بواسطة :
الزيارات : 1٬630 مشاهدة
  • إسم الملف : أحكام الهدي والأضاحي
  • عدد الزيارات : 1٬630 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

أحكام الهدي والأضاحي

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا ، أحمد الله شاهدًا أنه لا إله إلا هو الحي القيوم القائم بالقسط العزيز الحكيم ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وأشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، فصَلِّ اللهم وسلم وبارك عليه ، وعلى الآل والصحب أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، اللهم إن نسألك أن تجعلنا من أهل العلم النافع والعمل الصالح ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، اللهم اجعل قلوبنا خاشعةً لك ، منيبةً إليك ، نسألك الازديادَ من العلم والعمل ، ونعوذ بك من الضلال والغي بعد الهدى والإيمان .

أما بعد ، إن موضوعنا الذي نحن بصدده هو “أحكام الهدي والأضاحي” وهذا الموضوع يذكره أهل العلم من الفقهاء في كتبهم الفقهية بعد أحكام الحج ؛ لأن له تَعُلقًّا بمناسك الحج ، فالهدي عمل من أعمال الحج يقوم به الحاج في مكة ، والأضحية يفعلها غير الحاج مشاركة لأهل الموسم ؛ فأهل الموسم لهم الحج والهدي ، وأهل الأمصار لهم الأضحية .

وبعض أهل العلم يذكر “أحكام الهدي والأضاحي” بعد “كتاب الذبائح” في أواخر كتب الفقه ؛ وذلك لأن بعض أهل العلم من الفقهاء درج على ذكر أحكام الأطعمة والأشربة في أواخر كتبهم الفقهية ، فيذكر بعد الأطعمة الذبائح ، ويذكر بعد الذبائح الأضاحي والهدي .

وعلى كلٍّ فهذا الموضوع مهم ؛ لأنه متعلق بعبادة عظيمة يحبها الله -جل وعلا- ويرضاها ، ألا وهي إراقة الدم تَقَرُّبًا إليه وابتغاء مرضاته تبارك وتعالى .

اعلم أن الهدي غير الأضحية ، وبينهما فرق ، فالهدي هو ما يُهْدَى إلى الله -جل وعلا- في مكة مما يُذْبَح تَقَرُّبًا إليه تبارك وتعالى . وأما الأضحية : فهي كل ما ذبح من النَّعَم وأريق دمه لله -جل وعلا- في زمنه المخصوص .

إن الهدي قد يكون في أيام مخصوصة وهي يوم النحر والأيام التي بعده أثناء الحج ، وقد يكون في أي يوم من أيام السنة أثناء العمرة ؛ لأن الهدي كما هو مستحب أو واجب في الحج -بحسب تفصيل الأحكام التي ستأتي- فهو مستحب أيضًا في العمرة .

إذن الهدي يكون في يوم الأضحى وأيام التشريق ، ويكون في غير هذه الأيام ، وأما الأضحية فهي ما يذبح من بهيمة الأنعام في أيام مخصوصة وهي يوم الأضحى والأيام الثلاثة التي بعده ، سواءٌ كان في مكة أوفي غيرها للحاضر وللمسافر ، فصار هناك اشتراك ما بين الأضاحي والهدي ، وهناك اختلاف فيما بينها . أما الأحكام فأكثرها واحد فيما بين الأضاحي والهدي ، وهناك اختلافٌ في بعض الأحكام كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .

إن أصل مشروعية الأضاحي ما قص الله جل وعلا علينا من خبر إبراهيم -عليه السلام- مع ابنه حيث قال جل وعلا : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ[ الصافات : 102 ] . إلى أن قال جل وعلا : ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ *قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ*وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الصافات : 103 – 107 ]

ففُدِي إسماعيلُ -عليه السلام- بكبشٍ أمَرَ اللَّهُ -جل وعلا- إبراهيمَ بذبحه بدلاً من ذبح ابنه إسماعيل ، فدل هذا على أن السنة مضت بفعل إبراهيم عليه السلام ، حيث إن أصل الذبح كان فداءً لإسماعيل -عليه السلام- من الذبح ، ولهذا قال ابن القيم -رحمه الله- وغيره من أهل العلم : إن أصل مشروعية الذبح في الأضاحي والهدي هو فداء النفس ، والمقصود من ذلك المنة بما عوض الله جل وعلا إبراهيم -عليه السلام- عن ذبح ولده وقرة عينه بذبح الكبش ، وما اختص الله -جل وعلا- به إسماعيل من الامتنان والفضل .

والنبي عليه -الصلاة والسلام- كان يضحي ، فضحى -عليه الصلاة والسلام- حضرًا وسَفَرًا ، وكان -عليه الصلاة والسلام- يُعَظِّم ذلك ويحث عليه ، حتى إنه كان ليضحي بالكبش أو الكبشين ، ولَمَّا حج -عليه الصلاة والسلام- ضحى وأهدى ، فجمع بين هذه وذاك .

قال ابن القيم وغيره من أهل العلم : إن سنة الأضاحي والتقرب إلى الله -جل وعلا- بالدماء موجودة بين أكثر أهل الملل ؛ لأنها من سنن المرسلين القديمة التي أمر الله -جل وعلا- أنبياءه بها .

إذا تَبيَّن لك ذلك ، فإن الأضحية والهدي فيهما فضلٌ عظيم جِدًّا ، وهذا الفضل العظيم يتمثل في :

أن الذَّابِحَ أو المتُقَرِّب إلى الله -جل وعلا- بهذه الأضحية أو هذا الهدي يقوم في قلبه حُبُّ الله -جل وعلا- ويقوم في قلبه تقوى الله -جل وعلا- والرغبة فيما عنده من الأجر والثواب ، وإلا فما معنى أن ينفق هذه النفقة وأن يتكلف هذه الجهد إلا رغبةً فيما عند الله -جل وعلا- إخلاصًا له سبحانه وتعالى ؟! فهذا يدل على أن المتقرب إلى الله -جل وعلا- بهذا الذبح مُوَحِّدٌ له تبارك وتعالى ، إذ إنه لم يذبح إلا له سبحانه وتعالى ، فالأضاحي والهدي كسائر الذبائح إنما تكون للحَقِّ تبارك وتعالى ، فهي تذبح باسمه -جل وعلا- فلا يُهَلُّ بها لغير الله ، ولا يُذْكَر عليها اسمٌ غير اسم الله جل وعلا ، وهذا هو عنوان التوحيد ؛ لأن الذبح لغير الله -جل وعلا- شركٌ به تبارك وتعالى ، فالذبح في الأضحية والهدي وذكر اسم الله على ذلك فيه إقرارٌ من كل مسلم لهذا الشعار العظيم الذي في قوله جل وعلا : ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ[ الأنعام : 162 ] . فالنسك -ومنه الذبائح- لله رب العالمين ، لا شريك له سبحانه وتعالى .

كذلك من الأمور التي تُبَيِّن لك فضل الأضحية أن الأضحية شعار التقوى ، فالمُضَحِّي أو المُهْدِي أو المُتَصَدِّق بهذه اللحوم أو المتقرب إلى الله -جل وعلا- بهذه الدماء مُعَظِّمٌ لشعائر الله -جل وعلا- وقد قال سبحانه : ﴿ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ[ الحج : 32 ] .

فمن يعظم كل ما فيه شعيرة لله -جل وعلا- وذلك بإعلاء أمره ، فإن ذلك يدل على تقواه وحبه لله ، ورغبته فيما عنده من الأجر والثواب ، ويدل على تركه ما يخالف أمرَه جل وعلا .

إذن أمر الأضاحي والهدي ليس من أمر العادات ، بل هو من أمر العبادات ، وهو دليل على تقواك لله -جل وعلا- وعلى تقربك إليه ، ورغبتك فيما عنده .

كذلك من الأمور التي تُبَيِّن لك فضل الأضحية ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في معنى قوله جل وعلا : ﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ[ الحج : 37 ] . حيث قال عليه الصلاة والسلام : « مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلاً أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلاَفِهَا وَأَشْعَارِهَا ، وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا » .([1])

فأعظم الأعمال في يوم الأضحى أو في يوم العاشر من ذي الحجة أن يتقرب العبد إلى الله -جل وعلا- بهذا الذبح قال : « وإن الدم ليقع من الله بمكان » . يعني يكون في موضع قبول من الله -جل وعلا- فيَرْضَى به عن فاعله والمتقرب به قبل أن يقع على الأرض ؛ لأنه قام في قلب المهدي أو المضحي حب الله -جل جلاله- وقامت في قلبه تقواه ، وقام في قلبه توحيده سبحانه وتعالى .

ويذكر بعض أهل العلم حديثًا في فضل الأضاحي وهو قوله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه عليه الصلاة والسلام : « اسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ ، فَإِنَّهَا مَطَايَاكُمْ عَلَى الصِّرَاطِ » .([2]) ومعنى : « استفرهوا ضحاياكم » . أي : استكرموها ، فضحوا بالكريمة الشابَّة المليحة الحسنة المنظر والسير .

وهذا الحديث رواه الدَّيلمي وغيره باسناد ضعيف جِدًّا ، بل حَكَم بعض أهل العلم بوضعه ، فليس صحيحًا ، ولا يُعَد هذا من فضائل الأضاحي ولا من فضائل تعظيمها .

حُكْم الأُضْحِيَّة :

الأضحية سنة مؤكدة ، فمن وَجَد سَعَة من المال ، فإن الأضحية مؤكدة في حقه ؛ وذلك لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- ضَحَّى في كل سنة من سنين حياته ، يتقرب إلى الله -جل وعلا- بذلك ، وهذا يدل على سنية الأضحية ، ومحافظته عليها -عليه الصلاة والسلام- في الحضر والسفر يدل على تأكيدها ، ولهذا قال بعض أهل العلم : إنها واجبة ؛ يدل على ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : « مَنْ وَجَدَ سَعَةً فَلَمْ يُضَحِّ ، فَلاَ يَقْرَبَنَّ مُصَلاَّنَا » .([3]) وهذا يدل على وجوب الأضحية في حق المستطيع ؛ لأن في الحديث نهيًا عن إتيان المُصَلَّى وقربه ؛ لأنه بفعله ذلك قد أتى بوزر .

وهذا الحديث رواه بعض أصحاب السنن ، والصواب أنه موقوف على أبي هريرة ، فلا يصح رفعه للنبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا يجعل الراجح من قولي أهل العلم أن الأضحية سنة مؤكدة ، وفضلها عظيم ، وليست بالواجبة على أعيان المسلمين ، ويدل على عدم الوجوب أن أبا بكر -رضي الله عنه- ترك التضحية مرة ، وكذلك عمر وابن عباس وعدد من الصحابة خَشْيةَ أن يرى الناس أنها واجبة .

وأما الهدي فحكمه يختلف من وجوه ، فمنه ما هو مستحب ، ومنه ما هو مؤكد ، ومنه ما هو واجب ، فالهدي الواجب هو هدي المتعة متعة الحج ، وهدي القران ، أو ما كان لتَرْك واجبٍ من واجبات الحج أو ما كان لفِعْل محظورٍ ، وهو الفدية الواجبة ، فالذي أَحْرَم متمتعًا عليه ما استيسر من الهدي كما قال جل وعلا : ﴿ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْيِ[ البقرة : 196 ] .

وقوله -جل وعلا- هنا يشمل المتعة والقرآن أيضًا ؛ لأن في كل منهما تَمَتُّعًا بترك أحد السَّفَرين ، فهذا هو الهدي الواجب .

وكذلك إذا ترك واجبًا من واجبات الحج فإنه يجبر بدم ، وإذا فعل محظورًا من محظورات الحج فإنه يجبر بدم ، على تفاصيل في ذلك موجودة في كتب أهل العلم .

وهناك فرق بين هدي المتعة والقران ، والهدي الواجب لفعل محظورٍ أو ترك واجب ، وذلك أن هدي المتعة والقران هدي شكر لله -جل وعلا- وأما الهدي بسبب فعل محظور أو ترك واجب فهو هدي جُبْران ، وهذا يجعل ثَمَّ فرقًا بينهما من جهة توزيعه ، فهدي الشكر لله -جل وعلا- له حكم الأضاحي في أنه يقسم ثلاثة أقسام كما سيأتي بيانه ، وللمتمتع أن يأكل من هديه ، وله أن يتصدق به ، وكذلك القارن له أن يأكل من هديه ، وأن يتصدق به ، فيطعم به المسكين ، وذلك لقول الله جل وعلا : ﴿ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ[ الحج : 28 ] .

أما مَن ترك واجبًا من واجبات الحج أو فعَلَ محظورًا من محظوراته ، فإنه يجبر بدمٍ لقول ابن عباس : « مَن نَسِي من نُسُكه شيئًا أو ترَكَ ، فَلْيُهَرِقْ دمًا » .([4]) فهذا دم جُبْران ، وهو واجب ، ولا يأكل منه صاحبه ولا يُهْدي ، بل يجب للمساكين ؛ لأنه دم جبران ، لا دم شكر .

إذن ينقسم الدم إلى قسمين :

الأول : دم شُكْرٍ ، وهو دم الأضحية التي يُتَقَرَّب بها إلى الله -جل وعلا- استحبابًا ، ودم الهدي هدي المتعة أو هدي القران ، وهما واجبان ، وحكمهما في التوزيع حكم الأضحية .

والثاني : دم الجبران الذي يكون بسبب ترك واجب من واجبات الحج أو فعل محظور من محظوراته ، وهو واجب أيضًا ، غير أنه ، لا يأكل منه صاحبه ولا يهدي ، بل يجب أن يتصدق به كله .

أنواع الأضاحي

الأضحية والهدي إنما يكونان ببهيمة الأنعام لقول الله جل وعلا : ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ[ سور الحج : 28 ] ولقوله : ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ[ الحج : الآية 36 ] .

فالذي يُضَحَّى به هو الإبل والبقر ، والغنم بنوعيها ؛ الضأن والمعز ، وأفضل هذه الأنواع الثلاثة الإبل ، ثم البقر ، ثم الغنم ، وبعض أهل العلم يفضل التضحية بالضأن على الإبل والبقر ، والصواب أن الترتيب في الفضل هو للإبل ، ثم للبقر ، ثم للغنم ، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في فضل التبكير إلى الجمعة : « مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ . . . إلخ » .([5])

فدل على أن هذه الثلاث مُرَتَّبة ، وذلك إن كانت متواجدة في بلد واحد ، فالمساكين يفرحون بالإبل أكثر من فرحهم بالبقر ، ويفرحون بالبقر أكثر من فرحهم بالغنم . أما إذا كان البلد مساكينُه يفرحون بالضأن فيه أعظم من فرحهم بالبقر ، فإن الضأن يكون أفضل من البقر عندهم ، كما هو موجود في هذه البلاد مثلاً ، أو إذا كان أهل البلد لا يستسيغون مثلا لحم الإبل ، فإن البقر يكون أفضل عندهم ؛ لأن المقصود من الأضاحي أن يكون فيها قربة لله جل وعلا ، وأن يكون بها إطعام للمساكين ، والتفضيل العام -كما ذكرنا لك- هو للإبل ، ثم للبقر ، ثم للغنم .

والغنم قسمان : معزٌ وضأن . المعز ذوات الشعر ، والضأن ذوات الصوف ، والضأن والمعز الأفضل منهما ما كان أغلى ثمنًا وأسمن وأوفر لحمًا ، ثم يأتي التفضيل بعد ذلك من جهة اللون ، فيُفَضَّل الأملح ، وهو الذي فيه بياض وسواد ، والبياض فيه أكثر ، أو هو الأبيض الخالص أو الذي يعلوه حمرة أو صفرة أو أشباه ذلك على اختلاف أنواع الضأن والغنم ، ثم يليه الأسود .

إذن الأفضل في الغنم هو الأغلى ثمنًا والأسمن ، سواءٌ وافق اللونُ البياضَ أو وافق اللونُ السواد ، فإن تساوت في الثمن والسِّمَن فالأبيض أفضل ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام ضحى بكبشين أملحين أقرنين ، فتضحيته عليه الصلاة والسلام بالأملح دليل على تفضيله .

وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكَبْشٍ أقْرَنَ يطأ في سواد ، ويبرك في سواد وينظر في سواد ، فأتي به ليضحي به ، فقال لها : «يَا عَائِشَةُ هَلُمِّي الْمُدْيَةَ» .([6])

وقد اختلف أهل العلم ما المراد به في الحديث ، هل المراد أنه أسود كامل السواد ، أم فيه بياض قليل ، أو يخلطه لون آخر ، أم مكان الأكل من رأسه -وهو موضع الفم- ومكان النظر والقوائم كل ذلك منه أسود ؟! على قولين لهما ، والأظهر هو ما ذكرتُ من التفضيل .

وشيخ الإسلام ابن تيمية يفضل الأغلى ثمنًا دائمًا ، فإذا كانت الشاة أغلى ثمنًا من الإبل فإن الشاة تكون أفضل ، فما كان أغلى ثمنًا فهو مفضل عنده ، وهذا ليس على إطلاقه على الصحيح ؛ لأن الدليل دل على أن الاعتبار إنما هو بتفضيل الإبل ، وذلك كما ورد في الحديث الذي سُقْنَاه قبل قليل ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ . . . إلخ » ([7]) .

والأنواع الثلاثة من بهيمة الأنعام -وهي الإبل والبقر والغنم- هي التي يُضَحَّى بها ، وهي التي تقع الأضحية بها موقع إجماع بين أهل العلم ، وأما التفضيل فثَمَّ خلاف بين أهل العلم في أيها الذي يفضل ، والهدي مثل الأضاحي في كون البعير أفضل ، ثم البقر ، ثم الضأن أو الغنم ، والنبي عليه الصلاة والسلام نحر إبلاً كثيرةً في حَجَّة الوداع ، وضحى عن نسائه عليه -الصلاة والسلام- بالبقر ، وضحى عن نفسه وعن أمته بكبشين أقرنين أملحين ، فدل ذلك على أن هذه الأنواع الثلاثة مشروعة في الهدي والأضاحي ، وأن حكمها في الأضحية حكمها في الهدي .

ما يجزئ من الأضحية والهدي :

هناك شروط ذكرها أهل العلم لنعلم بها هل هذه الأضحية أو الهدي مجزئ أم لا ؟

الشرط الأول : السن .

الذي يجزئ من حيث السن هو الثَّنِيُّ ، يعني الذي ظهرت له ثَنِيَّتان ، وهذا في الإبل يكون لِمَا كان له خمس سنين ، وفي البقر ما كان له سنتان ، وفي الغنم ما كان له سنة ، إلا أنه في الضأن يُجزئ أن يُضَحَّى بالجذع من الضأن ، وهو ما له ستة أشهر فأكثر ، وذلك أن النبي -عليه الصلاة والسلام- ثبت عنه أنه قال : «ضَحُّوا بِالجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ» ([8]) .

إذن الأضحية إذا كانت من الضأن ولها ستة أشهر فما فوق فهي مجزئة ، وإذا كانت من البقر ولها سنتان فما فوق تجزئ ، وإذا كانت من الإبل ولها خمس سنين فما فوق تجزئ ، فإذا كانت أقل من ذلك فلا تجزئ ، قد يتساهل بعض الناس في هذا الأمر –وهو معرفة السن- عند شرائه الأضاحي أو الهدي ، فلا يعرف أن يفرق بين الجَذَع وبين الثَّنِيِّ ، فإذا أشكل عليك الأمر فلا تأخذ جَذَعًا ، فإذا كنت لا تميز بين ما له ستة أشهر وما له خمسة أشهر أو أربعة أشهر فلا تفعل ، حتى لا تقع في إخلال بشرط من شروط الأضحية ، جاء رجل إلى النبي عليه -الصلاة والسلام- فقال : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَسَكْتُ شَاتِي قَبْلَ الصَّلاَةِ ، وَعَرَفْتُ أَنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ شَاتِي أَوَّلَ مَا يُذْبَحُ فِي بَيْتِي ، فَذَبَحْتُ شَاتِي وَتَغَدَّيْتُ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الصَّلاَةَ . قَالَ : «شَاتُكَ شَاةُ لَحْمٍ» . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَإِنَّ عِنْدَنَا عَنَاقًا([9]) لَنَا جَذَعَةً هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ شَاتَيْنِ ، أَفَتَجْزِي عَنِّى ؟ قَالَ : «نَعَمْ ، وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» .([10])

وهذا استدل به بعض أهل العلم على أن الجذع من المعز لا يجزئ في الأضحية ، لكن ذكرنا لك أن الصواب أنه مجزئ في الضأن ، فإذا صار ثَمَّ اشتباه عليك وعدم معرفة في السن فخذ الثني ، وذلك من خلال الكشف على أسنانه فبها تَعْرِف عمره ، فإن كان ثنيًّا يكون قد تمت له سَنَةٌ أو دخل في الثانية ، هذا الذي ذكرنا من جهة السن والعمر .

أما من جهة الصفات فإن القاعدة العامة في الأضاحي أنه يجزئ فيها ما كان سليمًا وافر اللحم ، فذلك هو المقصود ، وأن يكون سليمًا من العاهات والأمراض التي تنقص قيمته أو تنقص لحمه ، وذلك كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام ، فعن البراء بن عازب أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَرْبَعٌ لاَ يَجُزْنَ : الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ ظَلْعُهَا ، وَالْكَسِيرَةُ الَّتِي لاَ تُنْقِي » ([11]) .

وهذا يحتاج إلى بيان تلك العيوب ، فالأول قوله عليه الصلاة والسلام : « العوراء البين عورها » . المقصود به التي تكون إحدى عينيها ذاهبة سواء في الإبل أو البقر أو الغنم ، فهذه لا تجزئ ؛ لأنها عوراء . وقوله عليه الصلاة والسلام : « البين عورها » . يدل على أن التي لم يتبين عورها تُجْزِئُ ، ويفهم منه أن ما هو أعظم من العور كالعمى فإنه لا يجزئ من باب أولى ، فبهيمة الأنعام التي تكون منخسفة العينين أو فيها عينان لكنها عمياء فإنها لا تجزئ ؛ لأن هذا نقص في ثمنها ، وهو سبب لعدم استطاعتها الأكل وسبب لعدم عظم بدنها .

وقوله عليه الصلاة والسلام : « العَرْجَاءُ البَيِّنُ ظَلْعُها » . أي : البَيِّن عرجها ، والمقصود به التي لا تستطيع المشي مع الصحاح ، فهذه أيضًا لا تجزئ ، وهذا معنى قوله : « البين ظَلْعُها » . أما إذا كان عرجها خَفِيفًا ليس بَيِّنًا أو يمكنها معه المشي مع الصحيحات ، وأنها تَرِد ما يَرِدُون من المرعى ، وتذهب معهم ونحو ذلك ، فإن هذا ليس بالعيب الذي يجعلها لا تجزئ ، ولكن فيه الكراهة ؛ لأن السليمة أولى من الْمَعِيبة ، وإن كان عيبها لا يمنع من الإجزاء .

وقوله : « المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُها » . المرض أقسام حَدَّده عليه الصلاة والسلام بقوله : « البَيِّن مَرضها » . والبَيِّنُ مرضها إما أن يكون بضعف واضح وهزال واضح فيها ، أو أن تكون دائمًا مُطَّرِحة ، أو أن تكون لا تستطيع المشي ، أو لا تستطيع أن تأكل ، أو أن تكون كثيرة السعال أو نحو ذلك مما يكون المرض فيه بَيِّنًا .

وقد تظهر أشياء قد تُظَنُّ أنها من المرض ، وليست كذلك ، وذلك مثل ما يظهر في بعض الماشية -خاصة الضأن- من الغُدد ، وهي التي يسميها العامة الطلوع ، فهذه لا تعيب الأضحية بعدم الإجزاء ، وإنما تكره معها التضحية ، فمن وجد بعد شرائه للأضحية هذا الأمر في مكانٍ ما منها ، وكان بَيِّنًا أو كان خَافِيًا عليه ، فإن هذا مما يكره ، إلا في حالة أن يضر بها فيجعلها مريضةً ، وهذه الأورام التي تظهر إذا كانت قليلة في بهيمة الأنعام أو إذا كانت قليلة في الخراف فإنها لا تؤثر على لحمها بضعفٍ فيه أو فساد ، وإنما يفسد ما حولها ، ولهذا قال أهل العلم من المتقدمين والمتأخرين : إنها تجزئ . لكن الأفضل أن تُجْتَنَب ، فإذا اشْتريت أضحية وفيها هذا الأمر ، وضَحَّيْتَ بها فإن هذا مجزئ لا شيء فيه .

وقوله عليه الصلاة والسلام : « التي لا تُنْقِي » . يعني الضعيفة الهزيلة التي لا نِقْيَ لها بمعنى أن عظمها ليس فيه مخ ، وكذلك يكون شحم العينين فيها ضعيف ، وهذا يدل على هزالها الشديد ، فالعجفاء التي لا تنقي -يعني التي لا نِقْي فيها ، أي مخ- وشديدة الضعف وشديدة الهزال لا تجزئ ؛ لأن المقصود -كما ذكرنا لك- من الأضاحي والهدي أن تجمع ما بين التقرب إلى الله -جل وعلا- بإراقة الدم ، وما بين وفرة اللحم والسمن الذي تتقرب به إلى الله -جل وعلا- بصدقة ونحوه .

وهناك عيوب أخرى لكنها لا تؤثر في الإجزاء ، والعلماء اختلفوا هل غير هذه الأربعة المذكورة في الحديث تؤثر في الإجزاء ؟! والصواب من أقوال العلماء أنه يقتصر في العيوب على هذه الأربع فقط ، وما هو أولى منها مثل العمى في العينين ، فهو أولى من العور ، ومثل انقطاع إحدى الرجلين أو كسرها ، فهذا أعظم من العرج ، وأشباه ذلك مما هو أولى مما ذكر ، أما ما لم يكن مذكورًا في هذه الأربع مثل بعض العيوب التي لا تؤثر في سمنها ولا تؤثر في ثمنها تأثيرًا بالغًا فإن هذا لا بأس به ، مثل انقطاع بعض الأذن أو وجود ثقوب بها ، ومثل قِلَّة الصوف فيها وأشباه ذلك ، ومثل انقطاع الألية أو أشباه ذلك ، فهذا لا يؤثر ، فلو اشتريت غَنَمًا لا ألية فيها فإن هذا لا بأس به ، أو كانت مُهَجَّنة لا ألية فيها ، أو مثل أن تكون أليتها صغيرة جِدًّا ، فهذا لا حرج فيه ؛ لأنه لا يؤثر على ذلك .

ويأتي الذَّكَرُ من حيث الأفضلية في الضحية ، فالذكر أفضل في التضحية من الأنثى ، والذكر غير الخصي أفضل من الذكر الخصي ، ولكنه يجزئ في الأضحية ، لكن الأفضل غير المخصي ، وقد ضحى النبي صلى الله عليه وسلم بكبشين مَوْجُوءين وذلك كما ثبت عنه إنه إذا كَانَ يريد أَنْ يُضَحِّىَ اشْتَرَى كَبْشَيْنِ عَظِيمَيْنِ سَمِينَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ ، فَيَذْبَحُ أَحَدَهُمَا عَنْ أُمَّتِهِ مِمَّنْ شَهِدَ بِالتَّوْحِيدِ وَشَهِدَ لَهُ بِالْبَلاَغِ ، وَذَبَحَ الآخَرَ عَنْ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلموَآلِ مُحَمَّدٍ .([12])

فدل على جواز التضحية بالموجوء ، والموجوء : هو ما سلت خُصْيتاه ، أو ضربت خصيتاه . أما إذا كان مَجْبوبًا ، يعني : قُطِعَ ذَكَرُه مع الخُصْيتين كما يفعله بعض البادية في الضأن حتى تسمن ، فأن هذا لا يجزئ ، فإذا قيل : خصي . فَلْيُتَنَبَّه هل هو ذاهب الذكر مع الخُصْيتين ، أم أن خصيتاه رضتا حتى صارتا صغيرتين والذكر باقٍ ، فإن كان مجبوبًا ذاهب الذكر مع الخصيتين فإنه لا يجزئ باتفاق أهل العلم ، وأما إذا كان خَصِيًّا مَوْجُوءًا برَضِّ الخصيتين مع بقاء الآلة ، فإن هذا لا بأس به ويجزئ ، لكن الأفضل أن يك%D

شاركها مع أصدقاءك