بواسطة :
الزيارات : 3٬332 مشاهدة
  • إسم الملف : المنهجية في قراءة كتب العلم
  • عدد الزيارات : 3٬332 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

المنهجية في قراءة كتب العلم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي بعث محمدًا بالهُدى ودِين الحقِّ ليُظْهِرَه على الدِّين كلِّه وكَفَى باللهِ شهيدًا ، وأشهدُ ألا إله إلا الله وَحْدَه لا شريكَ لـه ، وأشهدُ أن محمدًا عبد الله ورسولُه ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا مَزِيدًا .

أما بعد ، فأسأل الله – جل وعلا – لي ولكم العلم النافع ، والعمل الصالح ، والقلب الخاشع ، والدعاء المسموع ، اللهم عَلِّمْنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما عَلَّمْتنا ، وزدنا عِلْمًا وعَمَلاً يا أرحم الراحمين .

 لا شك أن العلم من أقوى الروابط بين أهله ، فطالب العلم لطالب العلم أخٌ وناصر ، ووَلِيٌّ ومُحِب ، فهم خاصة أهل الإيمان ، وقد قال جل وعلا : ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ[ التوبة : 71 ] . ومن مقتضى الولاية أن يحب الأخ أخاه ، وأن ينصره ، وأن يكون معه كما يحب أن يكون مع نفسه .

إن طلب العلم طريقُه طويل ، ولا يكون إلا بترك اللهو والشهوات والإقبال الجاد عليه ؛ لأن الله – جل وعلا – وَصَف ما أنزل على نَبِيِّه محمدِ بنِ عبد الله – عليه الصلاة والسلام – بأنه قول ثقيل ، فقال جل وعلا : ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا[ المزمل : 5 ] . والقول الثقيل هو الكتاب والسنة ، ولهذا لَمَّا سئل الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة – رحمه الله – عن مسألة فتوقف عن الإجابة عنها ، قال لـه قائل : هذه مسألة سهلة ، أو مسألة يسيرة . فقال : لا تقل هذا ، فما في العلم – صَغُر أو كَبُر – شيءٌ يسير ، أو شيء سهل ؛ لأن الله – جل وعلا – وصفه بأنه ثقيل : ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ . [ المزمل : 5 ] .

 وهذا الفهم العظيم لحقيقة العلم ومعرفة أنه أمر ثقيل يُعَد أول درجات الترقي في طلب العلم ، فكل مسألة من مسائل العلم تحتاج منك إلى إقبال بقلبك وفهم مستقل بعقلك ، فمَن قال : هذه مسألة سهلة . ومَرَّ عليها مُرورَ الكِرَام ، فإنه لن يُحَصِّل العلم ، فتحصيلُ العلم يكون بالتَّمَعُّن والنظر وكثرة المطالعة ، ولكي يكون العلم عندك بقواعده وكلياته وجزئياته وفروعه وأصوله ، عليك بالعناية به ، سواء بتحصيله وترديده ، وحفظه وتثبيته ، فالعلم إذا تركته تركك ، وإذا أقبلت عليه أعطاك بعضه كما هو معلوم في المقالة المشهور : العلم إن أعطيته كُلَّك أعطاك بعضَه ، وإن أعطيتَه بَعْضَك لم تدرك منه شيئًا . وهذا واقع مجرب .

 إن هذا الموضوع وهو ” المنهجية في قراءة كتب أهل العلم ” موضوع مهم ؛ لأن كثيرين ممن قرءوا كتبًا متنوعة تجيء الشكوى منهم متواترةً بأنهم لم يُحَصِّلوا علمًا راسخًا مُقَعًَّدًا ، فلم يضبطوه بحيث يطمئنوا إلى ما بذلوه من العمر في تحصيله ، وهذا نَجِده عند كثيرين ؛ لأنهم قرءوا مدة طويلة ، وربما حضروا دروسًا عند أهل العلم ، وربما ألفوا الكتب وكتبوا الأبحاث ، ولكن في قرارة أنفسهم يدركون أنهم لم يحصلوا من العلم ما به تتميز مسائله وما به يتضح المشكل منه .

 إذن لا بد من منهج مضبوط للقراءة في كتب أهل العلم ، ومن لم يَسِر في حياته كلها على منهج منضبط يَرْجِع إليه فإنه سيترك الطريق الواضح ، وسيأخذ بالطرق المختلفة .

 إذا نظرت إلى كتب أهل العلم في هذا الزمن وجدتها تصل إلى عشرات الآلاف في الفنون المختلفة ، فهل العلم كثير بكثرة هذه الكتب ؟

إن خير إجابة عن هذا السؤال ما جاء في كلام الخليفة الراشد علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – حيث قال : العلم نقطة كَثَّرها الجاهلون .([1]) يعني أن أصل العلم الذي فقهه الصحابة – رضوان الله عليهم – قليل ، وهو فقه الكتاب وفقه أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وهذا قليل بالنسبة إلى ما كثر في زمن علي – رضي الله عنه – من كثرة المسائل والتفريعات التي لا يحتاج إليها الناس ، وكلما ازداد الناس بُعْدًا عن الزمن الأول احتاجوا إلى ازدياد العلم أو إلى ازدياد الكتب لأجل أن يفقهوا ، كما قال : العلم نقطة كَثَّرها الجاهلون . فلأجل وجود الجهل وأهله كثر التأليف وكثر التصنيف ، لأجل أن يبسط العلم لأهله الذين يهدون الجاهل به ويرشدون الضال .

لقد كانت المؤلفات قليلة أول زمن الإسلام ، ثم أخذت في الازياد مع تقدم الزمن ، فكلما تقدم الزمان وجدنا المؤلفات تكثر شيئًا فشيئًا ، وهذه الكتب تنوعت بتنوع العلوم والفنون ، فأول ما دُوِّن من الكتب الحديثُ ، فهو أول ما دُوِّن بعد القرآن العظيم ، لقد دُوِّنت السنة بمختلف أنواع التدوين ما بين صحائف محدودة إلى كتب عظيمة ، ثم تلاها تدوين التفسير عن ابن عباس – رضي الله عنهما -، كما هو معلوم في الصحيفة الصادقة التي رواها علي بن أبي طلحة عن ابن عباس – رضي الله عنهما – ، والتي قال فيها الإمام أحمد – رحمه الله – : كان في مصر صحيفة واحدة من التفسير قد رواها علي بن أبي طلحة ، مَن رحل من طالبي التفسير لتحصيلها لا يعد كثيرًا .([2])

 وهذه الصحيفة صادقة صحيحة عن ابن عباس ، وإن لم يَلْقَ عليُّ بنُ أبي طلحةَ ابنَ عباس كما هو معلوم ، فهي مروية بالوِجَادة عن مجاهد ، عن ابن عباس ، كما حَرَّره الحافظ ابن حجر في أول التفسير من كتاب ” فتح الباري ” .

 ثم ظهرت المُصَنَّفات في التوحيد والعقيدة لَمَّا ظهرت الفرق المختلفة من الخوارج والمرجئة ، وكُتِبت الرسائل ومختصرات التصنيف ، إما في كتب أهل الحديث وإما مفردة ، ثم توالى الزمان حتى صار لكل فن كتب كثيرة .

 إذا أردنا أن نضبط المنهجية في قراءة كتب أهل العلم ، فإننا نقسم ذلك إلى قسمين :

 الأول : ضوابط عامة تصلح لِأَنْ نضبط بها القراءة في أي نوع من كتب أهل العلم ، سواءٌ كانت في العقيدة أم في التفسير أم في الحديث أم في الفقه . . . إلى آخر تلك الفنون الأصلية والمساعدة ، أو العلوم الأساسية والعلوم الصناعية ، فثَمَّ ضوابط عامة يُمْكن أن نَسِير عليها بمنهج واضح ونضبط به العلم المنتشر في تلك الكتب .

 الثاني : ضوابط خاصة بكل علم ، فالتفسير لـه قواعد لتحصيله ، والحديث كذلك ، والعقيدة كذلك . . . إلخ .

 القسم الأول : وهو الضوابط العامة التي تصلح لجميع كتب أهل العلم ، ونقدم له بمقدمة ، وهي أن العلم الشرعي ينقسم إلى قسمين : علم مقصود لذاته ، وعلم مقصود لغيره .

 أما العلم المقصود لذاته فهو علم الكتاب والسنة ، ففِقْه كلام الله – جل وعلا – وفِقْه حديثِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذان العلمان هما المقصودان بالأصالة ، وبهما يُمْدَح أهل العلم ، كما في قوله سبحانه وتعالى : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَات ﴾ [ المجادلة : 11 ] .

 يعني الذين فقهوا عن الله – جل وعلا – مُرادَه ، وعن رسوله – صلى الله عليه وسلم – مرادَه ، فعِلْمُ الكتاب وعِلْمُ السنة فيهما التوحيد ، وفيهما الحلال والحرام .

 فرجع الأمر إذن إلى علمين : أولهما علم العقيدة والتوحيد ، وعلم الحلال والحرام ، الذي هو الفقه ، هذان العِلْمان التوحيد والفقه مقصودان لذاتهما ؛ لأن بالتوحيد يتحقق الإخلاص وعبادة الله – جل وعلا – وَحْدَه دونما سواه ، ويتحقق الإيمان بأركان الإيمان حق الإيمان ، وبالفقه يكون الامتثال في الأمر والنهي ؛ لأن الله – جل وعلا – جعل دينَه أخبارًا وأوامر ونواهي ، فالتصديق بالأخبار هو الاعتقاد ، وامتثال الأوامر والنواهي هو امتثال العمليات ، كما قال جل وعلا : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا[ الأنعام : 115 ] صدقًا في الأخبار ، وعدلاً في الأمر والنهي . فإذن العِلْمان المقصودان لذاتهما في طلب العلم هما التوحيد والفقه .

 وأما العلم المقصود لغيره من الفنون ما كان من العلوم الصناعية المختلفة ، كعلوم العربية بعامة ، فعلم النحو ، وعلم الصرف ، وعلم الاشتقاق ، وعلم المعاني والبيان والبديع وأشباه ذلك ليست علومًا مقصودةً لذاتها ، وكذلك أصول الفقه ، وأصول الحديث ، والسيرة ، هذه كلها علوم مقصودة لغيرها ، فليس طلبها مقصودًا لذاته ، فطالب العلم إذا قرأ هذه الفنون فإنما يقرؤها للتوصل إلى العِلْمين المقصودين ، ألا وهما علم التوحيد وعلم الفِقْهِ ، فِقْهِ الكتابِ والسُّنة ، فإذا رام أن يجعل الوسيلةَ غايةً فإنه لا يكون فَقِيهًا للكتاب والسنة ، وإنما يكون قام بفرض كفائي في تَعَلُّم وسيلة مساعدة لفقه الكتاب والسنة .

 هذا النوع بعامة – العلم المقصود لذاته والمقصود لغيره – كُتُبه كثيرة ومتنوعة ، وهذه المنهجية تشمل كلا العِلْمين ، فأول ضوابط التعلم أن يعلم طالب العلم أن كتب أي علم من العلوم تنقسم إلى كتب مختصرة ، ومتوسطة ، ومطولة .

 إذن أي علم من العلوم سواء التفسير ، أو شروح الحديث أو الحديث نفسه ، أو الفقه ، أو العقيدة . . . إلى آخر ذلك من العلوم تكون الكتب المصنفة فيها ما بين مختصر ومطول ، فمن رام المطول قبل المختصر يكون قد فقد منهجية مهمة في استقرار الأصول .

 إن المختصرات لها فائدة وهي تثبيت أصول العلم ، والبناء – كما هو معلوم – يحتاج إلى أساس قبل تشييد ارتفاعه ، فالمختصرات طريق للكتب المتوسطة ، وطريق للكتب المطولة . فمن لم يحكم المختصرات فلا يديمن النظر في المطولات ، وإنما المطولات في أي فن من الفنون يُحْتَاج إليها في معرفة ما أشكل من المختصرات ، فالمطولات بالنسبة للمختصرات كالعلوم الصناعية بالنسبة للعلوم الأساسية ، يعني أن طالب العلم المبتدئ والمتوسط لا يبدأ بالكتب المطولة . فلا يَحْسُن لطلبة العلم المبتدئين أن يبتدئوا القراءة في كتاب ” فتح الباري ” ، أو كتاب ” المغني ” ، أو ” المجموع ” ، أو ” المحلى ” ، أو ” نيل الأوطار ” . . . إلخ ؛ لأنه وإن قرأ فسيئول به الأمر إلى عدم التحصيل ، وسيكون ثَمَّةَ معلومات متناثرة في قلبه لا يجمعها زمام ، ولا يربط بينها رابط .

 إذن لا بد في منهجية القراءة من أن تبدأ بالمختصر ثم المتوسط ثم المطول في تأسيسك ، لكن إن أردت مراجعة مسألة فراجعها في أي كتاب شئت ، سواء في المطول أو المتوسط أو غيره ، لكن كبداية في طلب العلم لا بد من رعاية الاختصار قبل المتوسط وقبل المُطوَّل .

 وما أحسن صنيع المُوفَّق ابن قُدامة – رحمه الله – حيث ألَّف في الفقه ما يمثل هذا المنهج ، فألف مثلاً كتاب ” العمدة ” في الفقه ، وهو كتاب مختصر ، وأوعب منه قليلاً ” المقنع ” ، وله كتاب أوعب منهما وهو ” الكافي ” ، ثم انتهى بـ ” المغني ” .

 وسمعت الشيخ العلامة عبد الرزاق عفيفي – رحمه الله تعالى – مرة يقول : إن المُوفَّق ابنَ قدامة – رحمه الله – سبق المدارس الحديثة ، فجعل ” العُمدة ” لفقه المستوى الابتدائي ، و ” المقنع ” للمستوى المتوسط ، و ” الكافي ” للمستوى الثانوي ، و ” المغني ” للمستوى الجامعي .

 ويُعْنَى بهذا التقسيم أهلُ العلم الذين يُدْركون هذه الكتب ، وإلا فربما قرأ بعض مَن في المستوى الجامعي الآن ” العُمْدة ” ولم يدرك أكثره .

 إذن من المهم في منهجية القراءة أن يكون ثَمَّ تفريق ما بين التأسيس والاطلاع ، واعلم أن العلم منه عُقَد يُصَار إليها ، ومنه مُلَح مُسانِدَة ، فمن رام الْمُلَح وترك عُقَد العلم فإنه لن يدرك ، بل سيكون عنده أخبار كثيرة ومعلومات أو ثقافة ، لكن لا يستطيع أن يتكلم بوضوح في مسألة عَقَدية أو في مسألة فقهية .

فالأول في منهجية قراءة كتب أهل العلم بعامة أن يكون ثَمَّة انتقال من المختصر إلى المطول ، وهذا يتفرع بتفرع الفنون المختلفة .

 والثاني أن يكون القارئ منتبهًا إلى مذهب الإمام أو المؤلف ، فالعلماء ألَّفُوا كُتبًا ، ولكن ألَّفُوها بحسب نَزْعة كُلٍّ منهم من جهةٍ مذهبيةٍ ، فمنهم مَن هو من الحنابلة ، ومنهم مَن هو من الشافعية ، ومنهم مَن هو من الحنفية ، ومنهم مَن هو من المالكية ، وكذلك منهم من صَفَا مشربُه في السُّنَّة ، ومنهم مَن صوابُه أكثر من خطئه ، ومنهم العكس ، ومنهم من خلط بين سنة وبدعة . . . إلخ ذلك . فمعرفة هذا المؤلف من ذاك مهم قبل الإقبال عليه ، وهذا لا بد منه ؛ لأنه قد يتأثر القارئ بمؤلف وهو لا يدري إلى أي شيء نَزَع ، فمثلاً بعض طلبة العلم يرجح دائمًا شروح كتب الحديث على الشروح المطولة من كتب الفقه ؛ لأن شارح الحديث أكثر استقلالاً وأميل للاجتهاد من الذي ألف في الفقه ، فينظر إلى أن ترجيح صاحب كتاب الحديث أوثق من ترجيح صاحب كتاب الفقه ، وهذا ليس صوابًا على إطلاقه ، بل نجد أن شراح الحديث نزعوا في ترجيحاتهم إلى مذاهبهم ، فمثلاً تجد أن الحافظ النووي – رحمه الله – في شرح مسلم يرجح ما يرجحه الشافعية ، فإذا استدل بقاعدة أصولية في الفقه وطبقها فهو إنما يطبقها تبعا لأصول الفقه على المذهب الشافعي ، فينظر الناظر إلى أنه إذا قال في مسألة ما : هذا الحديث صحيح ، وهذه المسألة الراجح فيها كذا لمجيء الحديث الصحيح بها . فيرجح من جهة ترجيح النووي المبني على صحة الإسناد ، وهذا صحيح في كثير من المسائل ، وغير صحيح في بعضها ، فأحيانًا نجده يرجح أشياء في مسائلَ الصوابُ خلافُها ؛ لأن صحة الإسناد أو صحة الحديث ليست كافيةً في الفقه ، بل الأهم منها أن ننظر في وجه الاستدلال من الحديث على المسألة ، وكيف نستنبط الحكم من المسألة ؟ واستنباط الحكم من الدليل هذا يُرْجَع فيه إلى علم أصول الفقه ، لكن الحكم بصحة الإسناد يُرْجَع فيه إلى مصطلح الحديث وإلى علم الرجال .

 قد تجد الإمام النووي –مثلا – يرجح صحة الإسناد لمذهب لـه في الإسناد ، فتجده يرجح صحة هذا الطريق المعروف مَثَلاً وهو : عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده . أو يرجح صحة هذا الطريق مَثَلاً وهو : بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده . أو ما أشبه ذلك ، وغيره قد ينازعه في ذلك . كذلك من جهة توثيق راوٍ مُعَيَّن وعدم توثيقه ؟ وهل هو صدوق أم يَهِم ؟ وهل هو مقبول الرواية في هذا الباب أم ليس بمقبول الرواية ؟ وهل هو مقبول الرواية عن هذا الشيخ أم ليس بمقبول الرواية ؟ وهذا مما يدخل في علم علل الحديث .

 وهناك أمر مهم يجب أن ينتبه له طالب العلم وهو إذا صح الإسناد وصح الحديث كيف نستنبط الحكم من الدليل ؟ لا بد من استخدام أصول الفقه .

 قد يأتي استخدام أصول الفقه في بعض الأحيان موافقًا لمذهب المؤلف ، لكن على طالب العلم أن ينظر ويقول : هذه المسألة رَجَّحها الحافظ ابن حجر بناءً على مذهبه في أصول الفقه ، والمسألة لا تقف عند هذا الحد ، بل لا بد من النظر في أصول الفقه التي بها استنبط الشارح الحُكْم في المسألة .

 لهذا نقول : إن بعض مسائل العقيدة جاء الخلل فيها من جهة عدم إحسان تطبيق أصول الفقه ، أو من جهة عدم معرفة هدي السلف ، أو من جهة أن المؤلف لم يُكْمِل الآثار في هذا الباب ، وهذا متنوع كثير ، فنجد مثلاً عند الحافظ النووي أشياء في كتابه ” رياض الصالحين ” عقد لها بابًا ككراهة الحلف بالأمانة ، وبتربة فلان ، وبقبر فلان ، والحديث الذي استند إليه قوله عليه الصلاة والسلام : « مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ » .([3])

 واستند أيضًا إلى ذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : « مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا »([4]) ، فيأتي طالب العلم ويقول : قال النووي : يُكْره . فما دليلُه على الكراهة ؟

لقد أتى النووي بالدليل وهو قوله عليه الصلاة والسلام : « مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ » . ويدخل في عموم هذا القول الحلف بالقبر أو بالتربة أو بالأمانة . . . إلخ ذلك .

 فإذن هناك بون شاسع ما بين قوله : مكروه . وما بين قول النبي – صلى الله عليه وسلم – : « من حلف بغير الله فقد أشرك » . وقوله : « من حلف بالأمانة فليس منا »([5]) . ومن المتقرر عند المحققين من أهل العلم أن قول النبي عليه الصلاة والسلام : ليس منا من فعل كذا . أنه يدل على التحريم كما هو مقرر عند الجمهور في تحقيق أصول الفقه .

 إذن الترجمة التي ساقها النووي – وهي قوله : كراهة الحلف بالأمانة – شيء ، والاستدلال شيء آخر ، فلو ناقشنا النووي لم ذَهَبْتَ إلى الكراهة ؟ لا ندري بم يجيب ، لكن لعله نزع إلى شيء عنده في أصول الفقه فهم به من قوله عليه الصلاة والسلام : « من حلف بغير الله فقد أشرك » . أن المقصود به كفر النعمة أو الشرك الأصغر ، وهذا هو الذي جعله يَصْرِف النص إلى الكراهة ، ومن المعلوم أن هذا يدخل في كراهة التحريم .

 المقصود من هذا أن ينتبه طالب العلم إلى الفرق ما بين وجه الاستدلال وما بين حكم صاحب الكتاب ، وهذه مسألة مهمة تدخلك في أنواع من البحث في كتب أهل العلم .

 فإذن الضابط العام فيما تقرأ من كتب أهل العلم أن تتبين منهج المؤلف ، فليس كل عالِمٍ رَجَّح مسألة تكون راجحةً في نفس الأمر ، بل لا بد لرجحان مسألة من صحة الدليل ورجحان الاستدلال .

 ومن الأمور المهمة في طلب العلم وفي قراءة كتب أهل العلم أن ينتبه الطالب إلى ما يكون في مسائل الخلاف ، فأحيانا ينزع المجتهد إلى استدلال معين من الدليل في مسألةٍ ما ويبني عليه الحُكْم ، وينزع المجتهد الثاني إلى استدلال آخر ويبني عليه حكمه . فمتى يكون الاستدلال والقول في المسألة رَاجِحًا ؟ يكون ذلك إذا كان الاعتراض على الاستدلال الأول أقل من الاعتراض على الاستدلال الثاني ، فمثلاً إذا نظرت إلى ” نيل الأوطار ” ، أو ” فتح الباري ” ، أو ” المجموع ” ، أو ” المغني ” أو غير ذلك ، ترى أن هذا الإمام ينزع من نفس الدليل إلى حُكْمٍ ما ، والآخر ينزع إلى حكم آخر من نفس الدليل ، وهذا راجع إلى اختلاف المجتهدين .

 إذن يكون الترجيح بما كان الاعتراض عليه من القولين أقل ، وهناك مسائل كثيرةٌ في العلمِ الراجحُ فيها ليس راجحًا مُطلقًا ، بمعنى أن يكون الأول صوابًا تَامًّا والآخر غَلَطًا تامًّا ، هذا قليل في مسائل العلم ، فالأكثر أن يكون هذا عنده وجه استدلال ، وهذا عنده وجه استدلال آخر ، لكنَّ الاعتراض على أحد الاستدلالين أكثر من الاعتراض على الاستدلال الآخر ، فيكون ما قل عليه الاعتراض راجحًا ، وما كثر عليه الاعتراض مرجوحًا .

 كذلك من الضوابط العامة في منهجية قراءة كتب العلم أن يعلم الطالب لغة العلم في المسألة التي يقرؤها ، وهذا يحتاج إلى شيء من التفصيل ، ذلك أن لغة أهل العلم بها أُلِّفت به العلوم ، فمن نظر مثلاً في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فإنه لا يستطيع فهمها بما عنده من اللغة الدارجة أو الثقافة العصرية ، فهذا بلا شك سيخطئ في فهم كثير من المسائل ، وفي فهم مراد شيخ الإسلام من كلامه ؛ لأن أهل العلم على اختلاف العصور دَوَّنوا العلم بلغة العلم ، ولم يدونوا العلم بلغتهم في زمانهم ، وذلك حتى يتواصل العلم ويلحق الآخِر بالأول في فهم العلم .

 إذن العلم لـه لغته ، والعلم لـه مصطلحاته وألفاظه ، فيجب أن يفهم العلم بما احتوته تلك الألفاظ ، فالألفاظ وعاء للمعاني ، فكل لفظ في كتب أهل العلم لا يسوغ أن يفهم بما عند القارئ من الثقافة العامة أو اللغة الدارجة ؛ لأنه إذا فهمه على هذا الأساس فإنه سيفهمه على غير مراد أهله ، وهذا أمر مهم جِدًّا . فعليك أن تحاول فهم مراد العلماء وذلك باستخدام لغة العلم المعهودة ، فألفاظ العلم رَعاها العلماء ، وهكذا ينبغي على كل طالب عِلْم درس أو تلقى العلم أن يجتهد في التعبير عن العلم بلغة أهله ، فإن عبر عن العلم بغير لغة أهله فإنه لن يكون متصلاً مع من سبقه بسَبَبٍ وثيق ، وكذلك من فهم كلام أهل العلم على غير ما تُقَرِّره لغة أهل العلم فإنه لن يدرك .

 كذلك من الضوابط العامة التي ينبغي لطالب العلم أن يراعيها الكتابة والتدوين للفوائد ، وذلك أن كتب أهل العلم المطولة والمتوسطة والمختصرة تحتاج من القارئ ومن طالب العلم إلى تدوين المهم منها ، فالقراءة وحدها غير مجدية ، فلا بد مع القراءة من تدوين وكتابة ، وهذا كان صنيع أهل العلم ، فكثير من المختصرات التي تجدها عند كثير من أهل العلم كانت لأجل استنادهم إلى هذه القاعدة المهمة وهي قاعد التدوين للفرائد والأمور المهمة . فانتخاب طالب العلم من كتب أهل العلم ما ينفعه في فهم العلم هذا مهم ، فعليك أن تأخذ الفوائد أثناء قراءتك في المختصرات أو المطولات ، وتجعلها في كراسة مستقلة ، وهذه الفوائد تترقى معك بترقي عمرك في طلب العلم ، فمن خلالها يسهل عليك التعلم والترقي في طلب العلم حتى تصير المسائل معك سهلة ، فإذا مرت عليك السنين ونظرت إلى ما كتبته في أول الطلب ستجد أنه لا شيء ؛ لأنه صار عندك واضحًا جِدًّا بحيث إنك تقول : كيف كتبت أول عمري هذه الفائدة ؟! كمن يكتب –مثلا – الفرق بين السنة والمستحب بعد سنين يقول : كيف لا أفرق ما بين السنة والمستحب ؟ وهذا يعني أن المسألة أصبحت واضحة له ، لا تحتاج إلى كتابة مثل هذه الفائدة ، وإنما كان ذلك لأجل تدوينه إياها في بادئ الأمر ، وكمن يكتب فائدة ينقلها من كتاب أصول أو كتاب قواعد وهي مثلا : هل المباح من الأحكام التكليفية أو خارج عن الأحكام التكليفية ؟ فهذا يجد في يوم ما أن هذه الفائدة لا تستحق أن تُدَوَّن ، لظنه أنها صارت واضحة عنده فمن سهولتها قال : لا أحتاج إلى كتابتها . وهذا غير صحيح للطالب في بادئ أمره ، فإنما تتضح المسائل بالانتخاب والتدوين ، فإذا قرأت كتابًا فاجعل بجانبك القلم والكراسة واكتب الفوائد التي تمر بك ، فإذا اتضحت صار ما بعدها من العلم أيسر ، فالعلم يحتاج إلى تعود ودربة .

 هذه بعض الضوابط العامة في قراءة كتب أهل العلم ، وسبق أن تحدثت عن موضوع بعنوان : ” كيف تقرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيمية ؟ ” . وهي مؤلفاته العقدية والفقهية .

 فآمل أن ترجعوا إليها ؛ لأن فيها تفصيل الضوابط العامة في قراءة كتب شيخ الإسلام – رحمه الله – وهي تنطبق في جمل منها على غير كتب شيخ الإسلام .

القسم الثاني : الضوابط الخاصة بكل علم ، وهو مما يحتاج فيه إلى تبيين المنهجية ، ونعني بالضوابط الخاصة التفصيلات بالنسبة لكل فن على حدة ، يعني كيف نقرأ كتب التفسير والعقيدة والفقه والحديث . . . إلخ .

 نبتدئ بالتفسير ؛ لأنه شرح كلام الله – جل وعلا – لا شك أن التفسير من العلوم المهمة جِدًّا ، بل هو أصل العلوم ؛ لأنه فِقْهُ القرآن ، والله – جل وعلا – أمر بتدبر كتابه وعاب على الذين لم يتدبروه بقوله جل وعلا : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ . [ محمد : 24 ] . وقوله : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ . [ النساء : 82 ] .

 وقال جل من قائل مُبَيِّنًا حِكْمةَ إنزال القرآن : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب ﴾ . [ ص : 29 ] . والآيات في الحث على التدبر كثيرة ومتنوعة .

 إن كتب التفسير منها المختصر ومنها المطول ، لكن كيف يترقى طالب العلم في فهمها وقراءتها ؟ يجب على طالب العلم أن تكون قراءته في كتب التفسير على مراتب .

 المرتبة الأولى : معرفة الوجوه والنظائر في التفسير .

إن التفسير بيان لمعاني القرآن ، وهناك كلمات كثيرة في القرآن تتكرر في السور ، وتكون الكلمة لها معنًى في سورة البقرة ولها المعنى نفسه في سورة آل عمران وهكذا إلى آخر المصحف ، وهذه تسمى بالكلمات ذات المعنى الواحد ، وهناك كلمة واحدة ولها عدة معانٍ في القرآن ، وهي التي تسمى بالوجوه والنظائر أو الأسماء المتواطئة والمشتركة ، فمعرفة هذه المفردات مهم ، وإنما تكون معرفتها بقراءة كتب الوجوه والنظائر وكتب مفردات القرآن . ومن أمثل كتب الأشباه والنظائر كتاب ابن الجوزي رحمه الله ، وهو من الكتب المفيدة في هذا الباب . يقول لك مثلاً : كلمة السماء جاءت في القرآن على معنيين ، والأرض جاءت في القرآن على ثلاثة معانٍ ، والدابة جاءت في القرآن على كذا معنى . ويقدم قبل هذا بمقدمة يُبَيِّن لك فيها الأصل العام لمعنى هذه الكلمة . وكذلك كتاب : ” مفردات القرآن ” للراغب الأصفهاني ، وهو من أمثل الكتب في معرفة معاني المفردات . على الرغم من مخالفته العقدية وانتحائه مذهب المتكلمين .

 إذن الخطوة الأولى في قراءة التفسير أن تطلب معنى الكلمات التي يكثر ورودها في القرآن ؛ لأنك إذا ضبطت هذه الكلمات تريح قلبك وعقلك من دقة النظر والحفظ حين قراءة كتب التفسير ، ومن ثَمَّ تتفرغ لشيء آخر .

 المرتبة الثانية : أن ترجع في التفسير إلى معرفة اشتقاق الكلمات في اللغة ، وتبحثها بحثًا لغويًّا ؛ لأن بحث الكلمات بحثًا لغويًّا يقوي الملكة .

 المرتبة الثالثة : أن تنظر إلى كتب التفسير من حيث طريقة التصنيف ، فكتب التفسير – كما هو معلوم – منقسمة إلى مدرستين : مدرسة التفسير بالأثر ، ومدرسة التفسير بالرأي . ومدرسة التفسير بالرأي لها عدة أقسام ، منها ما هو الرأي المحمود ، يعني الاجتهاد والاستنباط المقبول الذي لـه أسسه المقبولة شرعًا ، ومنها ما فُسِّر القرآن فيها برأي مجرد ، يعني بغير حجة ، إما في الاعتقاد أو في غيره .

 إذن كتب التفسير على قسمين : كتب التفسير بالأثر ، وكتب التفسير بالرأي ، أما كتب التفسير بالأثر نعني بها الكتب التي عُنِيت بنقل الآثار ، فيأتي في تفسير الآية ويقول : وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وابن مسعود وعلقمة . . . إلخ ذلك . أي ينقل أقوال السلف في التفسير .

ومن المهم لطالب العلم قبل أن يقرأ في كتب التفسير بالرأي المحمود – مثل تفسير القرطبي ، أو تفسير الألوسي أو تفسير كذا وكذا من الكتب ، سواء كانت من مدرسة التفاسير الفقهية أو الموسوعية – أن يطالع قول السلف في التفسير ؛ لأنه من المقرر عند أهل العلم بعامة أنه لا يجوز أن يُعْتَقَد صوابٌ في مسألة من مسائل التفسير بمعزل عن قول الصحابة والتابعين ، وأن يُدْرِك هذا الصواب مَن بعدهم ؛ لأن الصحابة هم الذين عاصروا التنزيل ، فنقلوه إلى مَن بعدهم ، فكل مسألة من مسائل التفسير تضاد تفسير السلف فإنها لا يقطع بصحتها ؛ لأنه لا يجوز أن يُعْتَقد أو يُظَنَّ أن ثمة صوابًا في التفسير يُحْجَب عن سلف هذه الأمة ؛ لأنه لا يجوز أن نظن أن هناك كلمة من القرآن جَهِلها الصحابة وأدركها مَن بعدهم ، فلا يعقل أن يفسر الصحابة آية ويأتي متأخر فيفسرها بتفسير مضاد لـه ويكون الصواب معه ، فهذا ممتنع قطعًا .

 إذن أساسيات القراءة في كتب التفسير أن تبدأ بقراءة التفسير بالمأثور قبل التفسير بالرأي ، وأن تطالع آثار السلف في الآية قبل أن تنظر في اجتهادات المتأخرين التي تكون مبنية على العلوم المختلفة ، كالنحو ومفردات اللغة وأصول الفقه إلى غير ذلك .

 إن كتب التفسير بالأثر متدرجة ، فعندك صحيفة علي بن أبي طلحة التي ذكرنا ، فقراءتها مهمة ، فلا بد لك أن تقرأ ما بها من تفسير أول الأمر ، ثم اقرأ تفسير عبد الرزاق ، وتفسير ابن جرير الطبري ، وتفسير ابن كثير . . . إلخ . هذه هي مدرسة التفسير بالأثر .

 وهناك مدرسة التفسير بالرأي ، يعني بالاجتهاد والاستنباط ، وأكثرهم استخدموا علوم الآلة ، يعني علوم اللغة وغيرها في التفسير . فإذا ضبطت أقوال المفسرين من الصحابة والتابعين وسرت معها خطوة بخطوة ، ارجع بعد ذلك إلى التفسير بالرأي ، فلا بد يكون عندك منهجية صحيحة تدرك بها الصواب من غيره في التفسير .

ثانيا : المنهجية في قراءة كتب العقيدة ، كيف تُقْرَأ كتب الاعتقاد ؟

 إن العقيدة في الأصل واضحة ، فهي بيان لأركان الإيمان التي في قوله جل وعلا : ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ[ البقرة : 285 ] .

 إن الإيمان بأركان الإيمان الستة ومعرفة ذلك أمر سهل وواضح وتقبله الفطرة ، لكن لَمَّا شاع الخلل في ذلك ألَّف أهل العلم كُتُبًا في الاعتقاد ، وهذه الكتب عند السلف على قسمين : منها كتب أوردت الاعتقاد إيرادًا إجماليًّا ، ومنها كتب فَصَّلت كل مسألة من مسائل الاعتقاد ، فأُلِّفت في الإيمان وَحْدَه عِدَّةُ مؤلفات ، وأُلِّفت في القدر وحده عِدَّةُ مؤلفات ، وأُلِّفت في القرآن والكلام عنه عدة مؤلفات . . . وهكذا .

 فإذن كتب الاعتقاد منها ما عُرِضت فيه العقيدة بعامة ، ومنها ما عرض فيه موضوع من موضوعات العقيدة ، وكتب العقيدة شأنها شأن بقية العلوم تبدأ فيها بالتدرج وذلك بقراءة المختصر ثم المتوسط ثم المطول من الكتب ، كما ذكرنا ذلك في المنهجية العامة لقراءة كتب العلم .

 إن بعض طلبة العلم يرى أن الأكثر فائدة أن يقرأ في الكتب المطولة في العقيدة ، كأن يقرأ مباشرة في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ، أو يقرأ في كتاب ” الإيمان ” لابن مَنْدَهْ ، أو يقرأ في كتاب ” التوحيد ” له أيضًا ، أو في كتاب ” الشريعة ” للآجُرِّي ، أو في كتاب اللالكائي . . . وهكذا .

 إن هذه الكتب – بلا شك – أصَّلَت لمذاهب السلف ، لكنَّ مذاهب السلف وأقوالهم متفرقة بحيث إن المؤلفين الأقدمين لم يجعلوها متوالية في انضباط تأليفي واضح ، فأتى المتأخرون من أهل العلم – كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن قدامة وغيرهما – ولَخَّصوا هذه العقائد في كتب مختصرة ومتوسطة ، فلا بد من فهم كلام السلف بفهم هذه الكتب .

 إذن الطريق إلى فهم المطولات أن تفهم مختصرات الاعتقاد كالواسطية والحموية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة . . . وهكذا . فإذا ضَبَطْتَ كتب المختصرات وأتقنتها يمكنك بعدها أن ترجع إلى الكتب المتقدمة ، ويكون ذلك على ثلاث مراتب :

 المرتبة الأولى : أن يكون الاطلاع على المطول عند تقرير المسألة المختصرة ، مثلاً كأن تَعْرِضَ لمسألة الإيمان في العقيدة وهل الإيمان قول وعمل واعتقاد ؟ أم إنه قول واعتقاد دون عمل ؟ تلك المسألة التي فيها الخلاف بين أهل السنة والحديث وبين مرجئة الفقهاء ، فالفرق بين هذا وهذا يكون في الكتب المختصرة ، ففيها لمحة عنه ، لكن إذا احتجت إلى تفصيل القول فعليك بالكتب المطولة في هذا الشأن .

 فهذه المرتبة الأولى ، وهي أن تنتقل من مرتبة المختصر – وذلك بعد إحكامه – إلى المطول بعامة ، فإذا قرأت العقيدة وضبطتها على المنهجية العامة وذلك بقراءة الكتب المختصرة فيها ثم المتوسطة . . . إلخ ، على نحو ما سبق إيضاحه ، فإنك تنتقل بعد هذا إلى كتب المتقدمين فتقرؤها ؛ لأن كتب المتقدمين ستُنْـزِلُ كل مسألة منها منزلتها ، أما إذا أخذت كتب المتقدمين دون النظر في قواعد المتأخرين التي ضبطوا بها الاعتقاد ، فإنه سيكون ثَمَّ خلل كبير في فهم منهج أهل السنة وعقيدتهم . مثال ذلك ما ورد في بعض كتب أهل السنة من الكلام على الإمام أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – ورَفْع درجته في الجنة ، لو جاء أحد الطلبة ونظر في كتب العقيدة المتقدمة أو بعض كتب السنة ونحو ذلك لوجد فيها كلامًا على هذا الإمام لم يقله أئمة أهل السنة المتأخرون ؛ لأنهم قد هجروا هذا الكلام وتركوه ، فلا ترى في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية مَقالةً سيئة في الإمام أبي حنيفة – رحمه الله – مع أن كتب السنة المتقدمة فيها بعض من هذا الكلام ، وفيها الكلام عما فعله . . . إلخ ، وأما الكتب المتأخرة فلا تجد فيها ذَمًّا للإمام أبي حنيفة – رحمه الله تعالى – كما في كتب الأولين ، بل هُجِر ما في كتب الأولين وقُرِّر ما يجب أن يُقَرَّر اتِّباعًا لمنهج أهل السنة بعامة ؛ لأن تلك الأمور الصادرة من أحد الإئمة كانت لها ظروفها الخاصة ، ولقد ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كتابه ” رفع الملام عن الأئمة الأعلام ” ، ومن هؤلاء الأئمة الإمام أبو حنيفة مع أن قوله في الإمام معروف ، لكن كما قيل في حقه : إنه لا يُنْظَر فيه إلى هذه الأمور .

 فلو قرأ قارئ في الكتب المتقدمة قبل المتأخرة فإنه سيحصل عنده خلل في الفهم ، وهذا الخلل يأتي من جهة أن كلام السلف لـه ظروفه الخاصة التي قام عليها ، فإذا لم يراعِ المتأخر الحال الذي قام عليه كلام السلف فإنه لن يفهمه .

إذن الواجب على طالب العلم أن يعرف حال ذلك الزمان وما كان فيه من أقوال ومذاهب وفتن . . . إلخ ، فيبني كلام المتقدمين على ما كان في ذلك الزمان .

 لَمَّا طَبَع بعضُ المشايخ – وهو الشيخ عبد الله بن حسن رحمه الله – كتابَ السُّنَّة لعبد الله بن الإمام أحمد – رحمه الله – لم ير بأسًا من أن ينتزع منه بابًا كاملاً ، وهذا لأجل المصلحة الشرعية التي توافق منهج أهل السنة والجماعة ، فانتزع فصلاً كاملاً متعلقًا بأبي حنيفة – رحمة الله – وبأصحابه وبالأقوال التي فيهم وذمهم ، أو تكفيرهم . . . إلخ ذلك .

 فهل انتزاعه ليس من أداء الأمانة كما قال بعضهم ؟ لا بل هذا من الأمانة ؛ لأن الأمانة التي أنيطت بنا ليست هي أمانة قبول المؤلفات على ما هي عليه ، وإنما هي أمانة بقاء الأمة على وَحْدَتها في العقيدة وعلى وحدتها في المحبة ، فإذا ذهب ذاك الكلام مع زمانه ، فإن تكراره مع عدم المصلحة الشرعية منه لا حاجة إليه ، وهذا لاشك أنه من الفقه المهم .

 إن بعض أقوال السلف في المبتدعة وأهل الأهواء لها ظروفها الخاصة التي قيلت فيهم في ذلك الزمن الأول ، وليس ذلك منطبقًا على ما نحن فيه في هذا الزمن ، وقد ترى أن بعضهم أخذ من تلك الكلمات كلمات عامَّة فطبقها على غير الزمان الذي قيلت فيه هذه الأقوال ، ولو نظر في كلام الأئمة والحفاظ والمحققين من أهل السنة ، لوجد أنه يخالف ذلك الكلام في التطبيق ، أما في التأصيل فهو واقع .

 هذا استطراد لبيان أهمية قراءة كتب المتأخرين من أهل السنة في الاعتقاد وإحكامها قبل إدمان النظر في كتب السلف ؛ لأن إدمان النظر في كتب السلف دون معرفة بقواعد أهل السنة التي قعدها أهل السنة والجماعة المتأخرون يعطي خللاً في فهم منهج السلف بعامة ، وهذا لـه أمثلة كثيرة ربما تحتاج إلى وقت طويل .

المرتبة الثانية : معرفة الأقوال ، وهذا للمنتهين وليس للمبتدئين في طلب العلم ، يعني بعد أن يُحْكم الأصول والمختصرات ويضبط كلام السلف ينتقل بعدها إلى معرفة أقوال المردود عليهم من كتبهم ؛ لأنه لا يُسوَّغ أن تَقْبَل رَدًّا على مردود عليه بعامَّة دون أن تسمع أو تقرأ كلامه ، إلا إذا كان الناقل لـه ثِقَة ، وهذا – بلا شك – يكفي ، لكن قراءة الكتب التي منها أُخِذَت الأقوال توضح لك المراد ، تجد مثلاً أنه يقال : مذهب الأشاعرة في المسألة كذا . وإذا نظرت إلى كتب القوم وجدت أن لهم تفصيلاً لم يَحْتَجِ المؤلف إلى ذِكْره في هذا الموطن ، فيحصل لبس في فهم مذهب القوم .

 نحن لا ندافع عن أهل البدع ، لكن الله – جل وعلا – أوجب علينا ألا يحملنا البغض لقوم على ألا نعدل ، كما قال سبحانه : ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ[ المائدة : 8 ] .

إن التخلص من الهوى في العلم أولى من التخلص منه في المسائل الأخرى ؛ لأن العلم يحتاج إلى تَجَرُّد ، ومَن تَجَرَّد في العلم أقبل على الله – جل وعلا – بقلب سليم ، فيجب على طالب العلم أن ينظر في أقوال هؤلاء وأن يقرأ قراءة مُتَمَعِّنٍ ، فتكون عنده الحجة الدامغة .

 فمن كان منتهيًا في طلب علم العقيدة ، يقول مثلا : إن المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية –مثلا – يرون أن التوحيد الذي هو الغاية هو توحيدُ الرُّبوبية ، لا توحيد الألوهية ، يعني من آمن بوجود الله – جل وعلا – وأنه هو القادر على الاختراع وأنه هو الخالق هذا يكفي في تحقيق لا إله إلا الله . فيأتي قائل فيقول : هذا ليس بصحيح ، وليس عند علمائنا من الأشاعرة أو الماتريدية . . . إلخ ، وإنما ترددون كلامًا تَبَعًا لعلمائكم ولا تدرون معناه ، فتقول لـه : إن كتبكم المختصرة قالت ما نصه : الإله هو المستغني عما سواه المُفْتَقِر إليه كلُّ ما عداه ، فمعنى لا إله إلا الله : لا مستغنيًا عَمَّا سواه ولا مفتقرًا إليه كل ما عداه إلا اللَّه . فتكون قد قمت بالحجة الواضحة البينة .

 فإذن طلاب العلم المحققون الذين يزاولون التأليف بخاصة لا بد لهم أن يرجعوا إذا أرادوا أن يؤلفوا – وخاصة في الردود – إلى أصول كتب المؤلفين ، حتى يؤدوا الأمانة في نقل الأقوال كما هي ، لكن أعود فأنبه أن هذا ليس إلا بعد الإحكام في الاعتقاد ، فلا يصلح الرجوع إلى كتبهم للمبتدئين ، ولا أوصيكم جميعًا بالرجوع إلى كتبهم ، لكن من أراد أن يَرُدَّ رَدًّا صحيحًا أو أن يكون ذا منهجية كاملة في ذلك ، فلا بد أن يسير على هذا النحو .

 المرتبة الثالثة : الاطلاع على فتاوى العلماء في العقيدة ، فكثير من مسائل العقيدة مسائل تنظيرية ، سواء كان ذلك في كتب الاعتقاد المتأخرة أو كتب الاعتقاد المتقدمة ، فالاطلاع على فتاوى العلماء ينقل تلك المسائل من كونها نظرية إلى كونها على بساط الحال وبساط الواقع ، فالمحققون من أهل العلم والراسخون فيه هم الذين ينقلون المسائل من الناحية التنظيرية إلى أرض الواقع .

 إذن من منهجية قراءة كتب العقيدة أن ترجع إلى الفتاوى في المسائل لتربط بين ما هو موجود في كتب التوحيد وما هو موجود على الواقع .

هذا بالنسبة لكتب العقيدة ، أما بالنسبة إلى علم الحديث فيسير الأمر في التدرج كما في العلمين السابِقَيِ الذِّكْر ، ويكون ذلك بحفظ الكتب المختصرة كالأربعين النووية ثم عمدة الحديث ، ثم بلوغ المرام ، أو أن ينتقل من الأربعين النووية إلى بلوغ المرام مباشرة ، وينتقل بعدها إلى المنتقى . . . إلخ ذلك .

 وهذا واضح في التدرج العام لطلب علم الحديث ، لكن كتب الحديث تحتاج منك إلى منهج واضح في قراءتها ، وأعني بكتب الحديث كتب شروح الحديث ، أما كتب الحديث التي هي المتون فهذه موجودة ضمن الشروح .

 إن شروح الأحاديث مختلفة بحسب اختلاف المؤلفين وبحسب اختلاف الكتب ، فشروح البخاري – كما هو معلوم – مُتنوِّعة ، وشروح مسلم مُتنوِّعة ، وشروح أبي داود مُتنوِّعة ، ولكن هناك صِبْغة عامة على هذه الشروح يمكن أن تنضبط إذا سِرْتَ عليها بضابط ومنهجية مقبولةٍ .

 المرتبة الأولى من ضوابط قراءة كتب الحديث بخاصة : أن يعلم طالب العلم أن المسألة الفقهية التي ذُكِرتْ في كتب الحديث يكونُ تفسيرها في شرح الحديث بحسب مذهب الشارح ، فإذا أراد الشارح مثلاً أن يُعَرِّف المُرابَحَة فسيُعَرِّفها بما عند أهل مذهبه ، وإذا أراد أن يُعَرِّف مثلاً العُروض في زكاة العُروض فسَيُعَرِّفها بما عنده في مذهبِه ، وإذا أراد أن يُبَيِّن معنَى الفقير والمسكين فسَيبيِّنُهما بما عندَه في مذهبه ، إلا أن يكون مُحَقِّقًا يتوسع في كل مسألة ، وهذا نادر ، فقَلَّما تجد مَن يتوسع في كل مسألة من جِهة التفسير .

 فإذن تفسير الكلمات ، وتفسير المسألة وصورها هذه ينبغي أن تؤخذ من كتب الفقه ، لا من كتب الحديث ، وهذا ضابط منهجي مهم ؛ لأن هذه المسألة ترد كثيرًا عليك في شروح الأحاديث .

 إذن ضبط المسألة وتصورها وبيانها وما يتعلق بها ليس من واجبات الشارح ، وإنما هي راجعة إلى الفقه ، ففي كتب الفقه ترى تفصيل الكلام على صور المسألة وبيان ما عليها من الضوابط والشروط .

 فإذن قبل قراءة مسألةٍ ما في كتب الحديث تنظر هل فَسَّرها هذا الشارح بتفسير يستوعب الاستدلال ، أو يستوعب المذاهب جميعًا ، وأنه يرجح فيها ، أم إنه يذكر تعريفها ومر عليها مرور الكرام ؟

 إذن فينبغي لك أن لا تُقْبل على كتب حديث من حيث الشرح في مسألة من المسائل إلا وقد تصورتها فِقْهيًّا ، أي تصورت المسألة من حيث هي ، وليس المقصود تصور الحُكْم ، بل تصور المسألة من حيث هي في كتب الفقه ، يعني مثلاً أوقات النهي عن الصلاة هذه إيضاحها يكون في كتب الفقه من حيث التعريف والضابط وتفصيل الكلام عليها .

 هذه هي المرتبة الأولى وهي أن تأخذ صورة المسألة من كتب الفقه قبل قراءة شرح الحديث في حالة إذا كان شارح الحديث لم يستوعب الكلام على صورة هذه المسألة ، وفي الغالب يعتمد شارح الحديث على أن المسألة واضحة الصورة ، فيبدأ ويتكلم عن حكمها واختلاف العلماء فيها ، أما صورة المسألة فلا يأتي عليها ببيان .

 المرتبة الثانية : أن يلحظ طالب العلم أن كتب الحديث بعامة – أعني شروح الأحاديث – منها ما هو تأصيلي ، ومنها ما هو للمجتهد ، فمثلاً كتاب ” فتح الباري ” للمجتهدين ، وإن كان يُرجَّح فيه ، لكن إيراده للخلاف وللترجيح وللمسائل بعبارة عالية جِدًّا من حيث صياغتُها الأدبيَّةُ وصياغتُها الفقهيَّةُ أيضًا ، وغَلِط مَن قال : إن الحافظ ابن حجر ليس من الفقه في شيء . بل هو مُحَدِّث فقيه ، وعبارته في ذكر الخلاف من أرفع عبارات أهل العلم ، وكتابه يصلح للمجتهد الذي تَصَوَّر الخلاف في المسائل قبل ” فتح الباري ” . فلهذا ترى أن كتاب ” جامع العلوم والحكم ” هذا ينفع في تَصَوُّر المسائل وفي ذكر تأصيلاتها فيما ذكر في الأربعين النووية للنووي رحمه الله .

 ثم بعد ذلك يأتي ” شرح بلوغ المرام ” لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني المعروف ، وشرحه المُسَمَّى ” سبل السلام ” ، لكن فيه مسألة ربما خفيت على كثيرين ، وهي أن ” سبل السلام ” لم يؤلفه الصنعاني قَصْدًا ، وإنما اختصر به كتابًا آخر لأحد علماء الزَّيْدية ، وذلك الكتاب اسمُه ” البَدْر التَّمام ” ، وهو موجود بكامله ، فاختصر ” البَدْرَ التَّمَام ” في ” سُبل السَّلام ” ، وأضاف عليه بعض الأقوال ، ولذلك تجد أن هذا الكتاب فيه عدم تحقيق المسائل المنسوبة إلى الإمام مالك والإمام أحمد – رحمهما الله – فما نسب للإمام أحمد أو للإمام مالك من مذهبهما تجد فيه هفوات كثيرة ، أما المسائل المنسوبة إلى الحنفية والشافعية فغالبها على الصواب . وذلك راجع إلى الأصل الذي نقل عنه ، ففيه كثير من الهفوات .

 إذن في قراءة الكتب لا تأخذ العزو عن كتاب حديث ، يعني إذا قال لك الحافظ ابن حجر في فتح الباري : ومذهب الإمام أحمد كذا ، أو مذهب الحنابلة كذا . لا تأخذه منه . ولا تأخذ من الصنعاني في كتابه ” سبل السلام ” ولا من الشوكاني في كتابه ” نيل الأوطار ” قولهم : مذهب الشافعية كذا ، أو مذهب الحنفية كذا . بل لا بد من الرجوع إلى كتب المذاهب نفسها ؛ لأننا وجدنا أن عزوهم للمذاهب يختل كثيرًا ، وخاصة في ” سبل السلام ” و ” نيل الأوطار ” .

 المرتبة الثالثة : أن تنتبه في قراءتك لكتب أهل العلم في شروح الأحاديث إلى أن مؤلفي الشروح لا يُشْترط فيهم أن يكونوا محققين في كل فن من الفنون ، فلا تظنن أن شارح بلوغ المرام ، أو شارح نيل الأوطار ، أو شارح البخاري ، أو شارح مسلم ، أو شارح أبي داود أو الترمذي لكونهم شرحوا هذه الكتب أنهم محققون في كل المسائل التي شرحوها ، فالواقع يخالف ذلك .

 مثلاً لو نظرت إلى كتاب ” نيل الأوطار ” للشوكاني – رحمه الله – لوجدت أنه إذا أورد مسائل الأصول فهو يحققها ؛ لأنه قوي في الأصول ، إما إذا أتى لمسائل تخريج الحديث والرجال والحكم على الإسناد ، فتجد فَرْقًا كبيرًا بين مستواه في التخريج ومستواه في علم أصول الفقه .

 إذن عليك أن تعرف الميدان الذي يحقق فيه المؤلف أو الشارح ، فمثلاً الصنعاني يميل إلى الظاهرية ويتابع ابن حزم كثيرًا في ترجيحاته وفي استدلالاته . والشوكاني في نيل الأوطار من جهة استنباطه وإيراد الأدلة واستعمال أصول الفقه تجد أنه يحقق ذلك ، ولأجل قوة تحقيقه وقع في مشكلات في بعض المسائل ، وهو في تخريج الأحاديث وفي مسائل الحكم على الرجال والأسانيد إذا حكم تجده ليس محققًا في علم الحديث ، وإنما هو ناقل ينقل في الغالب عن غيره ، أو يذكر ما بدا لـه .

 إذن في منهجيتك في قراءة كتب شروح الأحاديث ، يجب أن تعرف فن المؤلف ما هو ؟ هل هذا المؤلف فنه علم الرجال والأسانيد ؟ هل هذا المؤلف فنه الفقه ؟ هل هذا المؤلف فنه الأصول ؟ هل هذا المؤلف فنه الاعتقاد ؟ هل هذا المؤلف فنه اللغة ؟ إذا عرفت منهج المؤلف وعرفت فنه الذي يحقق فيه عرفت ميزة هذا الكتاب وكيف تجعله في مرحليات القراءة ، أما أن تظن أن كل شرح للأحاديث فيه الصواب ، فهذا ليس كذلك كما هو معلوم ، لهذا تجد أن بعض الخلاف يكون في كتب الفقه أقوى منه في بعض شروح الأحاديث ؛ لأنه المؤلف في شرح الحديث لم يحقق المسألة ويعتني بها كما اعتنى بها شارح الفقه كالنووي في ” المجموع ” ، أو ابن قدامة في ” المغني ” ، أو ابن حزم في المحلى . . .إلخ .

 أيضًا من المنهجية المقررة في قراءة كتب الحديث أن يعلم طالب العلم أن كتب شروح الأحاديث الكبيرة قَلَّ أن تسلم من غلط في العقيدة ، وسبب ذلك ليس راجعًا إلى قصور في مؤلفيها أو إلى بدعتهم ، بل كلهم حريصون على السنة ، لكنه إما راجع إلى عدم الاطلاع على ما في الباب من الآثار والسنن ، وإما راجع تارة أخرى إلى عدم الاطلاع على كلام المحققين في هذه المسألة ، بل ربما وقع من بعضهم كلمات قبيحة في حق بعض الصحابة ، وهذا – بلا شك – لا يُسَوَّغ لطالب العلم أن يقبله ، وعليك أن تعرف أن شروح الأحاديث فيها سمين كثير وصواب كثير ، وفيها أيضًا بعض الغلط ، يعني مثلاً هل يجوز أن يُقَرَّ في شرح من شروح الأحاديث لعن معاوية ؟! وهل يجوز أن يُقَرَّ في شرح من شروح الأحاديث وصف عمر t بالمسكين ؟ مثلما قاله بعض الشراح ، وهل يُتَّهم عمر t بإحداث بدعة التراويح كما في بعض الشروح ؟! هل نجعل بعض الشروح مقبولة لأجل مؤلفيها وجلالتهم وإمامتهم . . . إلخ ذلك ، ونقبل كل ما فيها ؟! الجواب : لا .

 إذن الصواب ليس إلا عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ومن كان صوابه أكثر من أهل العلم فهو الحري بالثناء ، وهو الحري بالإجلال ؛ لأنه اجتهد في أن يكون صوابه أكثر ، وهذه مسائل راجعة عند كثيرين إلى مسألة الاستنباط والاجتهاد ، ومن القواعد المقررة عند الفقهاء أن العالم لا يتبع بزلته ، وكذلك لا يتبع على زلته ، قال بعض العلماء : جعل الله – جل وعلا – لكل عالم غَلَطًا ، إما في قول أو في فعل ، ويعلم الناس أنه غلط في هذا حتى لا يرتفع عالِم إلى مرتبة النبوة . لا يمكن أن يُعْتَقَد في أحد أنه على الصواب التام ، وأنه لا يخطئ البتة ، وهذا ليس لأحد إلا لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

 فينبغي من جهة التوحيد والعقيدة أن تنظر في شروح الأحاديث على احترام مؤلفيها والترحم عليهم وعذرهم فيما أخطئوا فيه ، لكن لا يتابعون على ذلك ، ونقول : أخطأ العالم ؛ لأنه ما من عالم إلا وله سهوة ، قد يكون غلب عليه الأمر ، أو ما حقق المسألة واتبع ما كان شائعًا عنده كما هو موجود عند كثيرين . فلا بد أن تلحظ مثل هذه المسائل في قراءة كتب شروح الأحاديث بأن تجعل العقيدة معك ، فلا تتساهل مع من يتكلم عن الصحابة ، ولو كان من شراح الحديث ، ولا تتساهل مع من يحسن البدعة والخرافة ولو كان من شراح الحديث ، ولا تتساهل مع من يحسن البدع العملية ولو كان من شراح الحديث ، فإن هذا لا يقبل منه ، وهو على نيته ، ونترحم على الجميع ، لكن طالب العلم لا يقبل كل ما في الكتب المختلفة لأجل مؤلفها فلان أو فلان ، بل ينظر إلى دليلها وإلى موافقتها لقواعد السلف الصالح رحمهم الله تعالى .

 لو أردنا أن نطيل لأخذنا الفقه وأخذنا الأصول والنحو والصرف . . . إلخ ، ولكن ذكرنا العلوم الثلاثة : التفسير ، والعقيدة ، والحديث ، لتكون دليلاً على غيرها ، والضوابط العامة في أول الكلام ربما تسير معك في قراءتك لأكثر الفنون .

في الختام أسأل الله – جل وعلا – أن يلهمني وإياكم الرشد والسداد ، وأن يقينا الزلل والعثار ، وأن يجعل صوابنا أكثر من خطئنا ، اللهم إنا نستغفرك من سيئاتنا وخطئنا وغلطنا ، ونسألك اللهم أن تعفو عنا جميعًا ، اللهم ارحمنا وارحم آباءنا وارحم أمهاتنا ، اللهم اغفر لنا جميعًا ، ونسألك اللهم أن تصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن تصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأن تصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، اللهم أصلح ولاة أمرنا ، ووفقهم اللهم لِمَا فيه الرشد والسداد ، وباعد بينهم وبين سبل أهل البغي والفساد يا أرحم الراحمين .

جزى الله الجميع خير الجزاء ووفقنا جميعًا لِمَا يحب ويرضى ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

الأسئلة :

سؤال : ما هي ضوابط قراءة الأئمة في مساجدهم للعامَّة ، هل يُبْدَأُ في تصحيح العقيدة أولاً ثم بعد ذلك بغيرها ، أو يجمع بين العقيدة والفقه والزهد ؟

الجواب : إن هذه مسألة مهمة ؛ لأن دعوة العامة إلى التوحيد والعقيدة والاستقامة – لا شك – أنه أمر مهم وواجب عظيم ، وهذه مهمة الأنبياء والمرسلين ، قال تعالى : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ[ يوسف : 108 ] . وقال جل وعلا : ﴿ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ[ آل عمران : 79 ] .

 قال بعض أهل العلم : الرباني هو الذي يُرَبِّي الناس بصغار العلم قبل كباره . والعقيدة لها مرتبتان : عقيدة إجمالية ، وعقيدة تفصيلية ، والعقيدة الإجمالية هي التي لا يصح إيمان أحد حتى يؤمن بها ، وهي المتعلقة بمعنى أركان الإيمان ، كالإيمان بالله رَبًّا وإلَهًا – يعني توحيد الربوبية والألولهية والأسماء والصفات – والإيمان بالملائكة ، والإيمان بالكتب ، والإيمان بالرسل ، والإيمان باليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره .

 فالشرح الإجمالي لأركان الإيمان التي يصح بها إسلام المسلم لا بد من تعليمه للناس حتى يكونوا مؤمنين إيمانًا صحيحًا .

 والعقيدة التفصيلية يرجع الأمر فيها إلى ما يحتاج إليه الناس ، فثَمَّة مسائل لا بأس من تفصيلها للناس ، مثل أصول المسائل التي جاءت في الكتاب والسنة من وجوب الإيمان بالملائكة ، والإيمان بصفات الله – جل وعلا – وباليوم الآخر ، وبالكتب وبالرسل وبالقدر وما أشبه ذلك ، فهذا إذا فصلت ما جاء في النصوص بشأنه مَحْمودٌ ، ولكن هناك مرتبة من التفصيل وهي أن يكون تفصيلاً لائقًا بأهل العلم ، وخاصة في المسائل الخلافية بين أهل السنة وبين غيرهم في العقيدة ، ومن المعلوم أن عامة المسلمين على الفطرة ، لا يعرفون التأويل في الصفات ، ولا يعرفون في الإيمان الجبر – كما هو مذهب الأشاعرة ومذهب غيرهم – ولا يعرفون في الإيمان الإرجاء ، ولا يعرفون في القدر الجبر ، فإذا كان المخاطب ذهنه خاليًا من هذه الأشياء فالأصل ألا تلقي عليه الخلاف ، بل تعلمه ما دلت النصوص عليه تعليمًا عامًّا ، فلا تُدْخِل العَامَّة من الناس في مسائل الصفات أو مسائل القدر أو مسائل الإيمان ، بحيث لا تسعها عقولهم ، وقد جاء في صحيح مسلم أَنَّ عَبْدَ اللَّه بن مسعود قال : مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً .([6]) لهذا نهى الإمام مالك – رحمه الله – عن قراءة أحاديث الغرائب – وهي الأحاديث التي فيها أشياء غريبة لا تسعها عقول الناس – إلا بشرحها وإيضاحها ؛ لأنه لا يُسَوَّغ أن تلقي شيئًا من العلم الذي هو للخاصة على العامة دون بيان لـه وشرحه ، فإذا كان عقل العامِّيِّ لا يسع هذا الشيء فإنه لا يُسَوَّغ أن تُوقِعَه في بلبلة ، فقد تُحَدِّثه بشيء يكون به فتنة له ، ومن أصول العلم أن منه ما يُخَصَّ به قوم دون آخرين ، وقد بوب البخاري – رحمه الله – لهذا الأمر بابًا فقال : باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا . وقد بوب البخاري بابا آخر وهو : باب من ترك بعض الاختيار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه . وساق فيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه : « يَا عَائِشَةُ ، لَوْلاَ قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ : بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ » .([7]) على الرغم من أن ذلك لا شيء فيه وهو أن تبنى الكعبة على قواعد إبراهيم ، لكن المصلحة الشرعية تقتضي أن تترك ، فتركها النبي – عليه الصلاة والسلام – لأجل لذلك .

 فإذن السلف نَهَوْا عن أن يُحَدَّث العامَّة بأحاديث الصفات الغريبة وأن يفصل ذلك في الخطب ، أو أن يفصل ذلك في المحاضرات التي يحضرها العامة ، وإنما هذا لأهل التخصص من طلبة العلم ، فإذا وقعت بدعة عامَّة في الناس فلا بد من البيان العام ، لكن الأصل أن دعوة الناس إلى التوحيد والعقيدة مبنية على شرح أركان الإيمان شرحًا إجماليًّا ، وتفصيلها بما جاء في النصوص ، أما الخوض في الخلافيات ، فهذا لا يرغب فيه للعامة ؛ لأنه قد يكون لبعضهم فتنة .

سؤال : ما هي ضوابط تكفير وتبديع المعين ؟

الجواب : هذه مسألة تكلم عليها أهل العلم ، لكن ينبغي كقاعدة أن يُعْلَم أن من منهج أهل السنة والجماعة التفريق ما بين ثنائية الكفر والتكفير ، وثنائية البدعة والتبديع ، وثنائية الفسق والتفسيق ، فليس كل فسق قام بمُعَيَّن صار المُعَيَّن به فاسِقًا ، وليس كل كفر قام بمُعَيَّن صار به كافرًا ، وهذا –لاشك – لـه ضوابط ، وله قواعد تَحْكُمُه ، فلا بُدَّ من إقامة الحُجة على مُرتكِب ذلك حتى يُحْكَم عليه باللفظ بأنه كافر ، والحُجَّة يُقِيمُها العلماء ؛ لأنهم ورثة الأنبياء ، وكذلك الأمر بالنسبة للبدعة ، لا بد من إقامة الحجة على مَن عمل بدعة أو دعا إلى بِدْعة ، فقد يكون قال ذلك عن تقليد أو نحو ذلك ، فقبل أن تطلق عليه أنه مُبتدِع وتُجْرِي عليه أحكام المبتدع ، لا بد من إقامة الحُجة عليه ، لكن هنا ينتبه إلى التفريق ما بين الحكم الباطن والحكم الظاهر ، فالحكم الظاهر في التكفير والتفسيق والتبديع ، هذا لا بأس به باعتبار أنه رِعاية للتعامل معه ، فمن قام بما ظاهره كفر لا تعامله على أنه مسلم ، حتى تُقام عليه الحجة ، لكن بالنسبة للباطن لا نحكم بكفره ، ونأخذ الحذر منه في الظاهر ، مثل أن نحذره من أكل ذبائحه كما معلوم بالنسبة لذبائح المشركين ، والدعاء له ، فقد تكلم العلماء ذلك وقالو : إنهم وإن لم تقم عليهم الحجة فإنهم لا يدعى لهم ولا يضحى عنهم ، وأشباه ذلك ؛ لأنهم قام بهم الكفر ظاهرًا ، فنحتاط لديننا .

 كذلك مسألة الفسق ، مَن جاهر بفسق – وقد يكون غافلاً عنه – فإنه لا بد من الحكم عليه بالفسق ظاهرًا ، وباطنًا بإقامة الحُجَّة ، ببيان ذلك لـه ، وإنكاره عليه ، أو نصيحته وأشباه ذلك ، وقبل ذلك فإنك تعامله معاملة الفاسق احتياطًا لدينِك ، وكذلك المبتدع فتعامله معاملة المبتدع احتياطًا لدينك ، لكن لا تصرح ببدعته ، وهنا ننتبه إلى ضابط مهم أيضًا في البدعة ، وهي أن هناك فرقًا بين مخالفة السنة والبدعة ، فليس كلُّ مخالفةٍ للسنة إلى غيرها يعد بِدْعةً ، كما حَرَّر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ، وإنما البدعة مُلْتَزم بها كما هو معروف في تعريفها فهي : طريقة مخترعة في الدين تُضَاهى بها الطريقة الشرعية ، يقصد بسلوكها ما يقصد بسلوك الطريقة الشرعية ، يعني من حيث التقرب إلى الله . فقولهم في البدعة : طريقة في الدين . أي طريقة مسلوكة ، فمِن ضوابط البدعة أن يكون مُلْتَزَمًا بها ، أما لو خالف أحدٌ السنة في وقتٍ ، فلا يقال لـه : أنت مبتدع ، أو صدرت منك بدعة . ولكن يقال لـه : السنة كذا . فإذا التزم بتلك البدعة صار مبتدعًا ، يعني إذا كررها ؛ لأنها صارت حينئذ تُضاهَى بها الطريقةُ الشرعية ، مثلاً لو رأيتَ أحدًا توسل بالذوات وقال : أسألك بجاه أبي بكر ، أو أسألك اللهم بجاه عمر ، أو بجاه أحمد بن حنبل . . .إلخ . فهل هذا يعد مبتدعًا أم لا ؟ نقول لـه : هذا غلط . أنت مخطئ ، والدعاء بالجاه بدعة ؛ لأن الجاه لصاحبه قال تعالى : ﴿ وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى[ النجم : 39 ] . فالحكم عليه بالبدعة إذا لازمها والتزم بها ، وكررها فحينئذ يحكم عليه بحكم البدعة ، وكالذكر في وقت معين كأن يأتي مرة بعد الصلاة المفروضة ويرفع يديه ويدعو ، هنا نقول : هذا خلاف السنة وبدعة ، هذا إذا التزمها صاحبها بعد كل صلاة ومارس هذا الفعل ، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله : الفرق ما بين البعد ومخالفة السنة هو ضابط الالتزام ، فإن التزم مخالفةَ السنة فهو من أهل البدع ، وإن لم يلتزم فقد خالف السنة وأخطأ في ذلك ، فينكر عليه ، أو يدعا . . . إلخ .

 فإذن مسألة الفرق بين الكفر والكافر ، والفسق والفاسق ، والبدعة والمبتدع ، هذه مسألة مهمة .

 وفي الجملة أوصيكم بأن الذي ينبغي على طلاب العلم أن يعرفوا الكفر وشُعَبه ، والشرك الأكبر والأصغر وشعبه ، وأن يعرفوا الفسق والمفسقات ، وأما الحكم على المعين فهو لأهل العلم ، لك أن تحتاط لنفسك ، لكن الحكم عليه ليس إليك ، فكما أنك لست مخولاً للفتوى في مسائل الطهارة والصلاة والحج والبيع والشراء والنكاح والجنايات ، فلست مخولاً في مسائل التكفير والتبديع من باب أولى ؛ لأن هذه أشد ، فلك أن تحتاط لدينك ، لكن ليس لك أن تحكم ، فالحكم لا بد أن يرجع إلى أهله ، وإذا ضبطنا هذا الضابط حصل تقارب بين الأفكار المختلفة في هذه المسألة العظيمة .

سؤال : هل قراءة كتب العلم على هذه المنهجية تكفي أم لا بد من الطلب عند العلماء ؟

الجواب : جعل الشاطبي – رحمه الله – في أول الموافقات حوالي إحدى عشرة أو اثنتي عشرة مقدمة مهمة لطالب العلم ، ومنها الفرق ما بين الكتاب والشيخ ، وساق فيها قول بعض العلماء : كان العلم في صدور الرجال ، فصار في بطون الكتب ، وبقيت مفاتيحه بأيدي الرجال . أي أن العلم لم يكن مُدَوَّنًا في أول الأمر .

 لا شك أنه لا يُسْتَغْنَى بالعالم عن الكتاب ، كما أن مَن قرأ الكتاب وصار شيخًا به فقد أتى ببلية ، كما قال أحد علماء الحديث وأئمة السلف : من أعظم البلية تشيخ الصحفية . يعني الذين يقرءون من الصحف والكتب . فالعلم في الكتب ، ولكنْ مفاتيحُ فَهْم الكتب بأيدي الرجال .

 فإذن هذه المنهجية لا يتصور أنها تخرج طالب علم دون رجوع إلى أهل العلم ، بل لا بد من طلب العلم على المشايخ والعلماء ، ولا بد من الجلوس لديهم على نحو ما جلس جبريل – عليه السلام – عند النبي – عليه الصلاة والسلام – ، إذ جاءه وهو جالس في أصحابه قال : فأسند ركبتيه إلى ركبتيه وجعل فخذيه على فخذيه . وهذا من باب أدب طالب العلم عند التَّعَلُّم ، فسأله تلك الأسئلة . فلا بد من الشيخ المُعَلِّم ، ولا يُفْقَه العِلْمُ بلا شيخ .

 أهل العلم انتقدوا على من أخذوا من الكتب ولم يكن لهم مشايخ ، انتقدوا عليهم انتقادات كثيرة ، ترى مثلاً نَقْدَ الذهبي على ابن قطان الفارسي ، ونقد العلماء على ابن حزم ، وفلان وفلان من الناس الذين قلت مشايخهم أو انعدمت وقرءوا وأخذوا العلم عن القراءة فقط ، إن القراءة تنفع ولكن يصبح غلط صاحبها كثيرًا ، فلا بد من المشايخ ، فبهم يفهم العلم ، ولقد بين ذلك الحق – جل جلاله – وتقدست أسماؤه في هذه الآية : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[ النحل : 43 ] ، وقال جل وعلا : ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ[ التوبة : 122 ] . من الممكن أن يصلهم القرآن وأن تصلهم السنة والأحاديث وأخبار النبي – صلى الله عليه وسلم – عن طريق القراءة ، لكن لا بد من المقابلة والأخذ عن أهل العلم مباشرة .

أسأل الله في الختام لي ولكم الهدى والسداد ، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .



( [1] ) كشف الخفاء 2 / 67 .

( [2] )  طبقات المفسرين 1 / 24 .

( [3] )    أخرجه أحمد ( 2 / 125 ، رقم 6072 ) ، وأبو داود ( 3 / 223 ، رقم 3251 ) ، والترمذي ( 4 / 110 ، رقم 1535 ) وقال : حسن . والحاكم ( 1 / 65 ، رقم 45 ) وقال : صحيح على شرط الشيخين . والبيهقى ( 10 / 29 ، رقم 19614 ) .

( [4] ) أخرجه أبو داود ( 3 / 223 ، رقم 3253 ) .

( [5] ) سبق تخريجه والذي قبله .

( [6] ) ذكره مسلم ( 1 / 10 ) باب النهي عن الحديث بكل ما سمع .

( [7] ) أخرجه البخاري ( 1 / 59 ، رقم 126 ) .

شاركها مع أصدقاءك