بواسطة :
الزيارات : 2٬256 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

تأمُّلات في سورة الإخلاص

الخطبة الأولى :

الحمد لله ، ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأنعام : 1 ] ، أحمَد ربي – جل وعلا – وهو رب العالمين ، وإله الأَوَّلين والآخِرين ، لا إله إلا هو الملك الحق المبين ، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ، مُقِرًّا له بوَحدانيته في ربوبيته ، وبوحدانيته في أُلوهيته ، وبوحدانيته في أسمائه وصفاته وأفعاله ، له الحمد على أن جعلنا من الموحِّدين ، له الحمد على أن جعلنا له ذاكرين شاكرين ، لا إله إلا الله كلما وحَّده الموحِّدون ، وكلما أعرض عن توحيده المشركون . .

وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، هو الذي بشَّر وأنذر ، وكان نذيرًا بين يدي الساعة ، دل الناس على توحيد الله ، ونهاهم عن الطاغوت والشرك والكفر بأنواعه ، وكان بالمؤمنين رحيمًا ، وكان رحمةً للعالمين ، وطُوبى لِمَن قبِل بِشارة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وخُسْرَى لِمَن أعرض عن ذلك ، فلم يتَّبع هداه ، ولم يقتدِ به ، ولم يَقْتَفِ أثره عليه الصلاة والسلام . . اللهم اجعلنا من المُقْتَفِينَ أثرَ نبيه ، ومِنَ المهتدين بهَدْيِه ، ومن المُسْتَنِّينَ بسُنَّته ، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمد ، وعلى آله وصحبه وسَلِّمِ اللهمَّ تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فيا أيها المؤمنون ، أُوصيكم ونفسي بأعظم وصية ؛ ألا وهي تقوى الله ، ألا وهي الخوف من الله ، ألا وهي خشية الله جل وعلا . . لِيَكُنْ في قلوبنا من مخافة الله ، ومن خشيته ، ومن الرَّهَب من لِقائه ما يحجُزنا عما لا يحب الله – جل وعلا – ويرضى ؛ فإن الخوف من الله من أعظم العبادات .

وأهل هذا الزمن ضعُف عندهم هذا الخوف من الله جل وعلا . . ضعُف عندهم الخوف والرَّهَب من الجليل جل وعلا ، والله – سبحانه – وصف لنا المطهَّرين من الذنوب والآثام ، وهم الملائكة ، بقوله : ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [ النحل : 50 ] . وها نحن اليوم وكثير منا قد ضعُف الخوف في قلبه ، فلم يَخَفِ الله – جل وعلا – من فوقه ، ولم يفعل ما يُؤمَر .

فأسأل الله – جل وعلا – أن يُعَمِّرَ قلبي وقلوبكم بالمهابة منه ، وبالخوف منه – جل وعلا – وبخشيته ، وأن يجعلنا كالذين وصف من الصالحين والأنبياء بقوله : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [ الأنبياء : 90 ] .

تَدَبُّر القرآن :

أيها المؤمنون ، إن المتأمِّل المتدبِّر في القرآن لا بد له أن يكون ذا عِظَةٍ ، وأن يُحْدِثَ القرآن في قلبه خشيةً ، وأن يحدث القرآن في قلبه رَغبةً ، وأن يحدث القرآن في قلبه محبَّةً لله جل وعلا ، في رَغَبه وقوله ومحبته ؛ فإن أصل الدين إنما قام على الاستسلام للقرآن ، وتلقي هذا القرآن وتدبره ، وعلى أن يكون العبد رافعًا رأسه مُصغِيًا منيبًا لله جل وعلا ، ولكتابه جل جلاله ؛ لأن الكتاب يُحْدِث إنابة ، ويحدث عِلمًا بالله ، ويحدث رَغَبًا في الله جل وعلا ، وفيما أعد لأوليائه . .

فضل سورة الإخلاص واشتمالها على أقسام التوحيد الثلاثة :

لهذا – أيها المؤمنون – تدبروا هذه السورة القصيرة المعدودة آياتُها ، ولكنها العظيمة عند الله جل وعلا ، والعظيمة في القرآن ، تلك السورة هي سورة الإخلاص التي يَستخِفّ أكثرنا بالقراءة بها في صلاته رغبةً في الاختصار ، ولو عقَل لكانت هذه السورة محدِثةً له في قلبه رَغَبًا ورَهَبًا ومحبةً لله جل وعلا ، قال لنا ربنا سبحانه وتعالى : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ[ الإخلاص : 1 – 4 ] .

قال نبينا – عليه الصلاة والسلام – في هذه السورة : « إِنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ » ( [1] ) ، هذه الآيات المعدودة تعدِل ثلث القرآن ، فمَن تَدَبَّرَها وعلِم ما فيها فإنه قد علِم ثلث القرآن ؛ لأن القرآن ثلاثة أقسام ، وأول هذه الأقسام وأعظمها توحيدُ الله – جل وعلا – في ربوبيته ، وتوحيد الله – سبحانه – في أُلوهيته ، وتوحيد الله – جل وعلا – في أسمائه وصفاته ، وهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد ابتدأ الله – جل وعلا – بها القرآن في قوله سبحانه : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[ الفاتحة : 2 ] ، فهذا توحيد الربوبية ، ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ الفاتحة : 3 ، 4 ] فهذا توحيد الأسماء والصفات ، ثم قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[ الفاتحة : 5 ] وهذا هو توحيد العبادة ، فلا يُعبد إلا الله جل جلاله ، ولا يُستعان إلا بالله جل جلاله .

ولهذا لما بدأ بالربوبية ، ثم بالأسماء والصفات ، وكان المشركون يقرون بالربوبية وبكثير من الأسماء والصفات ؛ دل على أنه يلزم من إقرارهم أن يوحِّدوا الله جل وعلا ، ولما ذكر الله – جل وعلا – حقيقة توحيد الربوبية والأسماء والصفات في الفاتحة ذكرها مطلقة غير منسوبة : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ حقيقة مطلقة ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ حقيقة مطلقة ، فلما أتى إلى توحيد العبادة وإلى توحيد الله – جل وعلا – في توجه العبد وعباداته واستعانته خص أهل الإيمان فقال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ، نسب ذلك إلى المؤمنين بالله الذين يعلمون حقيقة بعثة محمد عليه الصلاة والسلام .

وقد اشتملت سورة الإخلاص على هذه الأنواع الثلاثة ، لهذا وجب على العبد أن يكون دائمًا قلبه مع هذه الأنواع من توحيد الله جل وعلا ، فإن الإيمان يَضعُف بضعف أنواع التوحيد ، فإذا اختل جزء منها فإنه ليس بموحِّد ، وليس بمسلم ، وليس بمؤمن ، بل هو مشرك بالله جل وعلا .

لهذا تدبر هذه الأنواع وما جاء في القرآن من ذكرها تجد أن أكثر القرآن وغالب آيات الله – جل وعلا – في كتابه إنما هي في هذه الأنواع الثلاثة ؛ في ذكر الربوبية ، وفي ذكر الألوهية ، وفي ذكر الأسماء والصفات .

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ :

تأمل قوله : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ يعني : أَحَدٌ في ربوبيته ، فلا ربَّ معه يدبر الأمر ، ولا مالكَ غيرُه ، ولا خالق غيره ، ولا محييَ غيره ، ولا مميت غيره ، ولا ممرِض غيره ، ولا مُغْنِيَ غيره ، ولا شافيَ غيره ، ولا رافعَ غيره ، ولا خافض غيره ، ولا مُعِزَّ غيره ، ولا مُذِلَّ غيره ، ولا متصرف في الأمر إلا هو ، فهو الأحد في ربوبيته ، حتى النفَس الذي تتنفسه فهو بتصرف الله ، حتى الحركة فهي بتصرف الله ، فما شاء الله كان وما لم يَشَأْ لم يكن .

كذلك هو أحد في أسمائه وصفاته ، لا مثيل له في أسمائه وصفاته .

كذلك هو أحد في أُلوهيته ، فلا إله معه ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ[ النمل : 60 ] ، هو أحد في استحقاقه العبادة ، فكل عبادة توجه بها الناس إلى صنم أو وثن حجر أو شجر أو ولي أو عبد صالح أو نبي أو مَلَك أو جِنِّي ، فإنما هي باطلة وظلم وطغيان ؛ لأن الله أَحَد في ألوهيته ، فلا أحد يستحق العبادة إلا هو سبحانه وتعالى ، لا إله إلا الله ، و« لا إله إلا الله » كلمة قامت عليها السماوات وقامت عليها الأرض ، ورددها كل مخلوق ، ورددها كل مخلوق إلا الكفرة الذين أشركوا بالله وجعلوا معه آلهة أخرى .

﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ :

ثم قال : ﴿ اللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ تقريرًا لألوهيته ، يعني : هو وحده الذي تَصْمُد إليه المخلوقات طلبًا لحوائجها ، حتى المشركون إذا ركِبوا في البحر وأتتهم المُدْلَهِمَّات ذكروا توحيد الله ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [ العنكبوت : 65 ] حتى المشرك يعلم حقيقة توحيد الله ، فإذا أتته المدلهمات وأتته الأمور التي تؤذيه فإنه يلجأ إلى الله تعالى ؛ فإن الله – جل وعلا – صَمَدٌ يَصْمُد إليه الناس في حوائجهم كما هو أَحَدُ تفسيريِ السلف لهذه الآية .

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ :

ثم قال تعالى : ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ مبيِّنًا ربوبيته – سبحانه وتعالى – واستغناءه عن أن يكون مولَّدًا أو والدًا ، رادًّا بذلك – جل وعلا – على المشركين ، وعلى اليهود ، وعلى النصارى ، وعلى سائر أصناف الكفرة الذين ألحدوا بالله وجعلوا له الصاحبة والولد .

﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ :

ثم ختم السورة بقوله جل وعلا : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ ليس لله كُفء ، وليس لله كُفُوًا أحدٌ في رُبُوبِيَّته ، ولا في أُلُوهيته ، ولا في أسمائه وصفاته ، ولا في أفعاله ، فهو الواحد الأحد الذي تفرد بالربوبية ، وتفرد بتصريف الأمر وتفرد بأنواع الكمال .

تدبر أقسام التوحيد في القرآن :

هذه السورة القصيرة اشتملت على هذه الأنواع الثلاثة من توحيد الله ، بل اشتملت على ثُلُث القرآن كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ، إذا كان كذلك فلنتدبر سريعًا ما في القرآن من أنواع التوحيد الثلاثة ، فلنتدبر ما في القرآن من الربوبية ، والألوهية ، والأسماء والصفات :

توحيد الربوبية :

قال – جل وعلا – مبيِّنًا لنا ربوبيته سبحانه وتعالى : ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ يعني المشركين ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ [ يونس : 31 ] يعني : أفلا تخافون الله! كيف توقنون وتعتقدون أن الله هو الرب المدبِّر المحيي المميت المعِز المذِل الذي بيده التدبير ، وبيده الأمر ، ثم لا تخافونه؟! ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ[ يونس : 32 ] .

أيها المؤمن ، إن توحيد الربوبية بِذِكْرِ تنوُّع تصرف الله في آياته وفي ملكوته ؛ إنما يُحْدِث في قلب المؤمن ذُلًّا لله جل وعلا ؛ لأنه يعلم أن هذا الملكوت على سَعَته وعلى عِظَمِه وأنه مهما بلغ مما نعلم وما لا نعلم فإن الذي يُدَبِّرُه هو الله جل وعلا . . ثم تدبَّرْ وتأمَّلْ وصف الله – جل وعلا – لنفسه ولربوبيته يوم القيامة بقوله جل وعلا : ﴿ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ[ الزمر : 67 ] ، وأما الأرض فقال – جل وعلا – في وصفها : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ[ الزمر : 69 ] ووصف الله الأرض بأنها قَبْضَتُه جل وعلا ، ثم تدبر كُرْسِيَّ الرحمن – جل وعلا – كيف أنه وسِع سبع سماوات ، وأن السماوات السبع في الكرسيّ كسبعة دراهم أُلْقِيَتْ في تُرْس ، وأما الكرسيّ بالنسبة إلى العرش فهو كحَلْقة مُلقاة في فلاةٍ من الأرض ، والله – جل وعلا – أعظم من ذلك ، محيط بكل شيء ، فكيف يهرب العبد؟! وإلى أين المفر؟! وإلى أين تذهب من الله جل وعلا؟! ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ( 26 ) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ( 27 ) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ[ التكوير : 26 – 28 ] .

تدبر توحيد الربوبية ؛ فإن العبد إذا آمَنَ حقيقةً كان في قلبه من التوكل على الله ما يكون عنده الخَلْق هزيلين ضعفاء ، ويكون بذلك مستغنيًا بالله جل وعلا ، قويًّا بالله جل وعلا ، فإذا ضعُف الإيمان بالربوبية ، وإذا ضعُف التوكُّل فإنك تجد العبد يلتفت إلى الخلق ويرى أنهم يملِكون له ضرًّا ونفعًا ، والله – جل وعلا – يقول لعباده : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 17 ) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ[ الأنعام : 17 ، 18 ] أيُّ إيمان يحدُث في قلوبنا إذا نحن تدبرنا ذلك!

توحيد الأسماء والصفات :

ثم تأمَّلْ أن الله – جل جلاله – الذي هو ربك ، والذي هو إلهك الذي توجهت إليه هو ذو الأسماء الحسنى والصفات العُلا ، له الأسماء المتضمِّنة لصفات الكمال التي لا نقصَ فيها بوجهٍ من الوجوه ، فمُلك الناس ناقص ، لكن مُلك الله كامل مطلَق ، فمِن الناس مَن يكون مَلِكًا ، ولكنه مَلِك يموت ويحيى ، مَلِك يَعِزّ تارَةً ويَذِلّ أخرى ، مَلِك يكون من حاله ما يكون ، أما الله – جل وعلا – فمُلْكُه كامل ، لا تأخذه سِنَة ولا نوم ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ[ البقرة : 255 ] ، إن ملوك البشر ليسوا بشيء عند مُلك الله جل وعلا ؛ لهذا مُلك الله مطلَقٌ وأسماؤه كاملةٌ .

وكذلك صفات الله جل وعلا ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [ الشورى : 11 ] ، ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ[ الحشر : 23 ] إلى آخر التسعة والتسعين اسمًا التي مَن أحصاها دخل الجنة( [2] ) ، وفيها غاية الكمال والعظمة : ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ ، ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] ، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [ الشورى : 11 ] .

إن الإيمان بالأسماء والصفات وبتوحيد الأسماء والصفات يُكْسِبُ قلب المؤمن محبةَ لله في أسماء وصفات الجمال ، وخوفًا من الله في أسماء وصفات الجلال ، فتأمَّل قول الله جل وعلا : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [ الفاتحة : 2 ] ذكر –جل وعلا – ربوبيته للعالمين وتربيته لهم وأنك لولا تربية الله لك بتدريجه لك في رحِم أمك إلى أن بلغت إلى هذا الحال ، وبتدبيره لك في الإيمان لم تكن شيئًا ، فمن تأمل ذلك وتدبره أحب مَن أحسن إليه ، وهو الله ؛ لأنه أسدى إليه النعم .

ثم إذا تأمل ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ الفاتحة : 3 ] أحدث في قلبه محبة ورجاء .

ثم إذا تأمل اسم الله ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[ الفاتحة : 4 ] أحدث في قلبه الخوف والهلع من ذلك اليوم .

فإذن الأسماء والصفات الإيمان بها له الأثر في حياتك ، وإذا علِمت أن الله يسمع كل شيء ، حتى إنه يسمع ويرى دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في ظلمات الليل فإلى أين تذهب؟! وممَّن تتخفى؟! الله – جل وعلا – يعلم خائنة الأعين وما تُخْفِي الصدور ، ويعلم مجاريَ القُوت في أعضاء البعوض وفي عروقها ، فإلى أين تذهب؟! وممن تتخفى؟! ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ [ يونس : 61 ] .

إذا علِمت أن الله جبار فاخضَعْ له ، وإذا علِمت أن الله مُعِزّ فاطلُبْ عِزّته ، واعلم أنك عزيز بعزة الله ، وإذا علِمت أن الله هو المُعِزّ المذِل فاخشَعْ أيها الذي غرتك عزتك ، وغرك جاهك ، وغرك مالُك أن يقلب الله عليك الأمر فتكون بعد العزة ذليلًا ، فهو يُعِزّ من يشاء ويذل من يشاء تبارك وتعالى .

تأمل الأسماء واسكُبِ الدَّمْعَ من العين لله – جل وعلا – في خلوةٍ لعلك أن تكون ممن قال فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم : « عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ : عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ » ( [3] ) .

توحيد الألوهية :

وأما توحيد الألوهية فمعناه : أنك لا تعبد إلا الله جل وعلا ، ولا تتوجه بالدعاء ولا بالاستشفاء ولا بطلب الشفاعة ولا بطلب أي شيء من حاجاتك إلا من الله جل وعلا ، أما الخلق الأحياء الحاضرون فإنهم إذا كانوا يقدِرون على نفعك فإنما هم أسباب ، أما التوجه للموتى وللصالحين بعد موتهم في قبورهم بأن يُستغاث بهم أو يُذبح لهم ، أو يُنذر لهم ، أو تُطلب شفاعتهم فإن هذا في الحقيقة هو عبادة غير الله ، وهو الذي قال الله – جل وعلا – في وصف أهله : ﴿ إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ( 35 ) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ [ الصافات : 35 ، 36 ] .

وهم الذين قال الله – جل وعلا – فيهم : ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ ص : 5 ] .

وهم الذين قال الله – جل وعلا – في وصف عبادتهم للأموات : ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ [ النحل : 20 ، 21 ] .

فهؤلاء المشركون في الجاهلية قد عبدوا أنواعًا من المعبودات ، ومن هذه المعبودات الأموات الذين هم ليسوا بأحياء ، فهم وإن كانوا أحياء في قبورهم بحسَب ما هو مقدَّر لهم بما في عِلم الله – جل وعلا – حياة بَرْزَخِيَّة تناسبهم ، إما أن يكونوا في نعيم وإما أن يكونوا في جحيم ؛ ولكن حياتهم تلك ليست بحياة من يُسأل ، وليست بحياة من يُطْلَب منه ، ولهذا قال – جل وعلا – في وصفهم : ﴿ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ( 20 ) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ يعني أنهم لا يدرون متى تقوم الساعة .

إذن فالذين عبدوا مع الله آلِهةً أخرى ليسوا بموحِّدين ، والذين توجهوا إلى الوليِّ الفلاني فعبدوه ؛ إلى البَدَوِي أو العيدروس أو إلى الحَسَن ، أو إلى عليٍّ رضي الله عنه ، أو إلى الباقر ، أو إلى الكاظم ، أو إلى ما شئت من الأسماء ؛ فإنهم في الحقيقة عبدوا غير الله ، وما وحَّدوا الله جل وعلا ، فهم في الحقيقة مشركون بالله – جل وعلا – في ألوهيته ، ولو تأمَّلوا حق الله في ربوبيته وأسمائه وصفاته لَمَا توجهتْ قلوبهم إلا إلى الله جل جلاله .

التدبُّر وعدم الغَفْلة :

أيها المؤمنون ، هذه كلمات قليلة في هذا الأمر العظيم الذي به بُعِثَتِ الرُّسُلُ ، وبه أُنزلت الكتب ، فهذا الأمر ثُلُث القرآن بنص النبي عليه الصلاة والسلام ، فسمى نبي الله – عليه الصلاة والسلام – سورة الإخلاص بهذا الاسم لِمَا اشتملت عليه من أنواع التوحيد الثلاثة ، وليس فيها غير التوحيد ، وهو ثلث القرآن .

لهذا واجبٌ عليك أن تُحْيِيَ قلبَك بمحبة الله والإخلاص له وبالتدبر في ملكوت الله جل وعلا ؛ فإن التدبر في ملكوته ، وفي أسمائه وصفاته ، يُحدِث للعبد أنه لا يتوجه إلا إلى الله ، ولا يرغب إلا إلى الله ، فيأنس بالله ، ويمتثل لذِكره ، ويعلم قيمة كلامه ، ولقد أحسن الحسن رحمه الله ، وكلامه من أحسن الكلام ؛ إذ يقول في هذه المعاني : « عاملنا القلوب بالتفكر » يعني : في آلاء الله ، وفي توحيده ، وفي كتابه « فأورثها التذكر ، فرجعنا بالتذكر على التفكر » يعني مرة أخرى بعد أن تذكرنا تفكرنا ، فأحدث لنا فكرًا جديدًا ، وعملًا وعلمًا صالحًا محدثًا جديدًا ، قال : « وحركنا القلوب بهما ، فإذا القلوب لها أسماع وأبصار » فما أحسن هذا الكلام!

أما أن نترك قلوبنا مع زحمة هذه الحياة ومشاغلها ولهوها وغفلتها ، فهذا يميت القلوب :

رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبَ

وقد يُورِثُ الذلُّ إِدمانهَا

وتَرْكُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ

وخيرٌ لنفسِكَ عِصيانُها( [4] )

 اللهم اجعلنا مِمَّن أحصى أسماءَك الحسنى ، وأدخلتَه الجنة يا أكرم الأكرمين ، اللهم فاغفر وتُبْ علينا جميعًا .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ( 1 ) اللَّهُ الصَّمَدُ ( 2 ) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ .

باركَ الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم .

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية :

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا .

أما بعدُ :

فإن أحسنَ الحديثِ كتابُ الله ، وخيرَ الهَدْيِ هديُ محمدِ بنِ عبدِ الله ، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثَاتُها ، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بِدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وعليكم بالجماعة ؛ فإن يدَ الله مع الجماعة ، وعليكم بلُزُوم تقوى الله ؛ فإن بالتقوى والخوف من الله – جل وعلا – رِفْعَتَنا ومقامنا عند الله جل وعلا ، اللهم اجعلنا من المتقين .

عبادَ الله ، إن الله – جل وعلا – أمرنا بأمرٍ بدأ فيه بنفسه فقال سبحانه : ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[ الأحزاب : 56 ] ، اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارضَ اللهمَّ عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء ، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدِلون ، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهمَّ أعِزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذِلَّ الشِّرك والمشركين ، واحمِ حَوزة الدين ، وانصر عبادك الموحِّدين .

اللهم أمِّنَّا في دُورنا ، وأصلِح أئمتنا ووُلاة أمورنا ، ودُلَّهم اللهم على الرشاد ، اللهم دلهم على الرشاد وباعِدْ بينهم وبين سبل أهل البغي والكفر والفساد ، يا أرحم الراحمين .

اللهم واصرفنا وإياهم إلى ما تحب وترضى ، واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى يا أكرم الأكرمين .

اللهم إنا نسألك أن ترفع عنا الربا والزنا وأسبابهما ، اللهم وارفع عنا أسباب غفلة القلوب ، وأسباب قسوة القلوب ، اللهم نشكو إليك قسوةً في قلوبنا ، اللهم فليِّنْها بتوحيدك ، اللهم نشكو إليك غفلةً في قلوبنا وصدرونا ، اللهم فأيقِظْ غفلتنا ، واجعلنا منيبين إليك خاضعين لك ، مقبِلين عليك ، مسبِلين الدمع بين يديك ، يا أكرم الأكرمين .

عِبادَ الرحمنِ ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [ النحل : 90 ] ، فاذكروا الله العظيم الجليل يَذْكُرْكُم ، واشكروه على النِّعم يَزِدْكُم ، ﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [ العنكبوت : 45 ] .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 4 / 1915 ، رقم 4726 ) عن أبي سعيد الخدري ، ومسلم ( 1 / 556 ، رقم 811 ) عن أبي الدرداء ، و( 1 / 557 ، رقم 812 ) عن أبي هريرة .

( [2] ) أخرجه البخاري ( 2 / 981 ، رقم 2585 ) ، ومسلم ( 4 / 2063 ، رقم 2677 ) .

( [3] ) أخرجه الترمذي ( 4 / 175 ، رقم 1639 ) .

( [4] ) ذكره ابن عبد البر في ( بهجة المجالس ) ونسبه إلى عبد الله بن المبارك ، باب : من المواعظ الموجزة .

شاركها مع أصدقاءك