بواسطة :
الزيارات : 1٬885 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

المَلَل المذموم

الخطبة الأولى :

الحمد لله ، خَلَقَ الخَلْقَ وأَوْدَعَهُم مِنَ الغرائز والأخلاق ما تَحار فيه عُقُول ذوي الألباب ، الحمد لله الذي جعلنا من المسلمين به ، والمسلمين له ، المتَّبِعِين رسولَه عليه الصلاة والسلام ، أحمد الله بما هو له أهلٌ من المحامد ، وأُثْنِي عليه الخيرَ كلَّه ، وأشكره ولا أَكْفُرُه ، وأشهد أنْ لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه وخليلُه ، نَشهد جميعًا أنه بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصحنا كما نصح الأُمَّة ، وجاهد في الله حقَّ جهاده ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ كِفاءَ ما أرشد وعلَّم وكفاء ما جاهد ، اللهم صلِّ وسلِّم عليه ما تتابع الليلُ والنهار ، كلما صلى عليه المصلون ، وكلما غفَل عن الصلاة عليه الغافلون ، وسَلِّمِ اللَّهُمَّ تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فيا أيها المؤمنون ، أُوصيكم ونفسي بملازمة تقوى الله – عز وجل – في كل حال ، وتذكر لقاء الله عز وجل ، أُوصيكم بألَّا تَغُرَّنا هذه الحياة الدنيا ، فإنما الحياة الدنيا مَتاع الغُرور ، وإنما هذه الحياة عَرَضٌ زائل لا بد أنها ستنتهي ؛ قصُر العُمُر أم طال ، ولكن الشأن في الحياة الأبدية التي لا انقضاء لها : ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ [ الشورى : 7 ] .

المَلَل :

أيها المؤمنون ، إن العاقل يتفكر في نفسه ، ويتفكر في آفات النفس ، وينظر إلى آفات نفسه ، ويسعى في أن يتخلص من الآفات ، حتى تزكو نفسه ؛ فقد أمرنا الله – جل وعلا – أن نسعى في تزكية النفس فقال : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ( 9 ) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [ الشمس : 9 ، 10 ] .

وإن من تلكم الغرائز التي هي مجهولة في الأنفس ولا بد من الرعاية لها ، ولا بد من العناية بها دفعًا لِمَا حرَّم الله جل وعلا ، وجلبًا لما أحب الله جل جلاله ؛ إن من تلكم الغرائز وتلكم الميول : غريزة الملل .

والملل قد ذكره الله – جل وعلا – في القرآن ، وبَيَّن أن حال أهل الملل الذين ملُّوا نعمة الله جل وعلا ، وملوا ما أنعم الله به عليهم ، وطلبوا أمرًا آخر ، ولم يشكروا الله على النعم الجزيلة ؛ بيَّن أن حال أولئك أنهم لم يكونوا على الصراط المستقيم ، وأنه سبحانه عاقبهم ، بين – جل وعلا – أن الذين ملُّوا مِنَ الْمَنِّ والأمان ، وملُّوا من كثرة الأمن والترحُّل في بلادهم ؛ أنهم لما ملوا ذلك ظلموا أنفسهم بالمعصية ، فبيَّن – جل وعلا – أنه عاقب أولئك المالِّين مِن نِعم الله ، عاقبهم بأنواع من العقوبات ، وجعلهم أحاديث .

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « إِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا » ( [1] ) ؛ لأن الله قاهرٌ عزيز جبار ، وأنه سبحانه ذو الحكمة البالغة ، فإذا ترك العبد طاعة الله ، وترك شكر نعمه ، ورغب بعد ملله فيما لم يأذَنِ الله به ، أو فيما هو أدنى مما أعطاه الله – جل وعلا – إيَّاه ؛ فإن الله سبحانه يُجازيه على ذلك ، وينصرِف عنه عِزّةً منه جل وعلا .

فهو –سبحانه – لا يمل من الإنعام ، ولا يمل من العطاء ، ولا يمل من الإثابة ، ولا يمل من تثبيت النعمة ، ولا يمل من تثبيت الأمن والطُّمأنينة في البلاد ؛ حتى يمل العِباد من ذلك فيتركوا مُوجِباته ، فعند ذلك يُغَيِّر الله – جل وعلا – حالهم : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [ الرعد : 11 ] .

موسى –عليه السلام – وبنو إسرائيل :

أيها المؤمن ، لقد قص الله – جل وعلا – قصة موسى عليه السلام ، وما دعا قومه من التوحيد ، وأن الله – جل وعلا – نجاهم من العدو الأعظم لهم ؛ ألا وهو فِرْعَوْن ، ولَمَّا نجَّاهم وأغرق عدوهم ، وصاروا في الصحراء بين صخور وشمس حارة ؛ لما كانوا كذلك أنعم الله – جل وعلا – عليهم جزاء ما استجابوا فيه لموسى عليه السلام ، وجزاء توحيدهم وخروجهم مع موسى عليه السلام ، ومضادتهم للكفر ولأهل الكفر ؛ أنعم الله عليهم وهم في صحراء وتحت شمس محرقة بأنه –سبحانه – ظَلَّلَ عليهمُ الغَمَام ، وفجَّر لهم الأرض عُيونًا ، وأنه –سبحانه – أعطاهم المَنَّ بأنواع الحلوى ، وأنه –­سبحانه – أعطاهم السَّلْوَى ؛ وهو طير يَعِزّ وُجُوده ، فأنعم الله عليهم بذلك .

فلما طال عليهم الأمد – مع أنه كان منهم ما كان – مَلُّوا هذه النعمة العظيمة من أنواع المآكل والمشارب وأنواع الظلال ، فقال ربُّنا – جل وعلا – مُخْبِرًا قولهم ومبينًا سوء حالهم ، وسوء مَللهم ، وسوء أخلاقهم : ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ﴾ [ البقرة : 61 ] يعني أتستبدلون تلك النعم العظيمة من المآكِل والمشارب بهذه المأكولات التي هي أقل منها والتي هي أدنى ، لم فعلتم ذلك؟!

إنهم فروا وملُّوا من تلك النعم العظيمة ولم يشكروا الله عليها ، وظنوا أن تلك النعم لا قيمة لها ، فأرادوا الأقل مللًا ولم يشكروا الله عليها ، ولم يشكروا الله على الأكثر ، لهذا قال سبحانه : ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ [ البقرة : 61 ] .

سبأ :

ثم إن الله –سبحانه – بَيَّنَ لنا في القرآن قِصَّة سَبَأٍ ، وما أنعم الله به عليها : ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ﴾ [ سبأ : 15 ] ، لقد أنعم الله عليهم بأنواع النعم في الملابس ، والتجارات ، وفي المآكل ، وفي الزُّرُوع والفواكه : ﴿ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ ﴾ ، فلما طال عليهم العهد جعل الله – جل وعلا – أمنًا وأمانًا بينهم وبين القرى التي ينتقلون بينها ، فلا يحتاجون إلى أخذ طعام ولا إلى أخذ شراب . . فماذا كان من حالهم؟ ملُّوا ذلك ؛ لأن النعمة عند ذوي النُّفُوس المريضة تُمَلّ : ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ﴾ وليتهم أطاعوا ﴿ وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ﴾ [ سبأ : 19 ] .

يُوسُف –عليه السلام – وأغنياء مِصر :

ولقد أنعمَ اللهُ على الأغنياء في مصر لما كان فيهم يوسف – عليه السلام – بأنواع النعم ، فسادوا الناس ، وفيهم الأموال ، وهم يسكنون القصور ، وفيهم أنواع النعم ، وعندهم الخَدَم والعَبيد ، ولهم أنواع المشارب وأنواع المآكل ، حتى تطوروا في أنواع الآلات التي يستخدمونها في مآكلهم ومشاربهم ونظموا ذلك ، ففسق كثير من نساء الأغنياء ، وسكت الرجال عن المعصية ؛ لأنهم ملُّوا النِّعَم ، وراحوا يطلبون المَلَذَّاتِ التي لم يَأْذَنِ الله بها .

فهذه ﴿ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾ [ يوسف : 30 ] فتركت زوجها لأجل خادم عندها ، تركت زوجها الذي هو العَزيز الغني الذي بيده أشياء كثيرة من المال والسكن ومَلَّتْ ذلك ، وطمِعت في خادمها ؛ وذلك لأجل ما جُبِلَت عليه النفوس من هذه السيئة التي يجب دفعها ، ألا وهي سيئة الملل التي مَن أصابته فإنها أصابت من نفسه مَقتلًا ، وهكذا في مواضع كثيرة من كتاب الله ، فتدبروها أيها المؤمنون .

تَأَمُّل نِعَمِ اللهِ جل وعلا :

فَلْيَنْظُرِ المؤمنُ إلى ما فيه أملٌ من نعمة الله جل وعلا ؛ نعمة الله – سبحانه وتعالى – على عباده أن جعلهم مسلمين ، وجعل قلوبهم غير مرتابة ، مُخْبِتِينَ لله ، مُسْتَسْلِمِينَ له ، إن هذه نعمة ، فهل مَلَّتْ منها بعضُ الأَنْفُسُ وأخذت ترتاب في دين الله وتتردد؟! إذا كان بعضهم كذلك فليتذكرْ قول الله جل وعلا : ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [ النحل : 112 ، 113 ] .

ملل الطاعات :

لقد ملت أَنْفُسٌ من الطاعة فتركوها أو تركوا المداومة عليها ، وتركوا المساجد ؛ لأنهم ملوا من الصلاة في خمسة أوقات ، وإلى أي شيء تركوا هذا الخير العالي؟ تركوه إلى ما هو دونه ، وكأنهم نزل فيهم قول الله : ﴿ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ﴾ [ البقرة : 61 ] فملُّوا العادة الشرعية ، وملوا العبادة المؤقَّتة إلى عادات أخرى ، لكنهم لا يعقلون .

ملل ما أحله الله من النكاح :

لقد ملت طائفة بعد أن سيطر الملل على نفوسهم ، فملوا ما أباح الله – جل وعلا – من النساء فذهبوا إلى غيره ، أعطاهم الله الحلال ولكن الشيطان قبَّح الحلال في أعينهم وفي قلوبهم ورَأَوُا اللَّذَّة في التجديد ، رأوا اللذة كما رأتها امرأة العزيز في الذي هو أدنى ، رَأَوْها في الخبيثات ، رأوها في اللواتي لسنَ طاهراتٍ ، ولسنَ عَفيفاتٍ ، وتركوا الخير ؛ لأنهم ملُّوا ما أباح الله جل وعلا ، وهذه امرأة العزيز مع أنها ابتغت وليًّا من أولياء الله ونبيًّا صالحًا ، فكيف بمن رام الخبيثات! ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ﴾ [ النور : 26 ] .

ملل الكسب الحلال :

أيها المؤمنون ، إن طائفةً مَلُّوا من المَكْسَب الحلال ، وملوا من الرِّبح الحلال ، فأرادوا كثرة المال في هذه الحياة القصيرة ، لِتَلْحَقَ بهم تَبِعَاتُه في الحياة الباقية الأبدية ، فملوا الطاعة ، وملوا مصابرة النفس ، وملوا مُدافعة الشيطان ، فاستسلموا للإغراءات المختلفة ؛ من إغراءات المال بالربا وبالغش وبالخيانة ، وبأنواع الرشوة ، ملوا الحلال واطَّرحوا في الحرام ، نسأل الله العافية .

ملل الصالحين من صلاحهم :

نعم . . إن الصالحين قد يدركهم مَلَلٌ ، إن طائفة ممن فيهم صلاح نراهم ملُّوا قراءة القرآن والأُنْس بكتاب الله جل وعلا ، فصاروا لا يقرءون القرآن إلا قليلًا ، ومنهم من حفِظ القرآن ثم نَسِيَه ، ومنهم من أراد طلب العلم ورامه وسلك سبيله ثم مل ذلك وتركه ناسيًا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : « مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ » ( [2] ) . فمل طائفة من ملازمة المنهج الصحيح ، ومن ملازمة السنَّة ، ومن ملازمة طريقة السلف الصالح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وفي أنواع التعامل مع ما يَستجد ، وظنوا أن الخلاص وأن الصلاح في غير السنَّة ، فملوا السنة وذهبوا إلى العقليات المختلفة ، ولم يدركوا خيرًا ، وإنما أدركوا شرًّا ، والسنَّة واجبٌ ملازمتُها .

نعم أيها المؤمنون ، لقد مل طائفة من المصابرة على الإخوة الصالحين ، وعلى ملازمة من يرجو الله والدار الآخرة ، ملوهم وأخذوا يُجالِسون الأشرار ، فزَلَّتْ بهم أقدامُهم ، نَسُوا قولَ الله جل وعلا : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [ الكهف : 28 ] .

العلاج في الصبر :

إذن – أيها المؤمن – العلاج في الصبر ، العلاج في المصابرة ، أن تُصَبِّر نفسك ، وألا تَغُرَّنَّك الحياة الدنيا ، وألا يغرنك بالله الغَرور ، لا يأتيك الشيطان فيجعلك تَمَلّ من الطاعة وتذهب إلى المعصية ، وتمل من رزق الله الحلال وتذهب إلى رزق الله المحرم الذي ابتلى الله به العباد ، لا يأتينا الشيطان فيجعل بعضنا يَمَل مما أحل الله له من النساء ، فيذهب إلى المحرمات . . إن مِنَّا من يُصابِر نفسه ويجاهد ولكنه مَلَّ المصابرة ومجاهدة النفس ، ويقول : إن الفساد قد اتسع وكثرت أنواعه ، فمل من المصابرة ، فنقول لهم : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [ الزمر : 10 ] .

أيها المؤمن ، هذا هو الملل المذموم ، إنه الملل من طاعة الله ، والملل من نعمة الله ، والملل من شكر الله ، والملل من عبادة الله ، والملل من الإخبات إلى الله والإقبال عليه وملازمة هَدْيِ المصطفى صلى الله عليه وسلم .

الملل المحمود :

وهناك نوع آخر من الملل محمودٌ لأصحابه مِمَّن غَشِيَ المعصية ، وممن أعرض ، وممن قَسَا قلبُه فمَلَّ بعد تَطَاوُل الزمان عليه ، فمَلَّ من المعصية بعد أن رأى أن عاقبتها إلى خَسارة ، ومَلَّ من قسوة القلب ، ومن عدم السعادة ومن عدم اللَّذَّة ، ملَّ من ذلك ففكَّر وتأمَّل في نفسه ، وقاده ذلك إلى الإنابة إلى الله جل وعلا ، وإلى ملازمة المساجد وتلاوة القرآن وإصلاح نفسه وبيته ، وهجر المعاصي بأنواعها ، وهذا الملل محمود لأصحابه . . فمَلُّوا أيها المسلمون من كل معصية ، وأَقْبِلوا على كل طاعة!

وأما الملل المذموم فإنه إن أدركنا وشاع بيننا فإننا –والله – مُؤْذَنُون بخطر وعقاب من الله ، فقد قصَّ الله علينا القصص ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [ يوسف : 111 ] . وقال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [ الرعد : 11 ] . وقال رسوله صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا » ( [3] ) .

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلني وإياكم من الثابتين على دينه ، المستمسكين بحبله ، الشاكرين له على نَعمائه ، اللهمَّ اجعلنا شاكرين لك على أنواع نعمك باعتقادنا وقلوبنا وبألسنتنا ذِكرًا وتحدُّثًا ، وبأعمالنا طاعةً وإنابةً ، اللهمَّ فاستجِبْ .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [ النحل : 112 ] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب ، فاستغفروه حقًّا ، وتوبوا إليه صِدقًا ، إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسولُه ، صلى الله عليه وآله وصَحْبه ، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فأيها المؤمنون ، أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل ؛ فإن التقوى فَخَارُنا ورِفْعَتُنا عند الله ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم . . هذا واعلموا أن أحسنَ الحديث كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْيِ هَدْيُ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ ، وشرَّ الأمور مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وعليكم بالجماعة ؛ فإن يد الله مع الجماعة ، وعليكم بلزوم هَدْيِ المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهدي صَحَابته ، وهدي التابعين ، وهدي العلماء العاملين ؛ فإن ذلكم هو النجاةُ لِمن أراد الله نجاتَه .

لكل عمل شِرَّة :

أيها المؤمن ، ثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً ، فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ ، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ » ( [4] ) .

« إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً » يعني له عنفوان وله إقبال وله قوة . « وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً » : لكل قوة وإقبال ركود وفَترة ، وهذا من جراء الملل ، ولكن هذا الملل إن كان مع عدم تفريط بالواجب فهذا هو الخير ، وإن كان بمثل ترك بعض المستحبَّات حِينًا من الدهر ثم يرجع إليها فهذا قد يَعْرِضُ للنفوس جميعًا ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : « فَمَنْ كَانَتْ شِرَّتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدْ أَفْلَحَ » يعني أنه إذا ملَّ لم يأتِ الحرام ، ولكنه ترك بعض المستحبَّات وسيرجع إليها ؛ لأن من طبيعة النفس المَلَل ، فمن كانت فترته إلى سنة فقد أفلح وأنجح ، ومن كانت فترته إلى معصية أو إلى بدعة فقد خاب وخسِر ، وهذا هو الملل المذموم .

أسأل الله – جل وعلا – أن يُجَنِّبَنِي وإيَّاكم مساوئ الأخلاق ، وأن يُصْلِحَ نُفُوسَنا ، وأن يُزَكِّيَها ، اللهمَّ آتِ نُفُوسنا تقواها ، وزكِّها أنت خير مَن زكَّاها ، أنت وَلِيُّها ومولاها .

هذا واعلموا – رَحِمَني الله وإياكم – أنَّ الله – جل جلاله – أَمَرَنا بالصلاة على نبيه ، فقال سُبحانَه قولًا كريمًا : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ الأحزاب : 56 ] .

اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارضَ اللهمَّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون ، وعنا معَهم بعفوك ورحمتك يا أرحمَ الراحمين ، وعنِ الصَّحْب والآل ومَن تبِعهم بإحسان إلى يوم الدين .

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذِلَّ الشرك والمشركين ، واحمِ حَوْزَة الدين ، وانصُر عِبادك المخلِصين ، اللهم انصر عبادك الموحدين الذين يجاهدون لتكون كلمةُ الله هي العليا يا أكرم الأكرمين .

اللهم أَمِّنَّا في أوطاننا وأصلِح أئمتنا ووُلاة أمورنا ، ودُلَّهم اللهم على الرشاد ، وفتِّح لهم أبواب الخيرات ، وغلِّق عنهم أبواب الشرور والمنكرات ، يا أرحم الراحمين .

اللهم واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى على ما أمرت يا ربَّنا ، اللهم نسألُكَ أن تُبْرِمَ لهذه الأُمَّة أمرَ رُشْد يَعِزُّ فيه أهل الطاعة ، ويَعِفُّ فيه أهل الغفلة والمعصية ، ويُؤْمَر فيه بالمعروف ويُنْهَى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء .

اللهم جنِّبنا مُضِلَّات الفِتَن ، ما ظهر منها وما بطن عن هذا البلد بخاصة وعن سائر بلاد المؤمنين بعامة ، يا أرحم الراحمين .

اللهم وفِّقنا للتوبة النصوح ، التي بها تَرْضَى عنَّا ، اللهم وفِّقنا لِمَا فيه رضاؤك من الأقوال والأعمال والاعتقادات ، نعوذ بك أن نَضِل أو نُضَل ، أو نَذِل أو نُذَل ، أو نَجهل أو يُجهَل علينا ، ونعوذ بك أن نَظلم كما نعوذ بك أن نُظلم .

عِبادَ الرحمنِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكُم ، واشكروه على النِّعم يَزِدْكُم ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 2 / 695 ، رقم 1869 ) ، ومسلم ( 2 / 811 ، رقم 782 ) .

( [2] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2074 ، رقم 2699 ) .

( [3] ) سبق تخريجه .

( [4] ) أخرجه الإمام أحمد ( 2 / 188 ، رقم 6764 ) .

شاركها مع أصدقاءك