بواسطة :
الزيارات : 1٬401 مشاهدة
  • إسم الملف : وصايا عامة
  • عدد الزيارات : 1٬401 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

 بسم الله الرحمن الرحيم 

وصايا عامة

المقدمة :     

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا لله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، أشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة ، ونصح الأمَّة ، وجاهد في الله حق الجهاد .

فصلوات الله وسلامه على نبينا محمد كِفاء ما أرشد وعلَّم ، وكِفاء ما جاهد حتى تركنا على البيضاء ، ليلُها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعده – صلى الله عليه وسلم – إلا هالك ، وصلى الله على آله وعلى صحبه ، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد :

        فإن الوصية لها شأن عظيم في هذا الدين ، ذلك أنه جاء في القرآن الكريم ، وفي سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ذِكر أوامرَ كثيرةٍ ونَواهٍ بلفظ الوصية ، كما في الوصايا العشر التي جمعت في آخر سورة الأنعام بين الأوامر والنواهي ، قال – جل علا – في أولها ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ([1]) ، وقال في آخر هذه الآيه ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ([2]) ثم قال في الآية الأخرى ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ ، ثم في الثالثة ﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ .

فالأوامر والنواهي وصية عظيمة من الوصايا التي في الكتاب والسنة ، ولهذا فلا غرابة أن يكون المرء مُسْتَوْصًى به ، وأن يكون مُوصِيًا ، فإذا كان المرء قد أُوصِيَ ، فإنه ينبغي له أن ينقل هذه الوصية إلى من بعده ، لأن الوصية في هذا الدين أمرها عظيم .

الوصية الأولى : تقوى الله :

أعظم الوصايا التي وصى الله – جل وعلا – بها عباده المرسلين ، وعباده المتقين – من أول خَلْق آدم ، إلى أن يَرِث الأرض ومَن عليها – هي تقوى الله – جل جلاله – ، ذلك أن الله – سبحانه وتعالى – أمر المرسلين جميعا أن يأمر كلٌّ منهم قومه ، وأن يوصِيَهم بتقوى الله – جل وعلا – قال – سبحانه – ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ([3]) .

وإذا تأملت سورة الشعراء وجدت أن كل رسول كان يدعو قومه إلى الإيمان والتقوى ، كما في قوله – جل وعلا – ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ([4]) ، وهذا الأمر فيه الحث والترغيب في التقوى ، وكما قال – جل وعلا – أيضا في قصة قوم صالح – عليه السلام – ﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ﴾ ([5]) ، وكذا وفي قصة قوم هود – عليه السلام – ، فقد قال – تعالى – ﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ([6]) ، وكذا في قوله – جل وعلا – ﴿ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ ([7]) .

ففي كل هذه الآيات يأمر الله – جل وعلا – الرسل أن يأمروا أقوامكم بتقوى الله ، فالأمر بتقوى الله – سبحانه وتعالى – قد أجمعت عليه الرسل ، وهو أعظم وصية على الإطلاق ، وآخر من وصى أمته بتقوى الله – جل جلاله – هو نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم ، – قال – جل وعلا – ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ * وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ([8]) ، وهذه هي حقيقة التقوى .

قال علماء اللغة : اتَّقَيْتُ الشيء ، وتَقَيْتُه ، أَتَّقِيه ، وأَتْقِيه تُقًى ، وتَقِيَّةً ، وتِقاء : حَذِرْتُه ، والاسم التَّقْوى ، التاء بدل من الواو ، والواو بدل من الياء . قال أَبو منصور : اتَّقى ، يَتَّقي ، كان في الأَصل اوْتَقى على افتعل ، فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وأُبدلت منها التاء وأُدغمت ، فلما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاءَ من نفس الحرف ([9]) . ومنه كما قال العلماء في استشهاداتهم على هذه المادة قول الشاعر في امرأة سقط منها نصيفها ([10]) :

سقَط النَّصِيف ولم تُرِدْ إسْقَاطَه

 

فَتَنَاوَلَتْه واتَّقَتْنا بِاليَد

يعني أنها جعلت يدها وقاية بينها وبين أولئك الذين يرونها .

فحقيقة التقوى هي أن تجعل بينك وبين ما تخاف وقاية ، ولهذا لما كانت فتنة ابن الأشْعَثِ ([11]) ، قال طَلْقُ بنُ حَبِيْبٍ ([12]) : اتقوها بالتقوى . فقيل له : صِفْ لنا التقوى . قال  : التقوى أن تعمل بطاعة الله ، على نور من الله ، ترجو ثواب الله ، وأن تترك معصية الله ، على نور من الله ، تخشى عقاب الله .

يعني أن التقوى جمعت في الأمر والنهي بين أن تكون ممتثلا للأمر ، على نور من الله ، وأن تكون مبتعدا عن المنهيات ، على نور من الله ، ترجوا ثواب الله ، فيما تمتثل من الأوامر ، وتخشى عقاب الله ، فيما تنتهي عنه من النواهي .

إذا تبين هذا ، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر المؤمنين بتقوى الله بقوله : « اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » ([13]) .

أقسام التقوى :

أولا : التقوى العامة التي تشمل جميع البشر :

وتقوى الله في القرآن أقسام : منها التقوى العامة التي خاطب الله – جل وعلا – بها جميع الناس في نحو قوله – تعالى – ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ([14]) ، وفي نحو قوله ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ([15]) ، وغير ذلك من الآيات .

قال العلماء : هذه المرتبة هي المرتبة التي يجب تحصيلها على كل أحد ، فهذه التقوى يؤمر بها المسلم ، ويؤمر بها الكافر ، وحقيقتها أن تكون موحدا لله – جل وعلا – مبتعدا عن الشرك ووسائله ، لأن أول درجات التقوى أن تتقي عذاب الله ، وأن تتقي سخطه ، أن تتقي العقوبة في الدنيا والآخرة ، بأن تكون موحِّدا مخلصا لله – جل جلاله – ، مبتعدا عن الشرك ووسائله .

قالوا : وهذا لا بد فيه من علم وتعلم ، لأن تحصيل التوحيد في القلب ، وتحصيل فروعه لا بد له من علم ، فمن الناس من لا يعرف أن كثيرا من الأمور التي عدها العلماء من أفراد التوحيد أنها من التوحيد ، وذلك لعدم علمهم بذلك ، كذلك لا يعلم أن بعض الشركيات التي قد يمارسها بعض الناس أنها من الشرك ، وهذا إذا كان كذلك ، ولم يتعلم التوحيد والشرك ، فإنه لم يحصل هذه الوصية العظيمة التي وصى الله – جل وعلا – بها المرسلين والأنبياء وأمرهم أن يوصوا أقوامهم بها .

فأول الدرجات أن تكون ساعيا سعيا حثيثا في أن يكون قلبك مع الله – جل وعلا – ، وصلاح القلب ونوره ، إنما يكون بِكَوْن الله – جل وعلا – فيه ، وبتخليص القلب من أن يكون فيه رَغَب ونظر إلى غير الله – جل وعلا – ، فإن حقيقة لذة القلب ، وحقيقة التقوى التي تحصل ، إنما تكون في القلب ، لأن مكان التقوى هو القلب ، كما بين ذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث قال : « التقوى ها هنا » ([16]) .

وذلك لا يكون إلا بكون الله – جل وعلا – وحده في قلب العبد ، فإذا دخل غير الله – جل وعلا – في قلب العبد ، فإنه ينـزاح منه من التقوى بقدر ما دخل من ذلك في قلب العبد ، يعني من جهة التوجه ، من جهة الإخلاص ، من جهة الإقبال ، فيكون في القلب حب الدنيا ، أو حب الجاه ، أو حب المال ، أو حب السمعة ، أو حب الملذات والشهوات ، فإذا قويت هذه في القلب ضعفت التقوى ، حتى ربما وصلت بالمرء إلى التفريط في الأوامر والنواهي ، يعني يغشى النواهي ، ويترك الأوامر .

فصلاح القلب يكون بتحصيل هذه الدرجة العظيمة من تقوي الله – جل وعلا – ، وهي بأن تُخَلِّص القلب من غير الله – جل جلاله – ، وهذا يكون بالمحاسبة ، فإن لذة القلب إنما هي بالله – جل وعلا – .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . وهذه الجنة التي في الدنيا هي جنة لذة القلب بمعرفة الله – جل وعلا – وتوحيده ، والأنس به ، فإن القلب المُخْبِت المنيب دائما في حاجة إلى أن يكون مقبلا على الله – جل وعلا – منقطعا عن الخلق .

يعني أنه إذا خالط الناس ، فإنما يخالطهم مخالطة الكاره لذلك ، وأما قلبه فإنه معلق بالله – جل وعلا – في الأقوال والأعمال ، فإذا تحرك قلبه ، فإنما يتحرك لله – جل وعلا – ، وإذا فكر قلبه ، فإنما يفكر في أمر الله – جل وعلا – وفي دينه ، وفيما يجب عليه ، وفيما يحرم ، وأساس هذه الدرجة أن يكون القلب معلقا بالجنة ، خائفا من النار ، قال الله – جل وعلا – ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ([17]) .

يعني ذلك القلب الذي قامت فيه التقوى ، وأثـمرت عملا صالحا واقترابا من أوامر الله ، وبُعدا عن النواهي ، وهذا من أهم وسائل تحصيل التقوى ، التي هي أعظم وصية وصى الله – جل وعلا – بها عباده ، حيث قال -سبحانه – ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّه ([18]) .

ولا تتحقق هذه التقوى إلا بأن ينظر المرء إلى الجنة ، وإلى النهار كأنهما أمامه ، ينظر إلى الجنة ، وما فيها من النعيم ، فيرجوها ، ويطمع أن يكون من أهلها ، وينظر إلى النار ، وما فيها من النكال والعذاب ، فيحذر من أن يكون من أهلها ، ولا يكون صلاح القلب إلا باستحضار هذا دائما ، فلا تغيب الجنة ، ولا النار عن ذلك القلب لحظة واحدة ، فإذا كان القلب قد آتاه الله هذا النور ، فإنه سيصبح قلبا صالحا ، متقيا لله – جل وعلا – بأعظم أنواع التقوى ، ألا وهو تحصيل التوحيد ، وفروع التوحيد ، والبعد عن الشرك ، وعن المنهيات .

إن معرفة التوحيد ، ومعرفة ضده – وهو الشرك – تحتاج إلى تعلم من الناس ، ومن يترك نفسه دون تعلم ، ويقول : أنا على الفطرة ، أو مَنْ في بيتي على الفطرة . لا يحقق معنى التقوى ، لأن التقوى لا تتحقق إلا بأن يكون القلب دائما في سلامة من أن يكون فيه غير الله – جل وعلا – ، وذلك بتحقيق التوحيد ، والإخلاص ، والبعد عن الشرك ، وهذا يحتاج إلى تعلم .

لهذا لا بد أن يكون للعبد نظر جادٌّ مع نفسه ، هل حَصَّل هذه المرتبة من التقوى أم لم يحصلها ؟ لأن التوحيد له فروع كثيرة ، والشرك كذلك ، ومن أنواع الشرك ما ينافي كمال التوحيد ، ومنه ما ينافي أصل التوحيد ، ومن الناس من يغشى بعض الذنوب المتعلقة بالتوحيد والشرك ، يعني المنافية لكمال التوحيد ، أو التي هي من شرك الألفاظ ، أو الشرك الأصغر ، دون أن يشعر .

ثانيا : التقوى بامتثال الأوامر واجتناب النواهي :

من مراتب التقوى : تقوى الله – جل وعلا – بامتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، يعني أن تفعل ما أمر الله – جل وعلا – به ، وتنتهي عن كل شيء نهى الله – جل وعلا – عنه ، لأن كل طاعة تزيد في التقوى ، وتُرَغِّب فيما أعده الله – جل وعلا – للمتقين ، كما أن كل معصية تُضْعِف جانب التقوى في القلب .

ثالثا : من مراتب التقوى التي ربما لم يحصل عليها إلا الخاصة من الناس ، هي أن يترك العبد ما لا بأس به حذرا مما به بأس ، يترك بعض الأشياء التي يشك فيها خشية أن يواقع المحظور ، وهذه قد جاءت في بعض الأحاديث كما في قوله – صلى الله عليه وسلم – : « الحلال بيِّن والحرام بيِّن ، وبينهما أمور مُشْتَبِهات ، لا يعلمها كثير من الناس ، فمن اتقى الشبهات اسْتَبْرأ لعِرضه ودينه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كَرَاعٍ يرعى حول الحمى ، يوشك أن يواقعه » ([19]) .

وهذا إنما يكون بترك المشتبهات ، فهناك مشتبهات متعلقة بالنظر ، ومشتبهات متعلقة بالكسب ، وأخرى متعلقة بأداء العمل ، ومشتبهات متعلقة بتعامل العبد مع من حوله ، فإذا ترك تلك العبد المشتبهات ، وابتعد عنها ، كان بعيدا عن الحرام ، قريبا من تنفيذ أمر الله – جل جلاله – .

الوصية الثانية : التفكر في آلاء الله – جل وعلا – :

من الملاحظ أن كثيرا من المسلمين الذين يسكنون في المدن يفوتهم شيء عظيم ، ألا وهو التفكر في آلاء الله ، التفكر في ملكوت الله – جل جلاله – ، والله – جل وعلا – أمر عباده بأن يتفكروا في الملكوت ، فالتفكر في الملكوت يورث معرفة الله – جل وعلا – يورث معرفة ربوبيته – سبحانه – فإذا أثمر ذلك الربوبية في قلب العبد ، وفي عقله ، فإن الربوبية تقود العبد إلى عبادة الله – جل وعلا – حق عبادته ، قال – سبحانه – آمرا بالتفكر ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ([20]) ، وقال – جل وعلا – ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ([21]) ، لكن أهل المدن ينظرون إلى السماء وليست هي السماء ، وينظرون إلى الأرض ، وليست هي الأرض ، وينظرون إلى النبات وهو ينمو ، وليس هو في أعينهم نباتا ينمو ، ينظرون إلى ما يحصل حولهم ، ولكن يفوتهم التفكر والتدبر ، فإذا حصَّل العبد هذا الأمر – وهو امتثال أمر الله بالتفكر في آلاء الله – فإنه يحصل له أنواع من الإيمان واليقين ومعرفة الله – جل وعلا – لا يدركها إلا من تَدَبَّر وتأمَّل .

نقول : إن توحيد الربوبية مما لم يُبْتَلَ به كثير من الناس ، فتوحيد الربوبية يعني الإقرار بأن الله – جل وعلا – هو الواحد في خلقه ، وهو الخالق وحده ، وهو الرزاق وحده ، وهو المميت وحده ، وهو المعين وحده ، إلى آخر أفراد توحيد الربوبية ، هذا مما لم يُبْتَلَ به كثير من الناس ، وهذا صحيح ، فإن ابتلاء الناس إنما هو بعبادة الله وحده لا شريك له .

لكن ليس معني ذلك أن يترك العبد التفكر في أفراد الربوبية ، فإن التفكر في أفراد الربوبية أمر مُحَتَّم ، واجب من الواجبات الشرعية ، لأن الله – جل وعلا – أمر به ، فكم من آية في القرآن ، وكم من حديث في السنة فيه وصف آلاء الله – جل وعلا – ، فيه وصف ما في ملكوت الله – جل جلاله – .

فتأمل وانظر في هذا الملكوت ، تأمل الأرض كيف هي ، وقد أجمع العلماء على أنها كرة في السماء معلقة بلا عَمَدٍ ، وتأمل الشمس كيف تجيء وتذهب ، وكيف يحصل هذا ؟ من الذي فعل ذلك ؟ وكيف خُلِقَت الأرض على هذا النحو ؟ وكيف عُلِّقَت في السماء على ذلك النحو ، قال – تعالى – ﴿ رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ([22]) وقال في الآية الأخرى ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا([23]) ، فالسماوات والأرض عِبْرَة للمعتبرين ، لكن الذين يَعْتبرون هم أولوا الألباب ، قال – جل وعلا – ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ([24]) .

فأولوا الألباب هم الذين يستخرجون الآيات من السماوات والأرض ، فلو كان المرء يجعل لنفسه بعض الوقت بأن يخرج خارج المدينة ، فينظر في ملكوت الله – جل جلاله – ، ينظر ويعتبر ، كيف يخرج هذا النبات من هذه الأرض ، تنظر إلى التراب ، فلا ترى فيه بذرا ، فإذا أنزل الله – جل وعلا – عليه الماء اهتزت الأرض ورَبَت ، قال – جل وعلا – ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ([25]) .

وهذا أحد أفراد خلق الله – جل وعلا – ، فتتأمل في السماء ، وتتأمل في الأرض ، تتأمل في نفسك ، تتأمل فيمن حولك ، فبهذا التأمل والتفكر يتيقن العبد أن الذي خلق هذا الخلق وصوَّره ، هو الله – جل وعلا – ، فإذا كان الأمر كذلك ، فإن هذا القرآن الذي أنزله الله – جل وعلا – على رسوله حَقٌّ ، وهو كلام الله ، ونبيّه محمد – صلى الله عليه وسلم – إنما هو رسول من عند الله حقا ، فيثمر لك ذلك بيقين أنك يجب أن تطيعه بلا تردد ، فليس المجال مجال شك .

كما توقن بأن الخلق – لا بد – راجعون إلى الله – جل وعلا – ، تأمل هذا الخلق ، وكيف أن إعادته مرة أخرى على الله – جل وعلا – أهون ، كما قال – سبحانه – ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ([26]) ، فإعادة الخلق أهون من ابتدائه ، وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، كما قال – جل وعلا – ﴿ لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ([27]) .

فإذا تأمل العبد في ذلك ، فلا ينبغي أن يكون إمَّعة ، ينظر نظرة الغبي البليد ، بل عليه أن ينظر نظر الذكي اللبيب ، فيتأمل في هذا الكون ، لم خُلِق ؟ ولماذا خُلِق الناس ؟ ومَن الذي صنع هذا ؟ هل يُعقل أن يكون هناك بناء شُيِّد على أعلى درجات الدقة والإتقان جاء من عند نفسه ، وتركب هذا التركيب ؟ الجواب قطعا سيكون بالنفي ، إن هذا البناء لا بد أن يكون له صانع ، فخلق الله – جل وعلا – وملكوته أعظم وأعظم .

يستفيد العبد من هذه الوصية أنه لا بد من إيقانه بأن الله – جل وعلا – هو ذو الربوبية على خلقه ، وأنه هو الذي يُجِير ، ولا يُجَار عليه ، فإذا قَرَّ ذلك في القلب ، عظم في القلب التوكل على الله ، وعظم تفويض الأمر إلى الله – جل جلاله – ، لأنه يرى هذه الأرض – على عظمها عند أهلها – أنها صغيرة عند الله – جل وعلا – ، فالسماوات والأرض تطوى يوم القيامة ، فتكون في كف الرحمن – جل وعلا – ، قال – سبحانه – ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ([28]) ، وفي القراءة الأخرى ﴿ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ ﴾ فهذا أمر عجيب .

وقال – سبحانه وتعالى – ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ([29]) ، وهذه السماوات التي فوقنا سماء تِلو سماء ، وبين السماء والتي تليها خمسمائة عام ، وهكذا حتى تنتهي السبع سماوات ، ثم يكون ثَمَّ كرسي الرحمن – جل وعلا – ثم عرش الرحمن – جل وعلا – .

واليوم الناظرون بهذه المراصد الجديدة ، وبهذه الأجهزة العجيبة توصلوا إلى مسافات عظيمة فيما رأوه من الأفلاك ، لكنهم اعترفوا بأن هناك أشياء في هذا الملكوت لم يصلوا إليها ، ولم تدركه هذه الأجهزة على عظمها ، فخلق الله – جل وعلا – عجيب ، والذين يتدبرون هم أولوا الألباب ، ولهذا قال – جل وعلا – ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ([30]) ، وقال في آخرها ﴿ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وقال في آية آل عمران ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ([31]) .

فالذي يتفكر ، ثم يستفيد من هذا التفكر هو ذو اللب ، وذو العقل ، وهذا الأمر مما فوَّته الأكثرون على أنفسهم ، فوَّتوا التدبر في أنفسهم ، وفيما حولهم ، فوَّتوا التفكر الذي ينتج حتما أن الله – جل جلاله – هو الذي خلق ، وصنع ، وهو الذي ذرأ وبَرأ ، فإذا كان الأمر كذلك ، فإن المصير – ولا شك – إليه – سبحانه وتعالى – هو الذي ابتدأ الخلق ، وهو الذي يعيده ، والناس صائرون إليه ، ويوم القيامة آت لا ريب فيه ، فيورث ذلك العبد صحة في قلبه ، وصحة في عمله ، وفي اتباعه ، حتى لا يكون في قلبه شك فيما أخبر الله – جل وعلا – به ، ولا فيما جاء به نبينا – صلى الله عليه وسلم – .

الوصية الثالثة : أن الصدر له أحوال :

اعلم – رحمني الله وإياك – أن الصدر له أحوال ، وهذه الأحوال جاءت في الكتاب والسنة ، وهي مرتكزة على حالتين :

الحالة الأولى : أن يكون الصدر منشرحا للباطل ، قال – جل وعلا – ﴿ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ([32]) .

قال العلماء : انشراح الصدر بالباطل وسيلة إلى الاقتراب منه ، وإلى الوقوع فيه ، ويقابله انشراح الصدر بالحق ، فإنه وسيلة وطريقة إلى أن يُقْبِل العبد على هذا الحق ، وأن يأتيه . قال – جل وعلا – ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ([33]) ، وقال – جل وعلا – ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ([34]) ، وقال – جل وعلا – في فاتحة سورة الأعراف ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ([35]) فهذا الصدر إما أن يكون منشرحا للحق ، وإما أن يكون منشرحا للباطل ، والباطل أنواع ، والحق أيضا أنواع ، ولكن جِماع الحق هو ما جاء في الكتاب والسنة ، هو دين الإسلام ، والباطل شُعَب كثيرة ، ووسائله كثيرة ، فمن شرح صدرا بنوع من أنواع الباطل ، فإنه وسيلة إلى الخسران ، حتى يكون هذا الصدر قد حوى الباطل ، ثم لم يلبث أن تواقع القلوب والجوارح هذا الباطل ، ولهذا كان من اللوازم على العبد أن يتأمل قوله – جل وعلا – ﴿ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا ([36]) ، وقوله ﴿ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ ﴾ ([37]) ، وذلك أن انشراح الصدر بالحق وسيلة إلى مواقعته ، كما أن انشراح الصدر بالباطل وسيله إلى مواقعته كذلك .

إن أنواع الباطل كثيرة ، منها انشراح الصدر لعدم تعظيم الرب – جل جلاله – ، نرى أحيانا من يحضر بعض المجالس التي فيها عدم توقير لله – جل جلاله – فإذا ذكرت الآيات لا تجد في قلوبهم وَجَلا ، ولا خوفا ، ولا تعظيما للمتكلم بهذه الآيات ، وإذا ذكر حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – عارضوه بآرائهم ، فينشرح صدره معهم ، ويضحك كما يضحكون ، ويستأنس كما يستأنسون ، وهذا نوع من انشراح الصدر بالباطل ، والواجب على العبد أن يكون قلبه منشرحا للحق ، فإذا أتاه نوع من أنواع الباطل كان في قلبه بغض ، حتى يكون في الصدر بعد عنه ، وكراهية لذلك الشيء .

ولهذا فإن انشراح الصدر بالباطل يأتي بالباطل ، حتى يغشاه العبد ، ومن ذلك الغيبة ، فكل المسلمين يعلمون أن الغيبة حرام ، بل هي كبيرة من الكبائر ، ومع ذلك نجد بعض المسلمين يستهينون بها ، حتى يغلب ذلك على حديثه ، فينشرح صدره لهذا الباطل ، حتى يعاقب بألا ينفك عنه .

ومن ذلك أيضا فضول النظر بالنظر إلى النساء ، وعدم غض البصر عنهن ، فلا يزال الرجل ينظر وينظر ، ويستهين بذلك حتى ينشرح صدره بذلك ، فيرى أنه لا شيء في النظر إلى هذه المحرمات .

ومن ذلك فضول الكلام ، فضول اللسان ، فإن الصدر والقلب ينشرحان لهذا النوع من الباطل ، بأن يدخل في كلام لا يسوغ ، وذلك مثل الكلام الذي فيه تَعَدٍّ ، أو نيل من الأعراض ، أو مقالة سوء ، أو ظن سوء ، إلى آخره مما نهى الله – جل وعلا – عنه من موبقات اللسان ، ومن آفات اللسان ، فينشرح صدر العبد لذلك .

ومن فضول المقال ما يكون عند بعض الناس من أنه يأتي بعض أصحاب له – وإن كانوا أصحاب خير وهدى – فيدخلون في كلام يعلم هو أنه لا يجوز ، لكنه يدخل معهم في ذلك المقال رعاية لصحبتهم ، وهذا المقال إما فيه نيل من أهل العلم ، أو فيه نيل من المسلمين ، أو فيه ظن سوء ، أو فيه اتباع لغير سبيل المؤمنين من البدع والمحدثات ، ونحو ذلك ، فيظل يجاملهم ، ويتماشى معهم ، حتى ينشرح صدره بالباطل .

والواجب على العبد أن يسعى في ألا ينشرح صدره بالباطل ، وهذا الانشراح في الصدر بالباطل يأتي بالتساهل ، فإذا ما سد العبد الطريق على وسائل انشراح الصدر بالباطل شرح الله صدره للحق ، فيصبح على نور من الله – جل وعلا – ، قال – تعالى – ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ([38]) .

إن أول درجات انشراح الصدر بالإسلام يكون بقبوله ، وبمحبته ، فإن هذا يعقب العبد خيرا عظيما ، فإن العبد قد يهم بالحسنة ، ولا يعملها فتكتب له حسنة ، وهذا من رحمة الله – جل وعلا – بالعبد ، لكن انشراح الصدر بالحق يسبب للعبد أنواعا من القرب من الخير ، فأمور الإسلام ، وشُعَبُه كثيرة متنوعة ، فإذا شرح الله صدرك للإسلام أقبلت على روضات وجنات ، قال – سبحانه وتعالى – ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ([39]) .

إذن فانشراح الصدر بالباطل وسيلة إلى غشيان الباطل ، فالواجب على العبد أن يحاسب نفسه أول ما يجد من نفسه انشراح صدره لنوع من أنواع الباطل ، فلو تساهل في ذلك فإنه يكون هو الذي جنى على نفسه .

كذلك إذا رأى العبد نوعا من أنواع الخير ، فأول الدرجات أن ينشرح صدره لذلك الخير ، لما جاء من أمر الله ، من أمر رسوله – صلى الله عليه وسلم – فيحب ذلك ، ويحب من عمل به ، حتى ولو لم يعمل به ، فإن انشراح الصدر بذلك وعدم الحرج في الصدر مما بين الله – جل وعلا – أنه نوع من أنواع العبادة ، وسبب من أسباب الهدى والفلاح .

الوصية الرابعة : ترك التسويف والأماني :

قال ابن القيم – رحمه الله تعالى – : مفسدات القلوب خمسة :

المخالطة ، والأماني ، وفضول الكلام ، والشبع ، والنوم .

وهذا الذي قاله صحيح ، وقد شرحه ، وبيَّنه والذي يهمنا منها اثنتان :

الأولى : الأماني : وهي التسويف ، ووصيتنا هذه هي ترك التسويف ، وترك الأماني ، قال – تعالى – ﴿ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ([40]) .

والأماني بحر واسع ، لا ساحل له ، فمن الشباب من يتمنى أن يكون طالب علم ، لكن متى يبتدئ بجد ؟ إنه يؤجل الأمر ، ويسوِّف ، ويعلل النفس بالآمال ، يمني نفسه بأنه سيعمل ويعمل ، فينقضي العمر وهو لم يحصل شيئا ، والسبب في ذلك أنه أفسد إرادته بالأماني الباطلة ، من وجد في نفسه رغبة في أي عمل من أعمال الخير فليبدأ فيه فورا ، ولا يسوِّف ، فإن التسويف من أسباب ترك العمل .

يقول أحدهم : متى أتوب ؟ فيجيب : سأنتظر شهرا ، شهرين ، أنظر إلى نفسي ، وأحاسبها . وهذا كله من الأماني ، وهي من مفسدات القلوب .

فالتسويف من أعظم الأسلحة التي تفتك بالناس ، من يعلم أن أهل بيته بحاجة إلى توجيه ، بحاجة إلى إصلاح ، بحاجة إلى النظر في أحوالهم ، فيؤجل نصحهم ، ويقول : الآن عندي مهمات ، وعندي كذا وكذا . فيمتد به الزمن ويأتي الشاغل تِلْوَ الشاغل وهو ما زال في فذه الأماني ، فلا حصَّل ما يريد ، ولا هو انتبه لغلطه مع نفسه .

كذلك الحال في باب أماني الخير ، أماني الإصلاح ، أماني هداية الناس إلى الحق والهدى ، على مستوى المجتمع ، أو على مستوى الأمة ، فمن الناس من يقول : سنعمل كذا ، وسنعمل كذا ، من أعمال البر والخير . وتمضي السنون ، ولم يعملوا شيئا ، أو ربما عملوا شيئا غير محمود ، ويقتنعون أن هذا الذي هم عليه ليس بجيد ، أو أن غيره أفضل منه ، أو أنه خطأ ، فيتمنون الأماني في الإصلاح ، وهم ماكثون على شهواتهم ، أو ماكثون على انقضاء أوقاتهم في غير الجد ، والصواب أنه إذا ما اقتنعوا بهذا الشيء ، فالواجب أن يبادروه ، فالشباب فرصة لا تعوض ، وقد قال أبو الحسن التهامي – رحمه الله – في مرثيته لولده :

حكمُ المنيّة في البريَّة جارِ

 

ما هذه الدُّنيا بدارِ قرارِ

بينا يرى الإنسانُ فيها مُخبرًا

 

حتَّى يرى خبرًا من الأخبارِ

والنَّفسُ إن رضيت بذلك أو أبتْ

 

منقادةٌ بأزِمَّة الأقدارِ

طبعت على كدرٍ وأنت تريدُها

 

صفوا من الأقذارِ والأكدارِ

وإذا رجوتَ المستحيلَ فإنَّها

 

تبني الرَّجاءَ على شفيرٍ هارِ

العيشُ نومٌ والمنيَّةُ يقظةٌ

 

والمرءُ بينهما خيالٌ سارِ

فاقضوا مآربكمْ عِجالًا إنَّما

 

أعماركمْ سفرٌ من الأسفارِ

وتراكضُوا خيلَ الشَّباب وبادروا

 

أن تُستردَّ فإنَّهنَّ عوارِ

ليس الزَّمانُ وإن حرصتَ مسالمًا

 

خلقُ الزَّمانِ عداوة الأحرارِ

لا بد من الجد ، فالأماني لا بد أن تتحول إلى واقع ، مع ضبطها بضابط الشرع ، فإذا كان ثَمَّ أمانٍ في الخير والإصلاح على مستوى صغير ، أو كبير ، فلا بد من البِدار ، فالمرء لا بد أن يعاجل الفترة التي يمكنه فيها أن يعمل شيئا من أعمال الخير ، قبل أن يأتي عليه فترة لا يستطيع فيها أن يعمل شيئا ، وهذا مما يجب أن يتدارس ، وألا تترك الأعمار تمضي دون نظر .

إذا نظرت في أحوال المسلمين ، وجدت أنواعا من الفساد ، مما لا يرضاه الله – جل وعلا – ، وبين الناس الكثير من طلبة العلم ، وأئمة المساجد ، ونحوهم ، وكلٌّ يتمنى أن يصلح ، كل يتمنى أن يدعو الناس إلى الخير ، لكن تمضي الأيام والسنون وهم في أمانيّ ، وإذا عملوا شيئا ، فإنه ليس بعمل جاد ، وهم مقتنعون أن هذا الذي عملوه ليس بعمل جاد ، فإلى متى نعيش في هذه الأماني .

إن هذا التسويف ، وهذه الأماني يجب أن تزال ، وأن تحول إلى حقيقة ، وإلى واقع يبدأ المرء في تنفيذه ، لأنك لا تدري إلى كم تعيش ، ولا تدري هل ستعيش إلى أن تبلغ ما أمرك الله – جل وعلا – بتبليغه أم لا ؟ إن الاجتهاد في الدعوة يجب أن يكون على الفور ، والدعوة لا تكون إلا بتعاون على البر والتقوى .

لا بد من التسابق مع الزمن ، لا بد أن تسعى وأن تبتدئ بنفسك ، ثم بمن حولك ، لا بد أن تسعى في الإصلاح والخير ، وأن لا تتمنى على الله الأماني ، فالأماني مضرة ، ولهذا نقول : إن من رام شيئا من أمور الخير والصلاح فليبادر به قبل أن يفوت الوقت .

إذا نظرت الآن إلى الأحوال وجدت أن عندنا من المنكرات ، ومن المفاسد ما الله به عليم ، من انحراف الناس عن الحق والهدى ، ومن غشيان الباطل للقلوب ، ومن إقبالهم على الشهوات ، خاصة شهوتي المال والنساء ، أقبل الناس عليهما دون حد ، وهذا لا بد معه من إصلاح يواجهه .

لا شك أنه أول درجات معرفة الواجب هي أن يتخلص المرء من الأماني ، وأن يسعى جهده في أن يجعل يومه ، وليلته في الخير ، والهدى ، والصلاح ، لأن هذا الأمر الذي نراه من انتشار الموبقات ، والمنكرات ، وأنواع المفاسد لا بد له من إنكار لتغييره وإزالته .

الوصية الخامسة : الإقلال من الخلطة :

بيَّن ابن القيم – رحمه الله – أن من مفسدات القلب الإكثار من الخُلطة ، قال : والخلطة نوعان : نوع منها يفسد القلب ، ونوع يصلح القلب ، فأما التي تفسد القلب فهي أن يسعى في مخالطة الناس والكلام معهم بفضول المباحات ، أو بالمشتبهات ، أو بالمحرمات . يعني يحب أن يكثر الاختلاط ، يحب أن يكثر معارفه ، يحب أن يتعرف على هذا وهذا ، ويأتي مجلس هذا ومجلس هذا ، وهذه الكثرة في التعارف سبب لأن تتأثر بما عند أولئك ، لأن كل إنسان فيه خير ، وفيه شر ، فإذا كان من يخالطه العبد عنده بعض الشرور ، فإن العبد مع كثرة الاختلاط لا بد أن يأخذ من هذا وهذا ، وربما اجتمعت فيه هذه الخصال بسبب كثرة هذه المخالطة .

وهذه خلطة مذمومة ، فالقلب المتعلق بالله – جل جلاله – لا يأنس بالخلق كثيرا ، إلا إذا كان في توجيههم ، وفي إرشادهم ، وفي التعاون معهم على البر والتقوى ، أما هو فدائما يكون مشغولا بربه – جل وعلا – عما سواه ، وفي الله – جل جلاله – شغل عما سواه ، فكثرة المخالطة سبب من أسباب فساد القلب ، إذا كانت بحسب ما اتفق .

القسم الثاني من أنواع المخالطة : وهو أن يخالط رغبة في الخير ، إذا حضر مكانا وتعرف على أحد ، فإنما يتعرف ويخالط لأجل تحصيل الخير ، ولأجل دفع الشر ، فهذا مخالطته محمودة ، وفيها صلاح لقلبه ، فقد تحضر مجلسا – أو مجالس – فتخجل من أن تجعل ذلك المجلس مجلس خير وهدى فتخالط ، وربما شاع في ذلك المجلس ما هو من فضول المباح ، أو من الكلمات التي ضررها أكثر من نفعها ، أو ما هو من المحرمات ، فلا بد أن يكون الراغب في صلاح قلبه ، وصلاح الآخرين أن يأخذ بهذه الوصية التي أوصى بها ابن القيم – رحمه الله – في أن يكون المرء مقداما في الخير .

يأتي الشيطان إلى أحد الذين يريدون الإصلاح – كما قال ابن القيم – بأحبولته التي قَلَّ من ينجو منها فيقول : إذا تحدثت ، أو إذا قلت ذلك ، فإنك تريد الشهرة ، أو تريد أن تُذكر ، أو تريد أن تصرف وجوه الناس إليك ، أو نحو ذلك ، قال : فإذا أتى بهذه الأحبولة فتعوذ بالله – جل وعلا – منه وتوكل على الله – جل جلاله – واجعل مخالطتك ومجالسك في خير ، وهدى ، وإرشاد الخلق إلى ما يجب عليهم ، أو ما يجب أن يحذروه . إذن هذه المخالطة يجب أن تصنِّف نفسك معها ، إلى أي درجة تخالط ، وما هي مخالطاتك ، فبعض الناس يعرف مائة ، مائتين ، وبعضهم يعرف أكثر أو أقل ، ويظن أن كثرة هذه المعارف ، وكثرة إتيان هذا وهذا أنها أصلح للقلب ، والأمر ليس كذلك ، فصلاح القلب بقلة المخالطة إلا ما كان من المخالطة في أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو في علم ، أو دعوة ، أو ما شابه ذلك ، فهذه المخالطة محمودة .

وإذا أقل العبد من المخالطة أنِسَ بربه – جل وعلا – أنس بالقرآن ، اشتاق لله – جل وعلا – اشتاق لتلاوة كتابه ، إذا صلى فإنه يكون للصلاة في حقه معنى ، فإنه يناجي ربه – جل وعلا – ويحس أنه لن يكون مسرعا في طلب مخالطة الخلق ، بل هو منشغل بمناجاة الله – سبحانه – عن مناجاة الخلق ومخالطتهم .

نلاحظ أن الذي يكثر المخالطة ، ويكثر الحديث مع الناس ، حتى على أبواب المساجد قبل الإقامة أنه إذا دخل في الصلاة لا يدخلها بقلب خاشع مستعد لمناجاة خالقه – جل وعلا – وذلك لأن كثرة مخالطة الخلق تقتضي كثرة سماع كلامهم ، وكثرة السماع تشغل القلب ، وتشغل العقل إلا ما كان في حق وهدى .

إذن فالمخالطة يجب أن تُوزَن بميزان ، وأن تنتبه لها في نفسك ، وأن تُحَذِّر منها من تعول ، وكلَّ مَن حولك ، فالمربي كما أنه يربي نفسه على قلة الاختلاط إلا فيما ينفع ، فإنه كذلك ينبغي له أن يعلم من له ولاية عليه ، أو له حق عليه ممن حوله أنهم إذا كانوا لا بد أن يخالطوا ، فيجب أن تكون مخالطتهم محدودة ، وفيما ينفع ، لا فيما لا طائل تحته ، ولا جدوى منه ، لأن كثرة المخالطة لها من الأضرار ما لا يعلمها إلا الله – سبحانه وتعالى – .

الوصية السادسة : أن يكون الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم – أحب للمرء مما سواهما :

هذه وصية عامة وخاصة ، هي عامة لجميع الناس ، وخاصة لخاصة الناس ، ألا وهي أن يكون الله – جل جلاله – ورسوله – صلى الله عليه وسلم – أحب للمرء مما سواهما وهذا من أسباب تحصيل لذة الإيمان في القلب : « ثلاثة مَن كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار » ([41]) . إذا كان الله – جل جلاله – ورسوله – صلى الله عليه وسلم – أحب للعبد من كل ما سواهما من نفسك ، من أهلك ، من الدنيا ، من المال ، من الشهوات ، فإن هذا يثمر تعلقا للعبد بالآخرة ، وامتثالا في هذه الدنيا لأمر الله – جل وعلا – وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلم – ويثمر ترك الأهواء ، والشبهات ، والشهوات ، لأن العبد إذا كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، فإنه سيسعى إلى أن تكون هذه المحبة صحيحة ، وهذه المحبة إنما تكون صحيحة بأن يتعرف المرء على ما جاء في القرآن ، وما جاء في السنة ، فإذا علمه عمل به .

ولشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – كتاب عظيم اسمه “قاعدة في المحبة” بنى هذا الكتاب على هذا الحديث وقال فيه ([42]) : ومن المعلوم أن كل حي له إرادة وعمل بحسبه ، وكل متحرك فأصل حركته المحبة والإرادة ، ولا صلاح للموجودات إلا أن يكون كمال محبتها وحركتها لله – تعالي – كما لا وجود لها إلا أن يبدعها الله .

 فمحبة صاحب الدنيا للدنيا هي التي حركته لهذه الدنيا ، إذا أحب المال تحرك له ، لا يبالي في أي وقت ، أو في أي مكان ، ومحبة بعض الرجال للنساء وللشهوات تجعلهم يتحركون في ذلك ، ولو بذل وقتا ومالا ، أو ما إلى ذلك .

كذلك محبة أهل الطاعة للعبادة جعلتهم يتحركون لها ، ومحبة أهل الإصلاح للإصلاح جعلتهم يتحركون من أجله ، إذا كان الله ورسوله أحب للعبد مما سواهما ، فإنه سينتج عن ذلك أن تكون حركة العبد لله – جل جلاله – وفي أمر رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، لا للخلق ، لأن المحبة هي التي تولد الحركة .

وهذه قاعدة مهمة ، ومما يتفرع من هذه القاعدة أن محبة الله – جل جلاله – ومحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – تقتضي أن يكون العبد محكما لكلام الله ، وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – على نفسه ، دون غلبة للهوى ، لأن المحبة كلما زادت ، كلما تخلص العبد من الهوى ، وكما قال بعض الأدباء : الهوى مَرْكَب يلذ للقاصر الغريق . يعني أنه مركب يلذ للقاصر الذي لا يعرف العاقبة ، ولكن النهاية أنه يغرق بهذا المركب .

الهوى أحد أعظم الأسباب التي تصرف العبد عن محبة الله ورسوله ، فَثَمَّ إذن أصل ونتيجة ، الأصل محبة الله – جل وعلا – ومحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ونتيجة هذه المحبة ترك الهوى ، فمن كان عنده بعض الهوى في الشبهات ، أو في الشهوات فُهِم من ذلك أن محبته لله – جل وعلا – ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – محبة ناقصة ، وقد قال – جل وعلا – ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ([43]) . قال بعض السلف : ليس الشأن أن تُحِبَّ – يعني أن تحب الله – ولكن الشأن أن تُحَبَّ . فإذا حقق العبد هذا الأصل الذي هو محبة الله – جل وعلا – ومحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – فإنه ينتج عنه ترك الهوى .

ومن مظاهر تحكيم الهوى أن يعطل المرء طاعة الله – جل وعلا – وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – في بعض النصوص لما ألفه ، أو لما تعلمه ، أو لما نشأ عليه ، والهوى قد يكون سببه الإلف ، فقد يألف المرء شيئا حتى يصير له فيه هوى ورغبة ، حتى يظن أنه الحق ، وقد يكون قد نشأ على شيء ، وهذا الذي نشأ عليه غلب على عقله ، حتى صار له فيه هوى ، ويكون الحق في غيره .

يجب على المرء أن يخلص نفسه من أن يكون له هوى في شيء إلا فيما جاء به المصطفى – صلى الله عليه وسلم – كما جاء في الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به » ([44]) .

النشأة لها أثر في أن يكون المرء صاحب هوى ، فقد ينشأ المرء على قول يظنه حقا ، ويعتمد ذلك القول ، ويدافع عنه ، ولا ينظر إلى النصوص التي دلت على خلاف ذلك القول ، فإذا دلت النصوص على ما نشأ عليه فهذا من توفيق الله – جل وعلا – وإذا دلت على خلافة ، فإن محبة الله – جل وعلا – ومحبة رسوله ، تقتضي أن يترك ذلك الهوى ، وأن يسعى في تلقي العلم الذي ثبت بالدليل .

قال بعض أهل العلم : إن للتربية وللعلم أثرا في الطباع ، كما أن لرضاعة الصغير أثرا في الطباع ، فالصغير إذا أرضَعَتْه امرأة ذات صفات مذمومة ربما انتقلت له هذه الصفات عن طريق الرضاع ، ولذلك جاء عن بعض السلف أنه قال : إن الرضاع نسبة ، فلا تَسْقِ من يهودية ، ولا نصرانية .

وقد كان بعض العلماء

(أول الوجه الثاني)

 خطيبا فحلا يؤثر في الناس ، وكان مهتما برضاع أحد أولاده حتى إنه منع امرأته من أن يرضع ذلك الولدَ إلا هي ، أو مَن يعلم ، فحصل مرة أن أتت ذلك البيتَ امرأةٌ ، وكانت ترضع ، فأرضعت ذلك عدة رضعات في غيبة من الوالد ، فلما شب ذلك وصار من العلماء لم يكن مفوها كأبيه ، فسُئل عن ذلك فقال : هذا من آثار الرضعة الأولى .

فالرضعة مؤثرة ، ويلحق بهذا رضاع الآراء ورضاع الأفكار ، فالذي يُقْبِل على الخير ، ويقبل على الاستقامة ، يرضع من الخير والهدى بحسب من يخالطه ، فإذا أدرك بعد زمن واستقام ، وأقبل على الله – جل جلاله – وصار لا يحتاج في الغالب إلى موجه ، يجب عليه بعد ذلك أن يتأمل نفسه في هذا الأمر ، وهو تخليصها من الهوى ، لأنه ما استقام ، ولا رغب إلا رغبة في أن يكون الله – جل وعلا – ورسوله – صلى الله عليه وسلم – أحب إليه مما سواهما ، وسبيل ذلك أن يترك الهوى إلا في طاعة الرسول – صلى الله عليه وسلم – .

وهذه مسألة مهمة ينبغي أن نتدارسها ، وهي أن المرء في أول إقباله يَعلق بذهنه أشياء ، وبقلبه أشياء قد لا يستطيع التخلص منها إلا إذا حزم على نفسه ، وخلص نفسه من الهوى ، وأقبل على تحكيم العلم ، وتحكيم الكتاب والسنة ، وهذا – لا شك – يتطلب من المرء جهدا ، وحُسن توكل على الله – جل جلاله – ، وفي التوكل على الله – جل جلاله – أعظم الأثر .

 

 

([1]) سورة الأنعام : الآية 151 .

([2]) سورة الأنعام : الآية 151 .

([3]) سورة النساء : الآية 131 .

([4]) سورة الشعراء : الآية 105-108 .

([5]) سورة الشعراء : الآية 141-142 .

([6]) سورة الشعراء : الآية 123-124 .

([7]) سورة الشعراء : الآية 160-161 .

([8]) سورة هود : الآية 1-3 .

([9]) بتصرف من لسان العرب : وقي .

([10]) النصِيف هو الخِمار . اللسان : نصف .

([11]) هو عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي ، أمير سجستان . ظفر به الحجاج وقتله ، وطِيف برأسه سنة أربع وثمانين للهجرة . وكان قد خلع عبد الملك بن مروان ، ودعا لنفسه في شعبان سنة اثنتين وثمانين ، وبايع الناس ، وكان ابن الأشعث في مائتي ألف فارس ، ومائة ألف راجل . وكان دخول ابن الأشعث البصرة في آخر ذي الحجة سنة إحدى وثمانين ، ثم إن الحجاج التقى مع ابن الأشعث في أول المحرم ، وهي وقعة الزاوية ، فاقتتلا قتالا شديدا . قتل الحجاج يوم الزاوية أحد عشر ألفا ، ولم يزل هو والحجاج في حروب وكروب ، وكر وفر إلى أن أُسر ابن الأشعث ، وكانت بينه وبين ابن الأشعث ثمانين وقعة . باختصار من الوافي بالوفيات (1/2592) .

([12]) هو طَلْقُ بن حَبيب العَنَزِيُّ ، بصريّ ، زاهد كبير ، من العلماء العاملين ، كان طَيِّب الصوت بالقرآن ، بَرًّا بوالديه . قال طاوس : ما رأيت أحدا أحسن صوتا منه ، وكان ممن يخشى الله – تَعَالَى – . له ترجمة في تهذيب الكمال (13/451) .

([13]) أخرجه أحمد (5/153 ، رقم 21392) ، والترمذي (4/355 ، رقم 1987) وقال : حسن صحيح .

([14]) سورة الحج : الآية 1 .

([15]) سورة النساء : الآية 1 .

([16]) أخرجه مسلم (4/1986 ، رقم 2564) .

([17]) سورة القصص : الآية 61 .

([18]) سورة النساء : الآية 131 .

([19]) أخرجه والبخاري (1/28 ، رقم 52) ، ومسلم (3/1219 ، رقم 1599) .

([20]) سورة سبأ : الآية 46 .

([21]) سورة يونس : الآية 101 .

([22]) سورة الرعد : الآية 2 .

([23]) سورة لقمان : الآية 10 .

([24]) سورة آل عمران : الآية 160 .

([25]) سورة فصلت : الآية 39 .

([26]) سورة الروم : الآية 27 .

([27]) سورة غافر : الآية 57 .

([28]) سورة الأنبياء : الآية 104 .

([29]) سورة الزمر : الآية 67 .

([30]) سورة البقرة : الآية 164 .

([31]) سورة آل عمران : الآية 160 .

([32]) سورة النحل : الآية 106 .

([33]) سورة الزمر : الآية 22 .

([34]) سورة الأنعام : الآية 125 .

([35]) سورة الأعراف : الآية 2 .

([36]) سورة النحل : الآية 106 .

([37]) سورة الأعراف : الآية 2 .

([38]) سورة الزمر : الآية 22 .

([39]) سورة الأنعام : الآية 125 .

([40]) سورة الحديد : الآية 14 .

([41]) أخرجه البخاري (1/14 ، رقم 16) ، ومسلم (1/66 ، رقم 43) .

([42]) ص 14 .

([43]) سورة آل عمران : الآية 31 .

([44]) أخرجه الخطيب (4/368) ، ابن أبي عاصم (1/12 ، رقم 15) . قال النووي في الأربعين النووية : حديث حسن صحيح ، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح .

شاركها مع أصدقاءك