – عَامة .

وقوله – جل وعلا – هنا : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى } يعني : من جِنْسِهِمْ أَنْذَرَ بما أَنْذَرُوا ، وخَوَّفَ ما خَوَّفُوا ، وحَذَّرَ ما حَذَّرُوا ، وأنتم أيها العرب الذين أرسل إليكم محمد – عليه الصلاة والسلام – فيمن أرسل إليه تُصَدِّقُونَ بالنُّذُرِ الأولى فما الفرق بين هذا النذير ومن قبله ، ولهذا قال : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى } في إقامة الحجة عليهم ، فأَنْتُمْ تُصَدِّقُونَ بالنُّذُرِ الأُولَى ، تُصَدِّقُونَ بموسى ، وعيسى ، وصالح ، ونوح ، وإبراهيم ، وتُنْسَبُونَ إلى إبراهيم ، وهذا نذير من جِنْسِهِمْ ، كما قال سبحانه آمرًا نَبِيَّهُ أن يقول لهم : { قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ } [ سورة الأحقاف : الآية 9 ] ، أي : لَسْتُ أَوَّلَ رسول يُرْسَلُ ولا أول نَذِيرٍ يُنْذِرُ حتى يَلْتَبِسَ الأمر عليكم ، بل سَبَقَنِي مُنْذِرُونَ ، ومُرْسَلُونَ صَدَّقْتُمْ بِهِمْ وتَفَاخَرْتُمْ ببعضهم .

الفوائد المستنبطة من قوله تعالى : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى }

 ففي قوله : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى } فوائد :

الأولى : إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عليهم ، وأنه ليس لديهم فَرْقٌ إلا الْهَوَى بين محمد – عليه الصلاة والسلام – وبين من أُرْسِلَ قَبْلَهُ من إخوانه المرسلين – عليهم صلوات الله وسلامه – .

الثانية : في الإشارة بالقريب في قوله : { هَذَا نَذِيرٌ } ما يُنَبِّهُ عن قُرْبِهِ – عليه الصلاة والسلام – من رَبِّهِ – جل وعلا – ، وأنه – عليه الصلاة والسلام – له المكانة العالية عند الله – جل وعلا – ، وعند المؤمنين ، وهذا من لَطَائِفِ المعاني التي يَقْتَضِيهَا عِلْمُ المعاني في البلاغة .

 قال تعالى : { أَزِفَتِ الآزِفَةُ } أَزِفَتْ يعني : اقتربت .

 الآزِفَةُ : القَرِيبَةُ التي اقتربت ، ففي قوله : { أَزِفَتِ الآزِفَةُ } تأكيد على قُرْبِهَا . يعني : اقتربت الْقَرِيبَةُ فهي قَرِيبَةٌ واقتربت ، وهذا له نظائر في القرآن كثيرة ، كقوله – جل وعلا – : { اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ } [ سورة القمر : الآية 1 ] ، وكقوله تعالى : { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } [ سورة النحل : الآية 1 ] ونحو ذلك .

إنَّ قُرْبَ الساعةِ يَقْتَضِي الْحَذَرَ ، والتعقيب على الإنذار بالاقتراب يُخَوِّفُ من الإنذار في قوله : { هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى } { أَزِفَتِ الآزِفَةُ } يعني : اقتربت القيامة التي فيها الحساب ، وهذا نذير ينذر القيامة ، فناسب مَجِيء ذكر قرب القيامة بعد الإنذار ، وهذا يناسب الْمَعْنَى للإنذار بأنه ليس بعده مدة طويلة ، ليَسْعَى مَعَهَا للتصحيح ، بل يجب أن يُسَارِعَ فيه كإسراع الذي ليس عليه لِبَاسٌ لو تأخر ، ولو لَبِسَ رُبَّمَا فات الأمر فخرج عُرْيَانًا من مَحَبَّتِهِ لقومه ، وخوفه عليهم ، ينذرهم بأس الله – جل وعلا – أو ينذرهم ويخوفهم مما يَرْهَبُونَ .

 قال تعالى : { لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ }

الكشف نوعان :

كَشْفٌ حِسِّيٌ ، وكَشْفٌ مَعْنَوِيٌّ .

أما الكشف الْحِسِّيُّ : فَهُو ككشفِ الشيء الْحِسِّيِّ الْمَلْمُوسِ ، الكشف عن الكتاب ، الكشف عن الْمُغَطَّى ، ونحو ذلك من الذوات .

وأما الكشف المعنوي : فهو الْكَشْفُ عن الْأَمْرِ ، ومعناه أنه انتهى إليه ، وعَلِمَ به ، والآية من الكشف المعنوي .

فَمَعْنَى الآية : لا أحدَ يَعْلَمُهَا إلا الله – جل وعلا – ، ولا أَحَدَ يَكْشِفُ أَمْرَهَا الْمُغَطَّى إلا الله – جل جلاله – ، كما قال سبحانه وتعالى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا } [ سورة النازعات : الآيات 42 – 44 ] ، وكما قال – جل وعلا – في آخر الأعراف : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا } [ سورة الأعراف : الآية 187 ] .

 فالساعة لا أَحَدَ يَعْلَمُهَا إلا الله – جل وعلا – ، لا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً ، والنْفَخُ فِي الصُّورِ كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : «لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا – يعني : حَافَّتَي العنق – ، وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ ، فَيَصْعَقُ ، وَيَصْعَقُ النَّاسُ»( [1] ) يعني : ما لَبِثَ أن سَمِعَ حَتَّى صُعِقَ ، فالساعة تأتي بغتة ، ولها أَشْرَاطٌ ، ولها علاماتٌ ، ولا تقوم إلا على شِرَارِ الْخَلْقِ .

ثم قال تعالى : { أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ } معنى الحديث في الآية : القرآن . فالقرآن حديث باعتبار أنه يُتَنَاقَلُ ، وحديثٌ باعتبار أنه أُنْزِلَ من الله – جل وعلا – حَدِيثًا كما قال – سبحانه وتعالى – : { مَا يَأتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ }[ سورة الأنبياء : الآيتان 2 – 3 ] ، وكما قال في آية الشعراء : { مَا يَأتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ } [ سورة الشعراء : الآية 5 ] ، فَهُو مُحْدَثٌ باعتبار أن نُزُولَهُ حديث ، وليس بقديم .

 فالاستفهام في قوله تعالى : { أَفَمِنْ هَذَا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ } للإنكار عليهم ، لأَنَّهُمْ عَجِبُوا من هذا الحديث ، والفاء بعد الهمزة للعطف على جملة محذوفة تقديره : أتُعْرِضُونَ عن هذا النَّذِيرِ ، ومن هذا الحديث تَعْجَبُونَ ، أو : أَتَشُكُّونَ في صِدْقِهِ .

ثم قال تعالى : { وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ } فيه دليل على عدم قُبُولِ الإنذار ، وأنهم لم يرفعوا بالإِنْذَارِ رَأْسًا ولم يَهْتَمُّوا له ، فَيَضْحَكُونَ ولا يَبْكُونَ ، وقد قال – عليه الصلاة والسلام – : «وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الفُرُشِ ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ»( [2] ) فمن علم حقيقة الأَمْرِ بَكَى ولم يضحك ، والضَّحِكُ وقت الإنذار دليل التَّكْذِيبِ ، والاستعداد مع الإنذار دليل التصديق .

وقوله تعالى : { وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ } يعني : حين إنزال القرآن ، أو حين سماعه ، أو حين الإنذار .

 قوله تعالى : { وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ } الواو حالية ، يعني : والحال أنكم سَامِدُونَ تُغَنُّونَ ، أو تُعْرِضُونَ ، أو تَتَكَبَّرُونَ ، كل هذه الأقوال متقاربة ، فإن الغِنَاءَ معه الإعراض ، والْإعْرَاضُ أَوْسَعُ ، والإعراض يؤدي إلى الْكِبْرِ ، فالأقوال هنا من باب اختلاف التَّنَوُّعِ واختلاف اللهجات .

فقولهم : السُّمُودُ هو الغناء بلغة حِمْيَر . سَمَدَ أي : غَنَّى . وقولهم : أَسْمِدْ لَنَا . أي : غَنِّ لنا . والسُّمُودُ بمعنى الإِعْرَاضِ .

قال – جل وعلا – : { فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا } وهذا أَمْرٌ بالسُّجُودِ له – جل وعلا – ، وعبادة الرب – جل وعلا – وَحْدَهُ دُونَمَا سَوَاهُ .

السُّجُودُ لُغَةً : الْخُضُوعُ ، وقد يكون بِحَرَكَةٍ وبَغَيْرِ حَرَكَةٍ ، فالسجود له معانٍ في لغة العرب :

السجود المعروف في الصلاة هذا غَايَةُ الذُّلِّ ، وغَايَةُ الْخُضُوعِ أن يجعل المسلم رأسه تَتَعَفَّرُ بالتُّرَابِ على الأرض خُضُوعًا لمن عَظَّمَهُ .

والركوع سجود أيضا ، قال تعالى : { ادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا } [ سورة البقرة : الآية 58 ] يعني : رَاكِعِينَ .

والسجود شَرْعًا : خُصَّ بالسجود المعروف ، ولا يدخل الركوع في السجود .

أما سجود الكائنات لله – جل وعلا – كقوله تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ } [ سورة النحل : الآية 49 ] وكقوله تعالى : { وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ } [ سورة الرعد : الآية 15 ] ونحو ذلك ، سجود الكائنات لله – جل وعلا – يكون باعتبارين : قد يكون سُجُودًا عن حركة مناسبة ، وقد يكون سجودًا بِخُضُوعٍ عام لله – جل وعلا – ، لهذا جاء في الصحيح أن النبي – عليه الصلاة والسلام – قال في الشمس : «إِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ العَرْشِ ، فَتَسْتَأْذِنَ فَيُؤْذَنُ لَهَا وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ ، فَلاَ يُقْبَلَ مِنْهَا ، وَتَسْتَأْذِنَ فَلاَ يُؤْذَنَ لَهَا يُقَالُ لَهَا : ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا»( [3] ) . فالشمس ، والقمر ، والكواكب ، والكائنات ، والشجر ، والجبال كلها تسجد لله – عز وجل – ، كما في قال تعالى في سورة الحج : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ } [ سورة الحج : الآية 18 ] .

هذا قول أهل السنة في سُجُودِ الكائنات ، والمتكلمون كالمعتزلة والأشاعرة في تفاسيرهم يجعلون السجود ظهورَ آثارِ الصَّنْعَةِ في هذه الكائنات, أي : هذه الكائنات تدل على ربها – جل وعلا – وعلى خلقه لها ، وعلى أنها آية .

وأما أهل السنة فَهُمْ يؤمنون بالأخبار على ظاهرها ، وعلى ظاهر ما دلت عليه اللغة ، ففي الكائنات تستعمل الحقيقة اللغوية ، فلهذا نقول : سجود الكائنات لله – جل وعلا – بمعنى غاية الخضوع ، مع غاية الذُّلِّ لله – جل وعلا – ، كما قال تعالى : { ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ سورة فصلت : الآية 11 ] .

وسجود الكائنات يكون بالحركة كما في حديث الشمس السابق .

وفي هذه الآية مسائل :

المسألة الأولى : ذكر الحافظ ابن كثير – رحمه الله – حديث سجود الجن والإنس والمشركين والمسلمين وهو : «قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِمَكَّةَ سُورَةَ النَّجْمِ فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَنْ عِنْدَهُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي ، وَأَبَيْتُ أَنْ أَسْجُدَ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ الْمُطَّلِبُ وَكَانَ بَعْدُ لَا يَسْمَعُ أَحَدًا قَرَأَهَا إِلَّا سَجَدَ»( [4] ) ، وهذا الحديث ضَعَّفَهُ طائفة من أهل العلم بما جاء في حديث البخاري : «أَنَّهُ قَرَأَ وَالنَّجْمِ ، فَسَجَدَ بِهَا ، وَسَجَدَ مَنْ مَعَهُ ، غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ فَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود – رضي الله عنه – : فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا( [5] ) .

 وقد يُحْمَلُ على التَّعَدُّدِ لأن الذي قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ رَفَعَ كَفًّا من تراب إليه ، وهذا أيضا أخبر عن نَفْسِهِ ، وهو أَوْلَى من تَضْعِيفِ المتن بالمعارضة ، فيبقى البحث في قوة إسناد حديث المطلب بن حنظل .

المسألة الثانية : في هذا الموضع يذكر طائفة من أهل العلم قِصَّةَ الغَرَانِيقِ المشهورة وهي : أَن النَّبِي – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ بِمَكَّة فَقَرَأَ سُورَة النَّجْم حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْله تَعَالَى : { أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } أَلْقَى الشَّيْطَانُ عِنْدَهَا كلماتٌ حِينَ ذَكَرَ اللهُ – عز وجل – آخر الطواغيت فقال :« وإِنَّهُنَّ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى ، وإن شَفَاعَتَهُنَّ لهي التي تُرْتَجَى» وكان ذلك من سَجْعِ الشيطان وفِتْنَتَهِ ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مُشْرِكٍ بمكة ، وزَلَّتْ بها ألسنتهم وتَبَاشَرُوا بها ، وقالوا : إن محمدًا قَدْ رَجَعَ إلى دينه الأول ودين قومه .( [6] )

وهذه القصة أكثر العلماء على ثبوتها من جهة الإسناد ، وعلى أنها لا غَرَابَةَ فيها من جهة المتن .

أما من جهة الإسناد فالبحث فيها يطول ، فقد رُوِيَتْ من أوجه مرسلة متعددة صحيحة إلى التابعي الذي أرسل ، وقد اسْتَفَاضَ فيها الحافظ ابن حجر ، في شرحه للبخاري( [7] ) ، ورد على من تَجَرَّأَ فأنكرها ، وهو أبو بكر ابن العربي ، فقال : “وقد تَجَرَّأَ أبو بكر ابن العربي كعادته فأبطل هذه القصة” ، ثم ذكر الأسانيد وقال : “لكن كَثْرَة الطُّرُقِ تدل على أن للقصة أصلا” ثم قال : “وهي مراسيل يُحَتَجُّ بمثلها من يَحْتَجُّ بالمرسل ، وكذا من لا يحتج به لاعْتِضَادِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ” اهـ .

ومن المتقرر عند علماء الحديث أن المرسل إذا عَضَّدَهُ مرسل فإنه يَقْوَى ، كما نص عليه الشافعي في الرسالة( [8] ) ، وأن الْمُرْسَلَ إذا تعددت طُرُقُهُ فإنه يكون حَسَنًا ، وهذا من جهة الإسناد ، وفيها بحث ليس المقام مناسبًا لتفصيل الكلام فيه .

أما من جهة المتن فالمتن ليس فيه غَرَابَةٌ ، فإن إلقاء الشيطان هذه الكلمات على لسان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – جِنْسُهُ جاء في القرآن ، في قوله تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى } [ سورة الحج : الآية 52 ] تَمَنَّى يعني : تَلَا وقرأ : { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } يعني : في تلاوته ، فالْأُمْنِيَةُ هي التلاوة والقراءة ، يعني : ألقى كلاما في أمنيته { فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِه } ، فكل رسول ، وكل نَبِيٍّ ابْتُلِيَ بذلك ، والشيطان ألقى في أمنيته ، ومعلوم أن إلقاء الشيطان في التلاوة قد يكون بأحد أمرين :

الأول : صَوْتُ الشيطان ، أو بأي صوت ، فإذا كان بصوت الشيطان فإنه سيعرف أنه ليس مما يُتْلَى ، وليس من كلام النبي ، وهذا غير وارد لأنه لا يحصل به الابتلاء .

والثاني : أن يكون بصوت النبي ، وهو الذي جاء في قصة الغَرَانِيقِ في قوله : { أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ } على لِسَانِهِ يَعْنِي : بصوته ، فَقَلَّدَ صوتَ النبي – عليه الصلاة والسلام – وذلك على ظاهر قوله تعالى : { إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ * فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِه } .

 فهذه القصة يوردوها العلماء في التفسير ، وفي كتب الحديث ، وفي شروحه ، وليس فيها من جهة المتن ما يدعو إلى إبطالها ، وليس فيها ما يُضَادُّ التوحيد ، ولا ما ينافي عصمة النبوة ، نعم في بعض طرقها الواهية ما هو مُنْكَرٌ ، لكنَّ الْقَدْرَ الذي ذكرته ثابت من أوجه مرسلة يُعَضِّدُ بعضها بعض .

فعند ذكر هذه القصة ينبغي على طالب العلم عموما فيما يسمع ، أو يقرأ أن لا يبادر بالاعتراض على أهل العلم الراسخين فيه ، فيما يُقَرِّرُونَ أو يقبلون من الروايات ، بل يجب عليه أن يَتَمَهَّلَ ، وأن يطالع ، وألَّا يعجل بالإنكار ، بل يتأنى ويتأنى حتى يَسْتَبِينَ له وجه كلام أهل العلم خاصة إذا كانوا من أئمة السُّنَّةِ والراسخين في العلم المقْتَدَى بهم ، لأن الله – جل وعلا – يقول : { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } [ سورة يوسف : الآية 76 ] ، فَطَالِبُ العلم قَدْ تُشْكِلُ عليه المسألة ، وقد يَسْتَغْرِبُ من صَنِيعِ بعض أهل العلم ، لأن معرفة الإشكال عِلْمٌ ، وكشف الإشكال عِلْمٌ آخر كما قال القرافي في الفروق ، لما ذكر في قاعدة الكبائر والصغائر ، وتعريف الكبيرة والصغيرة وأورد إشكالا ، قال : “فَحَظِّي مِنْهُ مَعْرِفَةُ إشْكَالِهِ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْإِشْكَالِ عِلْمٌ فِي نَفْسِهِ”( [9] ) وهذا صحيح لأن لا يستشكل إلا طالب علم ، ومعلوم أن الشريعة سواء مما جاء في الكتاب والسنة أو في كلام أهل العلم فيها ما يُشْكِلُ ، لكن ما يُشْكِلُ يُكْشَفُ عنه ، وإذا أشكل فلا يلزم أن يكشف عنه في ساعة ، أو يوم ، أو يومين ، أو شهر ، أو سنة ، فقد بَقِيَتْ بعض المسائل عند طائفة من أهل العلم سنين عددًا ، ولم تكشف لهم حتى استبان لهم ، ففي موضع قال الحافظ ابن حجر فيه : “وبقيت هذه في نفسي ثلاثين سنة حتى أزال الله الإشكال”( [10] ) وهذا حسن أن يكون طالب العلم مُتَأَنِّيًا غيرَ عجل في مسائل العلم ، أو في انتقاد أهل العلم .

الأسئلة

س : مَنْ مِنْ أهل العلم من صحح هذه القصة غير الحافظ ابن حجر ؟

ج : لماذا تُرِيدُ غَيْرَ الحافظ ، لا هِجْرَةَ بعد الفتحِ ، إن الحافظ إذا بحث المسألة وكانت حديثية ، فهو حُجَّةٌ .

س : ما قولكم فيما ذكره الشيخ الأمين الشنقيطي في ( أضواء البيان )( [11] ) في هذه المسألة ؟

ج : إننا لم نقل إن أبا بكر ابن العربي فقط هو الذي تكلم في المسألة فقط ، بل ذكرنا أن الحافظ ابن حجر قال عن إنكار أبي بكر بن العربي ما قال ، فالمصطلح ، والحديث ، والتخريج ، والتصحيح والتضعيف فَنُّهُ ، أما الشيح الشنقيطي – رحمه الله – تعالى فليس فَنُّهُ الحديث ولا الرواية ، وإنما فَنُّهُ التفسير واللغة والأصول ، يعني : علوم الألة ما عدا مصطلح الحديث والتخريج والرجال ، إذا عَرَضَ للرجال فهو يَعْرِضُهَا من جهة المطالعة لا من جهة الْمَلَكَةِ ، أمَّا الحافظُ ابن حجر فيعرض من جهةِ الْمَلَكَةِ .

 فحينما ننظر في ( التقريب ) نجد أن الحافظ يأتي في رجال ويقول عنهم : ثقة ، وترجع إلى التهذيب تَجِدُ أنه لم يُوَثِّقْهُ إلا ابن حِبَّان مثلا ، أو ابن شاهين ، ممن يوثق المجاهيل ، وفي آخر نجده يقول : ضعيف ، ولم يوثقه إلا ابن حبان ، وفي ثالث نجده يقول : مقبول ، أي : لم يضعفه أحد ، إنما جاء في ترجمته في التهذيب توثيق ابن حبان ، وفي ثالث نجد أنه قال : مقبول أيضا في ترجمته ، لم يوثقه إلا ابن حبان ، فالحافظ في علوم الحديث ، ليس قارِئًا ولا مفتشا ، بل هو يستحضر الروايات ، وينظر بنظر أهل العلم الراسخين فيه ، على العموم من نَحَى مَنْحَى الحافظ ابن حجر قد أوى إلى ركن وثيق .



( [1] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2258 ، رقم : 2940 ) .

( [2] ) أخرجه البخاري ( 1 / 354 ، رقم 997 ) ، ومسلم ( 2 / 618 ، رقم 901 ) .

( [3] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1170 ، رقم 3027 ) ، ومسلم ( 1 / 139 ، رقم 159 ) .

( [4] ) أخرجه أحمد ( 4 / 215 ، رقم 17924 ) ، والنسائي ( 2 / 160 ، رقم 958 ) .

( [5] ) أخرجه البخاري ( 5 / 75 ، رقم 3972 ) ، ومسلم ( 1 / 405 ، رقم 576 ) .

( [6] ) أخرجه الطبراني ( 12 / 53 ، رقم 12480 ) ، والبيهقي في دلائل النبوة ( 2 / 175 ، رقم 591 ) .

( [7] ) فتح الباري ( 8 / 439 ) .

( [8] ) ( 1 / 467 ) وما بعدها .

( [9] ) الفروق ( 1 / 121 ) .

( [10] ) لم أجده .

( [11] ) أضواء البيان ( 5 / 286 ) .

شاركها مع أصدقاءك