بواسطة :
الزيارات : 2٬059 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

الوَلَاء والبَرَاء

الخطبة الأولى :

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ( 1 ) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ( 2 ) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ( 3 ) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ( 4 ) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا[ الكهف : 1 – 5 ] .

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام والتوحيد والسنَّة ، والحمد لله الذي مَنَّ علينا بأنْ جعلنا محبِّين لدينه ، محبين لنبيه عليه الصلاة والسلام ، بل محبين لله جل جلاله وتقدستْ أسماؤه ، فله الحمد على ذلك ابتداءً وانتهاءً ، وأوَّلًا وآخِرًا ، هو المحمود على كل حال ، والمحمود بكل لسان ، والمُثْنَى عليه بكل جَنان ، فله الحمد – سبحانه – في الأُولى والأُخرى ، وله الحُكم وإليه تُرْجَعُون . .

وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله ، وصفيُّه وخليلُه ، نشهد أنه بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ، ونَصَحَ الأُمَّة ، وجاهدَ في الله حق الجهاد ، اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ وعلى آله وصَحْبه وسلِّمِ اللَّهُمَّ تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فيا أيها المؤمنون ، أُوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل ؛ فإن تقوى الله والاستعداد للقاء الله معها نور الله – جل وعلا – في القلوب ، ونور الله إذا انشرح له الصدر فإن الحياة حينئذ تكون سعيدةً ، والآخرة بفضل الله ستكون سعيدة بإذن الله ورحمته .

الوَلَاء والبَرَاء في القرآن والسُّنَّة :

أيها المؤمنُ ، إن من أوجب الواجبات في الشريعة ، وأكثر الفرائض تأكيدًا في كتاب الله – جل وعلا – بعد وجوب التوحيد والنهي عن ضده ، وهو الفرض الأعظم ؛ إن من أوجب تلك الواجبات الحب في الله ، والبُغْض في الله ، والوَلَاء والبَرَاء في الله جل وعلا ، فنصوص القرآن ونصوص السنَّة بعدما جاء فيها من الأمر بالتوحيد ، ومن النهي عن ضده ، فإن فيها جملًا كثيرة ، بل إن فيها آياتٍ عظيمة وأحاديث كثيرة فيها الأمر بوجوب الموالاة في الله والمعاداة في الله ، والحب في الله والبُغض في الله :

قال ربنا سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا ﴾ [ آل عمران : 118 ] .

وقال جل وعلا : ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ( 55 ) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [ المائدة : 55 ، 56 ] .

وقال جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ[ الممتحنة : 1 ] .

وقال سبحانه : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ( 27 ) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ الزُّخْرُف : 26 – 28 ] .

وقال جل وعلا : ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ[ الممتحنة : 4 ] .

أيها المؤمن ، ومن ذلك ما صَحَّ عن النبي – عليه الصلاة والسلام – أنه قال : « ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ » ، وذكر منها : « أَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ » ( [1] ) . وقال سبحانه : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[ التوبة : 71 ] ، وقال أيضًا جل وعلا : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ [ الأنفال : 73 ] ، وجاء عنه – عليه الصلاة والسلام – أنه قال : « أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللهِ وَالْبُغْضُ فِي اللهِ » ( [2] ) .

إذا تَبَيَّنَ لك ذلك من بعض ما ذكرنا من نصوص الكتاب والنصوص ، فاعْلَمْ أن الولاء والبراء ، والحب في الله والبغض في الله ، والموالاة في الله والمعاداة في الله ؛ مِن آكَد فرائض الشريعة ، وواجب من الواجبات العظام ، بل إن هذا المعنى يدخل في كلمة التوحيد ، فمعنى « لا إله إلا الله » أنك تَتَبَرَّأ من كل ما عُبِد من دون الله ، وتجعل ولايتك ومحبَّتَك ونُصْرَتك لله جل وعلا ، وتقدستْ أسماؤه, تعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا .

معنى الولاء والبراء :

والولاء والبراء هو الحب في الله والبغض في الله ، يعني : أن تُوَالِيَ بأن تحب وتنصر في الله جل وعلا ؛ لأجل أن ذاك مُحِبٌّ لله مطيعٌ لله مسلمٌ موحِّدٌ فإنك تحبه وتنصره ولا تَخْذُله ، وذلك بحسَب ما جاء في أحكام الشريعة ، وأما الكافر والمنافق فإنه يُبْغَضُ ويُتَبَرَّأ منه ويُتَخَلَّص منه ويُتَبَاعَد عنه في الله جل وعلا ، لم ؟ لأن حقيقة الكافر أنه سابٌّ لله جل وعلا ؛ لأنه ألَّه غيرَ الله واعتقد أن مع الله إلهًا آخر ، وعمِل بالشرك بالله ؛ فإنه حينئذ لا يحب المؤمن ، ولا يحب المؤمنُ مَن أشرك بالله ، بل يُبْغِضُ المشرِكَ بالله الكافر به .

فتجد قلب الموحِّد لعِلمه بمعنى « لا إله إلا الله » مُبْغِضًا للمشركين بأنواعهم وللكفار ، وتجده مبغِضًا لليهود وللنصارى ، مُبْغِضًا لأصحاب المِلَل المختلفة من المشركين والقُبُورِيِّين والوثنيين والبُوذِيِّين والسِّيخ وأنواع المشركين والكفرة ؛ لأن في قلبه حبًّا لله جل وعلا .

وهذا الحب يجعل لِزامًا عليه ، بل يجعل إيمانُه بالله لِزامًا عليه أن يُبْغِضَ المشرِكَ ؛ لأنه حمل في قلبه بُغْض الله جل وعلا ؛ لأنه أشرك بالجليل العظيم ربِّنا سبحانه وتعالى .

لهذا – أيها المؤمنون – من الواجب علينا أن نَعْقِد هذه العقيدة ؛ عقيدة الولاء والبراء في الله جل وعلا ؛ بأن نحب في الله جل وعلا ، وأن نُبْغِض في الله جل وعلا ، فإذا أحببنا فالحب لله ، وإذا أبغضنا فالبُغْض لله جل وعلا .

لهذا فمعنى الولاء في الله جل وعلا : أن تُحِبَّ في الله جل جلاله ؛ لأن أصل الموالاة الحب في الله ، ولأن أصل البراء البغض ؛ وذلك حبًّا لدين الإسلام وبراءةً وبُغضًا لأديان الكفرة على جميع أصنافهم .

إذن فالأصل الذي لا يتم الإسلام إلا به ، ومن لم يحققه فليس بمسلم ، وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ؛ الأصل أن يحب المسلم دين الإسلام ، وأن يحب الله جل وعلا ، وأن يحب رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن يُبْغِضَ الشرك والكفر بجميع أنواعه ، فإنه إذا أحب الله ودينه ، وأبغض الكفر وملله ؛ فإنه حينئذٍ على هذا الإجمال والتفصيل يكون مسلمًا قد حقق كلمة التوحيد .

ثم إن من لوازم ذلك أن يَعْقِد الحب في الله ، وأن يعقد البغض في الله ، بما يتنوع مع المبادئ والأشخاص ؛ فالولاء والبراء هما عماد الشريعة وركن الإسلام الذي دلت عليه كلمة التوحيد : لا إله إلا الله .

أقسام الولاء والبراء :

أيها المؤمنون ، اعلموا أن واجب الولاء والبراء ، والموالاة والمعاداة في الله – جل وعلا – ينقسم بحسَب الناس إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : من تجب موالاته على الإطلاق :

وهذا القسم هو من تجب موالاته مطلقًا ، أي يجب حُبُّه ؛ لِمَا معه من الإيمان ، وتجب نُصْرَتُه لِمَا معه من الإيمان والتوحيد الكامل ؛ فإن العبد إذا كان مكمِّلًا للإيمان مكملًا للتوحيد ؛ فإنه يجب حبه وتجب نُصْرَتُه على وجه الكمال ، ويجب ولاؤه ولاءً مطلقًا ، وهؤلاء هم الذين كمَّلوا الإيمان والتوحيد .

فإذن أهل هذه المرتبة هم المؤمنون الصالحون الذين يُحَبون مطلقًا ويوالَوْن مطلقًا .

القسم الثاني : من يُوالَى من جهةٍ ويُتَبَرَّأُ منه من جهةٍ :

وهم الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخرَ سيِّئًا ، يعني : أتَوْا بالإيمان ولكن عندهم ذنوب من الكبائر ومن أنواع المعاصي ؛ فإن هؤلاء إذا نُظر إلى إيمانهم وتوحيدهم فإنهم يُحَبون من هذه الجهة ، ويُوَالَوْن لِمَا معهم من الإيمان ، وإذا نُظر إلى معصيتهم وكبائرهم فإنهم يُبْغَضُون من هذه الجهة .

فيجتمع في المؤمن وُجُوبًا أن يُحَب من جهة ، وأن يُبْغَض من جهة ، حتى المؤمن في نفسه يجب أن يُحِبَّ إيمانَه وأن يُبْغِضَ معصيتَه ، وأن يُوَالِيَ نفسَه ويَنصرها على ما معها من الإيمان ، وأن يَخْذُل نفسه إذا أمرتْه بالسوء والفحشاء .

القسم الثالث : من يُتَبَرَّأ منهم مطلقًا :

وهم الكفرة والمنافقون نِفاقًا أكبر والمشركون بجميع أجناسهم ؛ فإن هؤلاء يُتَبَرَّأ منهم مطلقًا ، ومعنى البَرَاء : أنهم يُبْغَضُون ، وأنهم يُبْتَعد منهم ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ » . قالوا : لمَ يا رسولَ الله ؟ قال : « لَا تَراءَى نَارَاهُمَا » ( [3] ) . يعني أن يُبْعَدَ عنهم بحيثُ إن مسكنه لا يقارب مسكنه ، وهذا على التشديد في هذا الأمر .

فواجبٌ إذن أن يحب المسلمُ مَن كان مكمَّل الإيمان ، كعلماء المِلَّة الذين حققوا التوحيد ، والذين حققوا السُّنَّة ، فواجبٌ مَحَبَّتُهم وواجبٌ نُصْرَتُهم ؛ لأنهم وَرَثَة محمد عليه الصلاة والسلام ، بل واجب قبل ذلك محبة ونُصرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومحبة علماء الإسلام وأئمة الإسلام ما تتابع زمانهم ، إذا كانوا مُحَقِّقِين لتوحيد الله وارِثين سُنَّة محمد عليه الصلاة والسلام ، وأما الآخرون فإنهم يجب علينا أن ننظر إلى حسناتهم وطاعاتهم ، فنحب فيهم حسناتهم وطاعاتهم ، وننظر إلى معاصيهم فنُبْغِض فيهم معاصيهم .

فعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة أنه يجتمع في المسلم المُعَيَّن أن يُحَبّ من وجهٍ وأن يُبْغَض من وجهٍ ، بخلاف عقيدة الخوارج والمعتزِلة ومَن شابههم أو نحا نحوهم من أهل هذا العصر الذين يُحِبون مُطلقًا أو يُبْغِضُون مطلقًا ، ولا يحبون من وجه ولا يبغضون من وجه ، فإن ذلك تفريطٌ في أمر الله جل وعلا .

وأما القسم الثالث فهو الذي ابتُلينا به في هذا العصر الحاضر من جراء كثرة اختلاطنا بالكفرة والمشركين ؛ في البيوت ، وفي الأعمال ، وفي الأسفار وفي غير ذلك ، فواجبٌ أن تَعْلَم أن قلب المشرك والنصراني واليهودي قد حَمَل عقيدة الشرك بالله ، وحمل بُغْضَ الله – جل وعلا – في المآل ؛ لأنه مشرك بالله جل وعلا ؛ فواجب أن ننتصر لله جل وعلا ، وأن نُبْغِضَه في الله جل وعلا ، فلا نستأنس به ولا نُوَادُّه ولا نجلس معه جلوس المستأنِس ؛ فإن ذلك مُحَرَّمٌ ؛ لأن هذا نوع من الموالاة المحرَّمة ، نعم إن التعامل الظاهري يختلف في حكم الشريعة مع العقيدة الباطنة ؛ فإن النبي – عليه الصلاة والسلام – خاطب النصارى وتعامل مع اليهود وخاطب أصناف المشركين وتعامل معهم ببيع وشراء ، ولكن هذا لا يعني الموالاة ، ولا يعني التقدير والإجلال أو الحب لأمر الدنيا ؛ فإن الحب واجب أن يُطَّرَح فيُعامَل غيرُ المسلم ظاهرًا بما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين ومصلحة الشخص في دنياه .

وكذلك لا يجوز ظُلْم الكافر ، كما لا يجوز أن يُحَبّ أو أن يُسْتَأْنَس له ، وأن يكون كأنه مسلم في معاملته ، فهذا مما جاءت الشريعة بنفيه ، قال الله جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ[ الممتحنة : 1 ] ، وقال جل وعلا : ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [ الممتحنة : 8 ] .

أقسام الكفرة في دار الإسلام :

قال أهل العلم : الناس في دار الإسلام من الكفرة على أقسام :

منهم الذي يُظْهِر حربَه وعداءَه للإسلام ولأهله ، فهذا مُنْتَقَضٌ عهدُه وواجبٌ أن يُعاقِبَه وليُّ الأمر بما يراه من العقوبة بالقتل أو بما دُونه ، أو بالنفيِ من البلاد إذا كان داخلًا بعهد وأمان .

وأما القسم الثاني : فهم الذين في بلاد الإسلام ممن يجوز أن يدخلوا بلاد الإسلام بعهدٍ أو أمان أو ذِمَّة ، فإنهم إذا لم يُظْهِرُوا عداوةً ، وإنما عمِلوا بما فيه مصلحة المسلمين ، أو كانوا أهل ذِمة في دار الإسلام ، فإنهم يُعامَلُون بالعدل والقِسط ، وربما كان في البر إليهم والإحسان إليهم ما فيه مصلحة لدعوتهم إلى دين الإسلام ، ولكن هذا في حق من لم يُظْهِرْ بُغْضَ الإسلام ، ومَن لم يَظْهَرْ منه عداوة للإسلام ولأهله ، فإن هذا يُعامَل ظاهرُه ، ويُعْدَل معه ويُحْسَن إليه للمصلحة ، ولكن لا يجوز أن يبقى في قلب المؤمن محبة له ، وإنما يُعامِله ويَعدِل معه ويُحَيِّه بتحيةٍ غير السلام ابتداءً ، ونحو ذلك ، ولكن لا يجوز أن يحبه ، لم ؟ لأنه يحمل في قلبه مَسَبَّة الله جل وعلا ، وبُغْض رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله ورسوله أحق أن نُرْضِيَهما ، جل جلال الله وتقدستْ أسماؤه وتعالى عمَّا يقول الظالمون عُلُوًّا كبيرًا .

أيها المؤمنون ، أما تعامل المؤمن مع الكفار في أنواع التجارة ، وفي السفر إلى بلاد المشركين ، فيجب أن يُحْذَر منه أشدَّ الحَذَر ؛ لأنه كما تَرَوْنَ ، ولا يحتاج ذلك إلى أدلة وبراهين : إن اختلاط المسلم والكافر سبب ضعف الإيمان في كثير من المسلمين ، وسبب أُنْسِهم بالكفار ، وسبب دعوتهم للكفار واستئناسهم بهم ، حتى صار أمرهم إلى أمر الدنيا ، وكأن أمر الإسلام والتوحيد والولاء والبراء ليس من أوجب الواجبات ، فواجبٌ الحذرُ من أسباب ذلك وإقامة العقيدة الصحيحة .

أنواع الموالاة للكفار :

أيها المؤمنون ، قال العلماء : دلت نصوص الكتاب والسنَّة على أن الموالاة للكافر تنقسم إلى قسمين :

القسم الأول : مُوَالاة مُكَفِّرَةٌ ، وهي التي تُسمَّى في القرآن بالتولِّي ؛ كما قال سبحانه : ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ[ المائدة : 51 ] ، وهذا بمعنى أن يُحِبَّ الكافر لكُفْره ، وأن ينصر الكافر لأجل دينه ، ولأجل كفره ، فهذا – والعياذُ بالله – رضِي بالكفر ، ورضي بإعلاء الكفر على الإسلام ، وهذا رِدَّة والعياذ بالله .

القسم الثاني : وهو محرَّم ، ولا يصل إلى الكفر ، وهو : أنواع الموالاة والمودة ، كما قال جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ[ الممتحنة : 1 ] فوصفهم بأنهم قد ألقوا بالمودة ؛ كما هو معلوم في قصة حَاطِبٍ الصحابي البَدْرِيِّ( [4] ) ، رضِي الله عنه ، فقد ألقى بنوع من المودة لكفار قريش ، فلم يَمنع ذلك أن يناديهم الله – جل وعلا – باسم الإيمان ، قال العلماء : دل ذلك على أن فِعْلَه لم يُخْرِجْه من الإيمان ، مع أنه أفضى ببعض سر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – للكفار ، لكن لم يفعل ذلك مَحَبَّةً للكفر ، ورغبةً في ظهور الكفر على الإسلام ، ولكنَّ فِعْلَه من أجل الدنيا ، وهذا محرَّم ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ[ الممتحنة : 1 ] .

أيها المؤمنون ، إن من الواجب علينا أن نتواصى بأصول الإسلام ، وألَّا نُغْفِلَ ذلك في كثرة اختلاطنا بالكفار في هذا البلد وفي غيره وفي الأسفار ، فأمر التوحيد والموالاة والمعاداة أمر واجب ومن أوجب الواجبات ، ومن آكد المتأكَّدات في دين الإسلام .

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلني وإياكم من أوليائه ومن أحبابه الذين يَنْصُرُون الله ورسوله والذين آمنوا ويحبون ويُبْغِضُون في الله .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ آل عمران : 118 ] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب ، فاستغفروه وتوبوا إليه ، إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله حقَّ حمده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعظيمًا لمجده ، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُ الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعدُ :

فإن أحسنَ الحديث كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْيِ هديُ محمدِ بنِ عبدِ الله ، فاقْرَءُوا كتابَ الله وتَدَبَّرُوه ؛ فإنه الحُجَّة الباقية ، لا تَغْفَلُوا عن القرآن ، ولا تتخذوه مهجورًا ، ولو ببعض آيات في اليوم والليلة ؛ فإن الله – جل وعلا – قال : ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [ الفرقان : 30 ] ، وهذا يدل على تحريم هُجران القرآن ، فعليكم بكتاب الله وبهَدْيِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ عليه الصلاة والسلام ، واعلَمُوا أن شرَّ الأمورِ مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وعليكم بالجماعة ؛ فإن يدَ الله مع الجماعة ، وعليكم بلُزُوم التقوى في سِرِّكم وعَلَنِكم ، واسألوا الله – جل وعلا – مزيدًا مِن تقواه ، ومزيدًا من الصلاح والطاعة والهداية والإنابة ؛ فإنه – سبحانه – مجيبٌ مَن سأله ، ويَقبل توبة التائب ، ويَبْسُطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيء النهار ، ويَبسُط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل ، ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [ طه : 82 ] .

واعلَموا – رحِمني الله وإياكم – أن الله أمرنا بالصلاة على نبيه فقال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [ الأحزاب : 56 ] اللَّهُمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ صاحبِ الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارضَ اللَّهُمَّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء ، الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون ، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحمَ الراحمين .

اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذِلَّ الشِّرك والمشركين ، واحمِ حَوْزَة الدين ، وانصر عبادك الموحِّدين .

اللَّهُمَّ أمِّنَّا في دُورنا وأصلِحْ أئمَّتنا ووُلاة أمورنا ، ودُلَّهم اللَّهُمَّ على الرشاد ، وباعِد بينهم وبين سُبُل أهل الكفر والفساد ، يا أرحم الراحمين .

اللَّهُمَّ إنا نسألك صلاحًا في قلوبنا وفي بلادنا ، اللَّهُمَّ أصلِحنا وأصلِح بنا ، وأنت أرحم الراحمين وأجود الأجوَدِين .

عِبادَ الرحمنِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكُم ، واشكروه على عموم النِّعم يَزِدْكُم ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 1 / 14 ، رقم 16 ) ، ومسلم ( 1 / 66 ، رقم 43 ) .

( [2] ) أخرجه الإمام أحمد ( 4 / 286 ، رقم 18547 ) ، والطيالسي ( ص 101 ، رقم 747 ) .

( [3] ) أخرجه أبو داود ( 3 / 45 ، رقم 2645 ) ، والترمذي ( 4 / 155 ، رقم 1604 ) .

( [4] ) صحيح البخاري ( 4 / 1463 ، رقم 3762 ) وصحيح مسلم ( 4 / 1941 ، رقم 2494 ) .

شاركها مع أصدقاءك