بواسطة :
الزيارات : 2٬331 مشاهدة
  • إسم الملف : الأهم فالمهم
  • عدد الزيارات : 2٬331 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

المهم والأهم

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق الحمد ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف الله به الغُمَّة ، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين ، أسأل الله – جل وعلا – لي ولكم الإخلاص والصدق في القول والعمل ، وأسأله أن يجعلنا من أهل البصيرة في أقوالهم وأعمالهم وفيما قام بقلوبهم ، وأسأل الله – جل وعلا – لي ولكم حسن الختام ، والموت على التوحيد ، وعلى تحقيق شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله .

 أما بعد ، إن هذا الموضوع وهو ” المهم والأهم ” مِمَّا تنافس في إدراكه العلماء والعقلاء ؛ لأنه قد قيل في الأمثال السائرة بين العلماء : إن كل إنسان يعرف الخير من الشر . لأن الله – جل وعلا – هدى الإنسان النَّجْدين ، وهما طِريقَا الخير والشر ، قالوا : والعاقل وهو الذي يعلم خير الخيرين لتحصيل ذلك الأخير ، وشر الشرين ليجتنب الأكثر شِرًّا عند تزاحم الخيرين ، أو عند توارد الشَّرَّيْنِ .

إن موضوع ” المهم والأهم ” مما ينبغي لطالب العلم أن يعلمه ، بل وينبغي لكل مسلم أن يعلم ما يحتاجه إليه منه ، وينبغي للداعية أن يعلم ذلك ، وأن يكون بين عينيه ، وكذلك ينبغي للآمر والناهي أن تكون رعاية ” المهم والأهم ” نُصْب عينيه وفي قلبه .

 إن موضوع ” المهم والأهم ” مأخوذ من وصية النبي – عليه والسلام – فهو أصل شرعي ، عليه دليله من الكتاب والسنة والنظر ، وأصله الواضح من السنة قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – لَمَّا بعث مُعاذًا إلى اليمن قال له : « إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ » .([1])

قال إمام هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – في مسائل كتاب التوحيد على هذا الحديث : وفيه البداءة بالأهم فالأهم .([2])

إن رعاية الأهم وتقديمه على المهم أصل شرعي دل عليه هذا الحديث ، فإن الصلاة أعظم الأركان العملية في الإسلام ، ولا حَظَّ في الإسلام لِمَن ترك الصلاة ، ولكن التوحيد أهم منها ؛ ولهذا بدأ الرسول – عليه الصلاة والسلام – في دعوته بالتوحيد ، حيث أمره ربه بأن يبدأ بذلك فقال له : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ[ محمد : 19 ] . فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – معاذًا أن يبدأ بالأهم ، وهو التوحيد ، ومعاذ داعية ، وهذا – بلا شك – تقرير لأصل هذه المسألة ، وهو أن الأهم مقدم على المهم .

 إن الصلاة مهمة للغاية ، لكن قَدَّم عليها في الدعوة التوحيد ؛ لأنه الأصل ، ولأنه زُبْدة الرسالات الإلهية كما سيأتي – إن شاء الله تعالى – تفصيل هذه الجملة .

 إن رعاية الأهم ومعرفة المهم مصدره الشرع ، وليس العقول والأقيسة والاجتهادات بغير دليل ، انظر مثلاً إلى ركعتي الفجر مع أنها ركعتان ، كيف كانت مفضلة على الرباعية ، قال تعالى : ﴿ وَقُرْآنَ الفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا[ الإسراء : 78 ] . وكيف كانت هذه الصلاة فارقة بين المنافق والمؤمن .

 إن صلاة الفجر من حيث كونها ركعتين مساويةٌ في الصورة لصلاة النَّفْل ، ولكن مع تساوي الصورة وتساوي القصد – وهو الامتثال – وتساوي الخشوع والخضوع في الأصل فيهما ، لكن الله – جل وعلا – جعل ركعتي الفجر – يعني الفريضة – مفضلة على ركعتي الفجر النافلة وعلى أي نافلة ، وهذا يدل على أن التفضيل وبيان الأهم من المهم إنما مصدره الشرع ، ومصدره النصوص ، فإن العقل المجرد قد يَظُن تساوي هذا وذاك .

 كذلك ريال يُتَصَدَّق به وريال مثله يُؤَدَّى زَكَاةً الذي يُؤَدَّى كزكاة أفضل من الريال الذي يُؤَدَّى كصدقة مع تساويهما في الإحسان إلى المحتاج ومع تساويهما في القيمة ، ولكن الله – جل وعلا – جعل هذا أفضل من ذاك ، وجعل الزكاة أهم من الصدقة .

 كذلك الأمر بالنسبة إلى الحج ، فحج الفرض يتساوى مع حج النفل في الصورة وفي الأعمال وفي الواجبات وفي الأركان ، لكن حج الفرض أهم من حج النافلة ، كذلك العمرة ، وكثير من أعمال الشرع ، فإنها تتساوى في الصورة وتتساوى في الأعمال وفي الأركان والواجبات والمستحبات ، لكن يختلف مقامها عند الله جل وعلا ، وما يجب أن يقدم عند التزاحم والاختلاف إنما مصدره عند المؤمن هو النصوص ، لهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ ، يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ » .([3])

دل الحديث على أن التفضيل وبيان الأهم عند المسلم مصدره الشرع ، ومصدره النصوص ، وهذا تبع لأصل عام ، وهو أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها – كما يقول العلماء – وجاءت بدرء المفاسد وتقليلها . وهذه القاعدة العظيمة معناها أن تحقيق المصالح جزء من الشرع ، بل غرض الشارع تحقيق المصالح أو استكمالمها .

وإذا تقرر هذا فإن المصالح الشرعية إنما تكون من أحد طريقين :

الطريق الأول : أن يُنص في الشرع على المصلحة ، أو أن يكون الأمر الشرعي ظاهرًا بَيِّنًا في أمرٍ ما ، فإذا كان كذلك فحيث جاء النص فثَمَّ المصلحة ، وليس العكس ، فإذا جاءنا النص الشرعي فلنعلم أن ما جاء به النص هو الأهم ، وهو سبيل المصلحة .

الطريق الثاني : ألا يُعْلَم النَّصُّ كأن تكون المسألة حادثةً ، أو كأن تكون المسألة مُجْتَهَدًا فيها ، فهذا يَجْتَهِد فيه العلماء بحسب المصلحة ، فما كانت المصلحة فيه أتم وأكثر ، فهذا هو الذي نعمل به ونأخذ به ؛ لأننا نعلم أن الشرع أراد تحقيق المصالح وتكميلها ، وإذا كان ثَمَّ مفسدة فإن من مقاصد الشارع في أحكامه أن تُدْرَأ المفاسد وتُقَلَّل ، فإذا اشتبه الأمر ولا نص ، فإن رعاية المصالح ودرء المفاسد أصل من أصول الشرع .

إذا تبين لك ذلك فإن رعاية هذه المسألة وتَمْيِيز المسلم – فضلاً عن الداعية وطالب العلم – بين المهم والأهم من أعظم المقاصد التي لا بد أن يحرص عليها المسلم بوجه عام والداعية وطالب العلم والعالم بوجه خاص ؛ لأن معرفة الترجيح بين هذا وهذا ينقذ المرء من كثير من الإشكالات ، ولهذا نقول : إن الصور والحالات التي يكون فيها مهم وأهم يجب أن يقدم فيها الأهم على المهم ، ومعرفة الأهم والمهم – كما أسلفنا – إنما يكون عن طريق الشرع وبما جاءت به النصوص ، أو يكون معرفة الأهم والمهم في حالة عدم وجود النص اجتهاد العلماء ، ويكون هذا الاجتهاد في النوازل والمستجدات .

إن المسائل التي يتناولها موضوع ” الأهم والمهم ” كثيرة ومتعددة ، فهذا داخل في كل أمور الشريعة ، لكننا نأخذ بعضا من هذه المسائل على سبيل المثال :

المسألة الأولى : العقيدة ، إن شرائع الإسلام من الصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الفرائض تحصيلها مهم ، ولكن تحصيل التوحيد أهم ، وهذه القاعدة تنفع المسلم في إقباله في الحياة ، حيث إنه يعلم أن الأهم هو التوحيد ، ويأتي بعد ذلك في الأهمية بقية شرائع الإسلام السالفة الذكر ، وذلك مستفاد من الحديث الذي سبق ذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث قدم – عليه الصلاة والسلام – التَّوْحِيد على غيره في الدعوة ، وكذلك قَدَّم التوحيد على غيره في وصف بناء الإسلام ، فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي – عليه الصلاة والسلام – قال : « بُنِيَ الإسلامُ على خَمْسٍ : شهادةِ أن لا إلهَ إلاَّ اللَّهُ ، وأنَّ مُحمَّدًا رسولُ اللَّهِ ، وإقامِ الصلاةِ ، وإيتاءِ الزَّكاةِ ، وحَجِّ البَيْتِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانِ » ([4]) .

 فالتوحيد أهم ركن في هذا البناء العظيم ، فيترتب على ذلك أن يحرص المسلم على تصحيح عقيدته وتوحيده أكثر من حرصه على التفقه في بقية أركان الإسلام الأخرى وفروعها .

 إن إتيان المسلم بأركان الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وحج أمر مهم وواجب عليه ، لكن لا يصح ذلك منه إلا إذا أتى بالتوحيد قبل إتيانه بهذه الأركان ، وتنقية التوحيد وتَعَلُّمه وتعلم ما يضاده أهم من تعلم غيره ؛ لأن بالتوحيد يثبت المرء عند السؤال في القبر ، فإن المؤمن في قبره يسأل عن ثلاث مسائل كلها في التوحيد ، وهي : من ربك ؟ من نبيك ؟ ما دينك ؟ فإذا صلح توحيد المسلم كان ما بعده على رجاء العفو والغفران .

 إذن يجب على كل مسلم أن يعلم أن التوحيد من أهم المهمات ، وأن ما بعد التوحيد من شرائع الإسلام ليس في منزلته ، إن شراع الإسلام مهمة فقد تكون واجبةً ، وقد تكون مستحبة ومندوب إليها ، لكنها على الرغم من ذلك ليست في منزلة التوحيد .

 يتفرع عن ذلك الأحكام التي يُصْدِرها المسلم على ما يرى من المجتمعات أو الدول أو الأوضاع أو الدعوات أو غير ذلك ، فإن العُمْدة في ذلك رعاية الأهم ، وهو القيام بِحَقِّ اللَّهِ على العباد ، ألا وهو التوحيد ، والقيام بنفي ضِد ذلك ، ألا وهو الشرك .

 إن ترك المعاصي وترك المحرمات وترك الكبائر مهم ، وأهم منه ترك الشرك والبعد عنه ؛ لأن الشرك لا يُغفر ، والمعاصي إذا كانت واقعة من مسلم مُوحِّد فإنها على رجاء الغفران ، وهذا ينفع المسلم فيما يأتي ويذر ، وينفعه في تقييمه للأمور والأحوال والأوضاع ، فهذه المسألة عظيمة الأهمية .

المسألة الثانية : أن الدعوة إلى الله – جل وعلا – مهمة ، ورعاية فقه الأولويات فيها أهم .

 إن الله – جل وعلا – أمر بالدعوة إليه ، فقال لنبيه : ﴿ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ[ الحج : 67 ] . وقال له أيضًا : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ . [ يوسف : 108 ] .

 وقال سبحانه : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ . [ فصلت : 33 ] .

 وقال جل من قائل : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ . [ النحل : 125 ] .

 ولقد حث النبي – عليه الصلاة والسلام – على الدعوة في أحاديث كثيرة ، ومنها قوله لعلي في الحديث المتفق عليه الذي رواه سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه : « انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ »([5]) .

وحُمْر النَّعَم أي الإبل الحمراء ، وهي أنفس الأموال عند العرب ، فقد كانوا يتنافسون في اقتنائها لعظم قيمتها .

إن أمر الدعوة معلومٌ أهَمِّيَّتُه ، ومعلوم قَدْرُه ومعلومٌ فَضْل مَن عاناه وزاوله سواء في أخص خاصته ، أو في أمر العامة ، ومعلوم أهميته سواء على سبيل الأفراد أو على سبيل الجماعات ، لكنَّ الأهم في أمر الدعوة مراعاة فقه الأولويات ، ومعنى فقه الأولويات أن يُبْدَأ في الدعوة بالأَوْلَى فالأَوْلَى ، ولقد أوضح ذلك نبينا – عليه الصلاة والسلام – في إرساله لداعية من دعاة الإسلام ، وهو معاذ بن جبل – رضي الله عنه – حيث قال له : « إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِى كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ » .([6]) فهذا الحديث فيه بيان لفقه الأولويات في الدعوة .

 إن الدعوة إلى شرائع الإسلام مهمة بشكل عام ، والدعوة إلى النفل والمستحب من أمور الشريعة مهمة ، لكن الدعوة إلى الفرائض أهم ، والدعوة إلى ترك المكروهات مهمة ، لكن الدعوة إلى ترك المعاصي والموبقات أهم ، والدعوة إلى ترك الصغائر مهمة ، لكن الدعوة إلى ترك الكبائر أهم ، والدعوة إلى الإتيان بالفرائض العملية مهمة ، لكن الدعوة إلى التوحيد أهم ، فالدعوة مترتبة بترتيب أولوياتها ، فهناك شيء مهم وهناك شيء أهم منه ، وهناك شيء أولى وهناك شيء أولى منه وهكذا ، فمراتب الدعوة متنوعة ، ومراتب الدعوة على درجات .

 ومعرفة ذلك إنما يكون بفقه حال المدعوين ، ويختلف هذا باختلاف البلاد ، بل وباختلاف الأحوال والأشخاص ، فالبلد التي يظهر فيها الشرك ولا يَعْلَمُ أهلها حق الله – جل وعلا – عليهم ، أول ما يُدْعَوْن إليه أن يعلموا حق الله – جل وعلا – الأعظم عليهم ، وهو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا ، وهذه هي زُبْدَة رسالات المرسلين جميعا ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ . [ النحل : 36 ] . فهذا من أعظم ما يُراعَى .

 فالداعية الذي يكون في بلد يجهل أهلها العقيدة الصحيحة ويجهل أهلها التوحيد يبدأ معهم بالأمر الأعظم ، ويتدرج معهم في معرفة الأهم فالأهم ، كما قال الشيخ – رحمه الله – في مسائله : وفيه البداءة بالأهم فالأهم .

 واعلم أنه إذا أُهْمِل في الدعوة رعايةُ فقه الأولويات فإنها لا تصل إلى مبتغاها ؛ لأنه حينئذ يكون قد فاتها الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأن النبي – عليه الصلاة والسلام – راعى في دعوته الأولويات رِعايةً تامَّةً ، فدعوته في مَكَّة معلومة تفاصيلها ، وكذلك دعوته في المدينة معلومة تفاصيلها .

 إن دعوة الأفراد أيضًا يُبْدَأ فيها بالأهم فالأهم ، فما يأتيه المرء من الواجبات الشرعية عليه أن يبدأ فيه بهذه القاعدة ، فإذا خالف ذلك لم يكن مُراعِيًا لفقه الأولويات ، مثلما يكون من المرء في دعوته خارج بيته من البذل بالمال وحسن الخلق ، وهو في داخل بيته لا يكون كذلك ، وعلى الداعية أن يعلم أن هؤلاء الذين هم بداخل البيوت بَشَرٌ ، ومَن هم بخارجها بشر ، فيَجِب عليه الدخول إلى قلوب الجميع بطريقة واحدة ، لكن رعاية أهل بيته ودعوتهم أهم من رعاية من هم خارج بيته .

 إننا نجد كثيرين ممن يدعون الناس خارج بيوتهم على أحسن ما يكونون من رعايةٍ وحُسْنِ خُلُقٍ وبَذْلٍ للمال ونحوِ ذلك ، ولكنهم في بيوتهم ليسوا على تلك الحال ، مع أن نصيحة من في البيوت وتربيتهم واجبة ، ونصيحة من هم خارج بيت المسلم ليست بواجبة وإنما مستحبة على العين ، وقد تجب على الكفاية ، فالله – جل وعلا – قال لنبيه : ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴾ . [ الشعراء : 214 ] . وقال سبحانه : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ . [ التحريم : 6 ] .

إذن البداءة في الدعوة مهمة من حيث الأشخاص ، بمن تبدأ في دعوتك ؟ واعلم أن الفشل كل الفشل أن يُخْفِق المرء في دعوته مع قرابته وأهله ، وأن يكون مع أصدقائه أو زملائه أو مع مَن يعاشرهم ناجحا ، فكيف يصير ذلك ؟! يصير ذلك من جَرَّاء عدم رعاية الأولويات والواجبات ، أو من جراء عدم مراعاة الأهم فالأهم ، فلو أنه راعى ذلك لكن بذله وحسن خلقه وعطاؤه في بيته أعظم مما يفعله خارج بيته .

كذلك من الأمور التي يراعى فيها البداءة بالمهم فالأهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

 إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهم ؛ لأن الله – جل وعلا – أمر به في كتابه فقال سبحانه وتعالى : ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ[ آل عمران : 104 ] . ولكن رعاية ما تُوجِبه الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهم من الإتيان بمطلق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولهذا يذكر علماء السنة في عقائدهم فصلاً متعلقًا بالأمر والنهي ، وهو ما يُسَمَّى بـ ” منهج معاملة الخلق ” ، قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة : ثُمَّ هُم معَ هذِهِ الأُصُولِ – وذلك بعد ذكر عدة من عقائدهم – يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ .([7]) لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد ادعاه كثيرون ، فقد ادعته الخوارج فيما فعلوا ، فإنما كانوا يريدون بزعمهم تحقيق فرض الأمر والنهي ، وقد ادعته المعتزلة فيما فعلوا ، وادعته الرافضة كذلك ، وجميعهم مجانبون لحسن الأمر والنهي ، ولا يكون الأمر والنهي حَسَنًا حتى يكون مُوافِقًا لِمَا تُوجِبه الشريعة ، ولهذا قيده شيخ الإسلام في الواسطية بقوله : ثُمَّ هُم معَ هذِهِ الأُصُولِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ عَلَى مَا تُوجِبُهُ الشَّرِيعَةُ .

 إذن رعاية الأمر والنهي مهمة ، ولكن رعاية ما توجبه الشريعة في الأمر والنهي أهم ، ولهذا قال العلماء : ليكن أمرك بالمعروف من المعروف ، وليكن نهيك عن المنكر ليس بمنكر .

 وقال شيخ الإسلام في رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : ” إن الأمر والنهي وإن كان مُتضَمِّنًا لتَحْصيلِ مَصْلحةٍ ودَفْعِ مَفْسدةٍ ؛ فيُنْظَرُ في المعارض له ، فإن كان الذي يَفُوتُ من المصالح أو يَحْصُلُ من المفاسد أكثرَ لم يكن مأمورًا به ؛ بل يكون مُحَرَّمًا إذا كانت مَفْسدتُه أكثرَ من مصلحتِه ، لكنَّ اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة ” .([8])

 إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ميدانه واسع ، يدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى الأفراد ، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى الدولة ، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مستوى المجتمعات ، ويدخل فيه ما هو أعظم من ذلك . فالأمر والنهي محمود ومطلوب وواجب في الشرع ، ولكن أهم منه أن يكون الأمر بالمعروف بالمعروف ، وأن يكون النهي عن المنكر ليس بمنكر . ولهذا قال : على ما توجبه الشريعة . فهذا القيد أهم من الإتيان بالأمر والنهي ، ولهذا اشترط العلماء في الآمر الناهي أن يكون عَالِمًا بما يأمر به وينهى عنه ، وعَالِمًا بتحقيق المصالح ودرء المفاسد وغير ذلك من الشروط .

 نستفيد من هذا أن الأمر والنهي إذا كان مُهِمًّا فأهم منه فقه الأمر والنهي ، ومعرفة ما توجبه الشريعة في ذلك ؛ لأن بهذا تصلح الأحوال ، فلو أن رجلاً لم يُرَاعِ ذلك ، لأداه عدمُ رعايتِه لِمَا يوجبه الشرع من الأمر والنهي إلى أمور مخالفة لِمَا أراده الله – جل وعلا – وأراده رسوله – صلى الله عليه وسلم – من معاملة الناس ، كأن يأتي إلى رجل لا يصلي أصلاً فيأمره بالوتر ، أو يأتي إليه فيأمره بأحد المستحبات ، أو يأمره بأمر من الأمور الأخرى كالذكر في الصباح والمساء ، أو كأن يأتي إلى رجل لا يحضر الصلاة فينهاه عن النظر إلى النساء . نعم هذا أمر ونهي ، لكنه غير مُرَاعًى فيهما فقه الأمر والنهي ؛ لأن الله – جل وعلا – جعل القلوب تقبل الحق شَيْئًا فشيئًا ، جعلها لا تقبل الحق جُمْلةً وتترك الشر جملة ، وإنما في الغالب أن تقبله شَيْئًا فشيئًا ، فالإتيان بشروط الأمر والنهي يحصل به المقصود ، ويتفرع عن هذا الأصل فرع آخر ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وجماعة ، وهو أن الغَيْرة على دين الله مهمة ، ولكن الأهم أن تكون الغيرة منضبطة بضوابط الشرع وأدلته ، يقول ابن القيم – رحمه الله – في روضة المحبين : ” إذا تَرَحَّلَتْ الغيرةُ من القلب تَرَحَّلَتْ منه المَحَبَّةُ ، بل تَرَحَّلَ منه الدِّينُ وإِنْ بَقِيتْ فيه آثارُه ، وهذه الغَيْرة هي أصل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهي الحاملة على ذلك ، فإن خلت من القلب لم يجاهد ، ولم يأمر بالمعروف ، ولم ينه عن المنكر ، فإنه إنما يأتي بذلك غيرة منه لربه ” .([9])

فالغيرة على دين الله وعلى محارمه وعلى حدوده وعلى الإسلام وأهله أمر واجب ومطلوب ، وبه تفتح أبواب الخيرات على قلب العبد المؤمن ، ولكن أهم منه أن تكون هذه الغيرة الواجبة قامت في القلب على وَفْق ما أرشد إليه الشرع .

إن الفِرَق التي ضلت في باب معاملة الصحابة وفي باب معاملة الولاة وفي باب معاملة المسلمين من حيث تكفيرُهم ، ومن حيث تكفيرُ العصاة منهم ، ومن حيث تضليل الأمة ونحو ذلك ، إنما كان ذلك منهم لأجل الغيرة بحسب زعمهم واعتقادهم ، لقد كانوا أصحاب غيرة على دين الله ، فغاروا على القرآن وغاروا على الإسلام ، ولكنَّ غَيْرتهم لم تكن على وَفْق الشرع ، فصارت باطلة ، وقادتهم إلى السوء . ولقد قال العلماء : إن الغيرة يكون منها ما هو محمود ، ويكون منها ما هو مذموم ، فإذا كانت على وَفْق الشرع كانت محمودة ، وإذا كانت على وفق الهوى كانت مذمومة .

 إن هذا الباب باب واسع ، فالغيرة أمرها مطلوب ، فبها ينفتح قلب المؤمن للأعمال الصالحة ومحبة الله جل وعلا ، إن النبي – عليه الصلاة والسلام – كان يغار على حرمات الله ، فقد كان يُرَى في وجهه الغضب إذا انتهكت محارم الله ، والله – جل وعلا – أغير على حرماته من خلقه وفي الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ، فَوَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي ، مِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ » .([10])

 وفي الحديث الآخر : « يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا » .([11])

نعم إن النبي – عليه الصلاة والسلام – يغار على حرمات الله ، وكل مؤمن متبع للنبي – عليه الصلاة والسلام – يجب عليه أن يغار الغيرة الشرعية ، ولكن افترق الناس في هذه الغيرة فمنهم من يغار غيرة محمودة ، ومنهم من يغار غيرة مذمومة ، فمن يَغَر الغيرة المذمومة تقده إلى مخالفة أمر الله في المنهج والسلوك والمواقف مع الناس ومع الجماعات ونحو ذلك ، إذن يجب أن تكون الغيرة على وَفْق مراد الشرع ، حتى يسلم صاحبها من المخالفات ، وحتى لا تقوده إلى الانحراف عن المنهج القويم .

 كذلك الغيرة على منهج أهل السنة والجماعة من الأمور الواجبة ، لكن الأهم منها أن تكون على وفق ما كان عليه أهل السنة والجماعة ، فإن الغيرة عليها بغير هذا الضابط قد تنحرف بصاحبها إلى مهاوي الردى ، كأن يغار على وَفْق هواه ، أو أن تكون غيرته ناتجة عن سوء فهم ، كأن يكون قصده صحيحًا ولكن يكون فعله غير صحيح ، وقد كان في الأمة من هؤلاء كثير في كل زمن ، فأهل السنة بين الغالي والجافي ، منهم من غلا ومنهم من جفا ، والمحققون المتابعون للسنة والجماعة بين هذا وهذا ، فالغيرة على الدين ، والغيرة على التوحيد ، والغيرة على عقيدة أهل السنة والجماعة ، والغيرة على علماء الإسلام ، هذه يجب أن تكون على أصولها ، وهذا أهم ؛ لأنها إن لم تكن على أصولها الشرعية قادت أصحابها إلى مهاوي الردى – والعياذ بالله – فضلوا وأضلوا .

 لهذا كان دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – ودعاء الموحدين العالمين من بعده عند خروجهم من بيوتهم بل وفي كل حال : « اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ » .([12])

 هذا من الدعاء العظيم ، لأنه بالزلل يحصل الخلل ، والمرء يجب عليه أن يتابع الشرع في ذلك كله .

إن إصلاح الظاهر بالمتابعة لسنة النبي – عليه الصلاة والسلام – مهم ، ولكن إصلاح الباطن بالإخلاص هو الأهم ؛ لأن المتابعة منها ما هو واجب ومنها ما هو مستحب ، وأما الإخلاص فهو واجب ، والإخلاص هو تصفية القلب عن إرادة سوى الله – جل وعلا – في القول أو العمل أو الاعتقادات ، إن الاتباع الظاهر للنبي – عليه الصلاة والسلام – وإصلاحه أمر مهم ، ولكن إصلاح الباطن بحسن المعاملة والتعامل وصدق التعامل مع الله – جل وعلا – أهم ؛ فصلاح القلب مهم فبصلاحه صلاح الأعمال وذلك كما جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « ألا وإن في الجَسَدِ مُضْغةً ، إذا صَلَحتْ صَلَح الجَسَدُ كُلُّه ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّه ، ألا وَهِيَ القَلْبُ » ([13]) .

 فكم من إنسان لم يصلح قلبه وكان ظاهره صالحًا ، ثم ضل بعد ذلك ، لأجل عدم رعايته لصلاح قلبه ، وقد قال العلماء في الحديث الذي جاء فيه : « إنَّ الرجل منكم لَيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار ، حتى يكون بينه وبين النار إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ، فيدخل الجنة » ([14]) .

 قال العلماء : من عمل بعمل أهل الجنة في الظاهر ثم خُتِم له بسوء الخاتمة ، فالغالب فيه أنه لم يصلح باطنه ، وإنما كان ظاهره صالحا ، وأما باطنه ففيه من الشكوك والشبهات والشهوات ما الله به عليم .

 فالواجب على العبد أن يرعى ظاهره ؛ لأنه مهم ، وأن يرعى ما هو أهم من ذلك ، وهو باطنه وقلبه ويكون ذلك بإصلاحه وإخلاص القصد والعمل والوجه لله جل وعلا ، ولهذا قال تعالى فيمن ادعوا دخول الجنة دونما سواهم بقولهم : ﴿ وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴾ . [ البقرة : 111 ] . قال : ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . [ البقرة : 112 ] .

 فبَيَّن أن البرهان صلاح الباطن وصلاح الظاهر ، وقدم صلاح الباطن على صلاح الظاهر لأهميته ، فقال سبحانه : ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ أي بالإخلاص ، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ أي وهو مراقب لله ومتبع للنبي – عليه الصلاة والسلام – في قوله وفي عمله .

كذلك من الأمور التي يجب مراعاة الأهم والمهم فيها طلب العلم ، فطلب العلم وتعلمه أمر مهم ، ورعاية التدرج فيه أهم ، إن بالعلم يرفع الله عباده ويرفع قدرهم في الدنيا والآخرة ، قال سبحانه : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ[ المجادلة : 11 ] وقال سبحانه حَاثًّا رسوله – صلى الله عليه وسلم – على العلم مبينا أهميته : ﴿ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا[ طه : 114 ] وقال جل من قائل مبينا فضل العالم على الجاهل : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ الزمر : 9 ] .

إن طلب العلم مهم ، فاغدوا عَالِمًا أو مُتعلِّمًا ، وتعليم العلم مهم ، وأهم منه أن يكون ذلك التعلم والتعليم على وجه التدرج ، وأن يكون فاعل ذلك ممتثلا قول الله جل وعلا : ﴿ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ[ آل عمران : 79 ] .

 قال ابن حجر في مقدمة كتابه فتح الباري : ” الربانيون أي العلماء ، قيل : سموا بذلك لعلمهم بالرب سبحانه وتعالى ، وقيل : الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره أي بالتدريج .([15])

 من المهم أن تطلب العلم ، لكن أهم من ذلك أن تطلب العلم على تدرج فتأخذ المسألة تلو المسألة ، وتأخذ الأَوْلَى فالأَوْلَى ، تبدأ بالأسهل ثم تصعد درجة إلى ما هو أصعب وهكذا .

قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : من طلب العلم جُمْلةً ذهب منه جُمْلَةً ، إنما كنا نطلب العلم حديثًا وحديثين .([16])

فالعلم يطلب على مر الأيام والليالي ، إن العلم الذي حصله العلماء الراسخون لا بد أن تسير في طلبه بالتدرج وذلك بالعناية بمتونه ، والعناية بأوائله ، ثم تتدرج ، فتحسن الأوائل ثم بعد ذلك تتطلع على الكتب المطولة ، فإذا لم تحسن معرفة المسألة بدليلها فاذهب إلى اختلافات العلماء والأقوال في ذلك ، والإخلال بهذا التدرج يحجب عنك الوصول إلى مبتغاك في العلم .

إن تعلم العلم وتعليمه أمر مهم ، ولكن الأهم منه أن يجعل طالب العلم أو العالم الذي يعلم الناس درسَه على قاعدة التدرج ، فيربي الناس بصغار العلم قبل كباره ، إذا علمتهم الألف والباء والتاء والثاء فإنهم بعد ذلك سيتعلمون تركيب الجمل ، يعني إذا علمتهم المسائل الأولى في التوحيد والعقيدة والفقه من المختصرات سينتقلون بعد ذلك إلى مرحلة أكبر ، فالتدرج في تعليم العلم كبناء البناء ، إنما يكون شيئًا فشيئًا ، فإذا جمعت للبناء عدته من جميع أصناف ما يحتاج إليه ، وركمت بعضه على بعض دون تدرج فإنك لا تصل إلى بغيتك ، لقد خلق الله – جل وعلا – السماوات والأرض في ستة أيام ، قال بعض أهل التفسير : إن الله – جل وعلا – قادر على أن يخلق ذلك وأعظم منه بكلمة ، فإنما أمره لشيء إذا أراده أن يقول له كن فيكون ، ولكن خلق ذلك في ستة أيام لحكم كثيرة ، منها أن يعلم خلقه الذين يشهدون هذا الملكوت أن الأمور العظام إنما تكون بالتدرج وبرعاية الأمور .

 كثير منا من يعلم العلم ، كثير منا من يتعلم العلم ، لكن إن فاتتك المنهجية والتدرج ، فاتك الخير الكثير ؛ لأن العلم إنما يكون بالأهم فالأهم ، يطلب الناس العلوم وهي علوم كثيرة ومتنوعة ، فمنهم من يطلب السيرة ، ومنهم من يطلب الحديث ويعرف الصحيح من السقيم ، ويعرف الرواة وحالهم من جرح وتعديل ، وذاك يعلم تفاصيل الأقوال في مسألة ما ، لكن ربما لا يعلم هؤلاء مسائل التوحيد بأدلتها ، وربما لا يعلمون مسائل العبادة التي يزاولونها بأدلتها ، وإنما يكون ذلك لعدم مراعاة قاعدة الأهم فالأهم .

 نعم إن طلب العلم مهم ، ومعرفة جميع العلوم سواء المستحب منها والواجب أمر مهم ؛ لأن ذلك من أمور الشرع ، ولكن العلم درجات ، فالأهم يجب أن يقدم على المهم . ولعلنا نَجِد كثيرين من طلاب العلم في هذا الوقت يقرءون كثيرًا لكنهم لا يحصلون كثيرًا ، وذلك لأنهم لَم يسيروا في العلم على أصوله ، ولأنهم فاتهم الأهم وهو التدرج .

 إذن قاعدة التدرج في طلب العلم قاعدة مهمة يجب على طلبة العلم أن يعوها جِدًّا حتى تتحق لهم المنفعة ، وكما سبق أن قلنا في وصف الربانيين بأنهم هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره ، نقول لطلاب العلم أيضا : ينبغي عليكم أن تحرصوا على مَن يعلمكم صغار العلم قبل كباره ، فاحرصوا على مَن يبدأ بكم في الأصول بالمتون . قد يعيب أحدهم على أحد المشايخ بقوله : إن الشيخ الفلاني أو العالم الفلاني ليس عنده تفصيل في المسائل . فنقول له : إن عدم تفصيله الطويل في المسائل هذا هو الصحيح ، وهذا هو الذي ينفعك ؛ لأن المعلم لا يأتي للمتعلمين بكل ما عنده ، وإنما يسير معهم في طريق العلم وطلبه خطوة بخطوة ، فلو أتى بما عنده وفَصَّل القول في ذلك فإنه ربما يتكلم في المسألة الواحدة بما يدوم معه إلى عشرين جلسة ، وهذا ليس بطريق سديد في التعليم ، فلا بد في تدريس العلم من إحكام أصوله ومعاقده ، ولا بد من إحكام قواعده ، ومن قواعده العلم بالأولويات ، والتدرج فيه والأخذ بالأولى فالأولى حتى يتمرن ذهنك فيترقى في إدراك العلوم .

 إذن طلب العلم مهم ، ولكن التدرج فيه أهم ، ثم إن الإخلاص في ذلك جميعًا مهم أيضًا ، فمهم أن يكون العبد مُجَاهِدًا لنفسه وذلك بإخلاص النية لله وابتغاء مراضاته . قال العلماء : ضابط الإخلاص في العلم أن ينوي رفع الجهالة عن نفسه . فهذا هو الإخلاص في طلب العلم ، وهو أن يرفع الجهل عن نفسه ليعلم أمر الله ونهيه ، ليعلم ما أخبر الله به في كتابه وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من العقائد وأخبار الغيب ، هذه هي النية الصالحة . وكذلك صلاح نية المعلم تكون بأن ينوي رفع الجهل عن غيره وعن نفسه ؛ لأنه إذا علم سيستفيد ويُفِيد غيره .

 إذن الإخلاص في العلم والإخلاص في التعلم والإخلاص في التعليم أمر مهم للغاية ولا بد منه .

إن إرشاد الناس مهم ، ولكن ضبط الكلمات في إرشادهم أهم ، نعم إن الداعية يلقي الكلمات ويحاضر ، إن العالم يبين الحق ويوضح المقال ، وذلك كله مهم ؛ لأنه واجب في الشرع على الكفاية ، ويستحب في حق الأكثر ، ولكن الأهم أن يتنبه الملقي لكلماته ؛ لأن المتلقي للكلمات قد يَحْمِل المجملات على فهمه على غير مراد المتكلم ، وقلة الكلام وضبطه حسب الاستطاعة أَوْلَى من كثرته والتفروع فيه دون رعاية لِمَا يأتي وما يذر .

 هذه القاعدة مهمة ، فاحرص في لقائك مع إخوتك فيما تتكلم فيه معهم وفيما تنقله عن العلماء والدعاة على أن يكون تعبيرك سَلِيمًا ، فلا تُعَبِّر بما تَفْهَم دون تدقيق ، حتى لا يحمل كلامك على غير ما تريد .

 إن طلب الحق مهم ، وإن الاعتراف بالخطإ أهم ، إن إرشاد الناس إلى الحق أمر مهم ، وقد يخطئ المرشد ، وقد يخطئ الداعية فيما يرشد الناس إليه ، فرجوعه عن خطئه أهم . ولهذا لما أفتى أحد علماء السلف في مسألة في الحج بفتوى أخطأ فيها ، كان يظن أنه مصيب ثم بعد ذلك أُرْشِد إلى دليل في المسألة فرجع عن قوله فيها ، فاستأجر مُنادِيًا ينادي في فجاج مِنًى ، من أفتاه فلان فليقبل . حتى إذا اجتمعوا أخبرهم برجوعه عن كلامه .

 نعم إن المراجعات مهمة ، والاعتراف بالخطإ مهم ؛ لأنه يُشْعِر المرء في قرارة نفسه أنه يخطئ وأنه ليس بمعصوم عن الخطإ ، وهذا يزيد في قدره عند الآخرين ؛ لأن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .

هذه أصول مجملة مختصرة ، لكن فيها إرشاد وبيان لمسائل أحسبها مهمة ؛ لأنها ضوابط ، والضوابط تعصم العقل من الخطإ ، وكذلك تعصم العمل من الضلال ، وتعصم اللسان من الاجتراء ، فإن معرفة العبد للحقوق الشرعية والضوابط الشرعية بأدلتها أمر مهم للغاية ، فعند الاشتباه يحصل كثير من الزلل .

بقي أن نقرر قاعدة وهي أن هذه التقسيمات من مهم وأهم هذه إنما تستفاد من أهل العلم ؛ لأنني ذكرت أن موردها ودليلها النصوص ، وليس العقل والاستحسان ، فتقسيم مراتب الأمور الشرعية ومراتب ما يزاوله المرء إنما يكون بما فيه نص ، فإن العلماء يبينون الأهم فالمهم من ذلك ، فإذا اشتبه على المرء المسلم ذلك ، فعليه بالرجوع إلى العلماء حتى يبينوا له مراتب ذلك ، فيسير على بينة من أمره .

 أسأل الله – جل وعلا – لي ولكم التوفيق والسداد ، والهداية والرشاد ، وأسأله – جل وعلا – أن ينفعني وإياكم بما علمنا ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


الأسئلة

سؤال :

هل من الأهمية في طلب العلم أن يقرأ الإنسان في كتب أهل السنة والجماعة ، ويترك الكتب التي كتبها مَن عليه ملاحظة في عقديته ؟ وهل هذه الكتب تطرح ولا يرجع إليها ؟

جواب :

 إن العلم لا بد أن يؤخذ عن مأمون في عقديته ، وكتب أهل السنة والجماعة كفيلة بهذا ، وأما الكتب العصرية فإنها لا يحتاج إليها في العلم ، وإنما يحتاج إليها من جهة الثقافة والاطلاع على ما في العصر ، أو من جهة الاطلاع على الأفكار أو على التحليلات ونحو ذلك ، أما العلم من حيث هو فإنما يؤخذ من كتبه التي بها تَعَلَّم العلماءُ وتَخَرَّجوا ، هذه الكتب العصرية لا بأس من مطالعتها لكن بشروط :

الشرط الأول : أن يكون القارئ مميز لعقيدته مميز بين ما هو حق وما هو باطل ، فربما قرأ كُتبًا فيها تعبير باطل لا يصح ، ولم يلحظ هذا ، فكم رأينا ممن قرءوا كثيرًا من هذه الكتب العصرية شاع على ألسنتهم بعض العبارات التي تخالف العقيدة الصحيحة ، مثل قولهم : شاءت الأقدار . ونحو ذلك من العبارات التي فيها مخالفة ، بل هناك ما هو أعظم من ذلك من سؤال صفات الله ، أو منادتها كـ يا رحمة الله ، أو يا عفو الله أو ما شاكل ذلك .

الشرط الثاني : أن يكون موضوع الكتاب ليس من المواضيع الفاسدة ، أو المواضيع التي تدعو للضلال ، أما إذا كان غير ذلك كأن يكون كتابا فيه من المفاسد والضلالات ، فهذا لا تجوز قراءته أصلا ، أما إذا خلط فيه صاحبه بين حق وباطل ، فهذا يقرؤه من يميز بين هذا وذاك .

الشرط الثالث : إذا قرأ ذلك قَصَره على نفسه ، وإذا كان في هذه الكتب بعض الحق فإنه يأخذه إذا دل عليه الدليل ، ولا يدل على الكتاب الذي قرأ فيه تلك الأمور من لا يحسن التفرقة بين الحق والباطل ؛ لأنه إذا دله عليه ربما ضره ذلك في دينه .

سؤال :

 انتشر في الآونة الأخيرة بين شباب الصحوة ما قد علمتم من الخلاف ، وانقسم الشباب إلى طوائف شَتَّى ، وقد احترت مع من أكون ، وأين الحق ؟ ومع من هو ؟ ثم هل يبرر هذا الخلاف انقسام الشباب ؟ فأسألكم أن تقولوا في هذه المسألة لي قولاً شافيًا .

جواب :

 أن الفتن إذا وقعت والمشتبهات إذا حلت فإنما يعلم الفصل فيها أهل العلم الراسخون ، وهذا الانقسام الذي حصل هو من جراء مخالفة أوامر الله ؛ لأن الله – جل وعلا – يعاقب من خالف أمره بالفرقة ، قال سبحانه : ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ . [ المائدة : 14 ] أخذنا ميثاقهم بأن يتبعوا ويلتزموا بالحق ، ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّروا بِهِ ﴾ النسيان بمعنى الترك ، أي تركوا حَظًّا مما ذكروا به ، فعندهم الأدلة واضحة وعندهم البينات التي ذُكِّروا بها ، فتركوا ذلك مع العلم به ، فعاقبهم الله – جل وعلا – بالفرقة ، فقال سبحانه : ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾ .

 فإذا كان العلم سهل المنال وكان قريبًا وكانت الحجج واضحة بينة ، ثم خالف فيها الناس وتركوها مع قربها فحينئذ يعاقبون بالفرقة فيما بينهم بقدر ما تركوا ، فبالالتزام بالدليل وبأمر الله يحصل الاتفاق والاجتماع ، والاجتماع رحمة ، وبمخالفة الحق بعد العلم به تحصل العقوبة ، وهي الفرقة والاختلاف . وهذه هي طريقة العلماء الراسخين الذين لهم في ذلك الكلمات الشافية ، كسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله تعالى ، وكذلك سماحة الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله تعالى ، وكذلك بقية مشايخنا ، فطريقتهم هي الطريقة التي من اعتصم بها نجا إن شاء الله ؛ لأنها على وَفْق العلم ، وعلى وفق الأصول الشرعية ، أسأل الله أن يطفئ الفتن ، وأن يجمع قلوب الدعاة على دينه ، وأن يجعلنا جَميعًا من المحبين لأهل الحق وللعلماء وللدعاة ، ومن المسددين لهم في أقوالهم وأعمالهم .

سؤال :

 إن التوحيد أهم شيء ، فهناك من يقول : إن عقيدة التوحيد تشرح في عشر دقائق ، فماذا تقولون ؟

جواب :

إن عقيدة التوحيد تشرح في أقل من عشر دقائق ؛ لأن عقيدة التوحيد هي معنى الشهادتين ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله . فإذا شرحت هاتان الكلمتان ، فُهِم التوحيد ، لكن كما قال الإمام علي رضي الله عنه : العلم نقطة كثرها الجاهلون . ([17])

 فالعلم أصله قليل لمن فهمه ، ولهذا كلام السلف قليل كثيرُ الفائدة ، وكلام الخلف كثيرٌ قليلُ الفائدة ، كما قال ابن رجب في كتابه ” فضل علم السلف على علم الخلف ” .

 نعم إن بيان التوحيد قليل ، فالنبي – عليه الصلاة والسلام – قال لمن يفهم معنى كلمة التوحيد : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ تُفْلِحُوا » .([18]) لأنهم يعلمون معنى هذه الكلمة . لكن لَمَّا شاع الجهل وكثر الجهال أصبحوا لا يفهمون التوحيد في هذا الزمن اليسير ، ولَمَّا كثر المخالفون للتوحيد والمخالفون لعقيدة السلف الصالح في الصفات وفي الإيمان وفي القدر وفي الموقف من الصحابة وفي الموقف الحق من الأمر والنهي وفي الموقف من ولاة الأمور والأئمة ونحو ذلك من مباحث الاعتقاد احتاج العلماء إلى أن يبينوا العقيدة الصحيحة في أيام ، بل شهور ، بل في سنين ؛ لأن المخالفين كثروا ؛ ولأن التشويه كثر ، فاحتاج العلماء إلى أن يبينوا العقيدة في أوقات طويلة .

 نعم كان تبيينها في زمن النبي – عليه الصلاة والسلام – بكلمة ، فيعلم المرء ما تشتمل عليه وما تضاده ، ولكن في مثل هذا الزمن والأزمنة التي فشا فيها الشرك وفشت فيها الفرق الضالة وفشا فيها الضلال بأنواعه ، لا يمكن أن يُبَصَّر الناس بالتوحيد إلا بعد بيان أصوله وهي كثيرة ، ولا يكون إلا بشرح عدة كتب حتى يتبين له الحق من الضلال ، وحتى يتبين له الموقف الصواب من غيره . والله أعلم .

سؤال :

 هل من المهم للمسلم البحث عن مثالب الناس وعيوبهم وإظهاره ، وأنه مقدم على رجوع الإنسان إلى نفسه ؟

 جواب :

 الواجب على المسلم أن يعتني بنفسه إصلاحًا ، فعليك بنفسك ، وفتش عن معايبها ، ولا تتبع عثرات الناس ، قال تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[ المائدة : 105 ] .

 إن إظهار عيوب الناس والبحث عن مثالبهم أمر لا يجوز ، بل إن ستر عيوب المسلمين واجب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة » . ([19])

أما الأمر والنهي فهذا واجب أو مستحب بحسب الدرجات التي أخبر بها النبي عليه الصلاة والسلام .

سؤال :

 يقول : لي بعض الزملاء في العمل ، بلغت بهم الجرأة أن يقولوا عن المتمسكين بالسنة : إنهم فَجَرة ، ويؤذون الصالحين بالكلام بالغمز واللمز . فماذا ترى يا شيخ مع هؤلاء ؟ مع أننا بذلنا ما في وسعنا ولكنهم لم ينتصحوا ، أنرفع بهم إلى الجهات المسئولة أم ماذا نفعل تجاههم ؟ فقد آذونا مع العلم أننا لا نستطيع مفارقتهم ، وهم لا يحرصون على الصلاة ؟

جواب :

 نسأل الله – جل وعلا – لنا ولهم الهداية ، لكن عليكم بالصبر ، فلا تملوا من النصيحة ، ولا تملوا من الإرشاد وتذكروا قول الله جل وعلا : ﴿ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ[ النساء : 94 ] . ليس بعزيز على الله أن يصلح أشد الناس كُفْرًا ، فاحتسبوا وادعوا لهم في أوقات الخلوة ، واصبروا عليهم لعلهم يهتدون ، فإذا أمكن ألا يظهروا ذلك الكلام برفع أمرهم إلى المسئول فإن هذا متعين ، لكن فيما بينك وبينهم عليك بالدعوة والصبر والدعاء لهم في ظهر الغيب ، لعل الله – جل وعلا – أن يهيدهم .

سؤال :

 حيث إنكم أحد أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – إمام الدعوة إلى الكتاب والسنة في هذه البلاد ، أرجو إرشاد الشخص الذي جاء إلى هذه البلاد من بلد مجاور مسلم ، ولكنه متعلق بالقبور والأضرحة والتمسح بها والذبح عندها ، وما هو الطريق لإصلاحه ؟

جواب :

 الطريق لإصلاح إمثال هؤلاء من جهتين : الجهة الأولى : التعليم . والجهة الثانية : الترغيب والترهيب ، وبيان مآل هؤلاء الذين يعتقدون في غير الله . أما من جهة التعليم فهذا واضح ، وهو أن التوحيد يحتاج إلى تعلم ، والناس في تلك البلاد كما قد خالطت بعضهم يجهلون معنى التوحيد ، يعني مثلاً إذا سألته عن معنى قول لا إله إلا الله ، ظن أن معناها لا رب موجود إلا الله ، والربوبية غير الألوهية ؛ لأن الله – جل وعلا – قال : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ ﴾ . [ الفاتحة : 2 ] . وبَيَّن أن المشركين يُقِرُّون بأن الله هو ربهم ، وأنه خالقهم قال تعالى : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [ العنكبوت : 61 ] . فهم يقينون بأن الله هو الرب وحده ، ولكن الابتلاء وقع في تعلق القلب ، فهل للمرء أن يتوجه بالسؤال للموتى من الصالحين أو للأوثان أو للأصنام ؟ إن الله – جل جلاله – بَيَّن أن عيسى – عليه السلام – كان يُدَّعَى إلهًا من دون الله ، وأن اللات – وهو رجل صالح كان يَلُتُّ السَّوِيق ، ويحسن إلى الناس – لَمَّا مات عكفوا على قبره ، واتخذ الناس قبره وثنًا ، واتخذوا له صورة وجعلوها صنما ، وهكذا ، لم يكن شرك الناس في الربوبية ، وإنما كان شركهم في الألوهية باعتقادهم أن هذه الأوثان والأصنام وأن أصحابها يرفعون الحاجات إلى الله ، قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ . [ الزمر : 3 ] . يقول أهل التفسير : والذين اتخذوا من دونه أولياء يقولون : ما نعبد الأولياء إلا ليقربونا إلى الله زلفى ، ما نعبدهم استقلالاً ، نعلم أنهم بشر ، ولكن نريد أن يرفعوا بحاجاتنا إلى الله ؛ لأن لهم المقام العالي عند الله .

فعليك أن تذكرهم بالآيات ، واتل عليهم القرآن ، وفسر لهم القرآن ، وفسر لهم قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوَهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ . [ فاطر : 14 ] .

فقول الله جل وعلا : ﴿ وَالَّذِينَ ﴾ هذا اسم موصول لمن يعقل ﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ﴾ يعني ما يملكون في قبورهم ولو القطمير وهو القشرة الرقيقة التي تكون على نواة التمرة ؛ وإنهم ﴿ إِن تَدْعُوَهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ﴾ لِمَ ؟ لأنهم أموات كما قال جل من قائل : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ[ النحل : 21 ] .

 إذن هناك آيات كثيرة في القرآن لو تليت على أولئك لتنبهوا إن كان الله – جل وعلا – يريد بهم الخير . فاتل عليهم الآيات ، وعلمهم وبَيِّن لهم ذلك ، ثم بعد ذلك اسلك معهم طريقة الترغيب والترهيب ، والتخويف والترغيب ، التخويف من عاقبة الشرك وبيان فضل التوحيد على أهله وذلك بعد تعليمهم معنى الشهادتين ثم بعد ذلك وضح لهم أن العبادة لا يجوز صرفها إلا لله ، بين لهم معنى التوحيد بأنه هو حق الله ، بين لهم معنى قوله تعالى : ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ[ البقرة : 112 ] ونحو ذلك من الآيات ، واسأل الِلَّه – جل وعلا – لك ولهم الهداية ، فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الله جل وعلا ، فلا تبخل بالهداية .

سؤال :

 يقول : لا شك – والحمد لله – أن هذه البلاد تأثرت بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – ورَزَقه من ذريته من يسير على طريقته ، ومن الملاحظ أن الناس إذا كلمتهم عن أمور العقيدة وعما يفعلونه من مخالفات قالوا : عقيدتنا سليمة . فهل لنا أن نبرأ منهم ؟ وهل الولاء والبراء من أمور التوحيد ؟ وكيف يكون التوحيد سليمًا ، ونحن نجد أن معظم المؤسسات والناس يقربون الكفار والبوذيين والنصارى ويبعدون أهل الإسلام ؟

جواب :

 الولاء والبراء هما معنى كلمة التوحيد ، إن حقيقة كلمة التوحيد هو الولاء والبراء ، ولقد سأل رجل من طلاب العلم الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله : هل الولاء والبراء من لوازم كلمة التوحيد ، أم هو أمر خارج عنها ؟ فقال : وا أسفا على العلم الذي عندك ، ألا تعرف مكانة الولاء والبراء من دين الله ، إن الولاء والبراء هو قولك : لا إله إلا الله محمد رسول الله . فكلمة التوحيد هي الولاء والبراء ، قال – جل وعلا – في سورة الزخرف : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ الزخرف : 26 – 28 ] . فالكلمة التي جعلها إبراهيم – عليه السلام – باقية في عقبه هي كلمة التوحيد ، كلمة لا إله إلا الله ، وتفسيرها قوله : ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ﴾ . أي براء من المعبودات ومن الشرك والكفر ، وولائي لله ولدينه ولتوحيده ، الولاء والبراء معناه الحب والبغض ، ومن فقده فقد فقد الإسلام ، فالواجب على المسلم أن يبرأ من الشرك ، بمعنى أن يُبْغِض الشرك ، وأن يُوالِيَ التوحيد ، بمعنى يُحب التوحيد ، وأن يبرأ مما يعبده المشركون ، بمعنى يُبْغِض المعبودات التي تعبد من دون الله كما قال في قوله : ﴿ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ﴾ . أي مبغض للذي تعبدون ، ﴿ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ أي خلقني فإنني غير متبرئ منه ولكني محب .

 إذن الولاء هو محبة لله ، والبراء هو بغض للآلهة ، فمحبة الإسلام أمر واجب وكذلك بغض الشرك ، فمن لم يحب الإسلام فإنه ليس على التوحيد ، ومن أحب الإسلام وأحب الشرك فإنه قد خرم ولاءه وبراءه ، ثم بعد ذلك محبة أهل الإسلام وبغض أهل الشرك وهذه واجبة ، فتركها معصية ، ولكنه ليس قَادِحًا في التوحيد ، والمقصود ببغض أهل الشرك يعني أعيان المشركين ، وهذا فيه تفصيل ، وقد يطول الحديث عنه .

فالمقصود أن تضبط الولاء والبراء الذي تَرْكُه كفر ، فالولاء محبة الإسلام ومحبة الله ، والبراء الذي هو مقابله بغض الشرك وبغض معبودات المشركين ، فمن لم يأت بهذا القدر من الولاء والبراء فليس بمسلم ؛ لأنه بذلك يكون ناقضًا لأصل الولاء والبراء ، وما بعد ذلك مما ذكره السائل فيه تفصيل ، فالذي يأتي بالمشركين ويأتي بالكفار ويقربهم هذا صاحب معصية ؛ لأن الواجب عليه أن يوالي في الله وأن يعادي في الله ، وإذا كان المُقَرِّب لهؤلاء لا يحب الشرك ومعبودات المشركين ، وإنما يقربهم لنفع أو نحو ذلك ، فهذه معصية من المعاصي ، فإذا تبع ذلك مَوَدَّة لهم ونحو ذلك وكان ذلك لغير مصلحة شرعية ، فإن ذلك معصية ، والمسألة فيها تفصيل .

سؤال :

 إن أهم المهمات هو التوحيد ، فما هي الكتب والشروح والأشرطة التي تفيد في تعلم هذا الأصل العظيم ؟

جواب :

 التوحيد قسمان : توحيد عِلْمي خَبَري ، وتوحيد عَمَلي إرادي . فالتوحيد العلمي الخبري هو الذي يُسَمَّى بالعقيدة ، عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهذه لها كتبها الخاصة ، والتوحيد العملي الإرادي هو التوحيد الذي ضده الشرك العملي ، هذا ما يسمى بتوحيد العبادة ، وهذان القسمان يحتاجان إلى تعلم ، فتعلم التوحيد الذي ضده الشرك ، وتعلم العقيدة الصحيحة التي ضدها العقيدة الباطلة .

أما العقيدة الصحيحة فهي عقيدة أهل السنة والجماعة وأهم الكتب فيها ” لمعة الاعتقاد ” مع شرحٍ لها لأحد علماء هذه البلاد ، وكذلك كتاب ” الواسطية ” مع شرحٍ له أيضًا ، وتسلسل في كتب عقيدة أهل السنة والجماعة ، وكُتُبُ شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – فيها بيانُ ذلك على وجه التفصيل . أما بالنسبة لكتب توحيد العبادة فأقربها وأولها كتاب ” ثلاثة الأصول ” للشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله ، وكتاب ” التوحيد ” له أيضًا ، وكتاب ” اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم ” لشيخ الإسلام ابن تيمية وما شابه هذه الكتب مع شروحها ، كشرح : ” ” تيسير العزيز الحميد ” وشرح ” فتح المجيد ” ونحو ذلك من الشروح .

سؤال :

 هل هناك فرق بين التوحيد والعقيدة ؟

جواب :

 التوحيد قسمان – كما ذكرت – وبه يظهر التفرقة بين التوحيد والعقيدة ، وهما متلازمان ، فالتوحيد والعقيدة بمعنى واحد ، لكن عند التصنيف يختلف ذلك .

سؤال :

 يقول الناس – ولله الحمد – في مجتمعنا عقيدتهم سليمة وعلى الفطرة ، ولكن أكثر الناس يحتاجون إلى تعليم الفقه ، فهل يبدءون في تعليمهم بالتوحيد ، أو بالتفقه في الدين ؟

جواب :

يبدءون بتعلم علم التوحيد والعقيدة أَوَّلاً ؛ لأن بالتوحيد يراد صلاح القلب ، وتعلمه يحدث الخوف من الشرك ، وبقاؤه في الناس بقاء لدين الله بينهم ، ولا يقدم على الفقه ابتداء ، ونحن نرى أن كثيرًا من الشركيات بدأت تنتشر بين الناس في مجتمعنا ، فلا يقال : إننا لا نحتاج إلى التوحيد . ألا ترون كثرة السَّحَرة والكَهَنة ؟ ألا ترون أن التمائم كثر تعليقها وأن التطير أصبح فاشيًا ؟ تجد في السيارات صورا لحيوانات ، أو حِدْوةَ فرس ، أو جلدةً بها عين ، وتجد في بعض البيوت معلق على بابها رأس حيوان محنط ، أو حدوة فرس ، أو رسمة عين ونحو ذلك ، وهذه كلها من التمائم التي هي من الشرك الأصغر ، ألا ترون موالاة أعداء الله ومودتهم وتكريمهم ونحو ذلك ؟ هذه كلها أمور مخالفة للعقيدة والتوحيد ، فلا بد من تعليم التوحيد ، ولا بد أن نخاف من الشرك ، فمن خاف سلم ، ونبي الله ورسوله إبراهيم – عليه السلام – دعا ربه بقوله : ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ[ إبراهيم : 35 ] .

 قال إبراهيم التيمي – وهو من علماء السلف الصالحين وأحد الأئمة – قال لَمَّا تلا هذه الآية : ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم ؟

 فإبقاء التوحيد وتدريسه وتعليمه هذا فيه التخويف من الشرك ، والشرك أسرع ما يكون في الناس ، وتذكروا قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه : « لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبد اللات والعُزى ، ثم يبعث الله ريحا طيبة فيتوفى كل من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيبقى من لا خير فيه ، فيرجعون إلى دين آبائهم » .([20])

 وفي حديث آخر يقول صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَذْهَلَ النَّاسُ عَنْ ذِكْرِهِ وَحَتَّى تَتْرُكَ الأَئِمَّةُ ذِكْرَهُ عَلَى الْمَنَابِرِ » .([21])

وهذه مسألة من مسائل العقيدة ، وهي أن ذكر الدجال والاعتقاد فيه يغفل الناس عنه ، فيخرج في غفلة من ذكر الناس له ومن تحذيرهم منه ، كذلك الشيطان لا يأتي إلى الناس إلا إذا غفلوا عن شرع الله وذكره ، فالتوحيد والفقه قرينان وابن القيم رحمه الله تعالى قال في العلم :

والعِلْمُ أقْسَامٌ ثلاثٌ مَا لَهَا

 

مِن رَابِعٍ والحَقُّ ذو تِبْيانِ

عِلْمٌ بأَوْصافِ الإلهِ ونَعْتِه

 

وكذلكَ الأسماءُ للدَّيَّانِ

والأمرُ والنَّهْيُ الذي هو دِينُه

 

وجَزَاؤُه يومَ الْمَعادِ الثَّانِي

والكُلُّ فِي القُرْآنِ والسُّنَنِ الَّتِي

 

جَاءَتْ عن المَبْعوثِ بِالفُرْقَانِ

واللَّهِ مَا قالَ امْرِؤٌ مُتَحَذْلِقٌ

 

بسِواهِمَا إلاَّ مِن الهَذَيانِ

إلى آخر كلامه .

 فالعلم بالتوحيد هو العلم بحق الله على عباده والعلم بالشرائع وبالأمر والنهي والعلم بالجزاء ، فالتوحيد والفقه قرينان ، فيعلم أن في التوحيد إصلاح الباطن وأن في الفقه إصلاح الظاهر ، وكل منهما مهم والتوحيد أهم .

أسأل الله – جل وعلا – لي ولكم التسديد في القول والعمل ، وأسأله أن يعفو عنا برحمته ، وأن يصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأن يصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، اللهم إنا نسألك أن تصلح ولاة أمر المسلمين ، اللهم أصلح ولاة أمورنا واهدهم إلى الرشاد ، وباعد بينهم وبين سبل أهل البغي والفساد ، اللهم إنا نسألك صلاحًا في قلوبنا ، وصلاحًا في أعمالنا ، اللهم نور بصائرنا في أقوالنا وفي أعمالنا وفي اعتقاداتنا ، نسألك أن تميتنا على الإسلام ، وأن تحيينا على الإسلام . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 2 / 505 ، رقم 1331 ) ، ومسلم ( 1 / 50 ، رقم 19 ) .

( [2] )  كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ص 15 .

( [3] )  أخرجه البخاري ( 5 / 2384 ، رقم 6137 ) .

( [4] ) أخرجه البخاري ( 1 / 12 ، رقم 8 ) ، ومسلم ( 1 / 45 ، رقم 16 ) .

( [5] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1077 ، رقم 2783 ) ، ومسلم ( 4 / 1872 ، رقم 2406 ) .

( [6] ) سبق تخريجه .

( [7] ) العقيدة الواسطية ص 257 .

( [8] ) الاستقامة فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ( 2 / 216 ) .

( [9] ) روضة المحبين ( 1 / 274 ) .

( [10] ) أخرجه البخاري ( 6 / 2698 ، رقم 6980 ) ، ومسلم ( 2 / 1136 ، رقم 1499 ) .

( [11] ) أخرجه البخاري ( 1 / 354 ، رقم 997 ) ، ومسلم ( 2 / 618 ، رقم 901 ) .

( [12] ) أخرجه أحمد ( 58 / 75 ، رقم 27462 ) ، وأبو داود ( 2 / 746 ، رقم 5094 ) ، والنسائي ( 8 / 268 ، رقم 5486 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1578 ، رقم 3884 ) .

( [13] ) أخرجه أحمد ( 4 / 270 ، رقم 18398 ) ، والبخاري ( 1 / 28 ، رقم 52 ) ، ومسلم ( 3 / 1219 ، رقم 1599 ) .

( [14] ) رواه البخاري ( 3 / 1174 ، رقم 3036 ) ، ومسلم ( 4 / 2036 ، رقم 2643 ) .

( [15] ) فتح الباري ( 1 / 121 ) .

( [16] ) مصنف عبد الرزاق ( 2 / 325 ، رقم 3550 ) . وانظر ترجمة قتادة ابن دعامة من تهذيب الكمال ( 23 / 512 ) .

( [17] ) كشف الخفاء ( 2 / 67 ) .

( [18] ) أخرجه أحمد ( 3 / 492 ، رقم 16066 ) .

( [19] ) أخرجه البخاري ( 2 / 862 ، رقم 2310 ) ، ومسلم ( 4 / 1996 ، رقم 2580 ) .

( [20] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2230 ، رقم 2907 ) .

( [21] )            أخرجه ابن قانع ( 2 / 8 ) . وأخرجه أيضا : عبد الله بن أحمد فى زوائده على المسند ( 4 / 71 ، رقم 16718 ) . وقال الهيثمى ( 7 / 335 ) : رواه عبد الله بن أحمد من رواية بقية عن صفوان بن عمرو وهى صحيحة كما قال ابن معين وبقية رجاله ثقات .

شاركها مع أصدقاءك