بواسطة :
الزيارات : 2٬277 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

المصالح المُرْسَلَة

الخطبة الأولى :

الحمد لله ، خَلَق الخَلْقَ لعِبادته ، ويسَّر لهم من المصالح ما فيه سعادةُ معايشهم ، فأمر ونهَى ، ودلَّ الخلق على ما فيه سعادتهم ، فالخير كل الخير في اتباع شرع الله ، والحذر كل الحذر من مخالفة أمر الله ، فمَن أطاع الله أعطاه ، ومن عصَى فهو مهدَّد ومتوعَّد .

نسأل الله الكريم أن يجعلنا ممن أطاعه واتبع شرعه ، ونسأله – سبحانه – أن يباعد بيننا وبين مَساخطه ومناهيه ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، وأشهد أنَّ محمدًا عبد الله ورسوله ، نشهد أنه بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأُمَّة وجاهد في الله حق الجهاد ، صلى الله وسلَّمَ وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .

أما بعدُ :

فيا أيها الإخوة المؤمنون ، ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ آل عمران : 102 ] .

الشريعة المباركة :

أيها المؤمنون ، أنزل الله – جل وعلا – شريعته المباركة شريعة الإسلام الخاتمة على محمدِ بنِ عبد الله عليه الصلاة والسلام ، فأنزل الكتاب ، وهو القرآن ، وأنزل أيضًا الحكمة ، وهي سُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم ؛ ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى[ النجم : 3 ، 4 ] ، وثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ » ( [1] ) ، يعني السنَّة ، فالقرآن والسنة مصدرا التشريع عند المسلمين ، ويَتَفَرَّعُ عنهما بما دلتْ عليه أدلة الكتاب والسنَّة أدلةٌ كثيرةٌ : منها الإجماع ، والقياس ، وأقوال الصحابة ، والمصالح المرسَلة ، وأدلة أخرى تُعْرَف بتتبُّع ما جاء في النصوص من اعتبار تلك الأدلة .

جاءت الشريعة بتحصيل المصالح ودرء المفاسد :

أيها المؤمنون ، لا شكَّ أن شريعة الإسلام شريعة باقيةٌ إلى قيام الساعة ، ولهذا فلا شيء من المصالح التي تنفع العباد إلا وفي الشريعة ما يَدُل عليه بأنواع الأدلة المختلفة ، ولا شيء من الشرور والمفاسد إلا وفي الشريعة ما يدل على فساده وعلى عدم اعتباره ، وعلى وجوب اطّراحه ، فالشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحصيلها ، ودرء المفاسد وتقليلها .

أنواع المحدَثات :

لِما سبق نرى أن ما حدث في حياة الناس من بعد محمد – عليه الصلاة والسلام – ينقسم إلى قسمين :

 – منه ما دليلُه موجود في الكتاب والسنَّة بالألفاظ .

 – ومنه ما حدث في حياة الناس ، وليس في الشريعة نصّ على حكمه ، فيكون من مسائل الاجتهاد .

والعلماء – رحمهم الله – نظروا فيما حدث في الناس بعد النبوة ، فوجدوا أن حل مشاكل الناس وأن اعتبار ما فيه مصالحهم موجودةٌ أصولُه في الكتاب والسنة ، فالكتاب لم يفرَّط فيه من شيء ، قال تعالى : ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ[ الأنعام : 38 ] ، فالكتاب العزيز وسنَّة النبي – عليه الصلاة والسلام – فيهما أصول المسائل وأصول الأدلة .

المحدثات في عهد الخلفاء الراشدين والسلف :

في عهد عمر – رضي الله عنه – حدثت أشياء مما احتاجتها الدولة ، فأقام عمر – رضي الله عنه – الدواوين ، وجعل الحسابات ، وكان في إنشاء الدواوين مصالح للناس . وفي عهد عثمان – رضي الله عنه – جمع الناس على مصحف واحد ، وألغى المصاحف ، واعتبر أشياء كثيرة أحدثها من الأحكام فيها مصالح للعباد . وهكذا في عهد التابعين ، وهكذا في عهد أئمة الإسلام والعلماء ، فاعتبروا من الأحكام حكمًا أسمَوْه المصالح المرسلة .

مفهوم المصالح المرسلة :

والمصالح المُرسَلة أو المطلَقة هي المصالح التي للإمام أو للعالم أن يعتبرها وأن يحتج بها ، ولو لم يكن ثمَّ دليل ينص على المسألة بنفسها ، فكل ما حدث في حياة الناس فالعلماء لديهم الحكم فيه بما يعتبرونه ، وحكمهم في ذلك بما دلت عليه الأدلة ، أو بما كان فيه تحقيق المصلحة ودرء المفسدة ؛ لأن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد . وسمى العلماء دليلا من الأدلة بالمصالح المرسلة ، وذلك في الأمر الذي لم يكن في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – قائمًا ، أو لم يكن المقتضي لفعله ولتشريعه قائمًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، سواء من ذلك ما كان من أمر الدنيا ، أو ما كان من أمر الدين والدنيا معًا ، على تنوع اعتبارات العلماء في ذلك .

فمثلًا لما جمع عثمان – رضي الله عنه – الناس على مصحف واحد ، كان جمعه الناس على هذا المصحف من الأمر الديني ، لكن لم يكن مُقْتَضًى لجمع الناس على المصحف الواحد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأن الوحي ينزل والسور تُرتَّب ، والآيات تُضاف في مواضعها بحسَب التنزيل من الرب جل وعلا ؛ لهذا لم يُدَوَّن المصحف في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، وتُرك بعد ذلك في عهد أبي بكر وعمر –رضي الله عنهما – ثم جُمع في عهد عثمان ، واعتبر العلماء ذلك حكما شرعيًّا لازمًا ؛ فألزموا باتباع المصحف العثماني .

وقولنا : ( المصحف العُثمانيّ ) نسبة إلى عثمان رضي الله عنه ؛ لأنه هو الذي جمع الناس على ذلك المصحف ، وليس منسوبًا إلى الدولة العُثمانية كما يظنه كثيرون .

وهكذا في الأذان الأول في الجُمُعة الذي جعله عثمان ، وذلك أمر ديني ، ولكن العلماء أقروه على ذلك وتتابعوا عليه ، وهكذا في الأمور الأخرى في الأمور الدنيوية ، وفي كثير من الأحكام التي في تحقيقها مصالح للعباد ، حيث جعلوها أمرًا شرعيًّا .

واجب الأمة تجاه الحكم بالمصالح المرسلة :

أيها المؤمنون ، مما يجب على المؤمنين بعامة إذا علِموا ما حَكم به العلماء أو أفتَوا به أن يمتثلوا لهذه الفتاوى تعبُّدًا وطاعة لله جل وعلا ، وذلك في أشياء كثيرة مما حدثت اعتبارًا لمصالح العباد ؛ فإن رعاية ما فيه مصالح العباد داخلة ضمن الأصول الشرعية التي دل عليها القرآن وسنة النبي عليه الصلاة والسلام .

تطبيق المصالح المرسلة على تنظيم الْمُرُور :

ولنأخذ مثلًا على ذلك : ما جاء في هذا الزمن من كثرة السيارات ، وضرورة تنظيم المرور ، ووضع بعض الأحكام لذلك ، كالإشارة ، وكالسرعة المحددة ، وكالطرق وأنواعها ، وأشياء تعلمونها متعلقة بهذه المسألة ؛ منها ما يندرج تحت نصوص من الكتاب ، ومنها ما يندرج تحت نصوص من السنَّة ، فمن ذلك أن الله – جل وعلا – حرَّم على العباد أن يُلقوا بأنفسهم إلى التهلكة ، فقال جل وعلا : ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[ البقرة : 195 ] ، وقال جل وعلا : ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا[ النساء : 29 ، 30 ] ، فجعل الله – جل وعلا – إهلاك النفس حرامًا ومنهيًّا عنه ، وتَوَعَّد صاحبَه بالعذاب .

ومن القواعد الشرعية أن الوسائل لها أحكام المقاصد ، يعني : مَن سلك وسيلة المحرَّم التي تُفْضِي إليه في غالب الظن ، فإن الوسيلة محرَّمة شرعًا كما أن الغاية محرمة .

ومن الأدلة على ذلك الأصلِ في سنَّة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – قوله في حجة الوداع في الخطبة التي خطب فيها بمائة ألف من الصحابة : « إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ اشْهَدْ » ( [2] ) ، يعني أن أموال الناس فيما بينهم محرمة ، فإذن الاعتداء عليها حرام ، وإن ذوات الناس وأنفس الناس بينهم محرمة ، والاعتداء عليها حرام ، وإذا كان كذلك فوسائل الاعتداء على الأموال ، أو على الأعراض ، أو على الأنفس محرَّمة بتحريم أصولها .

فلهذا من المطوب شرعًا عدمُ التهاون بما نُظم مما فيه مصالح الناس ولا يتعارض مع حكم شرعي ، فإن رعاية ذلك رعاية لأصول شرعية ، ورعايته مطلوبة شرعا لأن أصوله موجودة في الشريعة .

لهذا أيها المؤمنون ، واجب علينا أن نراعي هذه الأشياء التي نُظمت مما لا يتعارض مع حكم شرعي ، ومما أفتى العلماء بأنه ينبغي اتباعه ورعايته ، فيجب علينا أن نرعاها شرعًا ، وأن نتقرب إلى الله برعاية ذلك امتثالًا لأمره جل وعلا ، وامتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم .

وإلا فانظر إلى فعل كثير من الناس كيف أنهم لما تركوا ما ينبغي عليهم من رعاية تلك الأمور المنظِّمة للمرور ، والأمور التي تدخل في المصالح المرسَلة المعتبَرة شرعًا ، كيف أدى التهاون في ذلك إلى مفاسد كثيرة في حياة الأفراد ، وفي الأموال ، وفي الممتلَكات ، بل في حال كثير من الناس النفسية من جهة خوفهم من الاعتداء الذي يفعله المتهوِّرون .

دور الفرد تجاه قضية المرور :

إذا تبين ذلك الأصل الشرعي فكيف نرعاه؟

أولًا : يُرعى من جهة كل واحد في نفسه بأن يتقرب إلى الله – جل وعلا – بألا يُلْقِي بنفسه إلى التَّهْلُكَة ، وألا يقتل نفسه ، وأن يرعى وسائل ذلك التي هي من وسائل الأمان وحِفظ النفس ، ومن الكليات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها ؛ حفظ النفس وحفظ المال وحفظ العقل . . . إلى آخر ذلك .

إذا تبين هذا فحافِظْ أولًا أنت على ما فيه سلامتك ، وسلامة الناس ، وسلامة الأطفال ، وسلامة المجتمع ، وأيضًا حافظ على الأموال الخاصة والأموال العامة ، فمثلًا في بعض الأحيان يحدث حادثٌ ما ويظن بعضُ الناس أنه حادث خفيف سهل ، لكنه في الحقيقة ليس بسهل ؛ لأنه يعكر الصفو ويضيق الصدر ، وفيه إنفاق للمال ، وفيه إهدار للوقت ، فلو أن هذا الذي اعتُدِي عليه بذلك الحادث السهل مشغول بأمر مهم في أمر دينه ، أو في أمر دنياه ، أو بأمر أهله ، أو بمرض أو نحو ذلك ؛ فكم يحصل له من جراء التفريط الذي يظن المتسبِّب فيه أنه سهل ولا يضر ، نعم كل شيء يجب أن يُرعى كما أمر الله جل وعلا . والله – سبحانه – يحب مِنّا أن نَتَّقِيَ وأن نخافَ .

دور الآباء والمعلمين والدعاة في قضية تنظيم المرور :

ومما ينبغي مخاطبتُه في هذا فئةُ الآباء فيما يُولُونه أبناءهم من السيارات ، فيجب عليهم أن يُؤدبوهم في القيادة ؛ لأن القيادة يترتب عليها أحكام شرعية ، وكم أُزهقت أرواح من واقع تصرفات بعض الشباب الذين لم يُرَبَّوْا على هذا الأمر ، فلا يُتساهَل في مثل هذه التصرفات لأنها متعلقة بأعراض ، ومتعلقة بأموال الآخرين ، وبالأموال العامة ، ومتعلقة بالأنفس ، والأنفس علينا حرام ، والأموال علينا حرام ، والأعراض علينا حرام .

فإذن الوالد عليه واجب في التربية يجب عليه أن يراعيَه .

كذلك الذين تولوا التعليم من المدرسين ، أو من مديري المدارس ، أو من المربين بأنواعهم ، أو من الدعاة ، كلٌّ عليه واجب في أن يدل الناس على ما فيه المصالح الشرعية ، فمما ينبغي الرعاية له أن يُعلَّم الشباب والناشئة أن التفريط في مثل هذه الأمور يؤدي إلى إهدار كثير من الأنفس ، وإلى استنزاف كثير من أرواح المؤمنين ، وكذلك إلى إهدار كثير من الأموال العامة ، وإلى جهد كبير من المستشفيات . . . إلى غير ذلك ، كل هذا ينبغي علينا أن نتحدث به ، وألا يكون الأمر بالنسبة إلينا سهلًا ، فكما قيل ونُشر فإن معدَّلات الحوادث وذهاب الأنفس في هذه البلاد أكثر من غيرها ، فإذا كنا نرى ونتيقن أن بلادنا بلاد القدوة وأن بلادنا بلاد الإيمان فيجب علينا أن نمتثل ذلك في حياتنا .

انتظار السيارات في المواقف :

كذلك هناك أمر يتعلق بمواقف السيارات ، فكثيرون يقف بسيارته أمام باب بيت من البيوت ، أو أمام مدخل من المداخل المهمة ويتساهل في ذلك ، ولا يريد أن يتحرك خُطُوات ، ولعل مريضًا يريد أن يخرج من البيت ولا يدري كيف السبيل ، ولعل هناك من يريد أن يذهب إلى عمله أو إلى سفر يترتب عليه له مصالح ، فيظل مُحْصَرًا ، والنبي – عليه الصلاة والسلام – قال : « لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ » ( [3] ) ، يعني أن الضرر مُنْتَفٍ شرعًا ، فكل ضرر واجبٌ النهيُ عنه شرعًا ، وكذلك كل نوع من المضارة لعباد الله يجب النهي عنه .

ولو امتثلنا – أيها المؤمن – أحكام الشريعة لكنا على خيرِ ما ينبغي من الأخلاق ، ومن الأحوال ، ومن التصرفات .

فالواجب إذن أن نرعى الأحكام الشرعية . . أعانني الله وإياكم على أنفسنا ، وأعاننا على رعاية المصالح ودَرْء المفاسد ، وأن نكون في كل ذلك متقربين به إلى ربنا جل وعلا .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [ البقرة : 195 ] .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب ، فاستغفِروه وتوبوا إليه ، إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله حقَّ حمده ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ؛ تعظيمًا لمجده ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصَحْبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فإن أحسنَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْيِ هَدْيُ محمدِ بنِ عبدِ الله ، وشرَّ الأمور مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وعليكم بالجماعة ؛ فإن يد الله مع الجماعة ، وعليكم بلُزوم تقوى الله ؛ فإن بالتقوى رِفْعَتَكم وفَخَارَكم عند ربكم ، ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[ [ آل عمران : 102 ] .

الزكاة في شهر رمضان المبارك :

أيها المؤمنون ، إننا في إقبالة شهر كريم ، ومما يجب التنبيه عليه في إقبالة هذا الشهر الاعتناء بالزكاة ؛ فهي الركن الثالث من أركان الإسلام ، وخاصة من الذين عندهم أموال تدخل وتخرج ، أو من أرباب المتاجر ، فشهر رمضان شهر مبارك ، والنفقة فيه والصدقة مُضاعَفة لشرف الزمان ، وكذلك الزكاة فيه ؛ فقد أُثر عن عثمان – رضي الله عنه – أنه كان يقول : « هذا شَهْرُ زَكَاتِكُم » ( [4] ) يعني رمضان ؛ لِمَا فيه من الفضيلة .

لهذا ننبه على كل من عنده مال تجب فيه الزكاة أن يبتدئ في حسابه لإخراج الزكاة ، وأن يستعد لإخراجها قبل أن يبدأ الشهر ، وأن يميزها من حيث القَدْر ، وأن يسعى في معرفة مصارف الزكاة التي يصرفها فيها قبل أن يبدأ الشهر ، حتى إذا أتى الشهر الكريم – تَقَبَّلَ الله منا ومنكم فيه العمل الصالح – فإذا به قد أعد العُدَّة لأداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام الذي قرنه الله – جل وعلا – بالصلاة ، وقال فيه : ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ[ التوبة : 103 ] أعانني الله وإياكم على الخير والهُدى ، إنه سبحانه جَوَاد كريم .

 هذا واعلموا – رحمني الله وإياكم – أن الله سبحانه أمرنا بالصلاة على نبيه ، فقال جل جلاله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ الأحزاب : 56 ] .

اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمدٍ صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارضَ اللهمَّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء ، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون ، وعن سائر الصَّحْب والآل ، وعنَّا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذِلَّ الشِّرك والمشركين ، واحمِ حَوْزَة الدين ، وانصُر عبادك الموحِّدين .

اللهمَّ أمِّنَّا في دُورِنا ، وأصلِحْ أئمتنا ووُلاة أمورنا ، ودُلَّهم اللهم على الرشاد ، وأعِنهم يا ربِّ على الخير والسداد في الأقوال والأعمال ، واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى يا أكرم الأكرمين .

اللهم نسألك أن ترفع عنا الربا والزنا وأسبابهما ، وأن تدفعَ عنّا الزلازل والمِحَن ، وسُوء الفِتن ، ما ظهر منها وما بطن ، عن هذه البلاد بخاصة وعن سائر بلادنا بعامة يا أرحم الراحمين .

نسألك اللهم أن تَمُنَّ علينا بتوبة نصوح ، اللهمَّ مُنَّ علينا بالتوبة قبل الممات ، اللهم لا تُمِتْنا إلا وقد وفَّقْتنا للتوبة وإلى عمل صالحٍ به ترضى عنّا يا أكرمَ الأكرمين .

نعوذ بك من سَيِّئ الأعمال ، ونعوذ بك من سيئ الأقوال ، ونسألك أن نلقاك بقلب سليم ، يا أجودَ الأجودين .

عِبادَ الرحمنِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكُم ، واشكروه على النِّعم يَزِدْكُم ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] .



( [1] ) أخرجه أبو داود ( 4 / 200 ، رقم 4604 ) .

( [2] ) أخرجه البخاري ( 2 / 620 ، رقم 1654 ) ، ومسلم ( 3 / 1307 ، رقم 1679 ) .

( [3] ) أخرجه ابن ماجه ( 2 / 784 ، رقم 2340 ) .

( [4] ) أخرجه مالك في الموطَّأ ( 2 / 253 ، رقم 593 ) .

شاركها مع أصدقاءك