بواسطة :
الزيارات : 9٬090 مشاهدة
  • إسم الملف : فضل العلم والتعلم
  • عدد الزيارات : 9٬090 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

 الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعلنا من أهل العلم والعمل يا أرحم الراحمين .

 لا شك أن طالب العلم والمؤمن الحق لا ينفك عن طلب العلم وعن التعبد بالعلم تعلمًا وتعليمًا ، أو بالدعوة تعلمًا وبذلًا ، أو بأنواع العبادات ، لا ينفك عنها بأي حال من الأحوال ، أو هذا الذي ينبغي أن يكون عليه الناس؛ لأن العمر أقصر من أن يبذل في غير ما ينفع .

فأسال الله جل وعلا أن يجعل أعمارنا كلها لنا لا علينا ، وأن يجعل أنفاسنا في سبيله وأعمالنا في سبيله وأقوالنا في سبيله ، وأن يجعلنا من المتبعين لسنَّة النبي صلى الله عليه وسلم في القول والعمل والاعتقاد ، إنه سبحانه جواد كريم .

وجوب إخلاص النية في طلب العلم :

مما لا شك فيه أن الأحاديث التربوية والدروس العامة لمن الأهمية بمكان لطالب العلم؛ لأن العلم يحتاج إلى كثير من الأدب وكثير من التذكير بأصوله وأخلاق طَلبه وكيفية طلبه .

ومن ثَمَّ لا بد لطالب العلم فيما يُقبل عليه من علم وتعلم أن يحرص دائمًا على إخلاص النية لله جل وعلا في علمه وفي تعلمه وفي تعليمه . وقد سبق مرارًا أن النية في طلب العلم والإخلاص فيه – كما ذكر العلماء منهم الإمام أحمد بن حنبل وغيره – هي رفع الجهل عن النفس يعني أن يعبد المسلمُ الله جل وعلا على علم رافعًا الجهل عن نفسه . ثم إذا أراد أن يكون من ناشري العلم فعليه أن ينوي رفع الجهل عن غيره وتبليغ رسالة الله جل وعلا وتبليغ كلام رسوله صلى الله عليه وسلم .

وإذا وافق طالب العلم ذلك فإنه على خير كثير؛ لأنه سيحاسب نفسه فيما يأتي وفيما يذر في طلبه للعلم ويكون طلبه للعلم عبادة في كل أحواله إذا خلصت نيته لله جل وعلا ، وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام : « إِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِى السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِى الأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِى جَوْفِ الْمَاءِ »([1] )

مراتب طلب العلم :

فطالب العلم بإخلاصه وبتعلمه وتعليمه يحظى على مراتب من العبودية :

المرتبة الأولى وهي أعظمها أن يكون متابِعًا وارِثًا لنبينا عليه الصلاة والسلام ، وهذه أعظم المنازل فـ « إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ » ([2] ) ، ومقام العلماء يوم القيامة أعلى من مقام غيرهم ، والله جل وعلا يغفر لهم ويزيدهم إحسانًا وثوابًا قال سبحانه ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ[ سورة المجادلة : الآية 11 ] يعني أن أهل الإيمان مرفوعون عن غيرهم ، وأن أهل العلم من أهل الإيمان مرفوعون درجات على غيرهم .

والمرتبة الثانية أن طالب العلم الذي خَلصت نيته فيه قد أتى بسبب من أعظم الأسباب في مضاعفة الحسنات التي يعملها الإنسان؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، ومن أسبابها الخير العظيم الذي منه الجهاد في سبيل الله ، ومن الجهاد الجهاد بالعلم والتعلم والتعليم؛ فإذًا يحظى طالب العلم بحرصه على العلم بعد المزية الأولى أنه ممن تُضاعف لهم الحسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في الصحيح « مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ » ([3] ) .

والجهاد في سبيل الله في أصله من أسباب المضاعفة كما قال جل وعلا : ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ سورة البقرة : الآية 261 ] . هذا إن كان في النفقة فما بالك في بذل النفس في الجهاد فهو أعظم .

 فمعلوم أن نشر العلم والجهاد بالقرآن أعظم من مجرد النفقة التي يعان بها الآخرون؛ ولهذا قال أهل العلم : إن العلماء الربانيين العالمون العاملون المعلمون الذين يربون الناس بصِغار العلم قبل كباره من أعظم المجاهدين في سبيل الله ، فلهم من مضاعفة الحسنات الحظ الأوفر إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[ سورة البقرة : الآية 261 ] .

والمرتبة الثالثة التي تعلو بها همة طالب العلم في فضل العلم والتعلم أن طلب العلم عبادة وحسنة ، ومعلوم أن الحسنات يذهبن السيئات وقد قال جل وعلا : ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ[ سورة هود : الآية 114 ] والحسنة المتعدية النفع إلى الآخرين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكالعلم ولدعوة والجهاد ونحو ذلك من أعظم الحسنات ، فهي تذهب من السيئات ما يقابلها . ولهذا يعظم طالب العلم في أنه يتعرض لمحو السيئات في طلبه للعلم ، وهذا من أعظم ما يُرغّب المرء في طلب العلم لأن العلم جهاد والمجاهد مغفور ذنبه بإذن الله جل وعلا .

والمرتبة الرابعة التي تحض على طلب العلم أن طالب العلم والعالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في جوف الماء واستغفار كل شي من عباد الله والموحدين المكلفين وغير المكلفين ، هذا من أعظم ما يحرص عليه العبد لأنه لا بد أن يكون من بين هذه الدعوات دعوة مجابة ، فلا يشقى من دعا الملائكة والصالحين والأنبياء وسائر المكلفين ومن الجمادات والكائنات الأخر حتى الحيتان في جوف الماء .

المرتبة الخامسة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « من دعا إلى هدى ، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا »([4] ) . فمن ذلك طالب العلم وناشره فله مثل أجور من اتبعه ، فإن علَّم عبدًا معنى الشهادتين وهو التوحيد فهذا التوحيد الذي به يصلح عمل ذلك العبد ويرضى الله -جل وعلا- عنه فله مثل أجور أعماله فضلًا من الله -جل وعلا- وتكرمًا . وإذا علم أحدا في المسجد أو في بيته أو في السوق كيفية الصلاة أو أمره بخير فأتمر ، أو نهاه عن منكر فانتهى فله مثل أجره .

وهذا ولله الحمد يجعل المرء في علمه وتعلمه وتعليمه سواء أكان شفاهًا أو نشرًا وكتابة ودعوة فإنه يحظى بمثل أجر من اتبعه منة من الله -جل وعلا- وتكرمًا ، بل يُنَمَّى الله ذلك له بعد موته كما صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثةٍ : إلا من صدقةٍ جاريةٍ ، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به ، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له » ([5] ) .

وفضائل العلم والعلماء لمما يجعل المرء يحرص أعظم الحرص على طلب العلم والجد فيه بمنهجية وأناة؛ حتى يحظى بالعلم الذي ينفع به الناس . ومن يسمع مثل هذه المكاسب العظيمة وينظر في غيرها لا شك أنه همته تنبعث على طلب العلم والحرص عليه .

وإذا نظر المرء إلى هذه الأمور الخمسة وإلى غيرها انبعثت همته في العلم وطلبه وفي الحرص عليه وفي الحفظ وفي البحث وفي الكتابة وفي حضور حلقات العلم ليحظى على مثل هذا الأجر العظيم؛ حسنات مضاعفة وذنوب تغفر وجهاد واستغفار وأعمال صالحة ، ثم مثل أجور من اتبعه وإلى غير ذلك من الفضائل .

أثر مطالعة سير العلماء السابقين في نفوس المتعلمين :

إذا حصل هذا عند العبد وأَنست نفسه به وانبعثت للعلم فإنه ينظر بعد ذلك إلى سير العلماء الأولين ، ينظر إلى سير علماء الأمة من الصحابة رضوان الله عليهم فمن بعدهم ، ينظر إلى أخلاق القوم وإلى أعمالهم فتنهض نفسه وتنشط في طلب العلم . يرى أهل الهمم العالية كيف لم يؤثروا الدنيا على ما عند الله جل وعلا ، كيف لم يؤثروا الدعة والسكون على طلب العلم ونشره والحرص عليه وتعلمه ومعاهدته وتكراره .

 فإذا نظر إلى كل ذلك نشطت همته وعلت رغبته أكثر وأكثر؛ لأن المرء إذا رأى أمثلة متجسدة تمشى على الأرض في هذا الأمر صار له من الدواعي أكثر مما لو كان الكلام نظريًا ليس له أمثلة . لهذا لابد من مطالعة تراجم أهل العلم تراجم الصحابة رضوان الله عليهم .

انظر مثلًا ترجمة ابن مسعود -رضي الله عنه- وابن عباس -رضى الله عنهما- ابن عمر -رضي الله عنهما- والصحابة الذين طلبوا العلم وكانوا صغارًا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام تجد أن في سيرتهم من العجائب والتربية ما يبعث الهمة ويقوى العزيمة .

فابن عباس رضي الله عنه مكث مدة من الوقت على باب زيد بن أرقم رضي الله عنه تُسفي عليه الريح التراب ، منتظرا إياه متى يخرج حتى ليسأله ، فلما خرج زيد ونظر إليه قال : ألا أخبرتنا أنك هنا يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال ابن عباس هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا العلم يؤتى إليه ولا يأتي .

كذلك سيرة ابن عباس مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه كيف كان يخالطه وكيف كان يخاطبه فأفاد ابن عباس منه إفادة كبيرة في العلم ، وأخذ منه علمًا كثيرًا .

خذ مثلًا في تفسير قوله تعالى : ﴿ إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا[ سورة التحريم : الآية 4 ] مَن المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال ابن عباس مكثت سنة أريد أن أسأل عمر فلم أَجْسر([6] ) عليه حتى كان في عودته من حجة حجها ، قال فلما صببت له الوضوء سألته : مَن المرأتان؟ فقال عائشة وحفصة . وهذا يعني أنه تحرى المكان المناسب والزمان المناسب وأيضًا انشراح صدر المُعلِّم أو العالم حتى يجيبه بالجواب المفيد لمثل هذا السؤال العظيم .

هكذا إذا نظر طالب العلم إلى سير التابعين من العلماء ينشط ، فإذًا لا بد له من مطالعة سير العلماء ، فبدون سير العلماء يَخْمل وما يعرف للهمة طريقا ، ولا يعرف كم بذل علماء السلف من جهد ، وكيف رحلوا على أرجلهم أو على حمار أشهرا طويلة ، وأن منهم من كابد الموت ، ومنهم من كابد مشاقًا عظيمة ، ومنهم من ذهبت نفقته .

ونحن اليوم نتنقل في أحسن المراكب بالنسبة إلى مراكب القوم ونتصل بأسهل اتصال ونسافر في أسهل الطرق ، ومع ذلك نشكو من الوقت أو نشكو من أشياء كثيرة . فإذًا مطالعة سير الأولين تنبؤ طالب أنهم إنما صاروا علماء – بعد توفيق الله تعالى – بهمة عالية وبالجد والاجتهاد .

وكان من صلاح نية الإمام أحمد – رضي الله عنه – في قوله وعمله أنه لما أراد الرحلة إلى اليمن ليأخذ عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني صاحب “مصنف عبد الرزاق” المعروف أنه رتب أن يحج ثم بعد الحج يرحل إلى اليمن ليأخذ عنه . فلما حج إذا بعبد الرزاق فقال له صاحبه ، أي صاحب الإمام أحمد : يا أبا عبد الله هذا عبد الرزاق جاء الله به ، هيا نأخذ عنه العلم وقد كُفينا الرحلة ، فقال الإمام أحمد قد نويت النية على الرحلة فلن آخذ منه شيئًا هنا ، سأذهب إليه في اليمن ، فذهب إليه في اليمن وحصَّل منه علمًا كثيرًا لم يحصله الذي لقيه في مكة لأيام وليال .

أفضل كتب تراجم أهل العلم :

فالهمة في طلب العلم لا يمكن للطالب تصورها نظريًا ، بل لا بد من رؤية أمثلة لها ، وهذه الأمثلة نطالعها في تراجم أهل العلم المشهورين وغير المشهورين . ومن أحسن الكتب التي تطالع فيها تراجم أهل العلم كتاب ” تذكرة الحفاظ” للحافظ الذهبي و”سير أعلام النبلاء” له أيضا ، وغير ذلك من الكتب التي ترجمت لعلمائنا ، وهى كثيرة جدًا يصعب حصرها أو إحصاؤها في مثل هذا المقام .

ضرورة مدوامة طالب العلم على الاتصال بالله تعالى خصوصا ، القرآن الكريم :

أيضًا مما يعتني به طالب العلم في تنشيط نفسه لطلب العلم وعدم الغفلة أن يكون دائم الاتصال بربه – جل وعلا – وخاصة كلام الله- جل جلاله . فطالب العلم الذي يغفل عن القرآن تلاوة وحفظًا بل حفظًا قبل التلاوة فانه مجروح يعني قد أصيب ، وليس مجروحا في عدالته لكنه قد أصيب في نفسه؛ لأن النفس لا تنشرح للعلم وطلبه بدون القرآن ، لأن العلم ما هو إلا التفقه في كتاب الله – جل وعلا- وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ضرورة حفظ القرآن وتدبره والتفقه فيه .

ولذلك أعتب على كثير من الأخوة ممن لهم مدة طويلة في طلب العلم أنهم لم يحفظوا القرآن ، فإلى متى! الشباب يذهب والزمن ينقضي وقوة الذهن وقوة الحافظة تضعف . والفراغ من الأسباب التي تعينك على حفظ كتاب الله جل وعلا ،والقرآن ميسر ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ[ سورة القمر : الآية 17 ] .

كيف يستدل طالب العلم الذي لا يحفظ القرآن الكريم على مسائل العلم؟ فالعلم دليل من الكتاب أو من السنة أو من كلام الصحابة أو كلام أهل العلم . هذا هو العلم فإذا لم يحفظ القرآن ولم يحفظ السنة يعني يحفظ كثيرًا من السنة فأنَّى تتأتَّى له مواقع الاستدلال! ولذلك تأتي كلماته تعوزها الحجة ويعوزها الدليل .

إذًا طالب العلم لا يليق به أن يكون غير حافظ لكتاب الله جل وعلا . ومَن منَّ الله – جل وعلا – عليه بحفظ كتابه فليشكر الله على هذه النعمة التي وصفها الله –تعالى- في سورة العنكبوت بقوله : ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ[ سورة العنكبوت : الآية 49 ] ، وهو نور »قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ[ سورة المائدة : الآية 15 ] ، وهو كتاب الله – جل وعلا- الذي فيه الحجة والعظة والعبرة ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ سورة يونس : 57- 58 ]

والقرآن أنيس العبد المؤمن وأنيس طالب العلم وحجته فبدون القرآن كيف يحتج ، وبم يحتج؟ هل يكون من أهل الرأي أو ممن يقل استدلالهم بالقرآن ، فإذا تكلم فإما أن يخلو كلامه من القرآن أو تكون فيه آية أو آيتان ، وهذا ضعف . فطالب العلم كلما قوي حفظه لكتاب الله وتدبره إياه في أثناء التلاوة تعرف على مواضع الاستدلال فيه ، وهو مما يقوي حجته ، حتى إنه يحس من نفسه أنه على نور لأنه يعيش مع كتاب الله جل وعلا .

إذًا فلا بد لطالب العلم من العناية بكلام الله – جل وعلا – حفظًا ثم تلاوة وتعاهدًا ثم تفقهًا ، لا بد له دراسة تفسير من تفاسير القرآن ، وكتاب في فقه القرآن ليعرف ما اشتمل عليه هذا الكتاب العظيم من أحكام ومعجزات .

ضرورة العناية بالسنة النبوية :

ثم تأتي العناية بسنة النبي عليه الصلاة والسلام ، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام ولله الحمد محفوظة ، محفوظة في الكتب ، والعلماء المأمونون على نشرها وبيانها وبيان أحكامها وما اشتملت عليه – ولله الحمد – موجودون .

فطالب العلم إذا حفظ منها ما تيسر له فإنه حينئذ يسهل عليه أن يفهم معاني الأحاديث ، يعني فليحفظ الأربعين النووية ، ويحفظ في الأحكام “عمدة الأحكام” ، و”بلوغ المرام” يكرر ذلك كثيرًا ، ويتعاهده بالمرور عليه كل عدة أشهر مرة ؛حتى تكون الأحاديث حاضرة في ذهنه ، وتكون سنة النبي صلى الله عليه وسلم معه .

كذلك يكون منتبها إلى أحاديث الجوامع التي أوردها النووي مثلا يحفظ أبواب “رياض الصالحين” ، فالإمام النووي يذكر في كل باب النووي الآيات التي تدل على ما بَوَّب له ، ثم يذكر الأحاديث . فإذا ما تأمل طالب العلم ذلك فحفظ هذه الآيات وحفظ الأحاديث أو شيئًا منها فإنه بذلك يوطن نفسه بعد ذلك على معرفة الموضوعات والعناوين والأقوال ، فمثلًا موضوع كتدبر القرآن فإنه يضع في ذهنه كلما مر على آية فيها التدبر وضعها في مكانها المناسب ، وكذلك كلما مر على حديث فعل ذلك .

وإذا حفظ طالب العلم القرآن فإن المسألة -بالنسبة له- تصبح مسألة ترتيب ، يعني أنه يستطيع أن يستدل بخمس آيات أو ست آيات في الموضوع الواحد لا يعوزه التذكر ولا الحفظ .

كذلك إذا حفظ أحاديث كثيرة فإنه يمكنه أن يستحضر في ذهنه عدة أحاديث في الموضوع الواحد حتى يجتمع تحت الأبواب شمل الآيات والأحاديث ، ثم يضم إليهما بعد ذلك كلام أهل العلم في بيان ذلك ، فإذا أراد أن يتكلم في أي موضوع في أي زمان وأي مكان لم يعزه التحضير ولن يعوزه الجهد في الاستعداد ، بل كل ما عليه أن يبدأ والله – جل وعلا – يفتح عليه .

وما ذلك إلا لأنه استجمع آلات العلم ، فمعه القرآن ومعه السنة ، ومعه موضوعات وعناوين مرتبة في ذهنه ، فيبين العلم النافع للناس الذي هو كلام الله – جل وعلا- وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بيان أهل العلم لمعانيهما ، فالعلم كما قال الحافظ الذهبي :

العلم قال الله قال رســوله                 قال الصحابة ليس خُلْفٌ فيه

 ما العلم نَصْبُك للخلاف سفاهة                بين الرسول وبين رأي فقيه

أو كما قال ابن القيم في نونيته([7] ) :

العلم قـال الله قال رسـوله                 قال الصحابة هم أولو العرفان

 ما العلم نَصْبُك للخلاف سفاهة                بين الرسول وبين رأي فلان

وقال في بيان العلم :

والعلم أقســام ثلاث مالها من رابع ، والحــق ذو تبيان

علم بأوصاف الإلـه وفعله وكذلك الأسمــاء للديَّان

والأمر والنهي الذي هو دينه وجزاؤه يوم الــمعاد الثاني

والكل في القرآن والسنن التي جاءت عـن المبعوث بالقرآن

واللـه ما قال امرؤ متحذلق بسواهـما إلا مـن الهذيان

وفي أول الأبيات قال :

والجهل داء قاتل ، وشفـاؤه       أمـران في التركيب متفقان

 نص من القرآن أو من سنة              وطبيب ذاك العالم الرباني

ضروة ترتيب طالب العلم عقله وقلبه على أبواب العلم وموضوعاته :

وطالب العلم إذا حفظ القرآن وحفظ من السنة ما حفظ يجب أن يرتب نفسه على الأبواب . فلا يجوز له أن يقرأ ما يقرأ ويمر على الآيات والأحاديث ولم يرتب عقله وقلبه ، فبذلك تعوزه الحجة إذا أتى موضوعا فلا يجد لديه بيان فيه ، لكن عليه أن يجمع ثم بعد ذلك يبدأ في ترتيب المعلومات التي في ذهنه فيضع لنفسه عناوين موضوع ما ، التقوى مثلا ، ما الآيات التي في ذلك الموضوع ، فآيات التقوى في القرآن كثيرة ، يرتبها الأمر بالتقوى ، درجات التقوى ، ثواب المتقين ، آثار التقوى في الدنيا والآخرة . ثم يرتب الموضوع ويكون معه في كل عنصر من ذلك آية وحديث ، فإذا احتاج إلى هذا الموضوع في أي مقام وجده حاضرا في ذهنه .

ضرورة دوام استعداد طالب العلم :

فطالب العلم قد يحُتاج إليه ليخطب في يوم الجمعة فجأة إذا ما غاب الخطيب ، فهل يعجز عن الخطابة ، بحجة أنه لم استعد . لا يليق بطالب العلم ذلك لأن الذي ينبغي لطالب العلم أن يتحرك والعلم معه بمحفوظه ، بما يحفظ . فإذا كانت المعلومات مرتبة في عقله فإن الأمر يسهل عليه .

مراعاة طالب العلم مقتضى الحال في موضوعاته :

وكذلك إذا احتيج إليه في مجلس مثلًا ، وجب عليه أن يعرف ما ينفع الناس في ذلك المجلس . ففي بعض المقامات تصلح الموضوعات العامة كفي محضر العوام من أقاربه أو من أهله في بيته أو نحو ذلك فيبدأ في موضوع يُذكِّر به ، يكون فيه صلة عامة ، مثل التقوى ، أو التوحيد وأصوله وما يتصل بذلك ، فلا بد أن يكون الموضوع مرتبا عنده أي الموضوعات والعناصر مع أدلتها وكلام أهل العلم فيه .

وكثير من طلبة العلم من الشباب ومن مضى عليه زمن في طلب العلم عنده معلومات كثيرة ، ومحفوظات لكنه لم يرتب تلك المعلومات والمحفوظات في عقله وقلبه . فإذًا لا بد لطالب العلم بعد حفظ القرآن والسنة أن يرتب المعلومات في عقله والمحفوظات في قلبه ، فالعلم يتكاثر مع الزمن شيئًا فشيئًا حتى يكون عنده علم كثير وراسخ .

ومن مزايا الترتيب أن المعلومة لا تذهب ولا تضيع ، فإذا جاءت معلومة جديدة تستقر في مكانها من القلب أو العقل . أما إذا لم يرتب طالب العلم عقله ، فإن المعلومات تأتي وتذهب وينسي بعضها بعضا ، لكن إذا وطن نفسه من الصغر على أن يكون مرتبًا ، فيسمع كلمة لأهل العلم يضعها في موضعها في الباب نفسه في الفقرة نفسها ، وإذا قرأ شيئًا مناسبًا وضعه ، فإذا مرت به لطيفة من لطائف العلم أو فائدة في تراجم أهل العلم وضعها في موضعها .

ثم في أثناء إلقائه لكلمة أو درس يتذكر شيئًا من ذلك فيذكره ، وفي كلمة أخرى قد لا يتذكر ، وفي مرات أخرى يتذكر أشياء كثيرة فيذكر في سياقها . وهكذا يكون طالب العلم في تجدد حتى إنه في بعض الأحيان تتزاحم المعلومات في ذهنه فيضطر للاختصار حتى لا يطيل على الناس ، وهذا هو العلم .

ومن ذلك نرى أن شيخ الإسلام ابن تميمة رحمه الله كانت أمواج المعلومات تتلاطم على خاطره ، مما كان يجعله في بعض الأحيان يطيل الاستطراد ، فقد أطال في بعض المواضع إلى مائتين صفحة أو ثلاثمائة صفحة ، وأحيانًا مجلدات كاملة ، بل ويضيق المقام عن بسط المسائل التي يريد بسطها فيبسطها في موضع آخر ، لأن المعلومات تزاحمت عليه جدًا فما يستطيع أن يؤدي كل ما عنده في هذا الموقف .

هذا هو حقيقة العلم ، ولكن هذا يأتي شيئًا فشيئًا بعد الحفظ ومعرفة كلام أهل العلم ويكون الترتيب ترتيب الموضوعات ، ترتيب المعلومات .

ضرورة تقييد طالب العلم للفوائد :

ومن الوصايا التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها ، بل لا بد من التأكيد عليها هي أن يكون له كراس فوائد ، فالفوائد قد تمر به كثيرًا فينساها لأنه لم يقييدها . وليس معنى الفائدة أنها ضابط فقهي أو ضابط في الحديث ، أو ضابط لكلمة نفيسة ، بل يمكن أن تكون حكمة ويمكن أن تكون سيرة من سير أهل العلم ويمكن أن تكون لطيفة .

 وطالب العلم يحتاج إلى تنوع الفوائد عنده مثلًا في التفسير وفي الأصول ، وفي المصطلح فوائد وفي طبقات الرجال وفي العلل فوائد وفي السيرة فوائد متنوعة ، وهناك فوائد أيضًا من الحكم من كلام الأدباء لأنه سيستفيد منها يومًا لتنشيط طلبة العلم .

فإذًا لا بد لطالب العلم من كراس فوائد يضع فيه تلك الفوائد التي يجي أن يعاود الرجوع إليها بين الحين والآخر لأنه يستفيد منها كلما رجع إليها ، علاوة على تأكيد المعلومة في ذهنه فالفائدة الغامضة في بداية طلب العلم بعد الرجوع إليها ومراجعتها تصير من الواضحات ، فيكتب مثلًا في أول طلبه للعلم شروط “لا إله إلا الله” بعد مدة تكون عنده من الواضحات ، كما إن كتب مثلًا تعريف الحديث المضطرب بعد فترة يكون عنده من الواضحات ، كذلك الفرق مثلًا بين الحديث المرسل إرسالًا خفيا والحديث المدلس ، وهكذا في أنواع من العلم كثيرة .

إذًا طالب العلم يحتاج إلى كراس يجمع فيه ما يناسبه ، مثلًا أنا أجد أنه يناسبني بعض حكايات العلماء التي فيها البذل في العلم والهمة في طلبه ، آخر يجد أنه لا يناسبه في حكايات العلماء مولدهم ووفاتهم ، ونحو ذلك مما يهتم به كل طالب حسب ميوله .

ولطالب العلم أن يرجع لتلك الكراس كلما وجد في نفسه ركودًا عن طلب العلم ، أو أحب أن يستريح ، فينشِّط نفسه بالتقليب في هذه الكراسة ، فيجد فيها الفوائد التي تنشرح بها نفسه لأنه هو الذي سجل هذه الفوائد واللطائف .

حسن استفادة طالب العلم من الوقت :

وما أحسن فعل ابن الجوزي لو استطعناه ، قال لقد ابتليت “في صيد الخاطر” بجماعة من البطالين الذين يحبون كثرة الزيارة فإذا أتوا أشغلت الوقت معهم فيما لا أحتاج معه إلى فكر من تقطيع الورق أو بري الأقلام أو إعداد الورق وتسطيره أو نحو ذلك ، وأنا معهم فيما يريدون وهذا من حسن استغلال الوقت واستغلال الزمن لأن العمر قصير خاصة فترة الشباب ، التي هي فترة التحصيل فإذا فاتت فقد ضيع الإنسان فترة هامة في عمره .

تفقهوا قبل أن تسودوا :

وكما قال عمر تفقَّهوا قبل أن تسودوا ، ويبدأ تسويد المرء بالزواج فإذا تزوج المرء بدأت سيادته ، فإذا أنجب أولادا بدأ الوقت في الذهاب في قضاء مطالبهم ، إلى جانب مزيد من الواجبات الشرعية التي لا بد من أدائها . وهكذا تكبر أسرة المرء وتكبر علاقاته . لذلك يجب أن يستفيد طالب العلم من فترة شبابه أقصى استفادة .

وأخيرا ينبغي لنا أن نحض أنفسنا على هذه الآداب التي هي في الواقع من صميم العلم لأنها وسيلته والوسائل لها أحكام المقاصد .

وأسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا مِمن منَّ عليهم بالثبات على العلم النافع ، وأن ينور قلوبنا بالبصيرة وبملازمة الكتاب والسنة ، وأن يجعنا ممن يحبون أهل العلم ، وينافحون عنهم ويدافعون . وأسأله –سبحانه- أن يجعل علمنا حجة لنا لا حجة علينا ، وأن يقينا الشرور ومضلات الفتن إنه سبحان جواد كريم . كما سأله – جل وعلا – أن يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ، وأن يبارك لنا في قليل أعمالنا ، وأن يعفو عنا وعن آبائنا وأمهاتنا وولاة أمورنا وعلمائنا ومن له حق علينا إنه سبحان جواد كريم . كما أسأل المولى – جل جلاله – أن يشفي مرضانا ومرضى المؤمنين وأن يمنَّ عليهم بالعافية . اللهم من كان له مريض منا فعافه ، ومن كان له منا ضال اللهم فاهده إلى سبيلك القويم ، اللهم نور بصائرنا وبصائر أحبابنا ، واشف مرضانا ، وفرج همومنا وهموم المهمومين ، واقض ديوننا وديون المديونين ، إنك على كل شيء قدير . وصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد .



( 1 ) أخرجه أحمد ( 5 / 196 ، رقم 21763 ) ، وأبو داود ( 3 / 317 ، رقم 3641 ) ، والترمذي ( 5 / 48 ، رقم 2682 ) وقال : لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة ، وليس هو عندي بمتصل . ثم أورد له إسنادًا وقال هذا أصح . وابن ماجه ( 1 / 81 ، رقم 223 ) ، وابن حبان ( 1 / 289 ، رقم 88 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 2 / 262 ، رقم 1696 ) . وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 70 .

( [2] ) أخرجه أحمد ( 5 / 196 ، رقم 21763 ) ، وأبو داود ( 3 / 317 ، رقم 3641 ) ، والترمذي ( 5 / 48 ، رقم 2682 ) ، وابن ماجه ( 1 / 81 ، رقم 223 ) .

( 2 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2074 ، رقم 2699 ) ، وأحمد ( 2 / 252 ، رقم 7421 ) ،

( [4] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2060 ، رقم 2674 ) ، وأحمد ( 2 / 397 ، رقم 9149 ) .

( [5] ) أخرجه مسلم ( 3 / 1255 ، رقم 1631 ) .

( 1 ) أجسر عليه : أجرؤ على سؤاله ( النهاية : جسر ) .

( 1 ) متن القصيدة النونية ، شمس الدين ابن قيم الجوزية ، مكتبة ابن ، تيمية ، القاهرة ، الطبعة : الثانية ، 1417هـ ، 1 / 226 .

شاركها مع أصدقاءك