بواسطة :
الزيارات : 1٬240 مشاهدة

الوقف في الشريعة الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهداه ، أشكر الله – جل وعلا –  بما أنعم علينا من نعم كثيرة ، وأحمده سبحانه على توالي فضله ونعمه بتعدد الاهتمامات الشرعية في بلد الشرع والعقيدة المملكة العربية السعودية ، وأحمده سبحانه أن هيأ لنا من الأسباب ما نتنافس فيه إلى أبواب الخير ، مجسدين ما دلّ عليه كتاب الله – جل وعلا –  ودلت عليه سنة الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – سائلًا المولى – جل وعلا – أن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى .

الحث على الوقف والأمر به :

إن الشرع الإسلامي الكريم ، والسنة النبوية المطهرة حَثَّتْ على الوقف بجميع مجالاته ، وأمرت به حتى صار الْوَقْفُ سُنَّةً ماضية ، وشريعة باقية في أهل الإسلام حثنا الله – جل وعلا –  على ذلك بقوله في محكم كتابه : ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ ([1]) ، وحث عليها نبينا – صلى الله عليه وسلم –  بقوله لعمر – رضي الله عنه – لما أصاب أرضًا بخيبر هي أنفس ماله ، قال له : « يا عمر ! إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها » ([2]) .

وقال أيضًا – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه مسلم في صحيحه : « إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ » ([3]) .

قال جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – : ” لم يكن أحدٌ من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ذا مقدرة إلا وقف ” ([4]) ، وكان الصحابة – رضوان الله عليهم – يتنافسون في الوقف في سبيل الله – جل وعلا – بأنواع البر المختلفة ، وظل هذا في الأمة الإسلامية يتداوله المتأخر عن المتقدم.

أبواب الوقف :

تنوعت أبواب الوقف حتى وقف المسلمون في أوائل العصور على مجالات كثيرة ، فوقفوا على الجهاد في سبيل الله – سبحانه وتعالى – بأنواعه ، وعلى المساجد ، والتعليم ، وأنواع البر المختلفة للفقراء والمساكين واليتامى ، والمكتبات ، والمستشفيات ، وحلقات القرآن ، وذلك لأن جهات البر في الوقف لا تنقطع .

دور المملكة في المحافظة على الوقف :

مضت أمة الإسلام والوقف فيها عمود فقري في تحقيق أنواع التنمية ، لم تكن الدولة الإسلامية في ماضي الزمان تقوم بكل شيء مما يحتاجه الناس ، بل كان الوقف يقوم بدور كبير في ذلك في الأنواع التي ذكرت سالفًا ، وهذا بَيِّنٌ ظاهر ، لأن الوقف قربة إلى الله – جل وعلا -، لا ينقطع معه عمل صاحبه ، ولما قامت المملكة العربية السعودية على يدي الملك الإمام المؤسس : عبد العزيز عبد الرحمن آل سعود – رحمه الله تعالى ورفع درجته -، اهتم بالأوقاف اهتمامًا كبيرًا ؛ فجعل المحافظة على أوقاف المسلمين في كل بلد دخلت تحت ولايته في الرياض ، ومكة ، والمدينة ، همه الأول ، ثم إنه أجرى الأوقاف العظيمة التي تنفع الناس ليكون بذلك قدوة للناس ، فأجرى وقف « عين العزيزية » التي يستفاد من مائها لمدينة جدة إلى وقتنا الحاضر .

ويمضي هذا الأثر إلى وقت خادم الحرمين الشريفين الملك : فهد بن عبد العزيز ، وسمو ولي عهده الأمين الأمير : عبد الله بن عبد العزيز في وقف كبير عظيم في تاريخ هذه البلاد بوقف القلعة ، قلعة جياد ، وما حولها من الأراضي التابعة لها ، والتي يبلغ تقدير ثمنها أكثر من ملياري ريال سعودي .

واهتمام الدولة – وفقها الله – بوزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في جميع أعمالها التي نعتني فيها بالأوقاف ، فتدعم الدعوة مجلس الأوقاف الأعلى ، والمجالس الفرعية لتؤدي رسالتها خير أداء .

الوقف حسنة باقية لأصحابها :

إن الدولة الإسلامية في قيامها بمهماتها ، وتأمينها للاعتمادات المالية التي تحتاجها خطط التنمية ، ليس معناه عدم فتح المجال لأصحاب الثروات في التقرب إلى الله – جل وعلا – بأنواع الوقف ، لأن الوقف على أبواب البر حسنة باقية لأصحابها .

وليتنا نقتدي بسلفنا الصالح إذ لم يكونوا يعتمدون على الدولة فيما يحتاجه الناس من خدمات ليكون في ذلك امتداد لسُنَّةِ الوقف العظيمة . ونحن في هذا البلد سباقون إلى الخير دائمًا ، نرجو أن نكون ممن يقدم على هذا ويتوسع المجال فيه .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .



([1]) سورة آل عمران : الآية 92 .

([2]) أخرجه البخاري (2/982، رقم 2586).

([3]) أخرجه مسلم (3/1255، رقم 1631) .

([4]) أخرجه أبو بكر الخصاف في ” أحكام الأوقاف” : (15) .

شاركها مع أصدقاءك