بواسطة :
الزيارات : 1٬925 مشاهدة
  • إسم الملف : أسئلة عن كشف الشبهات
  • عدد الزيارات : 1٬925 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

أسئلة عن كشف الشبهات

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه . أما بعد :
س : تكلمتم عن بعض ضوابط فهم السيرة فهلا تكلمتم عن ضوابط فهم التفسير ؟
ج : أما ضوابط فهم السيرة فإنها لم تكن في حاجة إلى زيادة فهناك ملاحظات كثيرة في كثير من كتابات سيرة المصطفى – صلى الله عليه وسلم – ، وما ذكر إنما هو فتح باب لهذا الموضوع المهم . وأما التفسير فهو أجل العلوم لاحتوائه على العلم بالله – جل وعلا – وأسمائه وصفاته ، بل كل علوم الشريعة موجودة في التفسير .
ومعرفة الضوابط في فهم التفسير أو في إدراك كلام العلماء على التفسير مبني على فهم مناهجهم في تفاسيرهم ، وهذا يرتبط بفهم مواقع الإجماع في التفسير ومواقع الخلاف وقواعد الترجيح بين الأقوال المختلفة . وهذا الأخير وهو قواعد الترجيح يشترك فيها جملة من العلوم منها علم اللغة وعلم الإسناد وعلم الأصول .
وقد كُتبت كتابات في قواعد الترجيح بين أقوال المفسرين سواء كانت تفاسير السلف أو تفاسير الخلف وهذا كما ذكرت مبني على معرفة اللغة فكثير من الأقوال في التفسير يُرجح قولاً على قول باعتبار ؛ اللغة لأن القرآن نزل بلسان عربي مبين .
ومنها ما يُرجِّح باعتبار قواعد الترجيح عند علماء الأصول ، فإن الأصوليين قد بحثوا في الترجيح بحثًا طويلاً ، وأيضًا في أثناء كلامهم على دلالات الألفاظ أو على الدلالة بشكل عام فيمكن أن يرجح بها كثيرًا من المسائل .
وقد رجَّح ابن جرير – رحمه الله – بالأصول في كثير من المواضع المشكلة . كذلك فعل شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا فقد رجَّح بالأصول في كثير من المواضع المشكلة في التفسير .
والثالث الإسناد والمراد به معرفة أسانيد المفسرين ، وأسانيد المفسرين كما ذكرت –سابقا – ليست مبنية على أسانيد المحدثين بشكل مطابق لها ، أي إنه إذا نُظر إلى بعض رجال أسانيد المفسرين الذين تناقلوا هذا الإسناد ، من حيث الجرح والتعديل ربما ظن الظانُّ أو توصَّل الناظر إلى أن هذا الإسناد غير مقبول أو ضعيف ، بينما هو حجة عند المفسرين من السلف بالإجماع .
ولهذا أمثلة كثيرة وقواعد معلومة ، وخاصة في النسخ التي روي بها التفسير فمثلاً تجد أنه قُدح في صحيفة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس من قِبَل بعض أهل الحديث بأنها وجادة ومنقطعة ؛ لأن عليًّا لم يدرك ابن عباس ، وهى مع ذلك عند علماء التفسير الغاية في الحجة عن ابن عباس .
وقد وحررها بعض علماء الحديث كالحافظ ابن حجر ، وقال إن الواسطة عُلمت ، وهى أن عليًّا قد أخذ هذه الصحيفة من مجاهد ، ومجاهد أعلم الناس بتفسير ابن عباس .
ومثال آخر تفسير أسباط بن نصر عن السُّدِّي ، والسُّدِّي وأسباط بن نصر فيهما كلام . لكن أسباط بن نصر روى كتاب السدي ، فهي رواية كتاب محفوظ تناقله العلماء إلى آخر ذلك .
ومعنى هذا أنه لا ينظر في أسانيد المفسرين بقواعد أهل الحديث بإطلاق ، بل ينظر مع ذلك إلى صنيع المفسرين أنفسهم . لهذا لو نظرت في تفسير ابن حاتم وهو من أصح التفاسير السلفية المنقولة بالأسانيد لوجدت أنه شرط في أوله أن يكون ما رواه بالأسانيد من أصح ما وجد ، وإذا ما نظرنا في كثير منها من جهة رواية الحديث لانتُقد ذلك ولَعُدَّ ضعيفًا أو ضعيفًا جدًا ، لكن منها ما هو متعاهد أو مقبول باطِّراد عند علماء التفسير . وتحتاج هذه إلى تفصيلات وأمثلة .
والمقصود أنه لا شك أن فهم ضوابط التفسير من الأهمية بمكان ؛ وخاصة – كما سبق – مواقع الإجماع والخلاف والترجيح يعنى ما أجمعوا عليه وما رجَّحه طائفة ، أو الخلاف وكيفية الترجيح .
فمثلاً في المسألة المشهورة في قوله تعالى : ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [ سورة الأعراف : الآية 190 ] فالتفسير المشهور فيها أن المراد باللذَيْن آتاهما صالحًا وجعلا له شركاء آدم وحواء ، هذا هو التفسير المشهور ، بل هو تفسير السلف يعنى الصحابة .
ولكن هناك من ردَّ هذا التفسير ، وقال : كيف يكون من آدم وحواء شِركٌ ؟ ولم يفقه حقيقة المسألة .
والمقصود من هذا التمثيل أنه لم يكن ثَم خلاف بين السلف – أعنى الصحابة في هذه المسألة ، وإنما بدأ الخلاف من الحسن البصري . ولهذا لما ساق ابن جرير – رحمه الله – كلام الحسن بأن المراد بالمثنى هنا اليهود والنصارى أو المشركين الوثنيين والمشركين من أهل الكتاب ، قال ابن جرير في آخر ذلك : “والقول في ذلك عندنا أن المراد من قوله : ﴿ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاءَ ﴾ آدم وحواء لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك” (1) . وهذا الإجماع منعقد قبل الخلاف . وهذا من المسائل المهمة فإن بعض المفسرين قد يرجح قولاً مع أن الصحابة قالوا بخلافه .
ومعلوم أنه لا يجوز أن يُعتقد أو يظن أن الصحابة ينقرضون ، ولا يكون فيهم من يقول القول الصواب في الآية ؛ لأن العلم لا بد أن يكون محفوظًا فيهم ، أو أن من بعدهم يدركون صوابًا قد خَفِي على الصحابة .
ولهذا نقول إذا أجمع الصحابة على قول فهو الحجة ، بل إذا اختلف الصحابة في الآية على قولين لم يَجُز إحداث قولٍ ثالثٍ ، إلا إذا ظُنَّ أن بعض الصحابة المشهورين بالتفسير لم يُنقل له كلام في هذه الآية ، وكان هناك دليل يساعد على ذلك .
أما إذا كانت المسألة اجتهادية ، أي راجعة إلى العلم الاجتهادي في التفسير وليس فيها أثر ولا عموم إلى آخر ذلك ، فلا يجوز إحداث قول خفي لم يقل به صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقواعد فهم التفسير متنوعة ، وقد كُتِب فيها كتابات كثيرة ، في أصول التفسير أو قواعد التفسير في فهم التفسير ، لكنها بحاجة إلى تحقيق وتدقيق . وهناك كتابات مركزة ، لكن لا شك أن طالب العلم يحتاج إلى هذا كبير الحاجة .
س : يقول بعضهم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب خرج على الدولة العثمانية هل هذا صحيح ؟
ج : الجواب أن هذا ليس بصحيح ، لأن نجدًا من سنة ست وخمسين ومائتين قد خرجت عن حكم الدولة العباسية ، وتولتها دولة يقال لها الأخضرية ، وربما كانوا من الشيعة أو من الزيود فخرجت عن السلطة ، ولم تطمع فيها الدولة العباسية أصلاً ولم ترسل لها أحدًا لما حدث لهم من التفرق والاختلاف والضعف إلى جانب أن نجدًا لم يكن فيها مطمع في ذلك الحين .
ثم توالت الإمارات والدول على عدم الطلب من أهل نجد أن يدخلوا في السلطان . وكانت لهم إمارات ودول مستقلة من سنة 256 هـ إلى أن انقضت الدولة الأخضرية في نحو سنة 500 تقريبًا . ثم بعد ذلك توالت الدول أو الدويلات الصغيرة أو الإمارات الصغيرة ، فقد كان كل من أنشأ بستانًا أو مزرعة وجمع الناس حولها صار أميرا لهده البلد أو القرية إلى آخر ذلك .
فأتي إمام الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على هذا الواقع ، وهو أن الدول أو الإمارات الموجودة في نجد ليس لها ارتباط بالدولة العثمانية , ولم تكن الدولة العثمانية تعطيها شيئًا أو تنفق عليها ، وأيضًا لم تكن تطلب من أمرائها خراجًا ولا بيعة إلى غير ذلك ، بل كانت متروكة لعدم رغبتهم فيها ، فلم فيها مال وفي أهلها مطمع ، بل هي بلدان صغيرة متفرقة .
فجاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وللعيينة أمير ولحريملاء أمير وللجبيلة أمير وللدرعية أمير وللرياض أمير وللمنفوحة أمير وللخرج أمير إلى آخره ، لكل واحد منهم إمارة مستقلة وطاعة مستقلة فدعا في هذا الأمر إلى التوحد فقامت الدولة السعودية الأولى على التوحيد وانتشرت بعد ذلك بعد بيعة شرعية صحيحة .
هذه هي حقيقة الأمر . أما قول من قال إنه خرج على الدولة العثمانية فهذا غير معروف عند علماء الدعوة أصلاً لعدم دخول نجد تحت الولاية العثمانية في ذلك الزمان .
س : ما حكم تخصيص ليلة النصف من شعبان بالقيام ؟
ج : ليلة النصف من شعبان جاء فيها أحاديث كثيرة في بيان فضلها ، ومن هذه الأحاديث ما هو ثابت ، ومنها ما هو ضعيف . وقد خصها بعض السلف بقيام من بين الليالي لما فيها من الفضل ، لكن المعتمد وما عليه عامة السلف وجمهور الصحابة ، بل إنه لا يعرف من الصحابة من قام ليلة النصف من شعبان ، وأنها إن كان فيها فضل لما ورد في الأحاديث الثابتة فهذا لم يشرع له تخصيص عبادة لا قيام ليلتها ولا صيام نهارها .
ومما ذكر في فضيلتها أنها ليلة نزول الأقدار وليلة اختتام الأقدار ، فليلة القدر يبدأ بها القدر للسنة المقبلة وليلة النصف من شعبان قالوا بها يُختتم فيها القدر يعنى من حيث العمل وينزل قدر السنة المقبلة ويكون التقدير في ليلة القدر من رمضان .
وهذا يقوله كثير من أهل العلم ولكن من حيث التحقيق لا يحسن اعتماده لأن ظاهر الآيات على خلاف هذا .
س : هل التمائم من القرآن محرمة ؟ أو من الشرك الأصغر ؟ وإذا كانت من الشرك الأصغر فكيف نفهم كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد في باب ما جاء في الرقى والتمائم أن بعض السلف رخَّص فيها ؟ فكيف يرخِّصون في شيء فيه الشرك الأصغر ؟
ج : الجواب هذه المسألة معروفة ، فالتمائم من القرآن ينظر إليها من جهتين : الجهة الأولى : جهة التعليق ، والجهة الثانية : جهة المعلَّق . فمن حيث النظر إلى التعليق فإن الاعتقاد في التميمة ، في أن التعليق من حيث هو تعليق نافع ويرد البلاء أو يرفع البلاء هذا شرك أصغر ؛ لأنه « من تعلق شيئًا وكل إليه » (2) فالتعليق في ذاته ليس سببًا مشروعًا ، وليس سببًا كونيًا للتداوي لا لرفع ولا لدفع البلاء وقوعه .
والجهة الثانية جهة المعلق الذي هو القرآن فالسلف كان منهم من يرخص في استعمال القرآن للدفع ؛ لأنه رقية والقرآن يرقى به بالنص وجائز الرقية به . فمن جهة النظر إلى القرآن لا يقال إن اتخاذ القرآن تميمة بدون تعليق شرك أصغر . وهذا هو الذي تكلم فيه السلف . أما إذا عُلِّق وأُعتقد في التعليق مع المعلّق فهذا شرك أصغر ، وهذا لم يكن عند السلف .
ولهذا رخصوا في القرآن لا من جهة الاعتقاد في التعليق فحاشاهم من ذلك ؛ لأن هذا شرك أصغر ، وإنما من جهة أن القرآن إذا حُمل فإنه أبلغ في الرقية بحسب اجتهادهم ، وهذا غير صحيح كما هو مقرر في موضعه .
فإذن المسألة تدور على هذين الحالين ، إذا كان المعلق للتميمة من القرآن يعتقد في القرآن دون التعليق فنقول لا يجوز له ذلك على الصحيح ، وإذا كان يعتقد في التعليق والمُعلَّق جميعًا نقول اعتقاده في التعليق شرك أصغر لأن التعليق ليس سببًا مشروعًا وليس سببًا نافعًا لا في الشريعة ولا سببًا كونيًا نافعًا وهذا تحقيق المقام فالسلف لا يبيحون شيئًا من الشرك الأصغر ولا يختلفون فيه .
س : هل دعاء الله عند القبر بدعة أم شرك ؟
ج : دعاء الله عند القبر بمعنى أنه يأتي إلى قبر صالح أو من يُعتقد فيه الصلاح ، ويدعو الله عنده لظنه أن الدعاء في هذا المكان له فضيلة أو مجاب أو نحو ذلك من الأسباب فنقول : تخصيص بعض القبور بالدعاء عندها لفضيلة أصحابها أو لعبادتهم أو لولايتهم أو ما أشبه ذلك بدعة لأن الصحابة – رضوان الله عليهم – لم يقصدوا قبور شهداء أُحُد ولا قبور السابقين الأولين الذين ماتوا في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – ويدعوا عندها ، وهؤلاء أحياء ، أعنى الشهداء وهم أفضل هذه الأمة لسابقتهم ولموتهم في سبيل الله فامتناع الصحابة عن ذلك دليل على أن تخصيص بعض القبور بالدعاء عندها لظن المُخصص أن الدعاء عندها مستجاب بدعة ، ولكن ليس شركًا لأنه ما دعا إلا الله ، وهو لا يجوز ، وقد يكون وسيلة إلى الشرك لاعتقاده في أصحاب القبور .
س : ما نصيحتكم لطلبة العلم الذين زهدوا في تعلم علم النحو ؟
ج : لا علم شرعي إلا بنحو ؛ لأن العلم الشرعي عربي ، فنصوص الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح لها وفهم العلماء لها كل هذا لا يكون إلا بفهم اللغة . والنحو أول درجات فهم اللغة ، يفهم به معاني الكلام إذا تركب ، فمن لم يفهم النحو لا فهم له في الشريعة .
س : ما رأيكم في الدولة العثمانية ؟ وهل إذا كان في الدولة شرك فهل يكون الولاء كما لدولة التوحيد ؟
ج : في الكلام عن الدولة العثمانية رسائل لبعض أئمة الدعوة . وقد تكلم علماء الدعوة عن العساكر التركية العثمانية التي هاجمت أهل التوحيد ومحت معالم التوحيد في ديار أهله ، وقتلت أهل التوحيد وساقت من ساقت إلى مصر أو إلى تركيا وقُتل هناك من قتل .
فهذه العساكر التركية التي أعلت رايتها لقتال أهل التوحيد في عقر دارهم ، فهؤلاء يكفرهم أئمة الدعوة لأنهم قاتلوا أهل التوحيد ، ويشهدون على من قُتِل منهم بالنار ؛ لأنهم قاتلوا تحت راية شركية لدحر التوحيد وقتل أهله .
وأما الدولة العثمانية في عمومها , فلا يكفرها أئمة الدعوة بإطلاق ، لكن من المعلوم أن للدولة العثمانية في الثلاثة قرون الأولى شأن ، ومنذ عهد سليمان القانوني وما بعده شأن آخر ، فقد بدأ دخول القوانين الإفرنجية فيها ، ودخول الصوفية أيضا ، وأشياء كثيرة مما حدث لهم . فكلام أئمة الدعوة في تكفير العساكر التركية ، ولهذا تجدهم في كتبهم ينصون على العساكر التركية ؛ حتى لا يعمم الحكم .
س : بعض طلاب العلم جعل من نفسه حكمًا على العلماء الراسخين في العلم ، يخطئ بعضهم ويصوب بعضهم أو يصوب غيرهم ممن هو أدنى منهم ، فما نصيحة فضيلتكم لمن هذه حاله وفقكم الله ؟
ج : أسأل الله – جل وعلا – التوفيق للجميع وهذه المسألة لا شك أنها من آثار ضعف العلم ؛ لأن طالب العلم إذا تعلم دَانَ بالفضل لأهله واحتقر نفسه عند الراسخين في العلم لأنه يُجل العلم . أما إذا لم يكن للعلم عنده تلك القيمة وهذا الإجلال فإنه ربما يتجرأ على أهل الراسخين فيه . فكلما كان المرء أكثر علمًا كان أكثر عملاً وكان أكثر توقيرًا لأهل العلم .
مثلاً تكلم بعضهم في بعض الأئمة كأبي حنيفة – رحمه الله – وغيره من بعض السلف أو من تبعهم السلف نعنى المتقدمين ، بينما إذا نظرت إلى كتب شيخ الإسلام ابن تيمية العالم الإمام شيخ الإسلام فلا تجد في كتبه قدحًا في أبي حنيفة فهل كان يخفى عليه ما قِيل فيه ؟ لا ، بل كان معروفًا لديه ذلك ، بل صنف كتابه المعروف “رفع الملام عن الأئمة الأعلام” من هم ؟ هم أحمد والشافعي ومالك وأبو حنيفة .
فأهل العلم يرفعون راية العلماء ولا يزهِّدون الناس فيهم ينشرون محاسنهم ويطوون ما يظن أنه نقص في حقهم ؛ لأنه من المعلوم أنه ليس من شرط العالم أن يكون مصيبًا في كل مسألة أو أن يكون تقيًا في كل مسألة ، ليس هذا من شرط العالم إنما هذه كمالات النبوة . أما العلماء فإذا كان صوابهم أكثر وكان نفعهم أكثر فهم العلماء . وهكذا أهل العلم في كل زمان ، أهل العلم المتابعين لطريقة السلف دائمًا يكون خطؤهم قليلاً بجانب صوابهم .
وإذا كان كذلك فينبغي لطالب العلم أن ينشر محاسن العلماء وإذا وقع في نفسه شيء مما لم يصيبوا فيه ، أو يظن أنهم لم يصيبوا فيه فإما أن يراجعهم في ذلك أو يستفسر أو أن يترك قوله لقولهم إذا أجمعوا على شيء أو اتفقوا عليه أو يذهب إلى قول بعضهم بدليله هذا الذي ينبغي .
أما نشر أخطائهم فهذا جناية على الشريعة بعامة ؛ لأنك إذا زهَّدت الناس في العلماء فمن يتبعوا ، ويوشك أن يأتي الزمان الذي وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله : « إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا ، يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا ، اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا ، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا » (3) . لماذا اتخذ الناس هؤلاء الرؤوس الجهلاء ؟ لأنهم ظنوا فيها العلم ، فسُئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا .
ولهذا ينبغي ربط الناس بالعلماء بذكر مزاياهم وفضائلهم وبذلهم وجهادهم ، بذكر ما يعملونه للمسلمين ، فهذا ينشر الشريعة ويزيد من تعلق الناس بأهل العلم والاقتداء بهم وسؤالهم عما أشكل .
أما التزهيد في العلماء أو انتقاصهم أو ذكر أخطاءهم ، وليس من شرط العالم كما ذكرنا ألا يخطئ ، بل قد يخطئ لأنه ليس بمعصوم ، لكن نشر هذا يُزهد الناس فيهم فيبقى في الناس نشر الأخطاء , والناس مولعون دائمًا بنسيان الفضائل وذكر المثالب ، فإذا رأوا سبة طاروا بها فرحًا وإن يجدوا إصلاحًا فله كتموا ، كما قال قَعْنَبُ بْنُ أُمِّ صَاحِبٍ :

إِنْ يَأْذَنُوا رِيبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا . . . مِنِّي وَمَا أَذِنُوا مِنْ صَالِحٍ دَفَنُوا
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ . . . وَإِنْ ذُكِرْتُ بِشَرٍّ عِنْدَهُمْ أَذِنُوا(4)

إذن فالواجب على طلاب العلم أن يحسنوا الظن بأهل العلم ، وأن يأخذوا منهم فهم الشريعة لأنه بذلك يحصل الخير في الأمة .
س : استدل بعض القبورين على جواز البناء على القبور بأن النبي – صلى الله عليه وسلم – دُفن في حجرة عائشة ، فكيف الجواب على هذه الشبهة ؟
ج : نعم دُفِن – عليه الصلاة والسلام – في حجرة عائشة لكن حجرة عائشة كانت قبل القبر ، وحجرة عائشة كانت مفتوحة وهى إلى الآن مفتوحة إلى أعلى والسقف العلوي لها هو سقف المسجد لما أدخلت فيه . فحين دفن – عليه الصلاة والسلام – كان سقف الحجرة مفتوحًا كما كانت عائشة – رضى الله عنها – تقول : « كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يصلى العصر والشمس في حجرتي » (5) لأن الحجرة كانت مفتوحة من أعلاها وإنما سقف بعضها وترك بعض في عهده عليه الصلاة والسلام بشيء من الجريد الذي يزال .
والواقع الآن أن الحجرة مفتوحة من أعلها ، نعم هناك جدران مثلثة لكنها مفتوحة من أعلى ليس عليها سقف ، وكذلك الجدار الثاني ممتد حوالي ستة أمتار ثم مفتوح أيضًا من أعلى ، وكذلك الحديد الذي يُرى يعنى ثلاثة جدران ثم الحديد ، كل هذا مفتوح .
فإذًا البناء لم يقع على قبره عليه الصلاة والسلام وإنما البناء كان موجودًا قبل القبر ، فدفن – عليه الصلاة والسلام – في بيته ولم يُبْنَ قبره صلى الله عليه وسلم ، ولا على قبر أصحابه .
وجعلت له حمايات عديدة حتى يبعد الناس عن القبر ، فأُخذ من مسجده – عليه الصلاة والسلام – من روضته عدة أسطوانات لعدة أمتار ، أخذت من الروضة الشريفة التي قال فيها عليه الصلاة والسلام : « ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة » (6) أخذت حماية لقبره عليه الصلاة والسلام حتى لا يصل إليه الناس .
فإذًا لا يمكن الآن أن يقال إن البناء مسقوف من كل جهاته ، ولا يمكن أن يقال إن الزائر له يزور القبر لأن بينه وبين القبر أمتار وبناء جدار ثم جدار أي الجدار الحديدي ثم الجدار الذي يليه ثم جدار ثالث ثم الجدار الرابع فهناك أربعة جدارن وتذكرون كلام ابن القيم يرحمه الله في النونية حيث قال :

فأجاب رب العالمين دعاءه    وأحاطه بثلاثة جداران

يعنى دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – في قوله : « اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا ، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » (7) . فأجاب رب العالمين دعاءه فأحاطه بثلاثة جدران, الجدار الأول جدار حجرة عائشة ثم الثاني وراءه ثم الثالث الذي ترونه الآن .
ثم بعد ذلك بعد زمن ابن القيم في أول عهد الدولة العثمانية تقريبًا جعل الحاجز الحديدي هذا ، فهي أربعة ، وأخذ من الروضة بضعة أمتار مع أنها مسجد وجعلت حماية للقبر بإجماع المسلمين ؛ لأن في هذا الأخذ من المسجد الذي هو وقف مسجد أسسه النبي – صلى الله عليه وسلم – على التقوى من أول يوم أخذ منه حماية للقبر حتى لا يوصل إليه وحتى لا يتخذ وثنًا . وفي هذا دليل واضح على إبطال ما ادعوه في قبره عليه الصلاة والسلام .
س : وردت أحاديث تنص على أن من قال : لا إله إلا الله دخل الجنة وحرِّمت عليه النار ، ووردت أحاديث تنص على أنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من بر ، ووردت أحاديث فيها أن النار يدخلها من قال : لا إله إلا الله . فما توجيه ذلك ؟ وكيف تجمع بين هذه النصوص فهي فيما يبدو عند بعض الناس متعارضة ؟
ج : هذا مبني على فهم دلالة النصوص في الكتاب والسنة في معنى لفظ الدخول ونفي الدخول “لا يدخل” ، وكذلك التحريم “حرَّم” أو “محرم” ، “حرمت عليه الجنة” أو “حرمت عليه النار” .
إذا تقرر هذا فالدخول في الكتاب والسنة نوعان دخول أولي ، ودخول بعد أمد . ونفي الدخول أيضًا نوعان : “لا يدخل” يعني أولاً ، و”لا يدخل” بمعنى أبدًا فمثلاً في قوله صلى الله عليه وسلم : « لا يدخل الجنة قاطع رحم »(8) هذا يعني الدخول الأولي لا يدخلها أولاً بل يتأخر فيعذب في النار إن لم يغفر الله له ثم يدخل متأخرًا وفي قوله ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ [ سورة الأعراف : الآية 40 ] من قوله ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ ﴾ هذا نفي للدخول مطلقًا يعني لا يدخلون أبدًا ، وهؤلاء هم الكفار .
كذلك لفظ التحريم هنا تحريم أمدي ، وهناك تحريم أبدي . فمن النصوص ما فيه لفظ التحريم والمراد به التحريم الأمدي يعني تحرم عليه الجنة أمدًا من الزمان ، أو تحريم أبدي تحرم عليه الجنة ، تحريم أبدي هؤلاء هم الكفار أو تحرم عليه النار تحريم أبدي وهم الذين غفر الله جل وعلا لهم .
فإذًا دلالة الدخول ونفي الدخول والتحريم في النصوص منقسمة ، فإذا فهمت هذا فإن كل نص فيه مما ذكر من نفي الدخول أو إثبات الدخول أو تحريم للجنة أو للنار ما كان مبنيًا على التفصيل الذي ذكرته لك .
س : ما حكم كتابة الآيات على ورقة ، ثم وضعها في إناء فيه ماء ، ويشرب ذلك الماء هل ذلك العمل جائز ؟
ج : هذا جائز ، ولبيان ذلك فإن التداوي بالقرآن على مراتب ، وهو جائز بالكتاب والسنة وبالإجماع ، بل يستحب وأعلى هذه المراتب أن يرقي المرء نفسه كما كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يرقي نفسه لأنه لا واسطة هنا في ذلك ، القرآن يتردد في جوفه وهو ينفث على نفسه بما تردد في جوفه .
المرتبة الثانية : أن يرقيه غيره هذا أقل لوجود واسطة وإلا فقد وصل إليه النفث ووصل إليه الريق وتلاوة القرآن .
المرتبة الثالثة : أن تزيد الواسطة واحدة فيجعل الماء واسطة فالنبي عليه الصلاة والسلام صح عنه كما رواه أبو داود في السنن بسند قوي أنه أمر بأن يكتب القرآن لرجل مريض في طبق ثم يغسل ويسقاه المريض ، فالذي وصل إليه القرآن ينزل درجة فيجعل في ورقة الكتابة مباشرة ، أي يجعل في ورقة مكتوب فيها الآيات بالزعفران . وهذه الثالثة لم تكن معروفة عند السلف ، وقد رخص فيها الإمام أحمد ، وجماعة من أهل العلم ؛ لأنها من جنس سابقتها فتكتب الآيات بوضوح ثم تحل هذه الآيات ويسقى .
ويليها أن يقرأ في إناء فيه ماء وزعفران ثم يخطط في ورق تخطيط عام بدون ذكر آيات كذا ؛ يخطط لأن هذا الماء والزعفران قد قرئ فيه فيحل هذا الذي قرئ فيه ثم يشرب وهذا أقل من الذي ذكر درجة لكثرة الوسائط فيه .
فالمقصود كما ذكر بعض أئمة الدعوة ، وبعض المحققين أنه كلما قلت الوسائط في الرقية كانت أنفع وأقرب إلى السنة وأبعد عن الاحتيال ، وكلما نزلت واسطة ، شخص يرقي أو بواسطة ماء ، أو واسطة ورق وماء وحل ثلاث وسائط أي كلما كثرت الوسائط ضعفت الرقية من جهة الانتفاع وأيضًا ضعفت من جهة موافقة فعل السلف .
فالذي دلت عليه السنة أن يَرقي المرء نفسه هذه أفضلها ، ثم يجوز أن يرقيه غيره وأفضل إن كان بدون طلب منه فإن طلب جاز أيضًا ، والثالث أن يكتب له في طبق ويحل هذه الثلاث جاءت بها السنة وما عدا ذلك فهو جائز بناءً على هذا .
س : ما معنى قوله تعالى ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ ﴾ [ سورة الرعد : الآية 39 ] ؟
ج : أصح الأقوال في تفسير الآية ما رواه أو ما فسرها به ابن عباس –رضي الله عنهما – من أن قوله في آخر سورة الرعد ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ يعني بما في أيدي الملائكة من الصحف ﴿ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ ﴾ يعني اللوح المحفوظ فما في أيدي الملائكة من الصحف يقبل التغيير ويكون تغيره من القدر الذي في اللوح المحفوظ ، وأما ما في اللوح المحفوظ فإنه لا يتغير .
فمثلا من جهة الأعمار في اللوح المحفوظ الأجل وما في أيدي الملائكة عمر فإن وافق ما في أيدي الملائكة يعني في التقدير السنوي ما في اللوح المحفوظ صار العمر أجلاً ، وإن لم يوافق صار قابلاً للتغيير بالقدر وبالدعاء أو البر أو بصلة الرحم . فإذن ما في صحف الملائكة يتغير بالأسباب ، كما في قوله جل وعلا : ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ ﴾ [ سورة فاطر : الآية 11 ] وكذلك كما في قوله عليه الصلاة والسلام : « مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ » (9) فصلة الرحم سبب .
فيكون عمر الإنسان هو ما في صحف الملائكة من العمر إذا لم يصل رحمه ، فإن وصل رحمه زِيد له فيه ، فيكون الأول وهو أصل العمر والزيادة موجودًا في الصحف ، والنتيجة النهائية هي الموافقة لما في اللوح المحفوظ .
وهذا هو أولى الأقوال في تفسير الآية بل به يستقيم القول في القدر على وفق منهج وعقيدة أهل السنة والجماعة .
س : لكل طالب علم رحلة في طلب العلم ، فهلا ذكرت رحلتك في طلب العلم ؟
ج : لا يلزم أن يرحل طالب العلم للمعلم إذا كان العلم حوله . فإذا كان العلم موجودًا عندك فلماذا ترحل . صحيح أن طالب العلم إذا رحل فإنه لا بد أن يتعلم هذا لا بد منه ، فإذا رحل إلى أي بلد يحرص على الالتقاء بعلمائها والأخذ عنهم وسؤال العلماء عما يشكل وأشباه ذلك .
س : إذا وقع المذي على الجسم والملابس هل يغسل الجسم ؟
ج : المذي نجس فإذا وقع على الجسم يجب غسل ما أصاب الجسم منه ، وكذلك الملابس يغسل ما أصاب الملابس منه ، فإن تردد أو شك يُلقي أو يأخذ بكفه ماء ثم يرش عليه كما أرشد إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
س : ما حكم قول الشخص لأخيه عند لقائه : هذه أبرك ساعة التي رأيتك فيها هل هذا العمل مشروع لأني سمعت من يقول أنه لا يجوز وأنه شرك ؟
ج : هذا مبني على فهم معنى التبرك ، كل مسلم فيه بركة ، وذلك لقول النبي – عليه الصلاة والسلام – فيما رواه البخاري في الصحيح « إن من الشجر لما بركته كبركة المسلم » (10) قال العلماء فكل مسلم فيه بركة كذلك قول أسيد لعائشة –رضي الله عنها – “ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر”(11) لكن البركة نوعان :
1 ـ بركة ذات
2 ـ وبركة عمل
فبركة الذات تعني أن أجزاء الذات مباركة يطلب منها النفع والبركة بالملاصقة أو بالتمسح بها ، وهذا خاص بالأنبياء والمرسلين دون غيرهم .
وأما بركة العمل فهذه لكل مسلم بركة من إيمانه ، بركة إيمان ، فإذا التقى المسلم أخاه حل بينهما مغفرة الذنب عند التصافح أو من نشر الخير أو من الصلة والتزاور في الله أو وما أشبه ذلك فنعم هناك بركة . أو يقال إذا جاء قد حلت علينا البركة يعني عند اللقاء لهذا المعنى بركة العمل فلا بأس به ، أو يقال هذا من بركات الشيخ فلان يعني به بركة علمه يعنى من جهة الاستفادة منه أو يقال : أعاد علينا من بركته يعنى بركة فلان أي بركة علمه إذا كان حيًا أو ميتًا أو بركة عمله إذا كان حيًا .
أما قول القائل : كما في السؤال هذه أبرك ساعة فإن أراد بأبرك أفعل التفضيل المطلق فهذا غلط لأن أبرك ساعة يعني أكثر الساعات بركة ليست هي ساعة اللقاء بين المسلم وأخيه ، بل هي ساعة الوفاة على الإيمان .
وأما إذا عنى بأبرك ساعة أن أبرك هنا أفعل التفضيل ليس على بابه لأنها ساعة مباركة فهذا جائز . وهذا الثاني هو الذي يتوجه إليه كلام الناس يعني أنها ساعة مباركة ، وإنما عبر فيها بأفعل التفضيل للمبالغة لا لقصد التفضيل المطلق ، وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : « أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه »(12) كما في حديث أبي هريرة في الصحيح . ليس معنى قوله : أسعد الناس بشفاعتي من قال : لا إله إلا الله خالصًا ، أن الذي لا يقول لا إله إلا الله خالصًا ليس له نصيب في الشفاعة ، وإنما المعنى سعيد الناس بشفاعتي كما في قوله جل وعلا ﴿ أَصْحَابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَراًّ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [ سورة الفرقان : الآية 24 ] فأحسن مقيلا هنا يعني من أهل النار فإنه ليس في مقيلهم حسن ، وإنما قيل أحسن مقيلاً على وجه المبالغة كما ذكرت وليس على جهة التفضيل المعروف .
س : هل تحديد العزاء بثلاثة أيام بدعة ؟ وكيف يتم مناصحة من يضع عقود الكهرباء على بيت الميت لإعلان موته لاستقبال الزوار ؟
ج : أما تحديد العزاء فليس فيه دليل خاص ، فليعزى من كانت عنده مصيبة سواء أكان في ثلاثة أيام أو في سبعة والفقهاء اختلفوا هل يعزى بعد الثلاثة أم لا على أقوال في المذهب ، مذهب أحمد وغيره ، فمنهم من يقول ثلاثة أيام ومنهم من يقول إلى سبعة والصواب من ذلك أن يقال هذه معلقة بالمصيبة فإن كانت المصيبة باقية فيعزى إلى ثلاثة أيام أو سبعة أو شهر وإذا كان المعزي لم يعز من قبل ، وإذا كان المعزى مصابًا وذلك لقول المصطفى – صلى الله عليه وسلم – في الحديث الصحيح «من عزَّى مصابًا فله مثل أجره»(13) وهذا عام في الأوقات من عزَّى مصابًا مادامت المصيبة باقية .
أما إشهار الموت أو مكان العزاء بوضع عقود الكهرباء على بيت الميت ونحو ذلك فهذه بدعة ونوع من النياحة ، بدعة إذا كان يظن أنها من تمام العزاء بالتعبد بها . ومن النياحة لأن فيها إشهار الاجتماع إلى أهل الميت . ولكن قد لا يكون به بأس بشرط ألا يكون معه صنع طعام فإن كان معه صنع طعام فهو من النياحة بحديث جرير بن عبد الله البجلي –رضي الله عنه – قال : « كُنَّا نَرَى الِاجْتِمَاعَ إِلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ مِنَ النِّيَاحَةِ »(14) .
فإذا كان اجتماع دون صنع الطعام للعزاء فهذا لا بأس به كما كان النساء يجتمعن عند عائشة في بيتها للعزاء كما في صحيح البخاري .
س : ذكر ابن كثير في تفسير سورة الأنفال هذه العبارة فما مدى صحتها ( ولقد فتح المسلمون الأقطار شرقًا وغربًا بسبب امتثالهم لأمر الله وببركة رسول الله ) – صلى الله عليه وسلم – ومعلوم أن الفتوحات لم تتم إلا بعد موته – صلى الله عليه وسلم – ؟
ج : إن أريد ببركة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أي ببركة دعائه – عليه الصلاة والسلام – فهذا حق ، وإن أريد بها بركة رسالته – عليه الصلاة والسلام – فهذا حق ، وإن أريد بها بركة اتباعه عليه الصلاة والسلام فهذا حق . وإن أريد بها بركة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بعد موته بأثرة في قبره على المسلمين فهذا باطل وليس بصحيح ومعلوم أن ابن كثير – رحمه الله تعالى – من أئمة المتقين وهو يعني أحد الاحتمالات الأولى إن صح نقل الأخ عنه وفيها احتمالات فبركة الاتباع مثلما ذكرت أحد الاحتمالات ، فبركة الاتباع نعم أو بركة دعائه – عليه الصلاة والسلام – للأمة فُتحت المشارق والمغارب أو بركة رسالته عليه الصلاة والسلام ؛ لأن رسالته عامة للناس جميعًا فيستلزم من ذلك أن تُفتح المشارق والمغارب ببركة إخباره عليه الصلاة والسلام فلا يبقى بيت مدر ولا حجر إلا أدخله الله في الإسلام إلا وأدخل الله الإسلام إليه بعز عزيز أو بذل ذليل عزًا يعز به الله الإسلام وذلاً يذل به الشرك أو الكفر كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم : « لَيَبْلُغَنَّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر(15) ، ولا وبر(16) ، إلا أدخله الله هذا الدين ، بِعِزِّ عَزِيزٍ ، أو بِذُلِّ ذليل ، عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام ، وذلا يُذِل الله به الكفر » (17) . فهي محتملة وعلى كل فهي عبارة صحيحة إن شاء الله تعالى .
__________________
(1) انظر تفسير الطبري ، بتحقيق الشيخ شاكر ( 13 / 315 ، الباب رقم 190 ) .
(2) أخرجه أحمد ( 4 / 310 ، رقم 18803 ) ، والترمذى ( 4 / 403 ، رقم 2072 ) وقال: حديث عبد الله بن عكيم إنما نعرفه من حديث بن أبى ليلى وعبد الله بن عكيم لم يسمع من النبى صلى الله عليه وسلم ، والحاكم ( 4 / 241 ، رقم 7503 ) .
(3) أخرجه البخاري ( 1 / 50 ، رقم 100 ) ، ومسلم ( 4 / 2058 ، رقم 2673 ) .
(4) لسان العرب ( أذن )
(5) أخرجه مسلم ( 1 / 426 ، رقم 611 ) .
(6)أخرجه البخاري: ( 1 / 399 ، رقم 1137 ) ، ومسلم ( 2 / 1010 ، رقم 1390 ) .
(7) أخرجه أحمد ( 2 / 246 ، رقم 7352 ) ، وصححه الألباني في المشكاة 750 .
(8) أخرجه البخارى ( 5 / 2231 ، رقم 5638 ) ، ومسلم ( 4 / 1981 ، رقم 2556 ) .
(9) أخرجه البخاري ( 2 / 728 ، رقم 1961 ) ، ومسلم ( 4 / 1982 ، رقم 2557 ) .
(10) أخرجه البخاري ( 5 / 2075 ، رقم 5129 )
(11) أخرجه البخاري ( 1 / 127 ، رقم 327 ) ، ومسلم ( 1 / 279 ، رقم 367 ) .
(12) أخرجه البخارى ( 1 / 49 ، رقم 99 ) ،
(13) أخرجه الترمذى ( 3 / 385 ، رقم 1073 ) وقال: غريب لا نعرفه مرفوعًا . وابن ماجه ( 1 / 511 ، رقم 1602 ) ، وضعفه الألباني في الضعيفة ( 11 / 6 ، رقم 5002 )
(14) أخرجه أحمد ( 11 / 505 ، رقم 9605 ) وابن ماجه ( 1 / 514 ، رقم 1612 ) .
(15) أهل المَدَر: أهلَ القُرَى والأمصار ، واحدتها: مَدَرَة . النهاية: مدر .
(16) أي أهل البَوادِي . وهو من وبَر الإبل ، لأن بُيوتَهم يَتَّخِذونها منه . النهاية: وبر .
(17) أخرجه أحمد ( 4 / 103 ، رقم 16998 ) ، والطبراني ( 2 / 58 ، رقم 1280 ) ، قال الهيثمي في المجمع ( 6 / 14 ): رجال أحمد رجال الصحيح . والحاكم ( 4 / 477 ، رقم 8326 ) ، وقال: صحيح على شرط الشيخين . والبيهقي ( 9 / 181 ، رقم 18400 ) .

شاركها مع أصدقاءك