بواسطة :
الزيارات : 2٬236 مشاهدة

الوسطية في الإسلام

بِسْمِ اللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

 أما بعد ، إن موضوع : ” الوسطية في الإسلام ” موضوع قديم جديد ، وهو موضوع الشرع وموضوع العقل ، وهو موضوع فرد متعدد الجوانب يحتاجه المرء في موقفه مع نفسه ، وفي تعامله مع مَن حوله ، وفي تقييمه للأفكار ، وفي وضعه لنفسه منهجًا يفكر به لتقييم ما حوله من الأوضاع والأشخاص والمستجدات والسياسات والمعطيات المختلفة .

إن موضوع الوسطية موضوعٌ شرعيٌّ ؛ وذلك لأن الإسلام جاء بالعقيدة التي تعصم من الزلل ، وبالشريعة التي تقي من الهوى ، وجاء أيضًا بمنهج تفكيرٍ يُربَّى أهل الإسلام عليه حتى لا تتقاذفهم الأمواج ، فلا يصلوا إلى بر السلامة ، إن في القرآن الكريم وفي السنة تأصيلا لمنهج التفكير – وهو الأهم في نظري في كل زمان ومكان – ولمنهجي العلم والنظر . ونعني بمنهج التفكير ، أي كيفية التفكر وكيفية التعلم وكيفية التقييم وكيفية التعامل؟ لأن الإنسان بين عاطفة جامحة وهَوًى باطن ، وبين عقلٍ يُرْشِده إلى الطريق المستقيم ، فجاءت الشريعة تهذب العاطفة وتربي العقل على الصواب ، لذلك كان هذا الموضوع مهمًّا ؛ لأنه يرسم منهج الإسلام ، ويرسم منهج التفكير ، فهو من حيث فهم الشريعة مهم ، ثم هو أيضًا مهم في هذا الوقت ؛ لأننا نرى التقلبات كثيرةً في هذا الزمان ومتعددةً ، سواءٌ كانت التقلبات سياسية أو دعوية أو فكرية أو غير ذلك ، فيحتاج الإنسان معها إلى تصور يعصمه من الخطإ في النظر إلى هذه الأشياء .

 تعلمون أن علماء الإسلام في جميع ميادين العلم والمعرفة وضعوا أصولاً تُقيَّم بها العلوم أو يُتَوصَّل بها إلى الصواب ، فأهل التفسير وضعوا أصول التفسير ، وأهل العقيدة وضعوا أصول العقيدة ، وأهل الفقه وضعوا أصول الفقه ، وأهل الحديث وضعوا مصطلح الحديث ، وأهل التاريخ أيضًا منهم من وضع مصطلح التاريخ ، وأهل اللغة وضعوا أصول اللغة ، وهكذا في كل ميدان من ميادين العلم في العلوم التي كان يُعتنى بها ، كذلك الحال في العلوم المادية فأهل الإسلام سبقوا إلى وضع الأصول في علم الجبر ، وعلم الهندسة ، والنظر إلى الأفلاك ، وسواءٌ كان ما وصلوا إليه صحيحًا من كل جهة أو كان خُطْوةً في الطريق إلى الصواب ، ولكن المهم أنهم نظروا إلى أنه لا بد من وضع منهج للوصول إلى الصواب في تلك العلوم ، وإذا كان الأمر كذلك فمِن المهم للوصول إلى الصواب في أي شيء أن يكون الإنسان – خاصة المرء المسلم – معتنيًا بما يعصم فكره من الغلط ، وأهل المنطق قالوا في تعريف المنطق : إن المنطق هو قوانين تعصم الفكر أو العلم من الخطإ . فلا بد في كل ميدان أن يوجد من التوجيهات ما يعصم العقل والفكر والفهم من الغلط .

إن من أعظم ما يصل به المرء إلى ذلك أن يكون مُترفِّقًا مُعْتَدِلاً ؛ لأن الاعتدال والوسطية هما بين الطرفين ، فالإنسان إما أن يتجه إلى الزيادة فيكون في طرف الإفراط ، وإما أن يتجه إلى النقص فيكون في طرف التفريط ، فإذا لزم الجادة والاعتدال ، فإنه يوشك أن يصل ، وأن يُهَيَّأ له منهج التفكير الصحيح في جميع شئونه .

إن هذا الموضوع مهم لِمَا ذكرتُ ولِمَا يكتنف العالم اليوم – وخاصة العالم الإسلامي – من تنازعات كبيرة ، ومن قضايا متعددة تلاحقنا يومًا بعد يوم ، هو مهم للمحافظة على وَحْدة الناس ، وعلى تقاربهم ؛ لأن تقلب الأحوال وتغيرها يوشك – إن لم يُرسم له منهج – أن يُحْدِثَ مِحَنًا وضَغَائِنَ مِمَّا دعا الشرع المطهر إلى نبذها وتجافيها .

سمات الوسطية :

إن هذه الوسطية التي ندعوا إليها هي التي وصفنا الله – جل وعلا – بها في قوله : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا[ البقرة : 143] .

قال علماء التفسير كابن جرير وغيره : إن الوسط هم الخيار والعدل ، والوسط : هو الاعتدال . وهذا صحيح لمجيئه عن عدد من مفسري السلف .

 فالوسطية إذ كانت بهذه المثابة وهذه الأهمية وأنها مما امتن الله به على هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا لها سمات ، فمن نظر في قواعد الشريعة وفي تفصيلاتها – سواءٌ كانت في العقائد أم في الفقه والشريعة – وجد هذا ماثلاً أمامه ، فمن سماتها أن المنهج الوسط أو المنهج المعتدل يرفع روح السماحة والتسامح أو يزيد منهما ويرفع الحرج عن العباد ؛ لأنه كلما كان المرء بين طرفين فإن الحرج منفي عنه ، سواءٌ كان الطرفان في العقيدة أم الشريعة أم في التعامل كما سيأتي تفصيله إن شاء الله .

ومن سمات الوسطية أن صاحبها صاحب عدل ، فلا تجده ظَالِمًا في آرائه ولا تجده ظَالِمًا لغيره ، وكذلك لا تجده متساهلاً ، فهو صاحب عدل ، لأن عنده ميزانًا سليمًا يزن به الأمور .

ومن سمات منهج الوسطية أنه موافق للشرع الكريم ، وموافق للفطرة السليمة المحببة للنفوس ، وهو أيضًا موافق للعقل السليم الذي يتطلب الاعتدال ويرسم منهجه .

ومن سمات منهج الوسطية أنه يعتمد في المسائل الشرعية على العلم الصحيح من أهله الراسخين فيه .

ومن سمات منهج الوسطية أنه يُراعي القدرات والإمكانات ولا يُلغي النظر في تقييم الأشياء وفي التعامل معها على قدر الإمكانات والمعطيات .

ومن سمات هذا المنهج أنه يراعي الزمن ، ويراعي الناس على اختلاف أنواعهم كما سيأتي تفصيل بعض هذه الجمل .

لقد أمر الله – جل وعلا – بالوسطية ، وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن المنهج المعتدل هو الحق في نفسه ؛ ولأن المنهج الوسط والمعتدل يسلم من الأهواء التي تأخذ الناس يمينًا وشمالاً ، ولكون هذا المنهج يُوصل إلى تحقيق مراد الشارع ، وإلى تحقيق مقاصد الشريعة في الدين والدنيا ؛ ولأن المنهج المتوسط والمعتدل يُبعد عن الفتن التي أجمع العقلاء والعلماء على طلب نفيها ودفعها .

المتطلبات التي تحصل بها الوسطية

إذا كان الأمر كما أسلفنا فهناك أمور يجب اتباعها لتحصيل هذه الوسطية ، ومن هذه الأمور :

 معرفة المنهج الصحيح من الكتاب والسنة بأدلته على وَفْق فهم العلماء الراسخين .

كذلك من متطلبات تحصيل الوسطية والثبات عليها قوة العلم في أي مجال دخل فيه الإنسان ، وكما ذكرنا أن منهج الوسطية في الإسلام ليس خاصًّا بالمسائل الشرعية ، بل هو منهج تدخل فيه المسائل النظرية والمسائل السياسية ، ويدخل فيه تقييم الأفكار والأشخاص والاتجاهات ونحو ذلك ، فهو منهج متكامل .

كذلك من متطلبات تحصيل الوسطية قوة العقل في إدراك الأمور ، والنظر في تجارب الناس والاعتبار بالتاريخ ؛ لأن إلغاء التجارب التي مر بها الناس ، وأن كل حادثة يُنظر إليها على أنها الأولى دون استفادة من التاريخ ، ودون استفادة من التجارب يحرمنا من معرفة التوسط في الأمور ، أو يحرمنا من أسباب تحصيل الوسطية والثبات عليها .

أسباب الانحراف عن الوسطية

هناك أسباب تنحرف بنا عن الوسطية ، من أعظمها الجهل بأنواعه ، والجهل كما هو معلوم ليس شيئًا واحدًا ، فالجهل مقابل للعلم ، وكما أن العلم يتفاوت وله درجات ، فكذلك الجهل يتفاوت وله درجات .

من أسباب الانحراف عن الوسطية وجود الهوى ، والهوى يسبق الأحكام فإذا كان عند الإنسان هوى ، وهذا الهوى له بواعث ، قد تكون البواعث لهذا الهوى نفسية ، وقد تكون إقليمية ، وقد تكون مذهبيه ، وقد تكون عاطفية . . . إلى آخر تلك الأمور وأشباهها ، فهذا الهوى يحول دون الوصول إلى الوسطية ، ومِن ثَمَّ يأخذ الإنسان إلى ما هَوِيَهُ من الأمور فيتجه إليها .

كذلك من أسباب الانحراف عن المذهب المعتدل والوسطية غلبة العاطفة على مقتضى الشرع والعقل ، وكثير من الناس تحركه عواطفه ، ولكن العاطفة لا بد لها أن تُعقل بالعقل والشرع ، فإذا عُقلت العاطفة بالعقل والشرع ، فحينئذٍ يسير صاحبها على المنهج الصحيح ، فإلغاء العاطفة غلط ، وزيادة الاهتمام بالعاطفة أو تغليب العاطفة على النظر الصحيح غلط ، لكن العقل والشرع هما اللذان يحكمان ذلك ، فلذلك كان من أسباب الانحراف عن الوسطية غلبة العاطفة على العقل ، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى .

كذلك من أسباب الانحراف عن الوسطية الابتداع في الدين بما لم يأذن به الله جل وعلا ، إما في أصل الدين ، وهو توحيد الله جل وعلا ، أو في الأمور العَمَلية والعِلْمية ، فيُحْدِث الناس ما لم يكن عليه دليل لا من كتاب الله – جل وعلا – ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكل الانحرافات التي حدثت في تاريخ الإسلام كتلك الفرق التي ظهرت إنما كان بسبب حصول الابتداع في أول الأمر ، ثم الناس يتتابعون على ذلك ، فيدافعون عن بعض هذه المسائل التي ابتدعت .

كذلك من أسباب الانحراف عن الوسطية عدم الرجوع إلى أهل الاختصاص الراسخين المحققين ، فعدم الرجوع إلى علماء الشرع الراسخين في المسائل الشرعية ، وعدم الرجوع إلى العقلاء وأهل التجربة والفهم وعدم الرجوع إلى أهل الاختصاص في اختصاصهم من أهم أسباب العدول عن المنهج الوسط .

إننا نعيش اليوم عددًا من التجاذبات في المسائل المتعددة سواءٌ كانت عِلْمية أو تنظيرية أو سياسية أو عقلية أو منهجية ، والآراء مختلفة بين من هم إلى جهة اليمين وبين من هم إلى جهة اليسار ، والحق بين ذلك ، وأصبح لدى المندفعين ممن انحرفوا عن الأخذ بمنهج الاعتدال اتهام لمن يخالفهم ، فيتهمون العلماء الراسخين فيما يتهمونهم فيه من أنواع المداهنة وترك الحق . . . إلى آخره ، مما هم بعيدون عنه تمام البعد ، أو أنهم يتهمون العقلاء والكبار بأنهم لا يتحمسون للمسائل ، وأنهم كبار تقدمت بهم السن ، وأن الدور للشباب فهم أهل الحماس والنظر ، أو يتهم أهل الاختصاصات المتشابهة بعضهم البعض كما يحصل بين بعض الأطباء النفسيين ، وبعض الذين يرقون ، فيتهمون بعضهم ، لا هذا يقر لذاك ، ولا ذاك يقر لهذا ونحو ذلك .

كذلك ما يكون من التنازع في المسائل المالية وعدم الرجوع لأهل الاختصاص ، فتجد أنه لا تسلم تلك المدارس الاقتصادية والنظريات الجديدة من النقد ؛ لأجل أنهم يقولون : إن هذه المدارس والنظريات مخالفة للشرع بالجملة دون النظر فيها ، أو أنه يتجه إلى إبطال ما عند الآخرين من الصواب والنظر .

اهتمام الكتاب والسنة بالوسطية

إذا تبين هذا الوصف الإجمالي لأهمية الموضوع ودوافعه وأسبابه ووسيلة الثبات عليه ، وأسباب الانحراف عنه ونحو ذلك ، فإننا نجد أن الشريعة الإسلامية متمثلة في كتاب الله – جل وعلا – وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي القواعد الشرعية ومقاصدها اهتمت بهذا الموضوع اهتمامًا كبيرًا ، ويظهر هذا في عدد من آي القرآن ، ومن ذلك قوله جل وعلا : ﴿ وَكَذلِكَ جَعَلْنَـاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ . [ البقرة : 143] . وفي الآية وقفة عند قوله تعالى : ﴿ وَكَذلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ ﴾ . حيث جعل الله – جل وعلا – هذه الأمة مختصة بالوسطية لكي تكون شاهدة على الناس الذين انحرفوا عن هذا الوسط بأن سلكوا الغلو كما كان من حال النصارى الذين غلوا في حق بشر من عباد الله تعالى فألهوا عيسى – عليه السلام – ورفعوه فوق منزلته ، وإنما هو عبد الله ورسوله ، وكما كان من اليهود أيضا من الغلو في تأليهِ العُزَير ، وكما كان من جفائهم في حق الأنبياء حيث قتلوهم ونحو ذلك ، وأشباه هذا كثير .

ثم قال الله – جل وعلا – بعدها في بيان القدوة التي يُرجع إليها في هذا الأمر ﴿ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ يعني على هذه الأمة التي خالفت غيرها من الأمم ، فهي مطالبة بأن تقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن تهتم بسنته ؛ لأنها هي الميزان .

ومن علامات اهتمام القرآن بالوسطية قوله جل وعلا : ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا ﴾ . [ الإسراء : 29] . وهذا ظاهر في النفقة في أن الإنسان في عطائه لا يكون مُقْتِرًا ، ولا يكون مُسْرِفًا .

ويوضح هذا المعنى السابق من عدم الإسراف والتقتير قوله تعالى : ﴿ وَٱلَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا [ الفرقان : 67] .

والأحاديث في هذا الباب أيضًا كثيرة جِدًّا ، نأخذ منها على سبيل المثال قول النبي صلى الله عليه وسلم : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ » ( [1] ) .

وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام : « إن هذا الدين متين فأوغلوا( [2] )فيه برفق » .( [3] )

 وقوله عليه الصلاة والسلام : « إن الدين يُسْر ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه » .( [4] )أي أن هذا الدين فيه من السماحة واليسر بحيث إنه من أراد التشدد فيه فإن هذا الدين يحاجه بالرجوع إلى المنهج المعتدل في ذلك .

وأيضًا قوله عليه الصلاة والسلام : « وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا » .( [5] ) ومعنى هذا كما فسره شراح الحديث بقولهم : أي الزموا التوسط في العبادة ، أو المعنى : الزموا القصد في العمل وهو استقامة الطريق والأمر الذي لا غلو فيه ولا تقصير ، فحينها تبلغوا المنزل الذي هو مقصدكم .

كذلك ما جاء في حديث جابر رضي الله عنه – وقد حسنه جماعة من أهل العلم – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إنَّ هذا الدِّين مَتِين فأوغِلْ فيه برفق ، ولا تُبْغض إلى نفسِك عبادةَ اللَّهِ ، فإن المنُبْتَّ لا أَرْضًا قَطَع ، ولا ظَهْرًا أبقى » .( [6] )

وكذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والبخاري في صحيحه معلقًا( [7] ) وكذلك رواه في كتابه ” الأدب المفرد ” موصولاً ، عن ابن عباس أنه قال : قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – أَىُّ الأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قال : « الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ » .( [8] )

كذلك من الأدلة التي تدل على اعتبار الشرع لهذا المنهج المعتدل في جميع الأحوال ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ .( [9] )

وقال أيضًا عليه الصلاة والسلام : « هَلَك المتنطِّعون( [10] ) » . قالها ثلاثًا( [11] ) ، والمتنطعون : هم المبالغون في الأمور .

 ولما أرسل – عليه الصلاة والسلام – مُعاذًا وأبا موسى الأشعريَّ إلى اليمن بالدعوة إلى الله – جل وعلا – وبيان الدين لأهل اليمن قال لهما : « يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا » .( [12] ) في منهج نبوي متكامل ؛ لأن التيسير على الناس مقصد من مقاصد الشريعة .

والخلفاء الراشدون أَصَّلوا هذا المنهج للناس واعتبروه اعتبارًا بالغًا ، ومن أبلغ ما جاء في هذا الصدد قول الخليفة الراشد ورابع المبشرين بالجنة عَلِيِّ بن أبي طالب – رضي الله عنه وأرضاه – في كلمة جميلة ، قال : ” خير الناس هذا النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي( [13] )

وهذا الأثر ذكره يزيد بن هارون – رحمه الله تعالى – عن محمد بن طلحة عن زبيد عن علي رضي الله عنه .

فهل خير الناس المتشدد؟ وهل خير الناس المتساهل؟ الجواب لا ؛ لأن خير الناس هم النمط الأوسط الذين يَقْدِرُ المُتَأَخِّر على اللَّحَاقِ بهم ، ويكف المغالي عن مغالاته بالعودة إلى سبيلهم .

قال الحسن البصري : ” سُنَّتُكُمْ وَالَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الْغَالِى وَالْجَافِى ، فَاصْبِرُوا عَلَيْهَا رَحِمَكُمُ اللَّهُ ، فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ كَانُوا أَقَلَّ النَّاسِ فِيمَا مَضَى ، وَهُمْ أَقَلُّ النَّاسِ فِيمَا بَقِيَ ، الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا مَعَ أَهْلِ الإِتْرَافِ فِي إِتْرَافِهِمْ ، وَلاَ مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي بِدَعِهِمْ ، وَصَبَرُوا عَلَى سُنَّتِهِمْ حَتَّى لَقُوا رَبَّهُمْ ، فَكَذَلِكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَكُونُوا ” .( [14] )

 فقوله : بين الغالي والجافي . أي أن دين الله بين المتساهلين الذين لا يهمهم شيء سواء كان حلالاً أم حرامًا ، وبين المغالين فيه ، الذين يتشددون .

هذه بعض النصوص التي تدلك على شدة اعتبار الشرع المطهر ، واعتبار الصحابة والسلف إلى تأصيل معنى الوسطية ، والاهتمام بهذا المنهج .

 إن النبي – صلى الله عليه وسلم – حذر من الغلو ، وحذر من التنطع ، وبَيَّنَ – عليه الصلاة والسلام – أن أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة ، فإذا أردنا أن نختار فلنختر السمح ما دام أنه في إطار الشريعة المطهرة ؛ لأن الناس يحتاجون إلى ذلك في منهجهم وفي حياتهم ، وقول علي t : ” خير الناس هذا النمط الوسط( [15] ) ظاهر في حاجة الناس إلى ذلك ؛ لأنه ظهر في زمنه الغلو ، وبدأ الانحراف في العقيدة ، أو بدأ الانفتاح على أمور الدنيا ، فبَيَّنَ مَن هم الذين يَرْجِع إليهم الناس ، فقال : ” خير الناس هذا النمط الأوسط ” . والأحق بهذا الوصف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخاصة الخلفاء الراشدين ، رضي الله عنهم وأرضاهم .

مجالات الوسطية

إن مجالات الوسطية متنوعة ، سواءٌ كانت في أصل التشريع أو فيما نجتهد فيه من المسائل ، أو في منهج النظر إلى الأمور ، فنذكر عَدَدًا من مناحي الوسطية ومجالات اعتبار الاعتدال والوسطية .

أولاً وسطية الإسلام : الإسلام دين وسط بين الديانات جميعًا ؛ لأن الديانات المختلفة إما أن تغلو في البشر فتُؤلِّههم ، وإما أن تُلْغِي جانب النبوات وتعطي لنفسها الحق في خط منهج لها ، فأمر الله – جل وعلا – باتباع الأنبياء ؛ لأنهم يرسمون الطريق ، قال تعالى : ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21] . وعلى الرغم من الأمر باتباع الأنبياء لكنه –سبحانه – لم يجعل لهم قَدْرًا يصلون به إلى صفات الإله ، بل جعلهم مُبَلِّغين إلى دين الله – جل وعلا – فحسب ، وأوجب لهم الطاعة وأن يُعَزَّروا – يعني يُنْصَرُوا – ويُتَّبَعوا ويُقْتَدى بهم ، قال تعالى : ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا[ الفتح : 8 – 9] .

إذن شريعة الإسلام وسط سواء في أحكامها أو في عقيدتها أو في معاملاتها أو عباداتها . . . إلى آخر تلك الأمور ، فهي وسط بين الشرائع المتشددة وبين الشرائع المتساهلة ، وبين الشرائع الناقصة التي تُغَطِّي جَانِبًا وتترك آخر ، فهي تهتم بالنظم والتشريعات في إطار متكامل يشمل هذا وذاك .

كذلك نجد أن الشريعة الإسلامية وسط في جانب الأخلاق ، فلا هي ألغت حق النفس فيما يريده الإنسان لنفسه من الكرامة والعزة ، ولا هي أيضًا أذنت بالاعتداء على الناس والتعالي عليهم ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ » .( [16] )

فانظر إلى تلك الوسطية ، وهذا على عكس ما في الشرائع الأخرى ففي بعض الشرائع ما نصه : إذا ضربك أحد على خَدِّكَ الأيمنِ فأَدِرْ له خَدَّكَ الأَيْسرَ . وهذا غير مطلوب مُراعاةً لحق النفس ، ومراعاة لما يطلبه الإنسان لنفسه ، وكذلك ما يوجد في الشرائع الأخرى من الاعتداء واستحلال ما عند الآخرين ، كفعل اليهود ، حيث يستحلون قتل الآخرين إذا اختلفوا معهم ويستحلون أموالهم ، ويستحلون أعراضهم ، فجاءت الشريعة بحفظ جوانب الأخلاق جميعًا في تعامل الإنسان مع من حوله ، وكذلك في أخذ الحق من المعتدين الغاشمين ، قال تعالى : ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لّلصَّـابِرينَ ﴾ [ النحل : 126] .

ومن منهج الوسطية ما نصت عليه الشريعة في التعامل مع الذين نبغضهم من أعداء الدعوة ، قال الله جل وعلا : ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ﴾ . [ المائدة : 8] . فإذا كان المشرك الكافر غير المسلم يعادي المسلم ، فإن المسلم مأمور بأن يعامله بالعدل ، حتى لو ظلمه هذا المشرك الكافر ، فإنه لا يجوز له أن يزيد في ذلك ، بل إنه يسير معه بالعدل ، فالعدل مطلوب في كل الأنحاء ، فمن سمات الشريعة المحافظة على العدل في تعاملاتها .

كذلك من منهج الوسطية ما حضت عليه الشريعة من العلاقة بغير المسلمين قال الله جل وعلا : ﴿ لاَّ يَنْهَـاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـاتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ [ الممتحنة : 8] . ليس معنى أن يكون مَن يخالفنا في ديننا أننا نستبيح نفسه ، ونستبيح ماله ، ونستبيح عرضه ، كلا فالله – جل وعلا – أمرنا أن نكون مقسطين مع الذين على غير ملتنا ، فما داوموا لم يقاتلونا ولَم يكونوا محاربين لنا بل كانوا مجرد مخالفين لنا في الدين ، فلا مانع من أن نبرهم ونعدل لهم كما قال تعالى : ﴿ لاَّ يَنْهَـاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَـاتِلُوكُمْ فِى ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ .

 ثم بَيَّن سبحانه أنه يحب أهل العدل حتى في التعامل مع المخالف ، فكيف في التعامل مع الموافق فقال : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ .

إن الشريعة الإسلامية ألزمت الإنسان أن يطلب الحق الذي له ولا يعتدي على مال غيره أو عرضه أو دمه ، سواءٌ كان مسلمًا أو غير مسلم ، ومن ذلك قوله : « إنَّ دِماءَكم وأَمْوالَكُم وأَعْراضَكُم بينَكم حَرَامٌ ، كحُرْمةِ يَوْمِكم هذا ، في شَهْرِكم هذا ، في بَلَدِكم هذا » . ( [17] )

هذه هي وسطية الإسلام ، والإسلام لا يبيح أن يتساهل المرء في ماله أو في نفسه أو في عرضه ، ولا أن يغلو في ذلك فيَتَعَدَّى على الناس في أنفسهم ، وفي أموالهم ، وفي أعراضهم ، ولا يجوز لنا أن نعامل الناس بمثل ما عاملونا من الباطل ، ولقد جاء في السنن أنه – عليه الصلاة والسلام – قال : « أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ » .( [18] )

فمن وسطية الشريعة الإسلامية عدم المعاملة بالمثل في الأمور المخالفة كالخيانة وغيرها ، وكذلك حرصها على تأدية الأمانة حتى ولو كان من ائتمنك لم يلزمك بتحمل تلك الأمانة بل صدر منه ما يشير إلى ذلك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِىَ أَمَانَةٌ » .( [19] )

 يعني إذا كان الرجل يحدث أحدا وأخذ يلتفت في حديثه فهذا الحديث يعد أمانة ؛ لأن التفاته إعلامٌ لِمَن يحدثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحدٌ ، وأنه قد خَصَّه بسره ، فكان الالتفات قائمًا مقام : اكتم هذا عني . أي : خذه عني واكتمه ، وهو عندك أمانة ، فلا يجوز إضاعتها بإشاعتها ، وفي هذا رعاية لجانب التعاملات .

وكذلك نلحظ وسطية الشريعة في باب الاعتقاد ، إن أعظم ما وقع فيه الخلاف بين الأمة ما كان في باب الاعتقاد والتوحيد بأنواعه ، فجاءت الشريعة بأن يكون المنهج الوسط هو الحَكَم ، فليس هناك غلو ، وليس هناك جفاء ، ومن أمثلة ذلك ، مسائل التكفير والنظر إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والنظر إلى مسائل الإمامة والولاية وولاة الأمر ، ففي هذه المسائل تجد أن الناس من زمان الإمام علي – رضي الله عنه – إلى زماننا الحاضر منهم من غلا في باب التكفير ، فكَفَّر مَن لا يستحق التكفير ، أو كَفَّر المسلمين بالأوصاف أو بالجملة ، ومنهم من ألغى باب حكم المرتد في كتب الفقه في جميع المذاهب ، فلا يمكن أن يكون أحد مرتدًّا ، والمنهج الوسط هو أن الله – جل وعلا – بَيَّن أن المسلم قد يكفر بعد إسلامه ، كما قال الله جل وعلا : ﴿ وكَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـانِهِمْ ﴾ . [ آل عمران : 86] . وقال أيضا : ﴿ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ﴾ . [ التوبة : 74] . ولكن من الذي يحكم بذلك؟ يحكم بذلك أهل العلم الراسخون ؛ لأن هذا يحتاج إلى بينات وإثباتات ، فليست الشريعة مع الذين أطلقوا الباب وحكموا بكفر هذا وتفسيق ذاك ، أو الذين يلغون الباب نهائيًّا ولا يطبقون حكم الله – جل وعلا – الذي قال فيه جل وعلا : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـانِهِمْ ثُمَّ ٱزْدَادُواْ كُفْرًا ﴾ . [ آل عمران : 90] . وأشباه ذلك من الآيات ، وتحقيق ذلك في كتب الفقه ، فباب حكم المرتد في جميع المذاهب .

 فينبغي أن يضبط ذلك ، فليس كل مَن وَجَد من نفسه عِلْمًا وقراءة تَعَاطَى هذا الباب ، فربما يكون بعض من يقرأ أو يطلع أو يدرس العلم الشرعي إذا سُئل عن مسائل تتعلق بالزكاة أو بالبيوع أو بالشركات أو بالأوقاف أو بالطهارة ونحو ذلك من أمور الفقه لم يعرفها واحتاج إلى النظر فيها ومراجعتها ، فكيف يتجرأ على شيء هو من أعظم أبوب الفقه وهو ” باب حكم المرتد ” وهو من سُلِب منه الإسلام والإيمان بعد دخوله في الإسلام بكلمة التوحيد أو كان مولودًا على الإسلام .

 قال العلماء : من دخل في الإسلام بكلمة التوحيد ” لا إله إلا الله محمد رسول الله ” لا يحل أن يخرج من إسلامه إلا بشيء ظاهر وبَيِّن مثل ظهور وبيان كلمة التوحيد ؛ لأنه دخل في الإسلام بهذه الكلمة العظيمة ، فكيف يُسلب منه بشبهات أو آراء أو احتمالات ، والأصل الشرعي أن تُدْرَأ الحدود بالشبهات ، وأن يُحكم على الأمور بالمتيقن منها .

إذن منهج الوسط في ذلك يتضح من خلال أمرين : الأمر الأول : ألا يُلغى هذا الباب وألا يُتساهل فيه . والأمر الثاني : ألا يترك لكل أحد ، بل يكون على حسب ما أصَّله الفقهاء في كتبهم ، وبحسب حكم الحاكم الشرعي الذي تحال إليه مثل هذه القضايا . وإذا نظرت في تاريخ الإسلام من أوله إلى آخره وكم الذين حُكِم عليهم بالردة أو حكم عليهم بالكفر لأعيانهم؟ هم قليلون في تاريخ الإسلام ، لشدة هذا الأمر في تطبيق هذا الباب .

كذلك في مسائل الصحابة – رضوان عليهم – من جهة مباحث الاعتقاد ، فمن الناس من غلا فيهم فجعل لبعضهم نصيبًا من التأليه ، ومنهم مَن تَبَرَّأ منهم إلا نفرا قليلا منهم ، والمذهب الوسط هو ما شهد الله – جل وعلا – به لهم رضوان الله عليهم ، حيث قال جل من قائل : ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ ٱلشَّجَرَةِ[ الفتح : 18] . وقال أيضًا سبحانه وتعالى : ﴿ وَٱلسَّابِقُونَ ٱلاْوَّلُونَ مِنَ ٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلانْصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ[ التوبة : 100] . وهذا هو مذهب الوسط .

كذلك في مسائل الإمامة والولاية والتي يسميها أهل العصر مسائل الدول والحُكَّام ونحو ذلك ، المنهج الوسط والمعتدل فيها أنه لا يُشْترط في صحة الإمامة ، أو الولاية ، أو لا يشترط في صحة ولاية الحاكم ولزوم السمع والطاعة له أن يكون كاملاً أو أنه لا يخطئ أو أنه لا يقع في اجتهادات غير صحيحة ، فالنظرة الوسط في الحاكم تكون على حسب معتقد أهل السنة والجماعة من أنه بَشَر يُصِيب ويخطئ ، والصحابة – رضوان الله عليهم – بشر أصابوا وأخطئوا فيما اجتهدوا فيه ، والولاة في كل زمان وفي كل مكان بَشَرٌ ، يصيبون ويُخْطئون ، فإذا اجتهدوا فيما جُعل لهم من مسائل السياسة الشرعية ومسائل الدول ونحو ذلك ، فإنهم قد يصيبون وقد يخطئون ، فيعاملون في ذلك بهذا الأمر ، فلا يبالغ في أمرهم ، بأن يُجعل من شرط صحة ولايتهم أو من شرط صحة إمامتهم ألا يخطئوا أو ألا يخالفوا الشرع .

إن معاوية – رضي الله عنه – بلغه عن أحد من الصحابة أنه يتكلم فيه ، وأنه يقدح في بعض المسائل التي اجتهد فيها ، فطلبه ولَمَّا أتاه قال له : يا أخي ، أليس لك ذنوب؟ قال : بلى . قال : فما ترجو لذنوبك؟ قال : أرجو عفو الله وغفرانه . قال : أفلا رجوت لي ما رجوت لنفسك؟

 إن الخوض في ميدان الأمة لا بد فيه من اجتهادات ، والإمام وولي الأمر إذا اجتهد فإنه يحاول قدر استطاعته أن يخلص النصح لأمته في اجتهاده ، وقد يوفق وقد يخطئ ، وهو قد يكون في ذلك له ما ليس لغيره ، لكنَّ بَعْضَ الناس غلا في هذا الجانب ، فجعلوا كل تصرف للوالي أو للإمام أو للحاكم مَنُوطًا بالشك ، وأن الوُلاةَ لا يهمهم أمر الإسلام ، وإنما يُشك في كل تصرفاتهم وأقوالهم ، ومنهم مَن جافى في هذا الجانب ، وبَرَّر كل فعل فعله الحاكم أو الوالي ، سواءٌ كان صَوابًا أو كان خطأً ، فالأصل عندهم التبرير ، والوسط عندنا هو المطلوب من أن الحاكم له من الآراء أو الأقوال ما يكون مُصِيبًا فيها ، وله من الآراء أو الأقوال ما يكون مخطئًا فيها ، فالحاكم يَجْتَهِد ويحاول أن يرعى المصلحة ، وقد يكون اجتهاده موافقًا للهدف ، وقد يكون اجتهاده غير صحيح ، لكن هو مأجور على اجتهاده ، إذا صح منه القصد والنية .

كذلك من الأمور التي تتضح فيها وسطية الشريعة الإسلامية ما يكون في المسائل الفقهية والأحكام الشرعية ، ذلك أن مسائل الفقه والنظر فيها قد يُبالغ فيها الإنسان ويميل فيها إلى التشدد طَلَبًا لبراءة الذمة ، فإذا كان بين أمرين أخذ بالأشد من الأقوال حتى تَبْرَأ ذمته . فيفتي بالأشد من الأقوال ، وهو في نفسه يشك أن يكون هذا القول هو الأصح ، ومنهم مَن يرى أن التسهيل مطلوب في كل شيء لأجل مجاراة متطلبات العصر ، وهذا ليس بصحيح ، فلا التشديد مطلوب ولا التساهل مطلوب ، والصحيح في هذا المنهج هو أن نأخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم أو بفعله وهو أنه – صلى الله عليه وسلم – مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا ، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ .( [20] )

 فإذا كانت المسألة منصوصًا عليها ، فهذا ظاهر ، وإذا كانت اجتهادية وليس فيها إثم ، فالأصل التسهيل على الناس والتيسير ، سواءٌ كان ذلك في أمور عباداتهم أو في أمور معاملاتهم ، أو في أمور الأقضية والأحكام أو غير ذلك من أمور الشريعة .

إن مِن الناس مَن بالَغَ في مسألة التمسك بالمذاهب بحيث يظن أن التشدد فيها والتمسك بها هو النجاة والمَخْرَج للأمة ، ومنهم من بالغ فألغى اعتبار المذاهب كُلِّيَّةً ، وقال : لا بد أن نأخذ من الكتاب والسنة دون النظر إلى المذاهب . لكن نقول : إن الوسط والاعتدال هو المطلوب ، فالمذاهب مدرسة علمية كبيرة مكثت قُرونًا من الزمان أصَّل فيها العلماء من كل قرن أقوالاً وتعريفات وتفريعات ، فيؤخذ بأفهامهم في ذلك ، لكن لا بد من العلم أن الفقهاء والعلماء في كل مذهب تنوعت اجتهاداتهم مع تقدم الزمان ، فتجد مثلاً في المذهب الحنفي اجتهادات مختلفة ، وكذلك في المذهب الشافعي توجد فيه اجتهادات للشافعي مختلفة ما بين الفترة المكية والمدنية والعراقية والمصرية ، وكذلك اختلافات بين الفقهاء الشافعية ما بين المصريين والبغداديين والخراسانيين ونحو ذلك ، وكذلك فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى ، فعندهم مذهب المتقدمين ، ومذهب المتوسطين ، ومذهب المتأخرين ، وكذلك فقهاء المالكية رحمهم الله تعالى ، عندهم نحو هذا من التنوع في الاجتهادات .

فإذن تنوعت في المدرسة الواحدة الاجتهادات واختلفت سواءٌ في أصول النظر إلى المذهب أو في التطبيقات والتفريعات ، فإذا استجد بنا الزمان وتغيرت الأحوال ، وظهر من الأمور ما هو بحاجة إلى اجتهاد متنوع صحيح فإننا بحاجة إلى عدم المبالغة بالتمسك بتلك المذاهب بل علينا الاجتهاد والنظر في مقاصد الشريعة والقواعد الشرعية لكن شريطة ألا يكون ذلك بعيدًا عن التفقه بالمذاهب والأخذ بكتب الأحاديث وكتب أحكام القرآن ، فالوسط أن تؤخذ بهذه المدارس دون المبالغة في التمسك بها ، وكما قال الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى : إذا صح الحديث فهو مذهبي . فإذا كانت القواعد الشرعية قد اختلفت وتجدد الزمان ، فإننا مطالبون براعية المصلحة ، فالشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح الناس ، وهذه قاعدة شرعية عظيمة ، وتتضح هذه القاعدة من خلال قوله تعالى : ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ [ البقرة : 185] .

 قاعدة الشريعة هي : تحقيق المصالح ودَرْءُ المفاسد ، فكلما كان الاجتهاد فيه تحقيق للمصلحة ودرء للمفسدة فهو معتبر .

 إن الاعتدال في النظر إلى مسائل الفقه والأحكام يتطلب النظر الجاد في الأدلة ، ويتطلب النظر الجاد في مقاصد الشريعة وهذا أمر مهم ، وهو أن نعرف مقصد الشريعة حتى نفهم النص ، ففهم الدليل يكون بناءً على فهم المقصد ، فإذا نظرت إلى الدليل أو إلى كلام الفقهاء نظرًا مُجرَّدًا عن مقاصد الشرع في المسائل فإنك تلغي الوصول إلى الهدف الذي أرادته الشريعة ، وأصبحت تتعامل مع الأحكام دون النظر إلى الغايات والأهداف ، فمقاصد الشريعة معتبرة في العبادات ، ومقاصد الشريعة معتبرة في المعاملات ، ومعتبرة في الجنايات ، ومقاصد الشريعة معتبرة في أنحاء كثيرة ، واعتبار هذه المقاصد يحصل به الاعتدال .

من مجالات الوسطية أن يكون المرء معتدلاً في الحكم على الأشياء ، وقد جاءنا الشرع بمنهج عظيم وهو كيفية التعامل مع الأمور من خلال تصورها وذلك حتى نفهمها ونحكم عليها ، فهناك قاعدة شرعية معروفة تدل على ذلك وهي : الحكم على الشيء فرع عن تصوره . فالاعتدال في أول درجاته يجعلك لا تحكم على شيء بدون أن تتصوره ، فربما يأتي إنسان فيحكم لأول وهلة على شيء وهو لم يتصوره ، سواءٌ كان هذا التصور لوضع سياسي أو كان لمسألة علمية أو كان لوضع اجتماعي . . . إلى آخر تلك الأمور ، وهذا مما لا شك فيه يعد انحرافًا عن منهج الوسط .

 وقد يكون الحكم على الأوضاع وعلى الأشياء بالقواعد المقررة السالفة ، بمعنى أنه أسس بذهنه أمورًا يَحْكم بها على الأشخاص ، وهو ربما لم يقابلهم ، ولا حدثه عنهم وعن حالهم جَمْعٌ من الثقات ، ولكنه يعتمد في حكمه عليهم على خَبَرٍ ما ، فتجد أنه يذمهم بمجملهم أو يمدحهم بمجملهم ، وكذلك من جهة الأوضاع السياسة ، فتجد أن الناس الآن أصبحوا على قدر من الدراية بأمور السياسة ؛ لأنهم يقرءون الصحف وما فيها من مقالات وتقارير عن الأوضاع السياسية ، ويشاهدون تلك القنوات الفضائية وما فيها من تحليلات سياسية ، وكل هذا يُخرج الناس عن الاعتدال ؛ لأنه لا بد لنا أن نعرف أن فهم مثل هذه الأمور ليس سهلاً ، ففهم الأوضاع والأشخاص والمجتمعات ينبني على مقدمات كثيرة ، وعلى تحليلات متنوعة ، فالمنهج العلمي يقتضي ألا يستعجل المرء في فكره بالحكم على الأشياء ، وعلى إصدار الأحكام ، وعلى إصدار القرارات دون أن يستوعب مفردات الموضوع التي ينبني عليها تصور الشيء حتى يحكم عليه ؛ لأن قاعدة الشريعة : الحكم على الشيء فرع عن تصوره . والله – جل وعلا – بَيَّن لنا هذا المنهج المعتدل في قوله : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ . [ الإسراء : 36 ] .

إذا أردنا أن ندرس قضية من القضايا نَحْتاج أحيانًا إلى العلم الشرعي ، وإلى العلم الاجتماعي ، وإلى العلم السياسي ، وإلى العلم الاقتصادي ، فإذا جاء امرؤ وتجاسر وحكم على الشيء دون الاعتماد إلى تلك العلوم فبهذا يكون قد خرج عن الاعتدال ، وجعل لنفسه ما لم يجعله العقلاء له .

 ومن المسائل التي يخرج بها الإنسان عن حد الاعتدال في الحكم على الأشياء التعميم ، وعليك أن تعلم أن التعميم ليس من الشرع ، وغير مقبول لدى العقلاء ، ولا وجه له في منهج النظر ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – إذا بلغه شيء عن بعض الناس لم يكن يقول : حصل في المجتمع كذا وكذا ، بل كان يقول : ما بال أقوام يقولون كذا وكذا ، ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله . لم يجعل هذا الأمر ظاهرةً ، وإذا جعلنا نحن بعض الأمور على أنها ظاهرة عامَّة عمت في الناس وانتشرت وضعف الناس عن مواجهتها ، ولكن إذا جعلناها محدودة مقتصرة على من صدرت منهم استطعنا علاجها والسيطرة عليها وكان هذا هو النظر المعتدل .

 كذلك التعميم في الأمور العقلية ، كأن يأتي شخص لا يحترم عقول الآخرين فيقول : أغلب العلماء اليوم يخالفون في كذا ، أو أغلب الناس لا يفقهون كذا ولا يعلمون كذا . . . إلخ . إن الحكم على الشيء بالأغلب يحتاج إلى دراسة ، وإلا فكيف حكمت بالأغلب في أمر ما ، هل درست ، هل قمت بعمل استقراء للمنهج العلمي ، ولذلك هو يغالط نفسه ليقنعها بأن النتيجة التي توصل إليها صحيحة ، فيقول : أغلب . حتى يكون حكمه صحيحًا ، ولكن إذا نظرت إلى أدلته التي بنى عليها وأصدر من خلالها تلك الأحكام وجدتها مجرد ظنون وتصورات لا تستند إلى واقع ملموس .

إذن من مناهج الاعتدال أن تَجتنب التعميم في الحكم على الأوضاع أو الحكم على الأشخاص أو الحكم على الأفكار أو الحكم على النوايا ، كأن تقول : هذا أحسن من هذا . أو تقول : هذا أفضل من هذا ، أو هذا أعلم من هذا ، أو هذا أتقى من هذا ، أو هذا صالح وذاك فاسد . . . إلى غير ذلك من الأمثلة دون تَرَوٍّ وتَمَهُّلٍ ، كيف توصلت إلى معرفة أن هذا أصلح وهذا أفضل ، هذه أمور تنبني على أشياء متعددة لا يُتوصل إليها إلا باجتماعها .

 قد اختلف أهل السنة – رحمهم الله تعالى – في التفضيل بين عائشة وخديجة رضي الله عنهما ، وأيتهما أفضل عائشة رضي الله عنها أم خديجة؟ فجاء ناس ففضلوا عائشة وجاء آخرون وفضلوا خديجة ، لكن القول المُحَقَّق الذي ينبني على الاعتدال هو أن جهات التفضيل مختلفة ، وخديجة – رضي الله عنها وأعلى مقامها في الجنة – لها من الصفات ما لم تشركها فيه عائشة ، وعائشة لها مميزات من نشر العلم ، وحفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم والأحاديث التي روتها ما لم تشاركها فيها خديجة ، فهذه لها صفات ، وهذه لها صفات ، وهما زوجتان من أمهات المؤمنين ، رضي الله عنهما وأرضاهما .

 فمسألة التعميم واستخدام لفظ هذا أفضل ، وهذا أحسن وهذا أسوأ يحتاج إلى برهان ، وإلى دليل وإلى تفكير سليم ، فدخول العقلاء فيه غير جيد إلا ببرهان ، ولذلك يبتعد المعتدل قدر الإمكان عن مثل هذه الألفاظ التي تحتاج إلى أدلة ، وعليه أن يختار الألفاظ الأكثر اعتدالاً وبرهانية .

إن الاعتدال في الحكم على الأشخاص يجب أن يراعى فيه ما يتميزون به في شخصياتهم وعلمهم ، وما يؤدونه من دور ، وما يؤدونه من واجب ، فهذا من سمات المسلم المعتدل ، فالحكم على الأشخاص ينبغي أن يكون بالنظر إلى تلك الأمور مجتمعة ، فننظر إلى مجمل ما عندهم حتى يكون الحكم عليهم فيه إنصاف لهم .

 ومما يؤثر على الاعتدال والوسطية في هذا الجانب أشياء ، نذكر منها على سبيل المثال أمرين :

الأمر الأول : الحكم على النوايا والمقاصد ، ومن المنهج الذي جاء في السنة ، وقرره عدد من السلف أنه لا يجوز الحكم على النوايا والمقاصد إلا بدليل قاطع ، ويدل على ذلك ما جاء في السنة عن أسامة بن زيد أنه قال : بَعَثنا رسولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – فى سَرِيَّة ، فصَبَّحْنا الحرقات من جُهَينة ، فأدركت رَجُلاً ، فقال : لا إله إلا الله . فطَعَنْتُه ، فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي – صلى الله عليه وسلم – فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أَقَالَ لا إِلَهَ إلاَّ اللَّهُ ، وَقَتَلْتَهُ ؟ » . قُلْتُ : يا رسول الله ، إنما قالها خَوْفًا من السلاح . قال : « أفلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ » .

إذن مما يعكر على الاعتدال الحكم على النوايا والمقاصد ، كأن يقول : هو قصده كذا ، أو ينوي كذا أو لا ينوي كذا ، دون برهان أو دليل .

الأمر الثاني : الاعتماد على معلومات سابقة ، وهذه المعلومات قد لا تكون صحيحة ، ولكن هو جعلها كالمُسَلَّم بها لأجل أنها وصلت إليه ، وكما ترون اليوم أن المعلومات أصبحت أكثر من أن تحصى ، فهناك معلومات متنوعة وتقارير خاصة في الإنترنت ، أو ما يُنشر في المجلات أو ما يُبث في القنوات الفضائية أو ما يتناقله الناس ، فكل شيء أصبح يُنقل دون تمحيص مع أن الهدي النبوي يقول : « مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَذَّابِينَ » .( [21] ) وفي لفظ آخر : « مَنْ حَدَّثَ عَنِّى بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ » .( [22] )

فإذا حدثت غيرك بحديث أنت شاك فيه فأنت داخل في الكذب ؛ لأن بهذا ينتشر الكذب وتنتشر الشائعات في المجتمع ومن ثَمَّ تتكون آراء أو مواقف أو اتجاهات غير صحيحة لأنها اعتمدت على أخبار غير صحيحة .

 إذن لا بد أن تميز ما يصل إليك هل هو صحيح أو غير صحيح ، ولا بد لك من التثبت ، حتى تهيئ لنفسك مَوْقِفًا أو حُكْمًا أو قولاً صحيحا ، وكثير مما يُذاع اليوم لا يمكن التثبت منه ، بل هي أقوال ينقلها الناس دون بصيرة ولا نظر .

إن من أعظم ما تخطه لنفسك في مثل هذا الزمان أن تُؤَصِّل لنفسك منهجًا للتفكير في الأمور والقضايا ، وأن تتعلم كيف تفكر حتى تقي نفسك من الزلل ، ولكي يستفيد منك الناس خاصة أهل القدوة والرأي ، فكثيرٌ من الناس – وليس الأكثر – لا يضعون لأنفسهم منهجًا للتفكير .

سمات منهج التفكير :

من سمات منهج التفكير أن يكون بعيدًا عن طرفي النقيض ، وهما المبالغة ، والتفريط ، فالناس إما إلى الغلو وإما إلى التفريط ، والاعتدال في ذلك أن تكون مَلْتزِمًا بصدق الكلمة التي تخرج منك ، وتعود نفسك على ذلك ، وألا تقول كلمة إلا ولك قناعة فيها من جهة الحجة .

ومن سمات هذا المنهج المعتدل في التفكير أن تكون بين العقل الجامح ، وبين العاطفة الثائرة ، فأحيانا يَغْلِبُ جانبُ العقلِ على العاطفة ، وأحيانا يغلب جانب العاطفة ويُلغي العقل .

يقول علماء النفس وجمع من الفلاسفة : إن الإنسان له عقلان : عقل جماعي ، وعقل انفرادي ، العقل الجماعي : هو الذي يُفكر به في محضر غيره . كأن تجد مجموعة من الناس يفكرون مع بعضهم ، لكنهم يتجهون إلى عقل واحد ؛ لأنهم اتجهوا إلى تفكير معين فصار عقلاً جماعيًّا ، وقد لا يكون هذا هو العقل الصحيح .

 إن كثيرًا من تغيرات المجتمعات وخاصة في البلاد التي قامت بها ثورات وأُغري الناس فيها بألفاظ براقة كالشيوعية مثلا ، صار العقل فيها عقلاً جماعيًّا ؛ لأن الناس لم يفكروا في تفاصيل هذه المباديء مما أدى إلى فشلها وانتهائها ؛ وذلك لأنهم فَكَّروا جَمَاعِيًّا وانتصر العقل الخطابي على العقل الإدراكي ، لذلك قال بعض الفلاسفة : أكثر الناس عاطفيون ، وقليل منهم الذي يفكر بأدلة وبراهين ومقدمات ونتائج . فضع لنفسك منهجا للتفكير وعليك أن تضبط العقل بالعاطفة ، والعاطفة بالعقل ، وألا يطغى هذا على ذاك .

 



( [1] ) أخرجه أحمد ( 1 / 347 ، رقم 3248 ) ، والنسائي ( 5 / 268 ، رقم 3057 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1008 ، رقم 3029 ) .

( [2] ) الإيغال : السَّيْر الشَّديِد . يُريدُ سِرْ فِيهِ بِرفْقٍ ، وابْلُغ الغَايَةَ القُصْوَى منه بالرِّفْق ، لا عَلى سَبيل التَّهافت والخُرق ، ولا تَحْمِل عَلَى نفسك وتُكَلِّفْها مَا لا تُطِيق فَتَعْجِزَ وَتَتْرُكَ الدِّينَ والعَمَل . انظر النهاية : وغل .

( [3] ) أخرجه أحمد ( 3 / 198 ، رقم 13074 ) ، والضياء ( 6 / 120 ، رقم 2115 ) . قال الهيثمي ( 1 / 62 ) : رجاله موثقون ، إلا أن خلف بن مهران لم يدرك أنسا . والحديث حسنه الألباني في صحيح الجامع 2246 .

( [4] ) أخرجه البخاري ( 1 / 23 ، رقم 39 ) .

( [5] ) أخرجه البخارى ( 5 / 2373 ، رقم 6098 ) .

( [6] )  أخرجه البيهقي ( 3 / 18 ، رقم 4520 ) .

( [7] ) قال الحافظ فى الفتح ( 1 / 94 ) : وصله أحمد بن حنبل وغيره من طريق محمد بن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس ، وإسناده حسن .

( [8] ) أخرجه أحمد ( 1 / 236 ، رقم 2107 ) ، والبخاري فى الأدب ( 1 / 108 ، رقم 287 ) .

( [9] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1306 ، رقم 3367 ) ، ومسلم ( 4 / 1813 ، رقم 2327 ) .

( [10] ) التَّنَطُّعُ في الكلام : التَّعَمُّقُ فيه ، والمُتَنَطِّعُونَ هم المُتَعَمِّقُونَ المُغالُونَ في الكلام الذين يتَكلمون بأَقْصَى حُلُوقِهم تَكَبُّرا ، وهو مأْخوذ من النِّطَعِ ، وهو الغارُ الأَعْلى في الفَمِ ، ثم استعمل في كل تَعَمُّقٍ قوْلًا وفِعْلا . انظر اللسان : نطع .

( [11] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2055 ، رقم 2670 ) .

( [12] ) أخرجه أحمد ( 4 / 412 ، رقم 19714 ) ، والبخاري ( 3 / 1104 ، رقم 2873 ) ، ومسلم ( 3 / 1359 ، رقم 1733 ) .

( [13] ) مصنف ابن أبي شيبة ( 7 / 100 رقم 34498 ) .

( [14] ) سنن الدارمي ( 1 / 83 ، رقم 216 ) .

( [15] ) سبق تخريجه .

( [16] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2198 رقم 2865 ) .

( [17] ) أخرجه البخاري ( 5 / 2110 ، رقم 5230 ) ، ومسلم ( 3 / 1305 ، رقم 1679 ) .

( [18] ) أخرجه أبو داود ( 3 / 290 ، رقم 3535 ) ، والترمذي ( 3 / 564 ، رقم 1264 ) وقال : حسن غريب . وصححه الألباني في الصحيحة 423 .

( [19] ) أخرجه أحمد ( 3 / 379 ، رقم 15104 ) ، وأبو داود ( 4 / 267 ، رقم 4868 ) ، والترمذي ( 4 / 341 ، رقم 1959 ) وقال : حسن .

( [20] ) سبق تخريجه .

( [21] ) أخرجه أحمد ( 4 / 252 ، رقم 18236 ) .

( [22] ) أخرجه مسلم ( 1 / 7 ) .

شاركها مع أصدقاءك