بواسطة :
الزيارات : 2٬143 مشاهدة

قال الله تعالى :{ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى } [ سورة النجم : الآيات 43 – 55 ]

الْحَمْدُ لله ، والصَّلَاةُ والسَّلامُ على رسول الله ، وعلى آله وصَحْبِهِ ، ومن اهْتَدَى بهداه ، أما بعد :

فأسأل الله – جل وعلا – أنْ يَنْفَعَنَا بما نَعْلَمُ ، وأنْ يُوَفِّقَنَا لما يُحِبُّ ويَرْضَى .

موضوع الآيات :

إنَّ هذه الآيات اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ الْمَبْدَإِ والْمَعَادِ ، وعلى إِفْرَادِ رُبُوبِيِّةِ الله – جل وعلا – ، فإن الله سبحانه هو الذي بَدَأَ الْخَلْقَ ، وهو الذي يُعِيدُهُ ، وهو الذي تَفَرَّدَ بالخلق ، وهو الذي مَنَّ على المخلوقات بحفظها ، والْقَوَامَةِ عليها ، ومَنَّ على الإنسان بصفة خاصة بأنواعِ من النِّعَمِ ، فمن تأمل صفات الربوبية عَظَّمَ الله – جل وعلا – ، وأَنَابَ إليه .

تقرير الربوبية وفوائده :

إنَّ القرآن فيه تقرير توحيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وبيان مفرداته بأنواع من التقرير ، وتقريره يفيد فوائد :

الفائدة الأولى : أن المشركين الذين أَقَرُّوا بأنواعٍ من توحيد الربوبية يُلْزِمُهُمْ إقرارهم أن يُوَحِّدُوا الله – جل وعلا – في الْعِبَادَةِ ، فمن أَيْقَنَ أنَّ الله وحده هو الخالق ، وهو الرازق ، وهو الْمُحْيِي ، وهو الْمُمِيتُ ، وهو الذي إليه يُرْجَعُ الأمر كله ، وأنه هو الذي يُنْعِمُ ويَرْزُقُ ويَتَفَضَّلُ ، فواجب أن يُعْبَدَ وحده ، وهذا دليل عَقْلِيٌّ يمكن أن يُصار إليه ، لو صحت عُقُولُ المشركين ، ففي القرآن كثير من الآيات فيها تَقْرِيرُ الْأُلُوهِيَّةِ بعد تقرير تَوحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ .

الفائدة الثانية : أن تَعْظِيمَ الله – جل وعلا – في نَفْسِ المؤمنِ الْمُوَحِّدِ وفي العبادة ، ومُرَاقَبَتُهُ سبحانه تكونُ بإِفْرَادِهِ بتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، فإذا عَلِمَ أن الله – جل وعلا – هو الذي خَلَقَ ، وأنه يُرجَعُ إليه الأمر كله ، وأن إليه الْمُنْتَهَى ، صار في قَلْبِ المؤمن أنواعٌ من العبودية ، عُبُودِيَّةُ الرَّجَاءِ والْخَوْفِ ، والْمُرَاقَبَةِ ، والْخَشْيَةِ ، والإنِابَةِ ، وأنواع من العبادات الْقَلْبِيَّةِ .

ففي تَقْرِيرِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ، إقامةٌ لِقَلْبِ الْعَبْدِ في توحيد الإلهية ، فإن إِقْرَارَ الْعَبْدِ أن الله – جل وعلا – هو الْمُسْتَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَهُ قد لا يجعله يعمل الأعمال الصالحة بأنواع عبادات القلب ، بل لَا بُدَّ من تَأَمُّلِهِ في الخلق ، وتَفَكُّرِهِ في آلاءِ الله – جل وعلا – ، حَتَّى يَحْدُثَ في قَلْبِهِ عِظَمُ التَّوَكُّلِ على الله ، وعِظَمُ الخوفِ منه ، والرَّجَاءُ فيه سُبْحَانَهُ ، والْإِنَابَةُ إليه .

فالمقصود من تقرير توحيد الربوبية ، تَصْحِيحُ قَلْبِ الْمُوَحِّدِ المؤمن ، وإقامة الْحُجَّةِ على المشركين .

إن قوله تعالى : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى } معطوفٌ على ما قبله ، وهو قوله – جلوعلا – :{ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الجَزَاءَ الأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى }[ سورة النجم : الآيات 36 – 42 ] ،فمعنى الآية : أن هذا هو الذي في صُحُفِ موسى ، وفي صحف إبراهيم – عليهما السلام – ، وهذا مقرر في جميع الكتب ، لأن فيها صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ التي فيها إِقَامَةُ قَلْبِ الْمُوَحِّدِ ، والحجة على المشرك .

قوله تعالى : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى } تقدير الكلام فيه : وأن المنتهى كائن إلى ربك ، وصائرٌ إلى ربك ، وتقديم الجار والمجرور { إِلَى رَبِّكَ } يُفِيدُ الاختصاصَ أن المنتهى إليه وحده دونما سواه .

وفي ذكر الرُّبُوبِيَّةِ وعدم ذكر الْأُلُوهِيَّةِ في قوله : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى } ولم يقل : وأن إلى الله المنتهى ، فيه : أن الإرجاع ومنتهى الأشياء إلى الله – جل وعلا – ، لتَفَرُّدِهِ سبحانه بالرُّبُوبِيَّةِ ، ففي ذكر كلمة رب تقرير الربوبية في هذه الأشياء .

قوله تعالى : { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } وأنه أي : الرب . والإرجاع إلى الرب ، فيه تقرير الربوبية ، لأنه ذكر ذلك من صفات الرب – جل جلاله – .

والإضافة في قوله : { وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى } ، وتخصيص النبي – صلى الله عليه وسلم – بإضافة الربوبية إليه فيها فائدتان :

الأولى : التَّشْرِيفُ ، تَشْرِيفُ محمد – عليه الصلاة والسلام – بهذه الإضافة .

والثانية : التَّنْبِيهُ على أن هذا الذي جاء بهذا القرآن ، وبهذه الرسالة مرجعه إلى الله ، وأن الله سَيُحَاسِبُهُ ، يعني : أنه سَيَلْقَى ربه – جل وعلا – ، وسينتهي أمره إليه فليحذر من هو دونه من الناس في ذلك ، وهذا من جِنْسِ قوله – جل وعلا – : { وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ سورة الزمر : الآية 65 ] ،وقوله تعالى : { إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ } [ سورة الزمر : الآيتان 30 – 31 ] ، ونحو ذلك مما فيه ذُكِّرَ محمد – عليه الصلاة والسلام – ، أو ذُكِّرَ الْأَنْبِيَاءُ بالرجوع إلى الله – جل وعلا – .

فـ{ المُنتَهَى } تَدُلُّ على الرجوع يوم القيامة ، وأن مُنْتَهَى الخلائق إليه – سبحانه وتعالى – ، أي : أنهم راجعون إليه وصائرون إليه ، وأَنَّهُ مُحَاسِبُهُمْ سبحانه ، وسَيَلْقَى كُلُّ عامل ما عمل ، وهذا من باب التَّمْثِيلِ ، والمنتهى إلى الله – جل وعلا – في كل شيء ، سواء في إرجاع الأبدان والأرواح ، وأنه هو الذي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثم يُعِيدُهُ ، وهو أهون عليه ، فكل شيء صائر إلى الله كما قال تعالى : { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ } [ سورة غافر : الآية 43 ] ، ومنتهى كل شيء من جهات العلم ، والقَيُّومِيَّةِ ، والقدرة إلى الله – جل وعلا – .

 فالألف واللام في كلمة المنتهى قد تُحْمَلُ على المعهود ، يعني : ما ينتهي إليه الناس ، وهو حشرهم ولقائهم إلى الله ، وقد تكون الألف واللام لِلْجِنْسِ ، يعني : جنس منتهى الأشياء ، والأشياء منتهاها قد يكون من جهة العلم ، فكل معلوم منتهاه إلى الله – جل وعلا – عِلْمًا ، وكل ما يُقَامُ فمنتهى القوامة إلى الله – جل وعلا – : { اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ } [ سورة البقرة : الآية 255 ] ، { مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } [ سورة هود : الآية 56 ] ، فهو سبحانه ذو القوامة – سبحانه وتعالى – ، الذي يُقِيمُ الأشياء ابتداء ، ويَقُومُ عليها – سبحانه وتعالى – انتهاء ، وكذلك من جهة صفات الْغِنَى والقُدْرَةِ ، فَكُلُّ غِنًى فَمُنْتَهَاهُ إلى الله – جل وعلا – ، وكلُّ أنواعِ الْقُوَّةِ منتهاها إلى الله ، وكل أنواع الْقُدْرَةِ منتهاها إلى الله – جل وعلا – ، فهو سبحانه الذي يَمْلِكُ الْكَمَالَ الْمُطْلَقَ ، أما الْبَشَرُ فَلَهُمْ مِنْهُ البِدَايَاتُ ، أما نهاية الصفات فهي إلى الله – جل وعلا – .

قوله – جل وعلا – : { وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } مجيءُ الضَّمِيرِ { هُوَ } للتأكيد في الآيتين وفيما بعدها ، تأكيد على أن الذي أَضْحَكَ وأَبْكَى على الحقيقة هو الله – جل وعلا – وحده ، وأنَّ الذي أَمَاتَ وأَحْيَا هو الله – جل وعلا – .

قوله تعالى : { أَضْحَكَ وَأَبْكَى } و{ أَمَاتَ وَأَحْيَا } فيه تَمْثِيلٌ ، أي : أنه سبحانه هو الذي يقوم على كل ما يَحْصُلُ للعبد من الأمور المختلفة والمتقابلة ، وعلى هذا المثال أنه هو أَغْنَى وأَفْقَرَ ، أَمْرَضَ وأَصَحَّ ، عَافَى وابْتَلَى ، إلى آخر الأمثلة ، لهذا قابل بين الضَّحِكِ والْبُكَاءِ ، لأنها أنواع الْمَسَرَّاتِ ، وأنواع الْأَذَى في الدنيا ، و{ أَمَاتَ وَأَحْيَا } قابل بَيْنَ الْمَوْتِ والحياةِ لأنه سبحانه يملك هذه المتضادات المختلفة .

قال تعالى : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى } الزوجين هي تثنية زوج ، والزَّوْجُ هو ضِدُّ الْفَرْدِ ، قد يكون الزوج متشابها ، وقد يكون غير متشابه مع زوجه ، يعني : مشابها في الجنس ، أو مُشَابِهًا في الصفات ، أو يكون غير مشابه في الصفة .

الأول وهو المشابه لِزَوْجِهِ : منه قوله – جل وعلا – : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِّن دُونِ اللَّهِ } [ سورة الصافات : الآيتان 22 – 23 ] فَيُحْشَرُ كُلُّ واحدٍ مع زَوْجِهِ ، يعني : مع شَبِيهِهِ ، فَيُحْشَرُ الظَّالِمُ مع الظالمِ ، ويُحْشَرُ الكَافِرُ مع الْكَافِرِ ، ويُحْشَرُ الْمُنَافِقُ مع المنافقِ ، والعَاصِي مع العَاصِي ، والصَّالِحُ مع الصالح ، الناس يكونون يوم القيامة طرائق ، يكونون زُمَرًا ، كُلُّ مَثِيلٍ يُحْشَرُ مع أمثالهِ { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } يعني : أَشْبَاهَهُمْ في ظُلْمِهِمْ .

أما الثاني وهو غير المشابه لِزَوْجِهِ : فمنه قوله تعالى : { هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ } [ سورة يس : الآية 56 ] وقوله تعالى : { وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ سورة النساء : الآية 1 ] يعني : الزَّوْجِيَّةَ ، لأن الزَّوْجِيَّةَ لا تَعْنِي الْمُشَابَهَةَ في الصِّفَةِ ، وقد تكون وقد لا تكون ، لكن سُمِّيَ الزَّوْجُ زَوْجًا ، فيطلق على الرجل وعلى المرأة ، فالمرأة زوج الرجل ، والرجل زوج المرأة . وقول بعضهم : زوجة . هذا جائز في اللغة وفصيح ، لكنه لم يأتِ في القرآن .

 قوله سبحانه هنا : { وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى } يعني : أن كل واحد زوج للآخر ، والذَّكَرُ والأنثى ليس في الإنسان وحده ، بل في كل ما يعني الزوجين اللذين خلقهما الله – جل وعلا – للحياة ، هذا في كل ما فيه حياة ، فَلَيْسَ ثَمَّ حياة إلا باختلاط الذكر بالأنثى ، أو اختلاط وتناكح يحصل بين هاتين الجهتين في النبات ، والحيوان ، وفي الأشياء العظيمة ، فكلها لَا بُدَّ فيها من زوجين كما في قوله تعالى لنوح – عليه السلام – : { فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ } [ سورة المؤمنون : الآية 27 ] .

 قوله تعالى : { وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الأُخْرَى } النشأة الأخرى معلومة يوم القيامة ، وهي إنبات الأجْسَادِ بعد الممات .

قوله تعالى : { وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } هناك من فَسَّرَ أَقْنَى بأَفْقَرَ ، وأَغْنَى بالمعنى المعروف ، وهذا وإن كان مَنْقُولًا عن بعض السلف لكن اللغة لا تساعده ، لأن كلمة أَقْنَى في اللغة من الْقِنْيَةِ ، وهو ما يُقْتَنَى فيُحْتَفَظُ به وهي منه ، قد يكون المرء غَنِيًّا لكنه لا يكون مُقْتَنِيًا لنفسه أشياء لا يحتاج أن يبيعها ، لا أَنْ يُدَبِّرَهَا ، فالْغِنَى نِعْمَةٌ ، وكون الإنسان يُدَّخِرُ له ما أعطاه الله – جل وعلا – أشياء يَقْتَنِيهَا من أنواع ما مَنَّ الله على عباده فهذه نعمة أخرى ، والعرب كانت تُفَاخِرُ بِغِنَاهَا وبما تَقْتَنِيهِ ، فتجعل أشياء ليست للتصرف ولا للبيع ، وتفاخر بذلك ، إما من النَّعَمِ ، يعني : من الْجِمَالِ ، وإما من السِّلِاحِ كالْقَوْسِ ، أو الدُّرُوعِ ، أو الْمَنَازِلِ ، أو أشباهها .

 فالنعمة حاصلة بإغناءِ الله – جل وعلا – لِلْعِبَادِ ، وبالامْتِنَانِ عليهم أنه أَقْنَاهُمْ أشياء .

وهذه الآية فيها :

1-             التَّنْبِيهُ على أن الذي أَغْنَى والذي أَقْنَى هو الله – جل جلاله – بالتأكيد بالضمير هو .

2-             التَّنْبِيهُ على الإخلاص .

3-             أن الْعَبْدَ في العبادة يجب عليه أن يَسْتَحْضِرَ نِعْمَةَ الله – جل وعلا – عليه وحده دونما سواه .

قوله تعالى : { وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى } الشِّعْرَى نَجْمٌ من النُّجُومِ ، وخَصَّهُ بالذِّكْرِ هنا لِبُعْدِهِ واسْتِنَارَتِهِ ، ولتَعَلُّقِ العرب به ، إما مِنْ جِهَةِ الْعِبَادَةِ كما ذكر عن طائفة منهم ، وإما مِنْ جِهَةِ الاهتداءِ ومعرفةِ الطُّرُقِ ، فهو دائما أمامهم ، فَذَكَّرَهُمْ به .

 قوله تعالى : { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى } عاد وثمود هم قَوْمُ صَالحٍ ، هؤلاء من العرب القديمة ، يسمونهم في عِلْمِ الْأَنْسَابِ العربَ العارِبَةَ ، منسوبون إلى عَاد بن إِرَم بن سَام بن نوح ، فإن نوحًا – عليه السلام – جعل الله – جل وعلا – ذُرِّيَتَهُ هم الباقين ، وكان له ثلاث من الولد حَمَلَهَمْ معه وهم : سَام ، وحَام ، ويَافِث .

سام أبٌ للعرب والروم وفارس ، ولهذا تسمى هذه الأنواع الثلاثة العرب ، والروم ، وفارس ، وجزء من شمال أفريقيا من القبائل اللي عاشت هناك ، هذه تسمى القبائل السَّامِيَّةَ ، نسبة إلى سام ، وتسمى لغتهم اللغة السامية لأنها متداخلة .

وأما حَام فهو أبٌ للسُّودَان ، يعني : للأجناس السود في أفريقيا وفي غيرها .

وأما يافث الثالث فهو أَبٌ للأَتْرَاكِ والصَّقَالِبَةِ والصين ، الأتراك يعني : الروس ، ليس التركُ البلد المعروفة ، هذه سميت تركيا لأن العثمانيين أصولهم من روسيا ، فجاءوا فسميت البلد تركيا ، فيافث هو أبٌ للصقالبة والجهات التي في شمال أسيا وشرقها .

 قوله تعالى : { وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى } الْأُولَى يعني : القديمة ، { وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى } ، لأن عادًا وثمود كانت العرب تضرب المثل بهما في القوة ، ثمود نَحَتُوا الجبال ، وعَادٌ أخبرنا القرآن عنهم : { إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ } [ سورة الفجر : الآيات 7 – 9 ] ، يعني : خَرَقُوا الصَّخْرَ بالواد ، فَنَبَّهَ عليهما لِعِظَمِهما .

 فإذا كان الله – جل وعلا – أهلكَ عادًا وثَمْود فإن غيرهم أهونُ ، وإنَّ غيرهم يجب عليه أن يخاف ، فهذه آثار عاد ، وآثار ثمود يَعْلَمُهَا الْعَرَبُ ويَمُرُّونَ عليها ، فأين التَّذْكِرَةُ ، وأَيْنَ الْعِبْرَةُ ، وأين الْخَوْفُ من تكذيب الرسول .

لا شك أن ذِكْرَ قِصَصِ الأولين وإهلاك الله – جل وعلا – للأولين لَا بُدَّ أن يكون معه الفائدة المرجوة ، وهى : أنهم حَاقَ بهمُ الْعَذَابَ لتكذيب الرسالة ، فلذلك يجب على المرء أن يخاف من أن يُكَذِّبَ الرسل ، كذلك المجتمعات والأمم إذا كَذَّبَتِ الرسل فيحق عليهم وَعِيدُ الله – جل وعلا – كما قال سبحانه : { وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ } [ سورة النحل : الآية 113 ] .

قوله تعالى : { وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ } قوم نوح أُهْلِكُوا جميعا ، وجعل الله – جل وعلا – البقاء لذريةِ نُوحٍ ، ونَصَرَ نُوحًا وأَعَزَّهُ وأهلك أعداءه .

 قال تعالى في سبب هلاكهم : { إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى } هم أظلمُ لأنهم تَنَوَّعُوا في عِبَادَةِ غير الله – جل وعلا – ، وأَظَلَمُ لأنَّ نُوحًا مَكَثَ فِيهِمْ زَمَنًا طَوِيلًا ألف سنة إلا خمسين عاما ، ومع ذلك لم يستجيبوا له ، فَتَنَوَّعَتْ عليهم الْحُجَّةُ من جِهِةِ قَوَّتِهَا ، ومن جِهَةِ طُولِ الزَّمانِ ، ومن جهة طُولِ التَّمْهِيلِ لهم كي يَرْجِعُوا ، وأن يستجيبوا ، ولكن لم يستجيبوا فكانوا هم أظلمَ وأْطَغْى من غيرهم .

 و{ أَظْلَمَ } منصوبة لأنها خَبَرُ كَانَ ، و{ هُمْ } التي بين اسم كان وبين خبرها يقال لها : ضَمِيرُ العماد لا محل له من الإعراب ، يعني : أنه لا يُعْرَبُ ، وليس اسما وما بعده خبر ، فإذا جاءت هم بين اسم كان وبين خبرها ، فإن ما بعدها يكون مَنْصُوبًا ، ولا يكون مَرْفُوعًا ، وهذا كثير في القرآن كما قال – جل وعلا – : { الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الخَاسِرِينَ } [ سورة الأعراف : الآية 92 ] ، وكما في قوله – جل وعلا – : { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ سورة الأنفال : الآية 32 ] ، فقوله تعالى : { وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ } فـ{ هو } هنا يُسَمَّى ضمير العماد .

شروط الفصل بين المبتدإ والخبر بضمير الفصل :

ضمير الفصلِ ، يَفْصِلُ بَيْنَ المبتدإ والخبر بشروط من أهمها :

ألا يَشْتَبِهَ الخبرُ بالنَّعْتِ قبل أن تَدْخُلَ علي المبتدأ والخبر العواملُ المختلفة ، مثلا تقول : القومُ الْخَاسِرُونَ ، تَشْتَبِهُ الخاسرون هل هي نعت ، أو خبر ؟ فإذا قال : القوم هم الخاسرون . صارتْ فَصْلًا وعِمَادًا ، فَصَلَتْ بين المبتدأ والخبر وبَيْنَ اشتباه الصفة . وهذا البحث معروف في النحو .

وعلى لغة من لُغَاتِ العرب جائز أن يكون ما بعدها مرفوعًا ، وقد جاء في بعض القراءات ، لكنَّ الأفصحَ والأكْثَرَ أن يكون ما بعدها خَبَرًا لما قَبْلَهَا ، وليس خَبَرًا لها .

قوله تعالى : { وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى } الْمُؤْتَفِكَةُ هِيَ قُرَى قَوْمِ لوطٍ ، والمؤتفكة صفة ، سُمِّيَتْ مؤتفكة لأنها قُلِبَتْ عليهم ، وهذا من تَسْمِيَةِ الشيءِ باسم ما حَصَلَ له ، والمؤتفكة والْمُؤْتَفِكَاتُ هذه صفة لهم ، وقال آخرون : سُمِّيَتْ مؤتفكة لأنهم كانوا يَمْشُونَ بالإِفْكِ ، وهو الْكَذِبُ البَيِّنُ الواضحُ ، وهى مؤتفكة ، والجمع مؤتفكات وكلاهما في القرآن .

قوله تعالى : { فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى } يعني : من العذاب .

قوله تعالى : { فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى } تَتَمَارَى معناها : تَشُكُّ ، أو تُمَارِي فيه ، وآلاء الله – جل وعلا – دالةٌ على اليقين ، وليس ثَمَّ شيء في هذا الملكوت يدل على الشَّكِّ ، أو يبعث عليه ، بل كُلُّ الدلائلِ تَدَلُّ على أن الله سبحانه هو الذي خَلَقَ ، وهو الذي قَامَ بالخلق ، وأن العبادَ مَخْلُوقُونَ لله ، فواجبٌ أن يعبدوه .

دلائل الله في الْأَنْفُسِ ، وفي الآفاق ، في السماء ، في الأرض أينما تَوَجَّه الْبَصَرُ يَجِدُ الدَّلِيلَ على أن الله سبحانه هو وَلِيُّ النِّعْمَةِ ، ولهذا وجب التفكر في آلاء الله وفي مخلوقات الله ، وفي نعم الله ، والتفكر من حيث الجنس واجب لأن الله – جل وعلا – أَمَرَ به .

من الذي يشك أو يماري ؟ هو الإنسانُ ، ليس الخطابُ للنبي – صلى الله عليه وسلم – ، لأن النبي – عليه الصلاة والسلام – لم يَشُكَّ ، كما جاء في قوله : { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } [ سورة يونس : الآية 94 ] جاء في أحد أوجه تفسيرها : أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لما أنزلت قال : «لَا أَشُكُّ ، وَلَا أَسَأَلُ»( [1] ) .



( [1] ) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ( 6 / 125 ، رقم 10211 ) .

شاركها مع أصدقاءك