بواسطة :
الزيارات : 1٬500 مشاهدة

تَعْميقُ الصِّلة بينَ الشَّبابِ والقِيمِ الإسلاميَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 أما بعدُ ، فإن هذا الموضوع وهو “الصِّلة بين الشباب والقِيم الإسلاميَّة” مَوْضوعٌ مُهِمٌّ ، واختيارُه اختيار مُوَفَّق ؛ لأن الحديث عن القِيم الإسلاميَّة إنما هو حديثٌ عن الدِّين وعن الإسلامِ الذي هو عِصْمة أمرِنا .

لا شكَّ أن العِناية بالشباب أمر مهم ، وتَلَمُّس أسباب النهوض بالشباب هو تَلَمُّس لأسباب النهوض بالأمة وبقائها على قُوتها وعدم ذوبانها في الحضارات والمدنيات المختلفة ، ونحن نرى أن الشباب بحاجة إلى موضوعات تُؤَصِّل ما ينبغي أن يُعْمَل تجاههم ، كل بحسب مجاله .

ولكي نستطيع أن نُبيِّن أهميَّة هذا الموضوع لا بُدَّ لنا من أن نَتعرَّض لذكر عدد من الأمور : أولاً : التعريف بالقيم . ثانيًا : ما هو الفرق بين القيم والعادات ؟ ثالثًا : ما هي صِلة القيم بالدين الإسلامي ؟ رابعًا : هل القيم تتعدد فيها المفاهيم وتختلف ؟ خامسًا : ما هي خصائص القيم الإسلامية ، ولماذا التركيز عليها ؟ سادسًا : ما هي أهمية القِيم الإسلامية في هذا الوقت تحديدًا ؟ سابعًا : مرحلة الشباب وامتثال القيم ، الإيجابيات والسلبيات . ثامنًا : ما هي عوامل بروز امتثال القيم ، وعوامل التفلت منها ؟

وكذلك لا بد لنا من أن نتحدث عن انفعالات الشباب وهمومهم وتأثير القيم الإسلامية عليهم ، وعن أسباب انحراف الشباب عن القيم ، أو ضعف تمسك الشباب بالقيم وأسباب ذلك ، وما هي الوسائل الإجمالية التي يمكن أن تقوي التزام الشباب بالقيم الإسلامية ؟

لا شك أن الموضوع يمكن أن يضاف إليه غير هذه العناصر ، لكن هذه العناصر تعطي إشارة أو إشارات لِما يمكن أن يَخْدُم هذا الموضوع .

إن لكل أمة حضارةً وقيمًا ، وهذه القِيَمُ تَعْتَزُّ بها تلك الأُمَمُ ؛ لأنها من عناصر مُمَيِّزاتها ، ومن أسباب بقائها ، فكل مدينة ظهرت أو كل دولة لا بد من أن يكون لها هدف ، وللوصول إلى هذا الهدف لا بد من الاعتماد في تحقيقه على الشباب ؛ لأنهم هم الذين يضمنون لنا استمرارية تلك الحضارة أو المَدَنية أو تلك الدولة .

 ولكي يصل الشباب إلى تحقيق ذلك الهدف المنشود لا بُدَّ لهم من التمسك بالقيم ، فما من إنسانٍ إلا وله مميزاتٌ ، هذه المميزات يُمكن أن يُطلق عليها اسم القيم ، ولهذا عَرَّف بعضُهم القِيَم أو الحكم القيمي بأنه : تَكَوُّنٌ فَرْضِي ينشأ عن تفاعل المدركات العقلية لدى الفرد مع الوجدان أو مع الضمير والإحساس ، ويصدر عنه في التقدير مواقف حياتية مختلفة بما يكفي لتوجيه سلوكه على ضوء نسق القيم في المجتمع والدلالات القيمية التي يمثلها .

القيم الإسلامية عُرِّفت بأنها : تَكَوُّن فَرْضي لدى الفرد مُشبع بدرجة عالية بالقيم الخُلقية الإسلامية ، يُحدد الإطار العام للفعل السلوكي الإسلامي بما يمكن للفرد معه من إدراك عناصر الموقف الاجتماعي واتخاذ القرارات الخلقية في ضوء البدائل المتاحة في ذلك المجتمع على بصيرة من الآثار اللاحقة للسلوك بما يتمشى وروح الإسلام .

إذن هناك اتصال بين القيم والأخلاق الإسلامية بمفهومها العام ؛ لهذا يذهب بعضهم عن مفهوم القيم وعن تعريفها ، والتركيز عليها – لأجل اشتباه القيم بالعادات – إلى مصطلح شرعي ، وهو الأخلاق ، ويعبر عنه بالأخلاق الإسلامية بدل القيم الإسلامية ، باعتبار أن الأخلاق تشمل كل ما ذكر آنفًا من صياغة العقل ، وبالتالي صياغة السلوك والمواقف تجاه المجتمع وعلاقته بالآخرين .

لهذا قيل : إن الأخلاق الإسلامية هي مجموعة المبادئ والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي فقط لتنظيم حياة الإنسان وتنظيم علاقته بغيره على نَحْوٍ يُحقق الغاية من وُجوده في هذا العالم على أكمل وجه .

وهذا ينبهنا إلى أن القيم والأخلاق تربطهما صلة وثيقة ؛ ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّم مَكارِمَ الأَخْلاقِ » .( [1] )فإذن الأخلاق والقيم كانتا موجودتين عند العرب قبل الإسلام ، والمجتمع العربي قبل الإسلام – على ما فيه من ضعف أو ما فيه من اتجاهات – كوَّن مجموعةً من القيم والأخلاق ليُرَبِّي عليها الشباب ولكي يَنْشَئون عليها ، فإنَّ الإسلام لم يُلْغِ القيم والأخلاقَ النافعة في الجاهلية ، بل استفاد مما هو موجود ونَمَّاه ؛ لأنه لا يمكن تجاهل القيم المفيدة في أي مجتمعٍ ما ؛ لأن روح الشريعة جاءت لرفع الإنسان إلى المستوى الذي أَذِن الله – جل وعلا – له به من كرامته ، يعني في نفسه وفكره ، ويظهر هذا بتفضيله على كثير من المخلوقات كما قال جل وعلا : ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا[ الإسراء : 70 ] .

 إذن مجموعة القيم التي كانت موجودةً في الجاهلية وكانت عند العرب جاء نبيُّنا – عليه الصلاة والسلام – بتَنْميتِها وتَتْمِيها كما مر بنا من قولِه صلى الله عليه وسلم : « إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ » .( [2] ) فالأخلاق الكريمة والقيم الكريمة هذه يستفاد منها إذا وُجِدت بمسمى العادة ، أو بمسمى الخلق ، أو بمسمى القيم ، بما يتفق مع روح الإسلام في تحديد عبودية البشر لخالقهم جل وعلا .

معلوم أن الإسلام جاء باتجاهين كبيرين :

 الاتجاه الأول في صياغة المسلم في نفسه . والاتجاه الثاني في صياغة المجتمع المسلم ليبقى للمستقبل ، ولكي يواجه متغيرات الحياة والحركة الدءوبة ، فلهذا كان من اللازم أن يُسْتفاد من كل المعطيات الموجودة في القيم وتُنَمَّى حتى يمكن أن يُقَدَّم شيء يَجْمَع بين الاستفادة من الحاضر والنظر للمستقبل ، وهذا الذي كان عليه شباب الصحابة رضوان الله عليهم .

 لقد كان أكثرُ الصحابة شبابًا ، كما ذكر ذلك ابن كثير – رحمه الله تعالى – في تفسيره لقوله تعالى : ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى[ الكهف : 13 ] . وكذلك كما سيأتي في قوله تعالى : ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ[ يونس : 83 ] فقوله : ﴿ ذُرِّيَّةٌ ﴾ . يعني أنهم كانوا شبابًا ، ليمكن الصياغة للمستقبل .

فإذن اختلاف هذه النظرة للقيمة والأخلاق وتعلق ذلك بالشباب هو في الواقع اختلاف في التأسيس البنيوي للشباب لِمَا يُراد أن يتوجهوا إليه في المستقبل بما يَخْدُم الهدف ، فإذا تنوعت الأهداف تَنَوَّعَت القيم ، وتنوعت الأخلاق ، وتنوع سلوك المجتمع أو سلوك الحضارة في تحقيق هذه القيم في الناس ، أو الاهتمام بها ، أو إلغاء تلك القيم .

إن مفهوم القيم أو مفهوم الأخلاق يختلف – بلا شك – من مدينة إلى أخرى ، ومن حضارة إلى أخرى ، ومن مجتمع إلى آخر ، ومن زمن إلى زمن ، فإذا نظرنا في الزمن الحاضر وجدنا أن قيم الشباب عند الغرب غير قيم الشباب عند المسلمين ، وهي كذلك غير قيم الشباب عند الشرق ، فهناك اختلاف ، والآن نجد كثيرًا من الضغوط العالمية هي في الحقيقة لتكوين قيم واحدة لينشأ عليها الشباب ولينطلقوا منها ، وتداعيات هذه الشمولية لها أثرُها على الشباب وعلى مجتمعاتِهم وعلى مدى ولائِهم لمجتمعاتِهم وعاداتِهم وأخلاقهم إلى غيرِ ذلك من هذه الأُمور .

لهذا نقول : إن القيم تختلف اختلافًا كثيرًا بين الناس ، ومن هذه القيم القيمُ الأخلاقية في التعامل مع الأصدقاء ، وقيم التعامل مع الوالدين ، وقيم التعامل مع الدولة ، وقيم التعامل مع الجنس الآخر من النساء والرجال ، وقيم الأخلاق العامة من الكرم والإيثار والوقار ، والكلام على بعض القيم في الاختلاط وحَدّ ذلك ، وعَلاقة الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل وحدود ذلك ، هذه كلها تختلف – بلا شك – من مجتمع لآخر ، ومن مكان إلى آخر ، والنظرة القيمية لها تختلف كذلك من مجتمع إلى آخر ، ومن مكان إلى آخر .

إذا كان هذا كذلك ، فما هي أسباب اختلاف القيم والمؤثرات على القيم في المجتمعات ؟

من أهم الأسباب التربية والنشء ، والخَلْفية الثقافية ، والالتزام الديني ، والتأثير السياسي كمبدإ أو كنظرية تتجه إليها الدولة ، ومما يؤثر على القيم التفاعل الاقتصادي ، أو الحاجة الاقتصادية أو حاجات الحياة ، ومما يؤثر على القيم أيضًا تداخل المجتمعات وضغط بعضها على بعض .

وهذا الأمر الأخير كان التأثر به مُبَكِّرًا ، فعندما اختلط المسلمون في القرن الأول الهجري بالمجتمعات الأخرى مثل فارس وغيرها من البلدان اختلفت بعض القيم إلى حدٍّ ما ، فتولدت رُوح جديدة لَدَى الأجيال المتعاقبة ، فصار هناك مَزِيج من القيم والمعايير الأخلاقية التي لم تكن على مستوى الصحابة ، فكانوا أنزلَ درجة ، حيث تأثروا بما هو موجود من القيم المختلفة ، وهذا أَثَّر على روح الجهاد ، وأثر على روح الولاء للدولة ، وأثر على النظرة للمال والإيثار ، وأثر حتى على الأدب ، فتأثرت لغة الأدب ولغة الشعر أو معاني الشعر والمدركات في ذلك الوقت ، فاختلف الشعر الإسلامي الأول عن الشعر الذي يليه بعد ذلك .

هذا كله كان له تأثيره في مجتمع كامل من الشباب الذين أصبحوا فيما بعد شُيوخًا وورثهم شباب آخر أثرت عليهم البيئة والتربية ، حتى أصبح عندنا بعد قرنين من الزمان اختلاف كبير في القيم ، فدخلت قيم وأخلاق أخرى على المسلمين من جراء هذا الاختلاط .

 لهذا نقول : إن التخلص من التبعية في القيم لا يمكن ، بل لا بد من أن يكون هناك مزيج من القيم بحكم اختلاط المجتمعات وعلينا أن ننظر للأمور بنظرة واقعية ، فنقول : لا بد من تغير القيم في الشباب بحكم الاختلاط وبحكم التأثيرات السياسية ، وبحكم الخلفيات الثقافية ، وبحكم السفر ، وبحكم الضغط الاقتصادي والحاجة المادية .

لقد تغيرت كثير من القيم الأساسية في الدين ، وكثير من القيم الأساسية أيضًا عند العرب في كثير من الأمور ، مثلاً إذا نظرنا إلى خلق الكرم وخلق الإيثار ، فهذا يحتاج إلى وضع مادي ، ويحتاج إلى مجتمع يساعد بعضه بعضًا ويحتاج إلى أشياء كثيرة ، فإذا تَخَلَّفت هذه الأمور تَخَلَّفت هذه القيم تبعًا لها ، والاختلاط يؤثر على ذلك .

إذن النظرة الواقعية أن نقول في هذه الأمور : هل يمكن للمسلمين أن يوقفوا مد القيم الأخرى وتأثير تلك القيم على شباب المسلمين أم لا يمكن ؟

 أقول من وجهة نظري : لا يمكن وقف تأثر الشباب بالقيم ؛ لأن الإنسان مدني بطبعه ، وإذا اختلط فهو يؤثر ويتأثر في الوقت نفسه ، فلا يمكن أن نعزل الشباب عن التأثر بالقيم الأخرى ، لكن يمكننا أن ننمي بقوة وأن ندعم القيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية في الشباب ضمن برنامج واضح حتى يكون الشاب على اطلاع كامل بقِيَمِه الإسلامية ، وحتى يكون على دِراية تامَّة بالحس الإسلامي والقيم والأخلاق الإسلامية بما ينطلق معه على أساسٍ من دينه وعبوديته لله – جل وعلا – وعقيدته الإسلامية .

لهذا نقول : إن الإسلام رسم إطارًا مُوحَّدًا للقيم ، ورسم صورةً واضحة للأخلاق التي يجب أن يلتزم بها الناس أو يُسْتَحب أن يلتزموا بها ، وهذه هي التي يدعو الإسلام الشباب إليها ، ويدعو المربين إلى أن يُؤَثِّروا على الشباب من خلالها .

هذا الإطار نابع من خصائص الشريعة وخصائص الأخلاق الإسلامية ، فإذا تَبَيَّن لنا هذا فلنا أن نسأل : ما هي مميزات وخصائص القيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية ؟

إن القيم الإسلامية هي كل ما في الكتاب والسنة ، وما كان عليه السلف الصالح من هَدْيٍ في السلوك والتفكير ، مما أثروا به على أنفسهم وعلى مجتمعهم وعلى أُسَرهم ، ونَمَّوْا بهذه القيم تَفاعُلَ المجتمع مع الواقع ، فتَحَرَّكَ المجتمع نحو الإصلاح ، وتَرَقَّى لمواجهة تغيرات الحياة والتفكير .

مميزات القيم الإسلامية

من مميزات وخصائص القيم الإسلامية أن هذه القيم رَبَّانية ، فهي من عند المولى جل جلاله وتقدست أسماؤه ، وهذه القيم موصوفة بأنها وحي من الله جل وعلا ، ونعني بذلك القيم والأخلاق المتفق عليها والمنصوص عليها ، أما بعض الأخلاق المجتهد فيها فهذه ليست داخلةً ضِمْن هذه الخصائص ، لكن المتفق عليه مما جاء في النص من الكتاب والسنة ، وهو الوحي .

فإذا كان الأمر كذلك فهو لازم للمسلم لا انفكاك له عنه ، فما دام أنه مسلم فيجب عليه حينئذٍ أن يلتزم بهذه الخصائص .

وكون هذه القيم الإسلامية رَبَّانِيَّةً من عند الله – جل وعلا – فهي تكتسب عدة صفات :

الصفة الأولى : أنها وحي ، فيكسبها ذلك صفة القدسية والطهارة والنزاهة التي هي أكمل ما يصل إليه نمو الإنسان في عقله وتفكيره وخلقه ، ومعلوم أن العقلاء والحكماء في المدنيات المختلفة كان تأثيرهم وأملهم أن يجعلوا الناس في مستوى من الخلق ومستوى من القيم عالٍ بحيث يمكن أن يكونوا – كما يقول بعض الفلاسفة – مُطَهَّرين عن سفاسف الأمور ، عالين إلى طلب الحكمة والبحث عن حقائق الأشياء ، فديننا الإسلامي بأخلاقه وقيمه – على التعبير الشائع – مصدره الوحي ، ولهذا يُكْسِب هذه القيم صِفَةَ القدسية والطهارة والنزاهة ، قال جل جلاله في محكم التنزيل : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُّبِينًا[ الأحزاب : 36 ] .

 والضلال هنا لا يتمثل في الإثم في الآخرة ، ولكنه يشمل الضلال عن الصواب فيما يصلحه في هذه الحياة الدنيا .

الصفة الثانية : الشمولية ، فهي شاملة لكل مناحي الحياة ، فهذه القيم والأخلاق تلازم الإنسان في بيته وعمله ، وتحكم علاقة المرء بأهله ، وعلاقته بالآخرين ، حتى علاقاته بالأنظمة وما يسن من التنظيمات الإدارية ، وتحكم كذلك علاقته بدولته ، وتحكم علاقته مع الخلاف الموجود والآراء الأخرى التي تُطْرَح في المجتمع ، فكل مجتمع له حركة – مثلما ذكرنا – ينتج عنها اختلاف في الآراء ، فالقيم الإسلامية شاملة في تأديب وتَخَلُّق الشباب بكل ما يجعله عُضوًا صالِحًا في المجتمع ويبتعد عما يُؤْخَذ عليه .

لهذا توصف بأنها شمولية ، فهي لا تختص بميدان دون ميدان ، فهي تربية كاملة تُفْضِي إلى تَوازن هذا العبد المكلف من الله جل وعلا ، وقد قال سبحانه : ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ ﴾ [ الأنعام : 162 – 163 ] .

 ومن تأمل المُصَنَّفات التي صَنَّفها أئمة الإسلام ككتب الحديث وكتب الفقه والآداب وجَدَ أن حياة المسلم منذ أن يستيقظ من نومه وحتى ينام مرة أخرى كلها مترددة ما بين حكم الواجب أو المحرم أو المكروه أو المستحب أو المباح ، فلا يمكن أن يخلو حال من الأحوال إلا وله حكم بحسب ما ألَّفَ علماء الإسلام ونقلوه من النصوص في ذلك أو من فقه النصوص .

ومن صفات القيم الإسلامية أيضًا أنها تتسم بالوسطية والتوازن ورعاية متطلبات الواقع ، قال جل وعلا في وصف الأمة وفي وصف تشريع الإسلام : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[ البقرة : 143 ] .

 فأمة الإسلام وسط ؛ لأن الشريعة رَبَّانية وهي وسط ، فهي وسط في أبواب العقيدة ، ووسط في أبواب الحكم والتحاكم ، وهي أيضًا وسط في أبواب الأخلاق .

 إذا نظرنا إلى الأخلاق التي ينشدها مثل بوذا ونحوه ، والأخلاق التي يُرَوِّج لها اليهود ، وجدنا أن الشريعة في هذا الأمر وسط في الأخلاق بين الغالي في تنزيه النفس حتى يفقدها المرونة والانطلاق في المجتمع ، وبين الذي يجعل الأخلاق هي القوة دون رعاية لجانب الخلق الكريم والقيمة التي يُحِبُّ الناسُ أن يتعاملوا بها مع بعضِهم البعض .

قال القُرطبي – رحمه الله – عند هذه الآية : “ووسط الوادي خير موضع فيه وأكثرُه كلأً وماء ، ولما كان الوسط مُجانِبًا للغلق والتقصير كان محمودًا ، أي هذه الأمة لم تَغْلُ غلو النصارى في أنبيائهم ، ولا قَصَّروا تقصير اليهود في أنبيائهم” .( [3] )

 فإذا كانت الشريعة والقيم الإسلامية وسطية فحينئذٍ نرى أنها تعمل على تحقيق التوازن النفسي لدى الفرد ، وأنها تشبع وتضبط الحاجات والمتطلبات الفسيولوجية الأولية ، والحاجات النفسية والوجدانية ، والحاجات الاجتماعية ، وعلاقة الإنسان بمن حوله ، وهذا أكثر ما يُنْظَر فيه في مرحلة الشباب ؛ لأنها مرحلة التغير في المنطلقات والأهداف والآراء والرغبات .

ومن صفات القيم الإسلامية الاستمرارية والثبات ؛ لأنها مبنية على الشريعة ، والشريعة من صفاتها الاستمرارية والثبات ، قال جل وعلا : ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [ يونس : 15 ] .

فإذن وَحْدة مصدرِ هذه الأخلاق والقيم يدعو إلى استمرارية هذه القيم ، وأنها قيم ثابتة ، وأن فيها المصلحة للحياةِ حياةِ الفرد وحياةِ المجتمع .

أيضًا من خصائص القيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية موافقة هذه القيم للفطرة ، وما جعل الله – جل وعلا – عليه الإنسان ، قال تعالى : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ[ الروم : 30 ] .

 فالذي شرع هذه القيم والأخلاق هو الذي سَوَّى النفس البشرية ، وصلاحُ البشرية لا يكون إلا بالرجوع إلى هذا المصدر الذي سَوَّى هذه النفس البشرية وجعلها على الفطرة التي رضيها الله جل وعلا ، والفطرة هي التوحيد وما يلزم منه من أن جميع الأعمال والأخلاق والقيم تعود إلى تقوية ذلك التوحيد لله – جل وعلا – في نفس العبد وعبوديته له جل جلاله الواحد الأحد .

لهذا نقول : إن موافقة القيم للفطرة يمكن أن يتمثل في أنها واقعية ، فليست خيالية وليس فيها تكليف للإنسان بما لا يستطيع ، بل هي واقعية تلبي حاجات الإنسان ، ولكنها أيضًا لا تسير معه وفق شهوات لا انضباط لها ، بل تعطيه ما يحتاج إليه ، وتُرَبِّيهِ على ما هو الأفضل له في حاضره وفي مستقبله .

ولقد أكَّد ربنا – جل جلاله – هذا المعنَى في قوله : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[ البقرة : 286 ]

 قال ابنُ جَرِير الطَّبَريّ – رحمه الله – في تفسيره : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا . يعني بذلك جل ثناؤه : لا يكلف الله نفسا فيتعبدها إلا بما يسعها ، فلا يضيق عليها ولا يجهدها .( [4] )

وقال الله جل جلاله أيضًا : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ[ الحج : 78 ] . والقيم والأخلاق تدخل ضمن شريعة الإسلام ، يعني ضمن الدين .

أيضًا من خصائص القيم الإسلامية سهولة تطبيقها ؛ لأنها واقعية ، وموافقة للفطرة ، فيمكن أن تُطَبَّق ، بل إذا حصل التعبد من الشاب لله – جل وعلا – رَغِب في تطبيق تلك القيم والأخلاق ورأى فيها أُنْسَه وسعادتَه ، بل رأى هذه القيم والأخلاق هي الجمال فيما يراه في حال الناس ، وهناك ارتباط بين الأخلاق والقيم والجمال ، مما يحدث الانحراف في القيم – كما سيأتي إن شاء الله – الرغبة في الجمال ، ربما يكون جمال الفكر ، وربما يكون جمال التصرفات ، أو جمال الحرية . . . إلى آخر أنواع الجمال التي يتجه إليها الناس ، لكن هذه القيم الإسلامية تضع المسلم في صورة جميلة ؛ لهذا جاء قول النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم في الصحيح : « إن الله جميل يحب الجمال » .( [5] )

 إن قيم الإسلام وأخلاقه هي التي تُكَوِّن هذا الجمال الذي يحبه الله جل وعلا ، فإذا نظرت إلى خلق المسلم في تعامله مع نفسه وتعامله مع من حوله من المسلمين وغير المسلمين ، وكيفية تفاعله مع المجتمع في إيثاره وفي محبته للآخرين ما يحب لنفسه وجميع ما يدخل تحت الأخلاق الإسلامية ، تجد أن هذا يُكَوِّن صورة لا يوجد أجمل منها في التشريعات ؛ لأنها من عند الله جل جلاله .

أيضًا مما تتسم به القيم الإسلامية عدم معارضتها للعقل الصريح الذي يوازن بين المصالح والمفاسد ، فالقيم الإسلامية هي القمة في تحقيق توازن تصرفات الإنسان ، والمسلم إذا طَبَّق الإسلام في أخلاقه فسيظهر في الصورة المثلى التي أمره الله – جل وعلا – بها .

ومن سِمات القيم الإسلامية أيضًا أنها تسعى لتحقيق الغايات الاجتماعية ، فالمجتمعات لها غايات ، وتارة تُدْرَك هذه الغايات بتصور الفرد وتارة لا تدرك ، لكنها تدرك بتحرك المجتمع إلى شيء ما ، والمجتمعات تتحرك تارة بعقل شعوري ، وتارة بعقل لا شعوري ؛ ولهذا نجد أن تفكير الإنسان في مجموعة يختلف عن تفكيره مع نفسه ، بمعنى أن عقل الإنسان في إطار أو جماعة أو نحو ذلك يختلف تَمامًا عما إذا رجع لنفسه وفكر بنفسه ، وهذا يعني أن الإنسان يتأثر بالقيم المطروحة ، فإذا كانت القيم المطروحة يقودها المجتمع باللاوعي واللاشعور – والمجتمع قد يُوَجَّهُ ويُضْغَطُ عليه – فتجد أن الناس يتحركون في طريقٍ لا يشعرون أنه الطريق الذي فيه مصلحتهم أو فيه هاويتهم ؛ لهذا كان من اللوازم الاهتمام بالقيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية ؛ لأنها من عند الله جل وعلا ؛ ولأن فيها مصلحةَ الحاضر والمستقبل ، ولأنها تقي أيضًا من أن يتجه المجتمع تحت أي نوع من أنواع الضغوط إلى اتجاه وإلى مستقبل لا يُعْلَم ، وهذا من عناصر التأثير النفسي على المجتمعات وخاصة الشباب ، فقد يقتنع الشباب بأشياء ويتجهون إليها بلا وعي أو شعور ، وهذا يلحظه الإنسان في بيته مع أولاده ويلحظه مع الشباب .

 إذا نظرت إلى القرية مثلاً وجدت أن الشباب يعيشون سعداء ويتمثلون القيم أكثر من المدينة الصاخبة ؛ لأن المدينة الصاخبة تتجه بالناس إلى اتجاه يُفْرَض عليها ، لا تختاره ؛ لأنها لم تصل إليه بقناعات ، لكن السيل مشى في اتجاه ، فتجد أن الجميع يمشون في هذا الاتجاه ، فإذا كان الأمر كذلك كان من الواجب أن يكون هذا الاتجاه وهذا السيل – إن صح التعبير – الذي يؤثر على العقل باللاوعي مُنْطلقًا من شريعة الإسلام ؛ لأن الناس عبوديتهم لله جل جلاله ، كما قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] .

آخر سمة من سمات القيم الإسلامية أنها تحفظ للحضارة الإنسانية توازنها ، والحضارة الإنسانية إذا لم تلتزم بقيم الإسلام فإنها ستنهار يومًا ما ؛ لأنه ليس للقيم العقلية البقاء والاستمرار إلا إذا انضبطت بضوابط سليمة أو كان لها دعائم ترتكز عليها ؛ لأنها بشرية ، والبشر يداولهم الله – جل وعلا – أُمَّةً بعد أُمَّةٍ ، لكنَّ الأمة التي اختار الله – جل وعلا – بقاءها والدين الذي اختار الله – جل وعلا – بقاءه إلى قيام الساعة هو دين الإسلام ، فمعنَى ذلك أن هذه القيم الإسلامية والأخلاق الدينية أو الإسلامية هي التي تضمن للحضارة الإنسانية توازنها وخدمة الإنسان ، وأما غير هذه القيم فهي في الواقع تجني على الإنسان وتؤثر في حق من حقوقه .

ما أهمية القيم الإسلامية ؟

بعد هذا العرض لتلك السمات ، نقول : هل هي مهمة لهذه الدرجة في التأثير على الشباب ؟ أو أنه يمكن أن يكون الشباب أقوياء ويمكن أن يؤثروا في الإنتاج وفي العمل وفي قوة الأمة دون أن يكون لهم هذه القيم التي ننتصر لها أو التي نعرض لها ونتحمس لها ؟

 في الواقع تُعَدُّ القيم الإسلامية من أهم المهمات في التفكير ، حتى في التفكير المنطقي الذي يمكن أن يفكر به غير طالب العلم الشرعي أو غير المهتم بأمر الدعوة الإسلامية ؛ لأن أمتنا قوامها وقوتها في دينها ، ولا يمكن لأمة أن تبقى إلا بنوع من التعصب والتكتل ، فإذا لم تتعصب وتتكتل وتدور أو تلتف حول حبل واحد وحول مبدإ واحد فإنها تكون حينئذٍ مُعَرَّضةً للذوبان ، وأكبر ما يواجه المجتمع من جراء تحطيم القيم عند الشباب تَعَرُّضُه إلى الذوبان في الآخرين ، وإذا ذاب المجتمع في الآخرين أصبح قلبه وعقله مُعَلَّقًا بأمة أخرى ، وهذا تلحظه في الذين صارت عندهم رغبات في الاتجاه للحياة الغربية ، فمنهم من لا يحب أن يرجع ليعيش في وطنه ؛ لأنه انسلخ من قيمه التي تَرَبَّى عليها ، واليوم يشكو لنا المسلمون في أوروبا وفي أمريكا الشمالية والجنوبية من ذوبان الجيل الثاني والثالث والرابع في الأمم التي عاشوا فيها ، بل تصل لنا تقارير بشكل أو بآخر من تلك الدول تقول : إننا لم نستضف هؤلاء الناس وهذه الفئات من العرب والمسلمين إلا ليذوب أبناؤهم في المجتمعات الغربية وليؤثروا في الإنتاج والصناعة وليخدموا العمل ، وأما إذا ظلوا متمسكين بالمبادئ والعقيدة والقيم الإسلامية فإنه حينئذٍ لم يتحقق الغرض من وجودهم في ذلك .

وهذا يعني أن هذه العَيِّنات من الناس كما ذابت في أوروبا وأمريكا ، فإنه يمكن أن تذوب عندنا ، ويمكن أن تذوب في أي بلد ، واليوم ترون أن التأثيرات المختلفة على الشباب متنوعةٌ ، فالشاب إذا لم يلتزم ويُرَبَّ على القيم الإسلامية فإنه حينئذٍ لا ضبط لتَصرُّفاته ، لا على نفسه ، ولا على أسرته ، ولا على مجتمعه ، ولا حتى على الدولة نفسها ؛ لأنه سيُنْتِج عددًا كبيرًا من التصرفات التي لا يمكن أن تنضبط بضابط .

 إن الوَطَنية وحدَها ليست كافيةً في بقاء التكتل أو بقاء وَحْدَة الأمة ؛ لأن هذه الأمة وَحْدَتُها في دينها ، وإذا كانت الوطنية تَبَعًا ، فإن هذا من الخير ، لكن إذا كانت أساسًا مع تنازل عن القيم الإسلامية وفتح المجال للقيم الغربية أو المؤثرات ليذوب الشباب فيها حينئذٍ يفقد هذا من فاعلية الناس تجاه التمسك بأساس ومقومات المجتمع والدولة الذي هو أساس البقاء والاستمرار في المستقبل .

لهذا لا نستغرب أن يوجد في مثل “بروتوكولات صهيون” وخاصة في البروتوكول الثالث عشر ، حيث يقول قائلهم : يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان ، ولتسهل سيطرتنا .

وفي البروتوكول العاشر يقول : سوف ندمر الحياة الأسرية بين الأميين ، ونُفْسِد أهميتها التربوية . ويقول أيضًا في البروتوكول الثالث : لقد خدعنا شباب الكفار – ويعني بهم غير اليهود – وأدرنا رأسه فأفسدناه بتلقيه المبادئ والنظريات التي نعرف أنها خاطئة على الرغم أننا نحن الذين قمنا بتعليمها .

وهذا هو الذي نتج ، فالمجتمعات تتجه بعقلية يسيطر عليها الإعلام ، وتسيطر عليها التجارة ، فأنتج لنا ذلك عقليات لا يمكن أن تكون مُثْمرةً لأُمَّتنا .

مَرَّة جلس بجانبي أحَدُ الشباب في الطائرة ، وكان يرتدي لِباسًا غَرْبِيًّا ، فظننتُ أنه غير سعودي ، فلما جرى الحديث معه إذا به سعودي ومن أسرة معروفة ، فتكلمت معه فوجدت المنطق مختلفًا ، يعني أن هناك تباينًا بين لغتي ولغته ، يعني من حيث الْمُسَلَّمات التي عندي والْمُسَلَّمات التي عنده ، وكذلك وجدتُ تباينًا بيني وبينه في عرض المعلومة والتساهل فيها ، واختلافًا في البحث بيني وبينه ، فلحظت حينئذٍ أن الشباب يمرون بمرحلة ليست فقط مرحلةَ تغيير القيم ، ولكن تغيير التفكير نحو القيم .

هل تغيير التفكير يُعَدُّ صحيحًا أو ليس بصحيح ؟

إن هذا في الحقيقة يوجب على المربين أن يدرسوا كيف يُخَاطب هذا الجيل ؛ لأنا أيضًا لا نريد أن نخاطب أنفسنا ، فبعد هذا الذي سمعنا من هذا الكيد وهذا التركيز في صد الشباب عن القيم والأخلاق الإسلامية لا نريد أن نخاطب أنفسنا بمثل هذه الموضوعات ، فلا بد أن تقوم دراسات في معرفة كيفية تفكير هؤلاء الشببة ، فحبذا لو تقوم دراسات ميدانية تتصل بهؤلاء الشباب في أماكن تجمعهم ، في الملاعب ، أو في المقاهي ، أو في الشوارع ، وتتعرف على كيفية تفكيرهم ، وكيف يستطيع الدعاة أو كيف يستطيع المربون أن يخاطبوهم بلغتهم ؟ لأن الله جل وعلا يقول : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ[ إبراهيم : 4 ] .

فإذا وجدتُ بُعْدًا في المسافة بيني وبين ذلك الشاب في التفكير ، وفي اللغة ، وفي التعامل مع المسلَّمات ، فحينئذٍ يتبين أن القضية ليست قضيةً سهلةً .

لا نريد أن نسهب في الموضوع ، لكن أردنا أن نبرز الفرق بين القيم والعادات ومدى اتصالهما ببعضهما ، فلا شك أن بينهما اتصالاً وفرقًا .

إن العادات الاجتماعية تختلف بين بلد وآخر ، لكن القيم الإسلامية ثابتة ؛ لأن مصدرها الوحي ، أما العادات تختلف ، فهل يكون تركيزنا على العادات أو على القيم ؟

 نقول : إن التركيز في التربية يجب أن يكون على القيم الإسلامية ؛ لأنها ثابتة ، أما العادات فإن الشريعة جاءت بتتميم الحسن منها الموافق لها وذلك كما في الحديث الشريف الذي أوردناه سابقًا ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « إِنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ » .( [6] ) فإذا كانت هذه العادة تندرج تحت أصل شرعي فإن المحافظة عليها مُتَعَيَّنَة ، وأما إذا كانت العادة من حيث هي لا تندرج تحت أصل شرعي ، فينظر في التمسك بها والمحافظة عليها من حيث مصلحة المجتمع أو عدم مصلحته .

والعادة عُرِّفت بأنها حال للنفس داعية إلى أفعال من غير فكر ولا روية . وعُرِّفت أيضًا بأنها اكتساب مهاراتٍ تُحرِّك الإنسان وقدرته على استخدام تلك المهارات بطريقة شعورية . وأضيف أنا قائلا : وبطريقة غير شعورية .

إن العادة ليس لها صفة الثبات والاستمرارية ، فالعادات تتغير ، وإذا نظرنا الآن إلى مجتمعنا فنجد أن عادات الشباب بدأت تتقارب ، فالشباب في وسط نَجْدٍ يتقارب مع الشباب الذين في منطقة الجنوب مع الشباب الذين في الحجاز ، مع الشباب الذين في الشمال ، فالعادات بدأت تتقارب ، وقبل ستين أو سبعين سنة كانت العادات مختلفة ، وهذه العادات لا يهمنا شأنها كثيرًا ، لكن الذي يهمنا منها أن تكون موافقةً للشريعة .

من الأمور التي تؤثر على القيم الإسلامية أن يُسْتَعْمَل وَصْفُ القيم الإنسانية والأخلاق الإنسانية بدلا من القيم الإسلامية ، فإذا كان هناك عمل خير يدعونا إليه دِينُنا وكان في الكتاب والسنة فينبغي أن نُسمِّيَهُ عملاً إسلاميًّا أو نُسَمِّيَهُ خُلُقًا إسلاميًَّا ، لا أن نسميه عملا إنسانيًّا ، أو خُلقًا إنسانيًّا ، فهذا من المصطلحات التي تؤثر على نفسية الشباب ، وتجعله ينظر لها نظرة عامَّة إنسانية بدلا من أن يتلقى تلك الأمور على أنها من الوحي والدين والشريعة ، وهذا بالتالي سينقله إلى التأثر بالأخلاق الإنسانية التي يستحسنها عقله ، وربما جاءت الشريعة مضادةً لتلك الأمور .

وعلينا أن نعلم أن الشاب هو أكثر الناس تأثرًا بالقيم ؛ لأن مرحلة الشباب هي فترة بنائه ، وقد قال الله جل وعلا : ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ[ النحل : 78 ] .

 فالشاب وِعاء لتلقي القيم المختلفة ، بحيث تتراكم عنده ، فهو مصدر تلقي في تلك الفترة من عمره ، وقد قال الشاعر في هذا المعنى :

أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى

فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكَنَّا( [7] )

 فإذن قلب الشاب وعاء ، فإما أن تُغْرَس فيه القيم الإسلامية ، أو يغرس فيه غيرها ، شاء الأب أم لم يشأ ، شاء المربون أم لم يشاءوا ، فلا بد أن يكون ثَمَّ هذا أو ذاك ، فلهذا يجب المبادرة بغرس القيم الإسلامية ، بل المبادرة بغرس تعاليم الدين والأخلاق الحميدة لتتمكن فيه ، وحتى تكون إِلْفًا له بعد ذلك ، وحتى تتكون قناعته بها بعد ذلك ، لهذا جاء في الشريعة الحث على بعض العبادات في سن مبكرة كقول النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة : « مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ » .( [8] )

والنبي صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس : « يَا غُلاَمُ ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ » .( [9] )

فهذا غرس من البداية للقيم ؛ لأنه إن لم يغرس المربون أو أولياء الأمور لهؤلاء الشباب تلك القيم الإسلامية ، فإنه سَيُغْرَس فيهم شيء آخر ، وحينئذٍ نذهب عن العبودية الحقة لله جل جلاله .

لماذا يكون الاهتمام بالشباب خاصة ؟

لأننا وجدنا أن تربية الأنبياء كانت متجهة للشباب ، قال جل وعلا : ﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ[ يونس : 83 ] .

 قال ابن كثير رحمه الله : “يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى – عليه السلام – مع ما جاء به من الآيات البينات ، والحجج القاطعات ، والبراهين الساطعات إلا قليل من قوم فرعون من الذرية ، وهم الشباب ، على وَجَلٍ وخوف منه ، ومن مَلَئِه أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر” .( [10] )

وقال تعالى : ﴿ إِذْ أَوَى الفِتْيَةُ إِلَى الكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا[ الكهف : 10 ] .

 وفي الحديث عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اقْتُلُوا شُيوخَ الْمُشْرِكينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُم » .( [11] ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ سَأَلْتُ أَبِى عَنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْحَدِيثِ : « اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ » . قَالَ : يَقُولُ : الشَّيْخُ لاَ يَكَادُ أَنْ يُسْلِمَ ، وَالشَّابُّ كَأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الإِسْلاَمِ مِنَ الشَّيْخِ .

والعلماء يعتنون في التربية السلوكية بمصطلح “الفتوة” ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلام كثير في ذلك ، لا نحب أن نطيل الكلام فيه .

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ سَبْعِينَ رَجُلاً يُسَمَّوْنَ الْقُرَّاءَ . قَالَ : كَانُوا يَكُونُونَ فِى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا أَمْسَوُا انْتَحَوْا نَاحِيَةً مِنَ الْمَدِينَةِ فَيَتَدَارَسُونَ وَيُصَلُّونَ ، يَحْسِبُ أَهْلُوهُمْ أَنَّهُمْ فِى الْمَسْجِدِ ، وَيَحْسِبُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ أَنَّهُمْ فِى أَهْلِيهِمْ ، حَتَّى إِذَا كَانُوا فِى وَجْهِ الصُّبْحِ اسْتَعْذَبُوا مِنَ الْمَاءِ وَاحْتَطَبُوا مِنَ الْحَطَبِ فَجَاءُوا بِهِ فَأَسْنَدُوهُ إِلَى حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، فَبَعَثَهُمُ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – جَمِيعًا ، فَأُصِيبُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ ، فَدَعَا النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – عَلَى قَتَلَتِهِمْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً فِى صَلاَةِ الْغَدَاةِ .( [12] )

 معنى ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان اهتمامه بغرس العلم والاهتمام به ، وكان اهتمامه بهؤلاء الشباب ، فهم الذين يحملون العلم عنه ، وهم الذين بقوا إلى زمن متأخر ينشرون عنه العلم ، فهذا أنس بن مالك بقي بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – نَحْوَ مائةِ عامٍ ، وهو آخرُ الصحابة وفاةً ، فقد تُوفِّيَ بعد المائة الأولى للهجرة ، وهذا يعني أن الاهتمام بهذه النوعية من الناس لغرس القيم هو بقاء لهذه القيم لأجيال ؛ لأن الاهتمام بالشباب هو اهتمام بالمستقبل في ذلك .

لا شك أن الشباب لديهم انفعالات ، وهذه الانفعالات تختلف باختلاف المجتمعات ، وباختلاف التربية ، ولا شك أن القِيم لها تأثيرٌ على انفعالات الشباب ؛ لأن انفعالات الشباب تارة تكون إِيجابيَّةً وتارة تكونُ سلبيَّةً .

إن أكثر انفعالات الشباب تتمثل في الانفعال العاطفي ، وانفعال الغرور والكبر والمجادلة وفرض الرأي ، وانفعال الخوف والقلق من المستقبل ، وانفعال الغضب ، وانفعال الرغبة في التميز والظهور والإبداع ، هذه الانفعالات الإيجابية والسلبية لا بد من التعامل معها وتوظيفها بما يخدم المجتمع ، بل بما يكون به الشاب عبدًا صالِحًا للَّه جل جلاله .

إن الشريعة والأخلاق الإسلامية لا تُغْفِل التعامل مع هذه الانفعالات ؛ لأن هذه الانفعالات خَلَقَها اللَّه – جل وعلا – في الشاب ، وقد جاء في الحديث أن النَّبِيَّ صلى اللَّه عليه وسلم قال : « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ » .( [13] ) فاللَّه – جل جلاله – هو الذي جعل في الشباب هذه الانفعالات بكل صورها سواء الانفعالات العاطفية ، أو غيرها من الانفعالات المختلفة ، وبما في ذلك الانفعال الغضبي حتى على والديه ، فأحيانا يتعامل معهما بغير أدب ، أو ربما يَعُقُّهما بنوع من الانفعال ، وهذا لعدم التوازن الخلقي لديه ، فخلقه يكون مَرَّةً حسنًا ومَرَّةً يكون غير حسن ، فيجب على المُرَبِّي أن يُوَظِّف هذه الانفعالاتِ المختلفةَ في نَفْسيَّةِ الشابِّ ، وأن يستفيد منها ، وذلك بتوجيهها إلى ما فيه صَلاحُها ، ويكونُ ذلك بغَرْس القِيم الإسلاميَّة والأخلاق الدينيَّة في نفسِه .

مِن القِيَم التي يَجِب تَوظِيفُها واستغلالُها استغلالاً حَسَنًا ما يُسَمِّيه عُلماءُ السُّلوك في الماضي “الفتوة” ، وهي امتلاء الشباب بمعالم القوة ، والرغبة في البروز ، والتَّمَيُّز ، والكرم . . . إلى غير ذلك من السِّمات . فهذه صفة محمودة ، يجب المحافظة عليها وتنميتها في الشباب ، وتتجه المجتمعات الآن في استغلال هذه الانفعالات القويَّة والرغبات المختلفة التي ترجع إلى الفتوة – بحسب مصطلح علماء الإسلام الأوائل – في الرياضة بشكل يزيد عن الحَدِّ ، وتُوَظِّفُ هذه الانفعالات كذلك في إقامة الحفلات الغنائية وما شابه ذلك ، باعتبار أن هذا يُعَدُّ نوعًا من أنواع تفجير الطاقات ، لكن هذه الممارسات وغيرها مما يمكن ممارسته يعد نوعًا من أنواع التفريط ، وهو في الواقع تعامل نفسي مع هذه العواطف أو هذه الانفعالات القوية التي يريد الشاب أن يثبت بها شيئًا ؛ وقد نجد أن الشاب الذي يتحمس لمثل هذه الأشياء يُمارس ممارسات غير أخلاقية ، من إيذاء الناس وغير ذلك من التصرفات غير الأخلاقية ، وهذا الشاب إذا صار مُلْتزِمًا بالأخلاق الإسلاميَّة فستجد أن هذه الرغبة وهذه العواطف توظف توظيفًا صحيحًا لخدمة الأمة ، بل لعبودية هذا الإنسان لربه جل وعلا .

إذن هذا العنصر إذا لم يَسْتَفِد منه المُرَبُّون فسوف يستفيد منه من يريد لهذه الأمة الانحراف عن أخلاقها الإسلامية .

إن السفه وما يَتعلَّقُ به ، ومَظاهِرَ الاستهتار ، واللامبالاة ، والطيش ، وفرض النفس ، وإظهار القُوَّة بأنواع الشجار ونحو ذلك ، هذه سِمَات لا بُد من التعامل معها والسيطرة عليها ، ولا بد أن يَحُلَّ مَحَلَّها شيءٌ ، بحيث يكونُ هذا السَّفَهُ وهذا الطيش واللامبالاة مُوجَّهًا إلى شيء آخر ، لكن أن يكون هذا مع الناس والمجتمع والأقارب والأسرة ومع معلميه إلى غير ذلك فذلك لا يجوز ولا ينبغي أن يكون ، فعلى الشباب أن يتعامل من واقع المراقبة للَّه جل جلاله ، فإذا أقيمت في نفسه المراقبة للَّه جل جلاله والخوف منه ، والالتزام ، والطاعة ، والعبادة ، فإننا سنجد أن هذه الانفعالات أصبحت محدودة ، لا نقول بإنها ستنتهي ، ولكنها ستكون محدودة بالزمان والمكان .

أما الانفعالات العاطفية فهذا شيء موجود في الشباب بقوة ، ويستغله الأعداء استغلالا أمثل ، والآن تتجه جميع الوسائل إلى تفجير هذه الطاقات في الشاب ؛ لأنها طاقات خلقها اللَّه – جل وعلا – في الشاب ، فهي كالأكل والشرب ، وتختلف عنهما في أن الأكل والشرب لا يمكن أن تقوم الحياة بدونهما .

 إن الرغبات العاطفية يمكن أن تكون إيجابيَّةً ، ويمكن أن تكون سَلْبيَّةً مُسَبِّبةً للإفساد بين الناس .

 إن العاطفة عنصر إيجابي ، فالحب ووجوده في نفس الشاب شيء إيجابي ، لكن كيف يُوَجَّه الشاب في استخدامه والتعامل معه ؟ يوجه باتباع ما جاءت به الشريعة من الحث على حب اللَّه – جل وعلا – وحب رسوله صلى اللَّه عليه وسلم ، وحب دين الإسلام ، والرغبة في الدفاع عنه ، ونصرة السنة ، والدفاع عن الحق ، ورد الظلم ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك ، فإذا نَمَت هذه العاطفة في نفس الشاب تضاءلت الانفعالات العاطفية الأخرى ؛ لأن العاطفة في القلب تحل محل عاطفة أخرى ، والإنسان إذا دعا إلى اللَّه – جل وعلا – وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر بالطرق الشرعية ، وكان مِقْدامًا في الخير ، وجد أن مضايق الشيطان عليه في هذه الأمور تضعف مع البذل في الخير والاتجاه إلى طاعة اللَّه وطاعة رسوله ، فإذا ترك هذا الجانب ، فإن مظاهر الانفعال العاطفي تزيد ، حتى ربما يقع الزلل .

إن الانسلاخ عن القيم والأخلاق الإسلامية ، والذهاب بلا شعور إلى الفكرة الغربية ، أو إلى أخلاق الغرب في عدم الانضباط في أي أمر من الأمور والعلاقات بين الجنسين الرجال والنساء ، لا شك أن هذا سيفضي ليس إلى ترك قيمة أو خلق من أخلاق الإسلام أو شريعة من شرائع الإسلام ، إنما سيفضي إلى نمو ولاء الشاب لمجتمع آخر ، وهذه هي النقطة الخطيرة .

إن الشهوات تذهب وتأتي ، لكن أن تكون مستمرة في نفس الشاب وتفكيره ، وفي علاقاته اليومية ويُرَتِّب لها ، فهذا معناه أنه يَنْقل انتماءه من مجتمع إلى مجتمع آخر ، وبالتالي تُفَرَّغ الأمة من شبابها ، وحينئذٍ لا تدري ما الذي سيحل بها عند نمو هذا الأمر بقوة .

لهذا نقول : يجب أن تعالج هذه الانفعالات بفتح الأبواب المشروعة في الشريعة من الزواج وتيسير أموره ، وإقامة العاطفة الشرعية وتنمية الحب الشرعي وهو حب اللَّه ورسوله ، وحب الدين ، وحب الوالدين ، وحب الأسرة ، وحب المجتمع ، وحب الوطن . . . إلى آخره ، مما يجعله يُفْرِغ هذه العواطف في عملية إنتاجية كما يقول أهل الاختصاص .

هناك عواطف أخرى كالغرور والكبر وهي بحاجة إلى التعامل معها بحذر مع الشباب ، ويكون ذلك بغرس قيم التواضع في نفوس الشباب ، فيجب ألا نعطي الشباب ثقة تؤدي بهم إلى الغرور ؛ لأن الشاب إذا اغتر بنفسه فإنه يُقْضَى عليه ، ويكون في ذلك هلكته ، وهذا تَجِدُه مُلاحَظًا في بعض الدعوات حتى في الدعوات الإسلامية التي تدعو إلى الأخلاق والقيم الإسلامية وتدعو إلى العقيدة ونحو ذلك ، حيث يُرَبِّي المربون فيها أفراد هذه الجماعات تَرْبيةً تُؤدي بهم إلى الغرور بأنواعه ، فتارةً يكونُ غُرورًا عِلْميًّا ، وتارة يكونُ غُرورَ قوة ، وتارةً يكونُ غُرورًا يَنْتُج عنه عَدَمُ تَحَمُّل النَّقْدِ ، ويَظُنُّ في نفسِه أنه هو المصيب دائمًا ، أو أنه هو صاحب الحق المطلق ونحو ذلك من أنواع الغرور التي يتجه إليها الشباب ، وإذا رُبِّي الشاب على الكبر في أي نوع من الاتجاهات التربوية سواء كانت دينية أو غير دينية ، فإنه يقضي عليه وتظهر عنده أمراض نفسية ضارة تفضي به إلى الوقوع في كثير من المُحرَّمات .

إن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – نهى عن الكبر ، وبَيَّن أن المُتَكَبِّر لا يدخله اللَّه – جل وعلا – الجنة ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يَدْخُل الجَنَّة مَن كان في قلبِه مِثْقالُ ذَرَّةٍ من كِبْر » . قيل : إنَّ الرَّجُل يُحِب أن يَكونَ ثَوْبُه حسنًا ، ونَعْلُه حَسَنَةً . قال : « إنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبُّ الجَمالَ ، الكِبْر بَطَرُ الحَقِّ( [14] ) ، وغَمْطُ( [15] )الناس » .( [16] )

 واللَّه – جل وعلا – يُبَيِّن ذلك في تربية لقمان لابنه في قوله : ﴿ وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الحَمِيرِ[ لقمان : 18 – 19 ] .

إن الأخلاق والقيم الإسلامية تدعو إلى الرفق والبشاشة والإذعان للحق ، وسماع ما عند الآخر ، والحوار لغرض رد الحق لأهله ، والمجادلة بالتي هي أحسن ، ولهذا تجد أن اللَّه – جل وعلا – أمرنا في القرآن أن يكون جِادلُنا بالتي هي أحسن مع الجميع ، مع المسلم وغير المسلم ، فموسى – عليه السلام – كان كلامه مع من عبدوا العجل بالتي هي أحسن ، قال جل وعلا : ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ[ الإسراء : 53 ] . وقال أيضًا جل جلاله : ﴿ وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ[ العنكبوت : 46 ] ونحو ذلك من الآيات .

 فإذن يجب أن يُتعامل مع هذه الانفعالات بما يَخْدُم الأخلاق الإسلامية .

أسباب انحراف القيم عند الشباب

إن أكبر سبب في انحراف القيم والأخلاق عند الشباب هو ضعف الإيمان والتقوى والخوف من اللَّه .

السبب الثاني : النظر للدنيا على أنها هي اللذة وهي الغاية ، وضعف النظر للآخرة .

السبب الثالث : الشهوات بأنواعها ؛ سواء كانت شهوة المال ، أو شهوة النساء لدى الرجال ، أو شهوة الرجال لدى النساء ، أو شهوة البقاء .

ومن أسباب انحراف القيم عند الشباب كثرة الشبهات ، والشبهات قد تعرض على أنها شبهة ، وقد لا تعرض على أنها شبهة ، لكن تمارس ، ويدخل الشاب فيها والمجتمع ، فتُحْدِثُ انحرافًا في العقيدة ، وانحرافًا في الولاء والبراء كالمحبة في اللَّه والبغض في اللَّه ، وتحدث انحرافًا فيما يجب أن يكون عليه الشاب .

عمر رضي اللَّه عنه يقول لقبيصة بن جابر : “إني أراك شابًّا فَصِيحَ اللِّسانِ ، فَسِيحَ الصَّدْرِ ، وقد يَكُونُ فى الرَّجُلِ عَشَرَةُ أَخْلاقٍ : تِسْعَةٌ حَسَنَةٌ ، وواحدةٌ سَيِّئَةٌ ، فيُفْسِدُ الخُلُقُ السَّيِّئُ التِّسْعَةَ الصَّالِحَةَ ، فَاتَّقِ عَثَرَاتِ الشَّبَابِ . وهذه من أعظم الوصايا ، ونختم بها حديثنا ، وصلى اللَّه وسلم على نبينا محمد .

تعليق منصور مرزوق العشير طالب بالدراسات العليا .

بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، الحمد للَّه ، والصلاة والسلام على رسول اللَّه ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

في البداية أحب أن أشكر معالي الشيخ صالح على هذا الموضوع القيم الذي أتى في وقته ؛ لأن الشباب في هذه الأيام يَمُرُّون بتحدياتٍ كثيرةٍ ، ويحتاجون لِمَن يقف معَهم ويساندهم في مواجهة هذه التحديات ، وأحب أن أذكر ثلاث نقاط :

أولاً : اختيارُ هذا الموضوع ، وهو تَعْمِيقُ الصِّلةِ بينَ الشبابِ والقِيم الإسلاميَّةِ اختيارٌ مُوفَّق ؛ لأننا في هذه الأيام على وجه التحديد نحتاج إلى حلول عَمَلية للشباب ؛ لأنه لم تَعُدْ هناك فائدةٌ للحلول النظرية والمواعظ ، فنحن بحاجة إلى حلول ملموسة نضعها للشباب ليستطيعوا مواجهة القيم الوافدة والتحديات الخطيرة التي يواجهونها في هذه الأيام ، والشباب في أَمَسِّ الحاجة إلى أن نعمق صلتهم بعقيدتهم الإسلامية وما ينبثق عن هذه العقيدة من قيم وتشريعات ومبادئ فاضلة .

وأود أن أشير إلى أن الشباب في هذه الأيام بحاجة إلى أن نُحَصِّنهم – إن صح التعبير – ضد هذه التحديات بالقيم والمبادئ الإسلامية لتكون حِصْنًا لهم يقيهم من الأمراض المتمثلة في القيم الوافدة والأفكار الهدامة التي بدأت تنصب علينا من كل حَدَبٍ وصَوْب ، وهم بحاجة إلى تحصينهم بالعقيدة الإسلامية الصحيحة وبالحلول العملية التي تُمَكِّنُهم من مواجهة هذه التحديات ، ومن هذا المنطلق أحب أن أقول : إن دور وزارة الشئون الإسلامية يجب أن يتغير ، ولقد لمست تَغَيُّرًا إيجابيًّا في هذا الصيف الماضي ، فقد كنت في جدة ، وحضرت بعض المخيمات الدعوية ، فوجدت تَغَيُّرًا في مفهوم الداعية ، فلم يَعُد الداعية يجلس في مكتبه أو في مكانه ويعطي محاضراتٍ وخطبًا والناس تستمع له ، بل أصبح الداعية ينزل إلى الميادين ، وأصبح من الضروري أن نقوم بعمل البحوث الميدانية ، وأن نستفيد من علماء الاجتماع وعلماء النفس وعلماء الحسبة في عمل دراسات ميدانية للشباب لمعرفة ماذا لديهم وبماذا يفكرون ، فعلماء النفس يربطون بين ما يفكر به الشاب وبين ما يؤمن به من مبادئ وقيم وما يسلكه . يعني إن صح التعبير قل لي : فيما تفكر ؟ أقل لك : من أنت . على حد قول الشاعر :

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه

فكل قرينٍ بالمقارن يقتدي( [17] )

فيجب أن يَتغَيَّر دَوْر الداعية ، وذلك بنزوله إلى الميدان ، وعليه أن يَتلَمَّس احتياجات الشباب .

إن الشاب يجد تَناقُضًا في مجتمعنا بين القيم المثالية والقيم الواقعية ، وهذا للأسف موجود في مجتمعنا ، حيث ينشأ الشاب منذ صغره ويجد تناقضًا بين ما نقول وما نفعل ، وبين ما نؤمن به وما نمارسه ، وبين القيم التي يجب أن تكون وما هو كائن بالفعل ، فنحن –مثلاً – نؤمن بقيمة أن الإسراف حرام ، لكننا نجد في مجتمعنا ظاهرة الإسراف منتشرة ، وهلم جَرًّا ، فيجب أن نصحح هذه التناقضات حتى يعيش الشاب في توازن ، ويتبنى القيم الإيجابية ، ويجب أن ندرك أن الشباب بحاجة إلى من يساندهم .

كلمة الشيخ صالح

شكراً للأخ على هذا التعليق الجيد ، ولا شك أني أؤيد الأخ على أن الوزارة يَجِب عليها أن تُعَمِّق الصلة بالشباب من خلال برامِجِها ، وهناك خُطوات جادَّة في هذا المجال ، والإشكال في الحقيقةِ يَتمَثَّل في التخطيط ، فالإنتاج دائمًا ينبي على التخطيط ، يعني لا بد أن يكون التخطيط واضحًا ، وأن تكون الدراسة واضحةً ، ثم يكون الإنتاج ، قد لا يكون التخطيط الدعوي وفهم نفسية الناس على مستوى الواقع ، لهذا إما أن نتوقف حتى يَكْتَمِل التخطيط والنظرة والتأمل ، ثم بعد ذلك نبدأ ، وإما أن نَستمِرَّ ونبدأَ على حدودِ ما يُنْتَهى إليه ويُقَرُّ ، وأظن أن الأمر الثاني هو الأولى ، بل هو المُتَعَيَّن دِينًا وشَرْعًا ، فما لا يُدْرَك كُلُّه لا يُتْرك جُلُّه .

والوزارة لها خطاب للطفل ، ولها خطاب للمرأة ، ولها خطاب لكل فئات المجتمع ، وهذا يحتاج إلى وقت في دراسته والنظر إليه ، وسيكون هناك برنامج للفتيات – إن شاء اللَّه – في الدعوة وفي المحاضرات وفي بعض الأنشطة ، كذلك الطفل هناك عِدَّة أفكار تَتعلَّق به لتركيز القيم والأخلاق عنده وربطه بالعقيدة والتوحيد وتشريع الإسلام ، وربطه بالعلماء من صغره واحترامه للدين وغيرته . . . إلخ ، ونرجو أن يكتمل هذا المخطط حتى ننهض بأمتنا .

لكن أريد أن أقول : إنني لم أجد دراسات علمية جَادَّة ميدانية تَخْدُم الوزارة في انطلاقها نحو الناس ، أليس من المفترض أن تُوجَد دراسات ميدانيَّة واضحة ننطلق من خلالها ؟ فلا توجد رسائل جامعية سواء في علم النفس أو علم الاجتماع تخدمنا في هذا الأمر ، فجُلُّ الرسائل في هذين العِلْمين تردد أمورًا نظرية لم ترتق إلى واقع مجتمعنا .

إن المجتمع يعاني من أمراض نفسية يجب العمل لحلها من خلال واقع عملي ، لذلك نحن نريد برامجَ واضحةً للطفل المسلم تُنَمِّي فيه القِيم الإسلامية ، لكن للأسف ما وُجِدت رسائل جادَّة حتى الآن تُحَقِّق مثلَ هذا ، أو يمكن أن يُبْنَى عليها ، لهذا أرجو أن تقوم دراساتٌ واقعيَّةٌ للتَّخَصُّصات الشرعيَّة والدَّعوية وعلم النفس وعلم الاجتماع فيما يَخْدُم القِطاعات الحُكومية ، فهناك انعزالٌ بين حاجةِ القِطاعات الحُكومَّية والمُؤَسَّسات والوَزارات وبين الذي يُمارَسُ في دور العلم والجامعات ، والطريق الصحيح في نُمو الأُمَّة أن وَزارة الشئون الإسلاميَّة تقول للجامعات : أنا مُحتاجة إلى هذه البحوث . ويُوَجَّه لها طَلبةُ الدِّرَاسات العُليا ، قد تكون بُحوثًا عِلْمية وقد تكون بُحوثًا دَعوية ، وقد تكون بُحوثًا مَيْدانيَّة في علم النفس أو العلوم المختلفة ، وكذلك وزارة المعارف تقول : أنا محتاجة لهذا . وكذلك وزارة الصناعة والكهرباء ، لكن هذا الانعزال ينشأ عنه عدم وجود علاقة ما بين حاجات الوزارات في الإنتاج وما يُعْمَل في الدراسات العليا في عدد من الجامعات .

 هناك دراسات مُؤَثِّرة وجَيِّدة نَبَعَت من اهتمام الشخص نفسه ونزوله للميدان ورغبته في إضافة أمر جديد ، لكن ليست بناء على خطة موضوعة في ذلك ، إذا ضربنا مثلاً في الدعوة هل الدعوة في الخارج تكون بنفس المنطق الذي نسير عليه داخل بلدنا ، نحن نقول هذا لإحداث نوع من نقد الذات ، فلا بد لنا أن نعترف بذلك كي نسير نحو المستقبل بوضوح ، إن الدعاة يبذلون جَهْدًا كبيرًا جِدًّا ويؤدون أكثر مِمَّا يُطْلَب منهم سواءٌ في الداخل أو في الخارج ، لكن هل منطق الدعوة في المملكة هو نفس منطق الدعوة في الأرجنتين ؟

 ليس هناك شك في أن المنطق مختلف ، ونحن نرغب أن يكون هناك شيء من التصحيح ، فهل هناك دراسات سعودية أو عربية توضح عقلية المسلمين الذين يعيشون في الغرب ، أو توضح عقلية المسلمين الذين يعيشون في الشرق ؟ وهل هناك دراسات توضح عقلية غير المسلمين ، وكيفية الخطاب الذي يُوَجَّه إليهم ؟

 لا شك أن نوعية الخِطاب مُؤَثِّرة في تحديد الهدف ، ومُؤَثِّرة في تأهيل الداعية ، أو مؤثرة في عمل الوزارة ، لهذا نعترف بأننا في الحقيقة مقصرون ، لكن ليس التقصير ناتجًا من أننا لا نريد أن نصل ، التقصير ناتج من عدم إمكانية فعل شيء أكثر من هذا ؛ لأننا نحتاج إلى التفكير العلمي ونحن نفقد عددا من الحلقات في هذه العملية ، لهذا إذا أمكن أن يُدَرَّس هذا الموضوع في الجامعات وأن تكون البحوث والدراسات أكثر خِدْمة لوزارات الدولة وللمؤسسات حتى يمكن أن ننطلق منها في المستقبل ، فإنه سيكون أنفع إن شاء اللَّه .

أسئلة

سؤال :

 هل نَسْتطيع أن نَعْتبِر أن العَوْلَمة أداةٌ من أدوات نَزْع القِيَم الإسلاميَّة من المسلمين أو هدمها ؟ أم أنها تُعْتَبر وسيلةً من وسائل الارتقاء بالقيم الإسلامية ؟

جواب :

 إن موضوع العَوْلَمة مَوْضوع ضخم وكبير ، لكنَّ العَوْلَمة لها تَعْرِيفٌ ولها هَدَف ، والهدف من العَوْلمة هي سيطرةُ القِيَم الغَرْبيَّة على العالَم ، ومن ثم سيطرة الولاء للدُّولار ، ومن ثَمَّ الدفاع بشكلٍ أو بآخر إلى الدفاع عنه ؛ لأن الإنسان يعتبره دفاعًا عن عُمْلتِه ودفاعا عن بقائه ، وبالتالي الدفاع عن أمريكا بالخصوص ، وهي فكرة نشأت من أمريكا ، ثم انتشرت هذه الفكرة في العالم ، فالعولمة عقيدة وفكر واقتصاد وسياسة . . . إلى آخره ، لكن تصب في النتيجة التي ذكرتُها باختصارٍ .

سؤال :

 ما هي الطريقة الصحيحة لتربية النفس على المبادئ الإسلامية الأصيلة ؟ وهل هناك كتب تنصحون بقراءتها تساعد على تأصيل القيم الإسلامية الأصيلة في النفس ؟

جواب :

 على كلِّ حالٍ القِيمُ والأخلاقُ الإسلاميَّةُ هي نتيجة لدَيْنُونة العبد لربه – جل وعلا – بالطاعة والعبودية الحَقَّة له سبحانه وتعالى ، وإذا صَحَّت العبودية وصح الرَّغَب في الدين والتوجه له والالتزام به ، فإن المرء كنتيجة طبيعة يبحث عن كل خلق حسن ليلتزم به ، لأنه دين اللَّه الذي أمر به ، ومصدر الأخلاق والقيم هو كتاب اللَّه – جل وعلا – وسنة رسوله صلى اللَّه عليه وسلم ، فإذا التزم المرء المسلم بهذه الأخلاق صار للأمة ذكر بين الأمم ، وصارت الأمة الإسلامية هي الأمة الرائدة لعقود من الزمان أو أكثر ؛ وذلك لأنها التزمت بمبادئ الإسلام ، وقادت الناس بها وربتهم عليها .

 إذن من أسباب نهوض أمتنا هو الالتزام بالوحي المُنَزَّل من الكِتاب والسُّنة وبما كان عليه الصحابة – رضوان اللَّه عليهم – و التابعون ، فالتربية التي نحتاجها هي التربية التي فيها مزج ما بين أصول التربية عند السلف بخطواتها أو عناصرها الكبيرة وما بين رعاية الواقع ، قد يُوجَد مِن الشباب مَن عنده التزام بالخلق الإسلامي ورغبة في الخير والدعوة إليه ، لكنه لا يستطيع أن ينقل هذا للناس ، وذلك لعدم واقعيته ، وعدم حسن تقديره للأمور ، فهو يريد أن يكون الناس على الالتزام الأمثل دفعة واحدة ، وهذا ليس صحيحا ، وعليه أن يتذكر قول اللَّه جل وعلا : ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا[ النساء : 94 ] . فلا ينبغي للشاب أو المربي أن ينقلب إلى ناقد دون أن يعرض ما عنده ويُرَغِّب فيه ، فهذا بلا شك ليس من الدعوة ، فالدعوة هي أن تعرض ما عندك ، ولهذا يقول اللَّه – جل وعلا – حاثًّا على الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ[ آل عمران : 104 ] .

 لكن الذي ينهى الناس دائمًا ولا يقدم لهم برنامجًا في التربية الإسلامية وبرنامجًا للمحافظة على القيم الإسلامية والإخلاق الإسلامية لن ينجح ، لأن الضغوط التي على الآخرين ستكون أكبر من نهيه الدائم دون تقديم الحلول المثلى ، وحينئذٍ لن يكون هناك تقدم في ذلك ، فلذلك نقول : إن التربية على مبادئ الإسلام ، وعلى الأخلاق الإسلامية والقيم الإسلامية هو واجب الدولة أولاً ، وواجب مؤسساتها الخيرية ، ثم هو واجب المربين في أي مجال يوجدون فيه ، وواجب كل مسئول مهما صغرت مسئوليته ، وواجب الأسرة ، وواجب المرء مع زملائه ، فإذا اختل عنصر من هذه العناصر حصل من الخلل بقَدْرِه .

سؤال :

 تحدثتم أثابكم اللَّه عن القِيم وعن الشباب ، ولكن السؤال : ما هي الجهة المعنية بتعميق الصلة بين الاثنين ، وماذا عن تناقض المصادر التي تؤثر في الشباب وتؤثر في سلوكهم كمصادر الأسرة والتعليم مقابل مصادر الإعلام والإنترنت ؟ وماذا قدمت وزارة الشئون الإسلامية للشباب السعودي تجاه هذا الموضوع في الميدان ، وليس عن طريق الكتيبات وما شابه ذلك فقد يمل الشباب من كثرة ما يقال ويطرح حول ترسيخ القيم لديه وهو في وسط زحمة ما يعرض عليه من فتن ، فهل نحن نعاني من نمطية عدم القيم ؟ وهل هناك وسائل منافسة لوسائل الفتن ؟

جواب :

 لا شك أن ترسيخ القيم في أنفس الشباب مهمة المجتمع ، فهو الذي يرسخ القيم ، والمجتمع الملتزم بالإسلام في كل أجزائه يُرَسِّخ القيم الإسلامية والأخلاق الإسلامية بل كل أجزائه وكل وحداته تدعو إلى الاستمساك بالعقيدة والشريعة وامتثال العبودية الحقة للَّه – جل وعلا – بأداء الفرائض والانتهاء عن المُحَرَّمات ، ووزارة الشئون الإسلامية بحكم اختصاصها وبحكم الأمكانات التي لديها أدت كثيرا مما ذكرنا ، ويرجى – إن شاء اللَّه – أن تؤدي أكثر ، ونسأل اللَّه الإعانة ، ووزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ليس هناك عدد لمنسوبيها أو عدد لموظفيها ؛ لأنها وزارة الجميع ، فهي وزارة الدعوة والخير ، إذن كل مهتم بأمر الدعوة له صلة بالوزارة ، وله حق على الوزارة في أن تسهل له ، لكن وفق الإمكانات ، ووفق ما عندها من ذلك ، ونرجو أن يحقق ذلك .

إن تحقيق القيم الإسلامية يحتاج إلى اكتمال هذه المنظومة ، وفي الواقع أن تربية الشباب تحتاج إلى تربية عملية ميدانية ، وتحتاج إلى عمل بدائل لتفريغ انفعالاتهم اللامحدودة في الرياضة , وانفعالاتهم اللامحدودة في العواطف والشهوات . . . إلخ ، فلا بد أن نضع البدائل ، ومن أهمها أن يعيش في صحبة صالحة ، وأن يعيش مع مجموعة تعطيه ما يحتاجه وترسخ فيه التوحيد والعقيدة والالتزام بالإسلام وبأخلاق الإسلام ، إذن الوجود في مجتمع صالح وفي مجموعة صالحة ومع صحبة صالحة هذا يؤصل القيم في النفوس ، وهذه مسألة كبيرة يجب على كل واحد أن يؤدي دوره فيها .

سؤال :

 ما هي وسائل تحصين الشباب ضد القيم الوافدة خاصة عن طريق وسائل الإعلام وعن طريق الإنترنت ، وما هو دور المؤسسات التربوية وما هو دور أعضاء هيئة التدريس في هذا الموضوع ؟

جواب :

 يجب علينا – نحن المهتمين – بترسيخ عبودية الناس لربهم – جل وعلا – وترسيخ اهتمام الشباب بالأخلاق ، ويجب علينا أن نتسابق مع ما يأتينا ؛ لأن الإنترنت خطره كبير وفوائده كبيرة كأي وسيلة اتصال أو كأي وسيلة معلومات ، وأنا في تصوري أنه لا غنى عنه ، فلا يمكن أن يقال : إننا في غنى عنه . إلا إذا قلنا : نحن في غنى عن الهاتف والمذياع ووسائل الإعلام الأخرى . . . إلخ . يعني لا يمكن الاستغناء عنها بشكل أو بآخر ، ولا شك أن هناك هجمة وهي جزء من هدف عالمي لإذابة الأخلاق حتى تحصل الجهات التي تسعى وراء ذلك على التبعية لهم ، فما الحل مثل هذه الأمور خاصة الإنترنت ؟

 أنا أقول : ليس لدي في الحقيقة حل أطرحه أمام ما يمارسه الشباب مع شبكات الإنترنت ، قد كان فيما سبق من الممكن أن تمنع الشبهات التي تُعْرَض من خلال الكُتب سواء شبهات العقيدة أو التي تقوم بالهجوم على الدعوة أو التي فيها نقد للقرآن أو غير ذلك من الأمور اللاأخلاقية أو المنحرفة من صور وشهوات . . . إلخ ، لكن ما يمارسه الشباب أو ينظرون إليه من خلال الإنترنت أمر يصعب السيطرة عليه ، والإنترنت هو في الحقيقة وسيلة من وسائل العولمة وإلغاء الحدود ، فما العمل ؟

 أنا أقول : ليس عندي حل لهذا الانفتاح إلا أن نربي الناس على القيم والمبادئ الإسلامية ونرسخ فيهم الدين والعقيدة بحيث ينصرفون عن هذه الأمور رغبةً ، والحكومة عندنا تَبْذُل جهدًا كبيرًا لمنع المواقع التي تضر بالقيم والمبادئ الإسلامية ، لكن الشباب الآن يخترقون تلك المواقع في بيوتهم ، وكذلك المقاهي تقوم بعرض تلك المواقع التي تشتمل على صور غير مرغوب فيها أو على ما هو أشدُّ من ذلك كالشبهات والأفكار التي تناهض ما نحن عليه في هذا البلد ، فليس لدينا في الحقيقة حل إلا أن نُحَصِّن الشباب بقُوَّةٍ دينية تشمل الرد على الشبهات ، ونحصنه بالتمسك بالدين والعقيدة بداية من التعليم الابتدائي حتى التعليم الجامعي ، وكذلك علينا بث ذلك في المجتمع ككل من خلال وسائل الإعلام وجميع وسائل الدولة ، وأن نضيق بقدر الإمكان تلك المنافذ الهدامة ، وعلينا أن ننهى عن المنكر قدر الإمكان وبما في الوسع ، فهذا أمر في غاية الأهمية ، فيجب أن نعمل ما نستطيع للنهوض بتلك الأمة وعلينا أن نتسغل تلك الوسائل الحديثة في الدعوة ، لكن أن يُقْضَى عليها ويقال : إنه لا يستفاد منها إلا فيما فيه ضرر للناس ، فهذا غير صحيح ، بعض البلاد تمنع كتب أئمة الدعوة كالشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه اللَّه – و كتب من قبله كابن تيمية وتلامذة الدعوة الإصلاحية في نجد التي قامت عليها الدولة ، لكن من خلال الإنترنت تم نشرها بين الشباب .

 فاخْتُرِقت الحدود السياسية في جانب إيجابي ، فما كان يصادر من خلال المطار وصل إلى الناس عن طريق هذه الشبكة ، فاستغلال هذه الشبكات ورد المنكر بحسبه وتقوية الصلة وتنمية الروح الدينية هي الحل ، والعاقل يُبَصِّر غيرَه ويعصم نفسه بإذن اللَّه مُسْتعصِمًا بالواحد الأحد ، والنظر إلى الآخرة وما فيها من حساب وعرض وميزان ، نسأل اللَّه الإعانة على ذلك .

سؤال :

نود توضيح عدم الاستطاعة في العصر الحالي لتوقيف تأثير القيم الحالية على الشباب مع أن الإسلام في الأساس أتى وأوقف تأثر الشباب والناس كلهم بالقيم الفاسدة وجزاكم اللَّه خيرًا .

جواب :

 ليس معنى عدم الاستطاعة أن نتوقف عن العمل للإصلاح ، ولكن عدم الاستطاعة حكم شرعي مستمد من قوله تعالى : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا[ البقرة : 286 ] . فإذا لم تستطع فمعفو عنك شَرْعًا ؛ لأنك مأمور أن تعمل بما تستطيع ، لا يستطيع أحد أن يقول : إنه يوجد برنامج دعوي يستطيع أن يجعل جميع شباب الأمة صالحين لا تأثيرَ للقيم الأخرى عليهم ، هذا أمر غير واقعي ، ففي زمن النبوة من الشباب من مارس بعض الخطايا ، فقد جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي أَخَذْتُ امْرَأَةً فِي الْبُسْتَانِ ، فَفَعَلْتُ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ أَنِّي لَمْ أُجَامِعْهَا ، قَبَّلْتُهَا ، وَلَزِمْتُهَا ، وَلَمْ أَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَافْعَلْ بِي مَا شِئْتَ . فَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – شَيْئًا . فَذَهَبَ الرَّجُلُ . فَقَالَ عُمَرُ : لَقَدْ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَوْ سَتَرَ عَلَى نَفْسِهِ!! قَالَ : فَأَتْبَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بَصَرَهُ ، فَقَالَ : « رَدُّوهُ عَلَيَّ » . فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ : ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ

 ﴾ [ هود : 114 ] . فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ : أَلَهُ وَحْدَهُ أَمْ لِلنَّاسِ كَافَّةً يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : « بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً » .( [18] )

 والرجل والمرأة اللذان زنيا وأقيم عليهما الحد ، والذي سرق ، والذي كذب ، والرجل الذي أتى إلى النبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، ائذن لي في الزنى ، فقال له : « أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ ؟ » . قَالَ : لاَ وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : « وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ » . قَالَ : « أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ ؟ » . قَالَ : لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : « وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ » . قَالَ : « أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ ؟ » . قَالَ : لاَ وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : « وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ » . قَالَ : « أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ » . قَالَ : لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : « وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ » . قَالَ : « أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ » . قَالَ : لاَ وَاللَّهِ ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ . قَالَ : « وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاَتِهِمْ » . قَالَ : فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ : « اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ » . قَالَ : فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَىْءٍ .( [19] ) ونحو ذلك .

 فهذه أمور موجودة لا يمكن أن تتوقف ، لأن هذا من طبيعة الإنسان ، لكن يجب أن نعمل للدعوة ، وأن نعمل لترسيخ هذه القيم وتوجيه الشباب إلى ما ينفع ، ويكون ذلك بأمور واقعية ؛ لأن المربين والدعاة إذا كانوا يتكلمون كلاما نظريا فلن يجدي الأمر .

 إن الشابَ لن يُفْصِح بهمومه وبما يمارسه للوالد إذا كان في معزل عنه ، فيمارس الولد كل شيء بغيبةٍ عن أبيه فضلاً عمن هو أبعد من أبيه ، فإذا كان كذلك فلا بد من النزول للواقع والترغيب والترهيب وفتح باب التوبة والمغفرة بالوسائل المشروعة التي أمر اللَّه – جل وعلا – بها ، وأمر بها رسوله صلى اللَّه عليه وسلم .

 لا أستطيع أن أقول للشاب : لا تنفعل عاطفيًّا ، فالكبار العقلاء لا يستطيعون ذلك مع أنفسهم فربما حصل منهم أشياء لا تصدر عن مثلهم فكيف بالشاب الصغير الذي عنده من أنواع الاندفاعات وليس لديه وسيلة شرعية لتفريغها ؟! فيجب علينا أن نعمل جاهدين لترسيخ القيم في الشباب من خلال واقع عملي ، كما كان في زمن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ، حيث رسخ الإسلام فيهم المبادئ السامية فانطلقت الأمة بشباب فتحوا البلاد وقادوا الناس إلى عبودية اللَّه جل وعلا .

إذا اجتمع الجميع على الدعوة وعلى ترسيخ القيم الإسلامية وعدم الخروج عنها فستضعف كل مضادات هذه القيم ، ويكون ذلك بتطبيق الشريعة بكاملها ، فكلما طبقت الشريعة بكاملها ضعفت الممارسات الخاطئة ، وكلما أهملت أو ضعف تطبيقها في كثير من الأنحاء أو في بعض الأنحاء وجد عدم الالتزام بالأخلاق .

 فينغي ألا نقيس زمنًا كان الكل فيه يتجه إلى العبودية للَّه – جل وعلا – بزمن كثرت فيه المؤثرات الفضائية والمؤثرات المعلوماتية والاختلاط ، وقال بعض الصحابة رضي اللَّه عنهم أجمعين : ابتلينا بالضراء فصبرنا ، وابتلينا بالسراء فلم نصبر ، أحد الصحابة دخل على آخر في بيته ، فوجد عنده جدارا قد كساه بالقماش ، فغضب الصحابي على أخيه ، قال : حتى الجدر كسوتموها . وخرج من عنده فخرج الصحابي الآخر يستسمحه ، وقال : يا أبا فلان ، إن نساءنا قد غلبننا في ذلك . قال : وتقول : إن نساءكم قد غلبنكم ؟! يعني هذه مصيبة ثانية . ومعنى هذا أنه حدث تحول حتى في عهد الصحابة ، وذلك بسبب التداخلات الكثيرة التي نتجت من الاختلاط بالعجم والحضارات الأخرى ، وما أتبع ذلك من وجود الترف والإسراف وكثرة المادة ، فحدث نوع من الاختلال في القيم ، فكيف بوقتنا الحاضر ؟!

 إن القيم تتأثر بكثرة ما يعرض لها ، فالمرء اليوم يشاهد مئات القنوات الفضائية لكل بلدان العالم ويرى فيها ما يرى, سابقًا كان المرء إذا سافر لبلد ما وأقام به شهرين أو ثلاثة فإنه يتأثر بثقافة تلك البلد ، كمن يسافر إلى أمريكا أو إلى فرنسا أو إلى بريطانيا أو إلى أي بلد فإنه يتأثر ، فالحس يتغير وقوة الغيرة . . . إلخ ، وحتى نظرته إلى النصارى ونظرته إلى الكفار تتغير بشكل أو بآخر من جراء الاختلاط ، والآن الأمة تعيش معهم يومًا بيوم من خلال ذلك الانفتاح المعلوماتي ، وهذا مدعاة إلى الانسلاخ ومدعاة لضعف القيم .

 إذن الواجب علينا لمواجهة هذه التحديات أن نقوم بغرس الوازع الديني ، لدى أبنائنا ، وللَّه الحمد نحن نقوم بالتوجيه السليم ونبذل الكثير في ذلك ، لكن يجب البذل أكثر وأكثر ، ونرجو أن يتحقق المرجو وأن يتم الالتزام بالشريعة والقيم . ونسأل اللَّه أن يرد كيد الأعداء إلى نحورهم ، إنه سبحانه سميع مجيب .

سؤال :

 قد انتشر في هذا الزمان ملابس نسائية لا تليق بالمرأة المسلمة ، كيف نُحِدُّ من هذه المشكلة ؟ ثم هناك فرق كبير بين الشباب في العصر الماضي والعصر الحالي تجاه المعلم ، ما هي الأسباب وكيف نرجع للمعلم احترامه ؟ وجزاكم اللَّه خيرًا .

جواب :

 إرجاع احترام المعلم أمر يحتاج إلى متخصص في العملية التعليمية بحيث يتكلم عنه ، لكن الواجب علينا إنكار مثل هذه الأمور التي تخالف الشريعة ، وإقرار وتأييد كل ما لا يخالف الشريعة ، أحيانًا تجد أمور فعلينا بالنظر فيها وهل متفقة مع الشريعة ، فإذا كانت متفقة مع الشرع فمَرْحبًا بها ، وإذا كانت مخالفة لنص من الكتاب والسنة أو لأصول الشرع وقواعده ، فيجب أن ترفض .

أما بخصوص انتشار الملابس النسائية فلعل السائل يشير إلى نوع من العباءات التي انتشرت التي يسمونها العباءة الفرنسية أو الإيطالية ، فهناك أنواع من العباءات انتشرت وما هي بعباءة ، وإنما هي لباس جديد ، لكنها تسمى باسم العباءة ، وبحد علمي أنه صدرت تعليمات من وزارة التجارة بمنع هذه الملابس وسحبها من الأسواق وعدم السماح بتوريدها ؛ لأن فيها مواصفات للعباءة التي يجوز بيعها عند الجهات المختصة ، وبعض هذه العباءات صناعة محلية وبعضها جاءنا من خلال الاستيراد ، لكنها مُنِعت رَسْميًّا فيما أعلم .

 نرجو أن يسدد اللَّه الجميع ، والحمد للَّه ولاة الأمور لدينا لا يتساهلون في مثل هذه المسائل ، فكل ما يضر بالمرأة والشاب في أخلاقه والتزامه وطُهْره وعَفافه يُسْعَى لرَدِّه ، لكن نسأل اللَّه – جل وعلا – أن يُهَيِّئَ من الأسباب ما يُعِين الناس على رَفْض هذه الأشياء وعدم التَّفاعُل معَها .



( [1] ) أخرجه البخاري في ” الأدب المفرد ” رقم ( 273 ) ، وأحمد ( 2 / 381 ، رقم 8939 ) وغيرهما . وصححه الألباني في الصحيحة 45 .

( [2] ) سبق تخريجه .

( [3] ) تفسير القرطبي 2 / 154 .

( [4] ) تفسير الطبري 6 / 129 .

( [5] ) أخرجه مسلم ( 1 / 93 ، رقم 91 ) .

( [6] ) سبق تخريجه .

( [7] ) البيت لمجنون بني عامر ، انظر البيان والتبيين للجاحظ ص 233 .

( [8] )أخرجه أحمد ( 2 / 180 ، رقم 6689 ) ، وأبو داود ( 1 / 133 ، رقم 495 ) .

( [9] ) أخرجه أحمد ( 1 / 293 ، رقم 2669 ) ، والترمذى ( 4 / 667 ، رقم 2516 ) وقال : حسن صحيح .

( [10] ) تفسير ابن كثير 4 / 278 .

( [11] ) أخرجه أحمد ( 5 / 20 ، رقم 20243 ) ، وأبو داود ( 3 / 54 ، رقم 2670 ) واللفظ لهما ، والترمذي ( 4 / 145 ، رقم 1583 ) وقال : حسن صحيح غريب .

( [12] ) أخرجه أحمد ( 3 / 235 ، رقم 13487 ) .

( [13] ) أخرجه أحمد ( 4 / 151 ، رقم 17409 ) ، والطبراني ( 17 / 309 ، رقم 853 ) . وأخرجه أيضًا أبو يعلى ( 3 / 288 ، رقم 1749 ) . قال الهيثمي : ( 10 / 270 ) : إسناده حسن .

( [14] ) هو أن يتكبَّر عن الحق فلا يقبلُه . النهاية : بطر .

( [15] ) الغَمْط : الاسْتِهانة والاسْتحْقار . النهاية : غمط .

( [16] ) أخرجه مسلم ( 1 / 93 ، رقم 91 ) .

( [17] ) البيت لعدي بن زيد ، انظر نهاية الأرب 1 / 268 .

( [18] ) أخرجه أحمد ( 1 / 449 ، رقم 4290 ) .

( [19] )أخرجه أحمد ( 5 / 256 ، رقم 22265 ) .

شاركها مع أصدقاءك