بواسطة :
الزيارات : 2٬302 مشاهدة

فضل التوحيد وتكفيره للذنوب

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيُّه وخليله ، نشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، حتى تركنا على المحجّة البيضاء ، ليلُها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعده – صلى الله عليه وسلم – إلا هالك .

فاللهم صلّ وسلم على عبدك ورسولك محمد ، كلما صلى عليه المصلون ، وكلما غفل عن الصلاة عليه الغافلون ، وعلى آله وصحبه ، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين ، أما بعد :

فأسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، كما أسأله –سبحانه – أن يمُنّ علينا بتحقيق التوحيد ، وبالعمل به وتكميله ، وتخليصه مما يُنقص كماله ، أو يقدح في أصله ، إنه –سبحانه – ولي الصالحين .

التوحيد هو أهم قضية

ولا شك أن قضايا التوحيد هي أهم ما ينبغي أن يعتني به المسلم ، وذلك لما اشتملت عليه من بيان وتوضيح أصل الأصول ، الذي هو حق الله – جل وعلا – على العبيد ، وهو توحيده – سبحانه وتعالى – والإخلاص له ، وإسلام الوجه ، والعمل له –سبحانه – بلا شريك ، ولا نِدٍّ ، ولا ظهير .

والله – جل جلاله – إنما خلق السموات والأرض ، وعمرهما ليُوَّحد –سبحانه – خلق السموات ، وجعل لها عمّارا ، وخلق الأرض ، وجعل فيها الجن والإنس مكلفين ، وذلك كله لتوحيده – سبحانه وتعالى – قال – جل وعلا – ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [ الذاريات : 56 – 58 ] .

وهو –سبحانه – مستحِقّ للعبادة ، يجب أن يُذكَر ، فلا يُنسى ، فلا يُعبَد أحدٌ سواه ، وأن يُخلَص له في الدين والعبادة ، امتثالا لقوله –تعالى – ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ [ الزمر : 2 – 3 ] ، وهذا هو حقه –سبحانه – على عباده ، وهذا هو الذي بَعَث به الرسل ، ومن أجْلِه أَنْزَل الكُتُبَ ، كما قال –سبحانه – ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [ النحل : 36 ] ، وقال أيضًا ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [ الأنبياء : 25 ] .

وهذا التوحيد هو الذي اجتمعت عليه الرسل ، وهو الإسلام الذي لا يقبل الله – جل وعلا – من أحد غيره ، قال – جل وعلا – ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [ آل عمران : 19 ] يعني التوحيد الخالص ، المبرّأ من كل شائبة شِرْك تقدح في خلوصه وإخلاصه ، وقال أيضًا – جل وعلا – ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ آل عمران : 85 ] .

والإسلام هذا ليس خاصًّا بأُمَّة محمد – صلى الله عليه وسلم – فقط ، بل كل الأمم مطالبة بهذا الإسلام الواحد ، وهو الإسلام العام ، الذي أُمِر به جميع الخلق .

 

كل الأنبياء جاءوا بالإسلام

قال –سبحانه – ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [ آل عمران : 19 ] ، فآدم – عليه السلام – كان على الإسلام ، ونوح – عليه السلام – كان على الإسلام ، وإبراهيم – عليه السلام – كان على الإسلام ، وأبناؤه الأنبياء والرسل كانوا على الإسلام ، وموسى وعيسى – عليهما السلام – كانا على الإسلام ، وأمرا به ، ودعَوْا إليه ، وكذلك نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – كان على الإسلام الخالص ، وكانت شريعته أيضًا هي شرعية الإسلام .

وهذا الإسلام الذي اجتمعت عليه الرسل ، وأمرت به جميع الأمم ، هو الاستسلام لله بالتوحيد ، والانقياد له بالطاعة ، والبراءة من الشرك وأهله ، هذا هو الاستسلام الذي ينفع العبد ، وهذا هو الاستسلام والإسلام الذي أُمر به جميع الخلق المكلفين من الجن والإنس .

وهذا التوحيد فيه مسائلُ كثيرة ، منها : بيان معنى ” لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ” ، وبيان الشرك الذي هو مضاد للتوحيد ، وهو الشرك الأكبر ، أو مضاد لكماله ، وهو الشرك الأصغر ، ومعنى توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات ، وهذا كله بيان لتوحيد الله – جل وعلا – .

هذا التوحيد له الفضل الأكبر على أهله ، ممن أخذوا به ، والتزموه وحققوه في الدنيا والآخرة ، والنفوس مشتاقة دائمًا أن تسمع ، وأن تتعرف على فضل الشيء ، لأنها ربما ظنت أن هذا الشيء له فضل واحد ، غير متعدد ، وإذا تعددت الفضائل ، تعددت أوجه الاشتياق لهذا الأمر ، والعناية به ، والحرص عليه ، وبيان ما للعباد من الفضل والأثر ، إذا التزموا بهذا التوحيد .

ولهذا تجد في كتاب التوحيد ، للشيخ المجدد : محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – أول باب من أبوابه : ” باب فضل التوحيد ، وما يكفّر من الذنوب ” ، لأنه إذا تبين للعبد فضل التوحيد ، وبيان أثره ، وبيان حسنات التوحيد ، وآثاره على العباد جميعا ، في الدنيا والآخرة ، اشتاقت النفوس ، وعظُمت عندها الرغبة ، في أن يتعرفوا على هذا التوحيد ، وأن يطلبوا علمه ، وأن يهربوا مما يُضَادّ ذلك ، وهو الشرك والكفر الذي يذهب بهذه الفضائل ، وهذه الآثار والحسنات .

ففضل التوحيد ليس قاصرا على تكفيره للذنوب فقط ، بل له فضائل كثيرة ، سيأتي ذكرها – إن شاء الله تعالى – قال – جل وعلا – ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [ النساء : 48 ] ، فما دون الشرك يغفره – سبحانه وتعالى – لمن شاء من عباده ، وهؤلاء الذين تخلصوا من الشرك هم أهل التوحيد .

معنى التوحيد هو تحقيق الشهادتين

والتوحيد عنوانه البارز هو تحقيق الشهادتين : شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فقد ثبت في صحيح مسلم ، في حديث جبريل –عليه السلام – عندما سأل النبي – صلى الله عليه وسلم – عن الإسلام ، فقال : « الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » ( [1] ) .

وقال النبي –صلى الله عليه وسلم – : « أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ » ( [2] ) .

يعني أن التوحيد يَجُبُّ ( [3] ) ما كان قبله ، والهجرة تجُبّ ما قبلها ، والحج يجُبّ ما كان قبله ، فالإسلام لمن حققه ، ابتغاء وجه الله – جل وعلا – لا نفاقًا ، ولا رياءً ، وتبرأ من الشرك ، وكفر بالطاغوت ، وعلِم معنى ” لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ” ، فإن هذا هو الإسلام الذي يجُبّ ما قبله .

فأول ما يواجه العبد إذا أسلم ، أن إسلامه يجُبّ له ما سلف منه من الذنوب والآثام ، حتى لو كان أعظم الذنوب ، وهو الشرك الأكبر بالله – جل وعلا – .

فالإسلام هو أعظم وسائل التوبة ، وهو أنجح وأبلغ الوسائل لمغفرة الذنوب ، حتى الشرك الأكبر ، فكيف بما دونه من الشرك الأصغر ، أو عموم الذنوب والكبائر والآثام .

ولهذا يُدرك أهل التوحيد هذا الفضل عندما يعلنون الإسلام ، وبراءتهم من الشرك ، فإن هذا التوحيد والإسلام يجُبّ ما قبله ، مهما كان ، ولو كان قبل ذلك قد وقع في الشرك الأكبر ، أو سفك الدم ، أو أخذ المال ، أو انتهك العرض ، أو وقع في الموبقات والكبائر ، فكل ما كان قبل الإسلام مغفور بالإسلام .

وأما أهل الإسلام في تكفير الذنوب ، فإن كل مسلم يتفضل الله – جل وعلا – عليه بأن يُكفّر له الذنوب في الآخرة ، إذ كان مسلمًا موحدًا ، وذلك بمشيئة الله – جل وعلا – وفي الدنيا ، إذا تاب توبة صالحة .

فمن تاب نفعه توحيده ، ومن عمل بما دون الكبائر في الدنيا ، فإن توحيده ، وعمله الصالح يكفر عنه تلك الصغائر ، أما حقيقة هذا التوحيد الذي يحصل به تكفير الذنوب ، فإنه ألا يُعبد إلا الله – جل وعلا – وأن يَعلم العبد معنى الشهادة لله بالوحدانية ، ولنبيه بالرسالة ، فالتوحيد الذي من فضائله وآثاره أنه يُكَفّر الذنوب ، هو أن تعلم معنى شهادة ” لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ” ، أن تشهد بها معلنًا ، غير مستخفٍ ، فهذه هي الشهادة العظيمة .

ولهذا ثبت في الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ ، وَالنَّارُ حَقٌّ ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ » ( [4] ) .

وفي رواية : « مَنْ شَهِدَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ » ( [5] ) .

فضائل التوحيد

دخول الجنة ، وتحريم الجسد على النار :

فمن شهد أن لا إله ، وأن محمدًا رسول الله ، فأول هذه الفضائل أن الله – جل وعلا – يُدخله الجنة ، ويحرم عليه النار ، وعدًا منه – جل وعلا – ووعده الحق والصدق .

وجاء في الصحيحين أيضًا من حديث عتبان بن مالك ، رضي الله عنه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال في بيان فضل الشهادتين : « لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ القِيَامَةِ ، يَقُولُ : لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ النَّارَ » ( [6] ) . وهذا كله من الأثر العظيم والفضل الكبير للتوحيد .

وهنا ينبغي الوقوف عند مسألتين :

الأولى : ما معنى أنه يدخل الجنة ، على ما كان من العمل ؟

الثانية : ما معنى أن الله حرم عليه النار ؟

أما الأولى : فإن أهل التوحيد مآلهم إلى الجنة ، وأهل التوحيد أصناف :

منهم من حقق التوحيد ، ومنهم من خلط مع التوحيد عملًا صالحًا ، وآخر سيئًا ، ومنهم من جاء بالتوحيد ، ومعه ذنوب كثيرة جدًّا .

أما الأول : فمن حقق التوحيد ، دخل الجنة من غير حساب ، ولا عذاب ، وتحقيق التوحيد معناه تكميله ، بأن يكون إخلاصه لربه ، وخوفه منه ، ورجاؤه فيه ، فلا يكون فيه نقص بوجه من الوجوه .

ومعنى تحقيق التوحيد : أن يكون متخلصًا وخالصًا من الشرك الأكبر والأصغر ، ووسائل الشرك الأكبر والأصغر ، ومن البدع : صغيرها وكبيرها ، ومن المعاصي والذنوب : الكبائر والصغائر ، فهذا التوحيد فضله عليه أن يدخل الجنة بلا حساب ، ولا عذاب .

وهؤلاء الذين يدخلون الجنة ، بلا حساب ولا عذاب ، عددُهم سبعون ألفًا بنص الحديث ( [7] ) ، وهذا بمنّة وكرم من الله – جل وعلا – ومع كل ألف سبعون ألفًا ، وهذا ميدان يتنافس فيه المتنافسون ، فأَعْظِمْ به أثرًا وفضلًا ، في الدنيا والآخرة .

أما القسم الثاني من الناس : فهم الذين عملوا بالتوحيد ، فشهدوا شهادة التوحيد ، وآمنوا ، واعتقدوا الاعتقاد الحق في الله – جل وعلا – بتوحيده في إلاهيته وربوبيته ، وفي أسمائه وصفاته ، فعبدوه وحده لا شريك له ، وتخلصوا من الشرك ، امتثالًا لقوله ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [ الكهف : 110 ] ، ولكنهم خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا ، ففضل التوحيد على هؤلاء أنهم إن تابوا تاب الله عليهم ، وإن لقُوا الله – جل وعلا – بكبائرَ بغير توبة ، فإنه يَغفر – سبحانه وتعالى – ذلك لمن يشاء ، يعني بدون محاسبة لهم .

ومنهم من يكون عمله السيئ في الميزان ، فيرجح التوحيد بأعماله السيئة ، فضلًا من الله – جل وعلا – وتكرمًا .

وأما الصنف الثالث : فهؤلاء الذين أتوا بالتوحيد ، وقوي إخلاصهم ، وقوي توحيدهم ، وقويت حميتهم لتوحيد الله ، وبراءتهم من الشرك ، وبغضهم للشرك والكفر ، ولأهل الشرك والكفران ، وكفرهم بالطاغوت ، وهو كراهيتهم لعبادة غير الله ، وبغضهم للشرك بالله – جل وعلا – وللكفر بأنواعه ، عظم ذلك عندهم ، ولكن كثُرت سيئاتهم وذنوبهم .

فهؤلاء مثلهم مثل الرجل الذي يؤتى به يوم القيامة ، كما ثبت في حديث البطاقة ، حيث قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : « إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا ، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ ، ثُمَّ يَقُولُ : أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا ؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ ؟ فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : أَفَلَكَ عُذْرٌ ؟ فَيَقُولُ : لَا يَا رَبِّ ، فَيَقُولُ : بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً ، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، فَيَقُولُ : احْضُرْ وَزْنَكَ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ . فَقَالَ : إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ . قَالَ : فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ ، وَالبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ ، وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ » ( [8] ) .

يعني من قوة رجحانها ، رجحت بقوة ، فاندفعت الكفة الأخرى ، فطاشت السجلات وتناثرت ، من ثِقَل هذه البطاقة ، التي كُتِب فيها ” لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ” ، لكن هل هذا الفضل لكل من قال : لا إله إلا الله محمد رسول الله ؟

لو كان الأمر كذلك ، لما دخل النار أحد من أهل التوحيد ، والله – جل وعلا – قد توعّد أهل التوحيد ، من أهل الكبائر والذنوب ، بأنهم يُدْخلون النار ، فيُنَقَّوْن فيها ، ثم مصيرهم بعد ذلك إلى الجنة .

لكن هذه حالة خاصة لمن كان التوحيد في قلبه عظيمًا ، وحبه لله – جل وعلا – ولرسوله – صلى الله عليه وسلم – وإخلاصه لله ، بأنه مؤمن بتوحيد الله : بربوبيته وإلاهيته وأسمائه وصفاته ، فلا يعبد إلا الله وحده ، ولا يشرك بالله – جل وعلا – شيئًا ، وأنه يحب التوحيد ، ويحب أهله ، ويبغض الشرك ، ويبغض أهله ، فتكون هذه البطاقة قد ميَّزته عن سائر الأمة ، فطاشت سجلات السيئات ، بسبب عِظَم التوحيد ، وعِظَم شأنه .

والتوحيد إذا عظم في القلب ، فإنه لا يكاد يكون معه إقدام على سيئة ، أو إصرار على كبيرة من كبائر الذنوب ، فتكون حالة خاصة لعبد يخرج من بين الخلائق ، أو لمن هو مثله ، ممن كثرت سيئاته ، لكن عَظُم توحيدُه ، وإخلاصُه لله – جل وعلا – وهذا يُرَغَّب فيه كل أحد ، ويَرْغَب فيه كل أحد منا ، ممن لا يأمن على نفسه المعصية والذنب ، وممن يغشى الذنوب ، أو تقِلّ عنده الحسنات .

وكلما ازداد علم العبد بربه ، كلما عَلِم أنه محتاج لما يخلّصه من الذنوب والآثام ، ومن قلة الامتثال للواجبات ، وأعظم ذلك هو الإخلاص ، وتوحيد الله – جل وعلا – علمًا وعملًا وانقيادًا ، ولهذا جاء في الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم – قال : « قَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ ، قَالَ : يَا مُوسَى : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ . قَالَ مُوسَى : يَا رَبِّ : كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا . قَالَ قُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ . قَالَ : لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ . قَالَ : يَا مُوسَى ، لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفَّةٍ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كَفَّةٍ ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ » ( [9] ) .

فقد أراد موسى –عليه السلام – شيئًا يختصه الله به ، لأنه من أولي العزم من الرسل ، وهو كليم الله ، أعطاه الله التوراة ، لذا فهو يحتاج إلى شيء خاصّ يدعو الله ، ويذكُره به ، فقال الله – جل وعلا – له : « لَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفَّةٍ ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِي كَفَّةٍ ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ » .

وهذا الحديث فيه فوائد عظيمة :

الفائدة الأولى : فيه بيان فضل كلمة التوحيد ، وأن الله – جل وعلا – من مِنَّته وكرمه وتفضله ، جعل هذه الكلمة العظيمة ، ذات الفضل العظيم ، التي ترجح بالسموات ، ومن يعمرها ، وترجح بالأرض ومن فيها ، جعلها كلمة سهلة ، متاحة للجميع ، لمن علمها ، وشهد بها شهادة الحق .

وهذا من رحمة الله – جل وعلا – المتصلة بربوبيته ، والمتصلة بألوهيته ، والمتصلة بأسمائه وصفاته .

إن من آثار رحمة الله – جل وعلا – بعباده في كونه – سبحانه وتعالى – ربًّا لهم ، أنه جعل الرزق – الذي به قِوام حياتهم – ليس مختصًا بفئة منهم ، فالرزق شائع ، يناله الغني ، ويناله الفقير ، الماء والحَب ، البُرّ والتمر ، ونحو ذلك ، كل هذا شائع ، ليس نادرًا في بلد ، أو في أرض ، حتى لا يدرك هذا الشيء إلا الأغنياء ، أو إلا الشرفاء ، أو إلا قلة من الناس فقط .

فربوبية الله – جل وعلا – على جميع خلقه ، جعلت ما يحتاجونه مما فيه قِوام حياتهم ، شائعا بينهم يمكن تحصيله .

وكذلك في توحيد إلاهيته ، من رحمته أنه جعل ما به يحقق العباد توحيد الإلاهية يشترك فيه الجميع بأبسط شيء ، وهو كلمة ” لا إله إلا الله ” ، ونبه الله – جل وعلا – موسى – عليه السلام – على ذلك ، ليبين له أن ما يحتاجه العباد من فضل التوحيد لا يختص به الأنبياء ، ولا يختص به الرسل ، ولا يختص به أولو العزم ، ولا يختص به كليم الله – جل جلاله – وإنما هذا شائع .

فقول موسى –عليه السلام – :« يَا رَبِّ : كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا » . دالّ على أن رحمة الله بعباده أدركتهم في ربوبيته لهم ، وفي ألوهيته لهم ، وفي أسمائه وصفاته لهم ، وذلك في أن ما به حياتهم البدنية ، وما به قيام دينهم ، وما فيه نجاتهم في الدنيا والآخرة ، كل هذا شيء مشاع سهل .

إذا تبين هذا تبين لك عِظم هذا الشأن ، وهو شأن التوحيد وسهولته وفضله ، وأن العلم به أعظم المهمات ، ولهذا يجب أن يُعَلَّم الصغير التوحيد ، فهذا أعظم الإحسان إليه ، فترك الصغير ، أو ترك الكبير تعلم وتعليم التوحيد ، تقصير كبير .

وهذا ينبهنا إلى أصل من الأصول ، وهو أن التذكير بفضل التوحيد يحتاجه كل الناس ، حتى أصحاب المقامات العالية في الدين ، ولهذا فلا يصح أن يقول أحد : أنا تعلمت ، ودرست التوحيد ، وعرفت فضله ، فما أحتاج إلى تكرار هذا .

فليس الأمر كذلك ، لأن هذا إذا عَلَّمته ، فأول من سيدرك هذا الفضل أنت ، ومن ذلك الفضل أنه يكفّر الذنوب ، لأنه يزيد عندك العلم والاعتقاد بتكريره ، كما أنه يُنسى بعدم تعليمه وتدريسه .

أنه يكفر الذنوب :

الفائدة الثانية : أن من فضل التوحيد ، ومن أثره : أنه يكفر الله به الذنوب ، وأن به ترجح كِفّة الحسنات على كفة السيئات .

أنه يمنع من الخلود في النار :

الفائدة الثالثة : أنه يمنع من الخلود في النار ، كما مر في الحديث : « مَنْ شَهِدَ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ » والتحريم في النصوص – سواء تحريم الجنة ، أو تحريم النار – على نوعين : تحريم أبدي ، وتحريم أمدي ، فمن شهد شهادة التوحيد ، حرم الله عليه النار ، يعني أن يكون خالدًا مخلدًا فيها ، فقد يدخلها ، وقد لا يدخلها ، وذلك بحسب ذنوبه ، وبحسب ما عنده ، لكنه متعرض للوعيد .

فصاحب التوحيد لا يخلد في النار ، وذلك بوعد الله – جل وعلا – له بالجنة .

وحرم الله الجنة على الكفار ، وهذا تحريم أيضًا أبدي ، فالكافر لا يمكن أن يدخل الجنة ، حتى يدخل الجَمَل في سَمّ الخِياط ( [10] ) .

والمؤمن لا تحرم عليه الجنة ، وإن كان قد جاء في بعض النصوص أن من المسلمين مَن حرّم الله عليه الجنة بسبب بعض الذنوب ، وذلك مثل قوله –صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ » ( [11] ) .

وهذا التحريم ليس تحريمًا أبديًّا على أهل التوحيد ، وإنما هو تحريم مؤقت ، لأنهم يُنَقَّون من ذنوبهم قبل ذلك ، ثم بعد ذلك يتأخر دخولهم الجنة ، حتى يصيبهم ما شاء الله – جل وعلا – من العذاب بعدله وحكمته .

فإذًا من فضل التوحيد : أن أهله تحرم عليهم النار ، أن يُخلّدوا فيها .

أنه أعظم الأسباب لنيل شفاعة النبي :

الفائدة الرابعة : أن من فضل التوحيد على أهله ، أنه أعظم الأسباب لنيل شفاعة محمد بن عبد الله ، النبي الأكرم – عليه الصلاة والسلام – فقد سأل أبو هريرة –رضي الله عنه – النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – : « لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَلَّا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ ، أَوْ نَفْسِهِ » ( [12] ) .

يعني أسعد الناس بشفاعة النبي –صلى الله عليه وسلم – من قال : لا إله إلا الله ، خالصًا من قلبه ونفسه ، شاهدًا شهادة الحق ، عالما بمعناها .

وشفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – تُنال بوسائلَ كثيرة ، عَدّ العلماء منها أمورا كثيرة ، تزيد على العَشَرة ، وذلك من خلال ما جاء في الأحاديث الصحيحة ، ولكن أسعد الناس بها الموحد ، الذي أخلص في توحيده ، وهو أول الناس نيلًا لهذه الشفاعة .

هو السبب الأعظم لتفريج الكُرُبات ، في الدنيا والآخرة :

الفائدة الخامسة : أن التوحيد هو السبب الأعظم لتفريج الكُرُبات ، في الدنيا والآخرة ، قال – جل وعلا – ﴿ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِيمَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾ [ الأنبياء : 101 – 103 ] .

فهؤلاء الذين سبقت لهم من الله الحسنى ، هم أهل التوحيد ، أهل الإيمان بالله ، بتوحيد الله – جل وعلا – والإيمان به بأنه هو المستحق للربوبية وحده ، وهو المستحق للإلاهية ، وهو المستحق للأسماء والصفات الحسنى ، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، والقدر ، ثم مع ذلك عمل صالحًا ، فهؤلاء هم الذين لهم من الله الحسنى ، فحالتهم في الآخرة ، كما قال الله –جل وعلا – ﴿ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ﴾ .

وأما في الدنيا فقد قال الله –جل وعلا – ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [ النحل : 97 ] ، فهؤلاء لهم الحياة الطيبة ، وتفريج الكربات ، في الدنيا وفي الآخرة ، فقد قال نبينا – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس – رضي الله عنهما – : « يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ » ( [13] ) . فهذا هو التوحيد .

وفي رواية : « وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا » ( [14] ) . فهذا كله لأهل التوحيد الذين أخلصوا دينهم لله –جل وعلا – .

أن التوحيد يجلب الأمن والهدى في الدنيا والآخرة :

الفائدة السادسة : أن صاحب التوحيد الذي وحّد الله ، وتخلص من الشرك – قولًا وعملا واعتقادًا – له الأمن والهدى في الدنيا والآخرة ، قال – جل وعلا – ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [ الأنعام : 82 ] .

فقد جاء في الحديث أنه لَمَّا نَزَلَتْ ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [ لقمان : 13 ] ( [15] ) .

فكل أحد لا بد أن يظلم نفسه في أي شيء ، إما أن يُفرّط في واجب ، أو يرتكب منهيّا عنه ، فإذا تذكر تاب من التفريط ، وإذا ذُكّر أيضا انتبه لتفريطه في أداء الواجب ، أو في عمله بعض المحرمات .

ولذلك ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ ﴿ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ » .

وذلك أن الظلم على ثلاثة أنواع :

النوع الأول : ظلم العبد في حق نفسه بالذنوب .

النوع الثاني : ظلم العبد لغيره ، بالاعتداء على حقوق الناس ، في أموالهم وأعراضهم ، ونحو ذلك .

النوع الثالث : ظلم العبد في حق ربه – جل وعلا – بالشرك .

فنبّههم النبي – صلى الله عليه وسلم – على أن العموم في هذه الآية عموم يُراد به الخصوص ، وهو أحد هذه الأنواع الثلاثة ، وهو ظلم العبد في حق ربه بالشرك بالله – جل وعلا – الذي هو أعظم أنواع الظلم .

وهذا هو معنى الإتيان بالتوحيد ، والبراءة من الشرك ، فإن هذا يَحصل للعبد به الأمن والاهتداء .

لكن الناس في التوحيد درجات ، وكذلك الحال في الأمن والاهتداء ، هم أيضًا درجات ، فكلما أكمل العبد توحيده وإخلاصه ، وبراءته من الشرك ، علمًا وعملًا ، كلما أكمل الله له الأمن في الدنيا ، والأمن في الآخرة ، وأمّن الله له الاهتداء في الدنيا والاهتداء في الآخرة .

وقد يقول قائل : الأمن في الدنيا قد فهمناه ، بأنه الأمن النفسي ، والأمن بألا يعتدي عليه أحد ، وقوة القلب ، والأمن في المجتمع ، وأمن الدولة ، وأمن البلد ، كذلك الهداية في الدنيا بالتوفيق للصالحات ، ورؤية الحق حقًّا ، والمنة من الله على عبده باتباعه ، ورؤية الباطل باطلًا ، والمنة من الله على عبده باجتنابه ، هذا أيضًا مفهوم ، وكذلك الأمن في الآخرة ، بعدم الفزع ، وعدم الحزن ، وعدم دخول النار ، كل هذا مفهوم ، لكن كيف تكون الهداية في الآخرة ؟ ألم ينقطع التكليف ؟ فهل في الآخرة هداية ؟

والجواب : نعم . فقد قال الله – جل وعلا – ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾ [ محمد : 4 – 6 ] ، فقد ذكرت الآية ثلاث مراتب : القتل ، ثم يهديهم الله – جل وعلا – ثم يُدخلهم الجنة .

وهذه الهداية هي الهداية في الآخرة ، فسَّرها أهل العلم بالتفسير ، وأهل العلم بالتوحيد ، بأنها الهداية لسلوك الصراط – حين وُرُود الظُّلْمة – لأنه قبل الصراط هناك الظُّلمة التي يلتبس فيها الطريق ، فربما مر الإنسان ، أو ذهب يريد طريق الصراط ، لكنه يسقط في النار – والعياذ بالله – أو يمشي على الصراط قليلًا ، ثم يضل ، فلا يعرف كيف يتجه ، لأنه في ظلمة ، وليس عنده نور تامّ ، مثل النور الذي هو بسبب توحيده ، ثم بعد ذلك يسقط .

فإذًا هناك هداية لطريق الجنة في الآخرة ، وهذه تحصل بحسب قوة التوحيد ، فكلما قوي التوحيد ، كلما قويت الهداية ، وقوي النور في الدنيا ، وفي الآخرة .

التوفيق للعمل والقول الصالح :

الفائدة السابعة : أن التوحيد إذا قوي في القلب ، وإذا أحب العبد توحيد ربه ، وَعَلَّمه وتعَلّمه ، فإنه يُوفّق لكل قول وعمل صالح ، سواء أكان هذا القول والعمل ظاهرًا أو باطنًا ، وهذه من أعظم المهمات ، لأن العبد لا يخلو إما أن يتعامل مع نفسه ، أو أن يتعامل مع غيره ، أو أن يتعامل مع ربه – جل وعلا – وتعامله مع الله – جل وعلا – عبادة – يعني بأداء العبادات – وتعامله مع نفسه ، في شأن هوى نفسه ، وفيما يرغب فيه ، وما لا يرغبه ، وكيف يمتثل الشرع في نفسه ، ومع غيره ، في تأديته لحقوق الناس والعباد ، ابتداءً بحقّ والديه ، وحق زوجته ، وحق أولاده ، وحق جيرانه ، وحق زملائه ومن يخالطه ، وحق العلماء ، وحق ولاة الأمر ، وحق الصحابة – رضوان الله عليهم – وحق أهل الإيمان بعامة ، وهكذا في هذا الشأن .

فالتوحيد سبب من أسباب التوفيق لحسن تعامل العبد مع نفسه ، ومع الخلق ، ومع ربه – جل وعلا – .

أما مع الله – جل وعلا – فأهل التوحيد يحبون عبادة الله – جل وعلا – يحبون الإخلاص ، يحبون أنواع العبادات ، فتجد الموحد الحق يصلي ، يعطي الزكاة ، يصوم ، يحج ، يؤدي كل هذه الطاعات –سواء الفرائض والنوافل – يفعل كل ذلك رغبة منه ، وحبا في الطاعة .

فكلما قوي التوحيد ، كلما قوي تعلق العبد بصلاة الفرائض والنوافل ، وقوي تعلقه بصيام الفرائض والنوافل ، وهكذا ، ففي تعامله وعبادته لربه – بحسب توحيده وقوته – يقبل على ذلك ، ويوفَّق بهذا الأمر .

ولهذا يجب أن تنظر إلى نفسك في كل مجال من المجالات ، فإذا أحسست في نفسك تقصيرًا في الفرائض ، أو حتى في النوافل ، ففتش ، فستجد أن بعض الدنيا والخلق قد زاحموا محبة الله – جل وعلا – في القلب .

ولا بد أن يجتمع في القلب واردان : وارد محبة الله – جل وعلا – وتوحيده ، ووارد محبة الدنيا والخلق ، والرغبة فيهم فيتزاحمان ، فإذا قوي التوحيد ، أَضْعَف الشيء الآخر ، وإذا قوي الآخر ، أضعف التوحيد ، ولهذا كان العلم بالتوحيد ، وتعليم التوحيد ، وإرشاد الناس إليه ، هو أعظم أنواع البر والإحسان إلى الخلق ، لأنه به تحصل هذه الفوائد العظيمة ، إذا أحسنا تقريره وشرحه للناس ، وترغيب الناس فيه .

أما تعامل العبد مع نفسه ، فإن العبد له هوى وله رغبة ، له هوى في بعض المحرمات ، فلا أحد يسلم من ذلك ، له هوًى ورغبة في ترك بعض الفرائض .

فكلما قوي توحيد الله في القلب ، وعلم العبد بربه : بربوبيته ، وأن هذه القلوب بين أصبعين من أصابعه –سبحانه ( [16] ) – وأن الأرض قبْضتُه يوم القيامة ( [17] ) ، وأن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة ( [18] ) ، وأنه –سبحانه – هو الذي يُدَبّر هذا الملكوت ، وأنه هو الذي يعطي ويمنع ، وينفع ويضر ، ويخفض ويرفع ، ويقبض ويبسط ، ويحيي ويميت ، ويُصِحّ ويُمْرِض ، ويُغني ويُفقر ، وأنه –سبحانه – ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، فحينئذ يقوى في قلبه العلم بالله – جل وعلا – ويقوى في قلبه التوكل على الله ، يقوى في قلبه محبة الله – جل وعلا – .

وكذلك العلم بأنه –سبحانه – هو المستحق للعبادة وحده ، يُعَظّم في قلب العبد محبة الله وتوحيده ، وتضعف نوازع الشر في نفسه .

أما تعامله مع الخلق ، فإن الموحد إذا قوي توحيده ، فلا يغيب عن قلبه أن أُنسه بالله فوق كل أُنس ، وأن رضى الله – سبحانه وتعالى – عنه فوق كل رضًى .

فمن التمس رضى الناس بسخط الله – مهما كانوا كبارًا ، أو صغارًا ، رعاة أو رعية ، ملوكًا ، أو مملوكين – من التمس رضى الناس بسخَط الله ، سَخِط الله عليه ، وأسخط عليه الناس ، ومن التمس رضى الله – ولم ينظر إلى الناس هل يسخطون أم يرضون – رضي الله عنه ، وأرضى عنه الناس ( [19] ) ، وهذه مجربة فيمن سار على شرع الله بالحكمة والموعظة الحسنة في هذا الأمر .

فإذا كان القلب متعلقا بالله ، فإنه سيعامل الناس دائما ، وهو يعلم أن الله – جل وعلا – رقيب عليه ، فيرجوه ويخافه ويتقيه ويحبه ، يخشى أن يتغير قلبه إذا ظلم عبدا من العباد ، ولهذا فإنه يصلح عمله في نفسه ، ومع الخلق .

فإذًا أهل التوحيد يُوفَّقون للأعمال الظاهرة والباطنة المتنوعة ، وللأقوال الظاهرة والباطنة ، في تعامل العبد مع نفسه ، ومع الخلق ، وفي عبادة الله الواحد الأحد .

الفائدة الثامنة : أن التوحيد يُحَرّر العبد من الرق للخلق ، والمبالغة في مراعاتهم ، إلى عزة الرق والعبودية لله الواحد الأحد ، السميع البصير – جل جلاله – وتقدست أسمائه .

فقد ابتلى الله –جل وعلا – العباد ، وجعل بعضهم لبعض فتنة ، كما قال –سبحانه – ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [ الفرقان : 20 ] ، يعني جعل الفقير فتنة للغني ، والغني فتنة للفقير ، هل يتعاظم الغني بسبب كسبه المال العظيم ، حتى يظن أنه فوق الخلق ، فهذا الغني قد ابتُلي بالفقير ماذا يعمل معه ، وهل يترفع عليه أم لا ؟

ولهذا قال الله –جل وعلا – لنبينا – صلى الله عليه وسلم – ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [ الكهف : 28 ] ، حتى إنه لما رغِب – عليه الصلاة والسلام – في إسلام بعض الأغنياء والأثرياء ، وترك الفقير ، لأنه في تقديره – عليه الصلاة والسلام – أنه إذا أسلم الغني ، فإنه سينفع الإسلام أكثر وأكثر ، فأرجأ الفقير لذلك ، عاتبه الله – جل وعلا – وقال له ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴾ [ عبس : 1 – 11 ] ، يعني تذكرة له – عليه الصلاة والسلام – وللناس جميعًا .

وجعل الله أيضًا الغنيّ فتنة للفقير ، هل يحسِد الفقير الغني ؟ أو يسأل الله – جل وعلا – السلامة ؟ هل ينظر إليه بحُنق وحِقد ، أو ما إلى ذلك ؟ أو يُعظّم رغبته في الله ؟

وأيضًا المريض والصحيح ، والملِك والرعية ، جعل الله بعضهم فتنة لبعض ، وهذا كله كما قال – جل وعلا – ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ [ الفرقان : 20 ] ، فهناك من يصبر ، وهناك من لا يصبر .

من حقق التوحيد نظر إلى الخلق نظرًا صحيحًا ، وتخلص من الرِّقّ للخلق ، ومِنْ كثرة مراعاته لهم ، وعظُم في قلبه ربه – جل جلاله ، وتقدست أسماؤه – وكان عزيزًا مرتفعا عظيما بالله الواحد الأحد ، كما قال – سبحانه وتعالى – ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [ آل عمران : 139 ] .

ومفهوم هذه الآية : إن لم تكونوا مؤمنين فلستم الأعلَيْن ، فما دمتم على الإيمان ، فلا تهنوا ، ولا تحزنوا ، فأنتم الأعلون .

وجملة ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ﴾ جملةٌ من مبتدأ وخبر حالية ، يعني ما دام أنك مؤمن ، فلا تهن ، ولا تحزن ، فإنك أنت العالي .

إذًا من فوائد التوحيد في القلب : أنه يخلّصه من الرق للمخلوق ، ومن الذل له ، فيعامل الموحد المخلوق بما أمر الله – جل وعلا – فلا يتكبر عليه ، ولا يُهينه ، وإنما يعامله بأنه مؤمن ، أو يعامله بحسب شأنه .

فهذه بعض فضائل التوحيد وآثاره ، وهي كما أنها متعلقة بأفراد المؤمنين ، فإنها أيضًا متعلقة بالبلد المسلم الموحد والمجتمع والدولة ، قال – جل جلاله – ﴿ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ الأعراف : 56 ] .

والإفساد في الأرض بعد إصلاحها ، هو أن يُسلك فيها بما يناقض التوحيد أو بما يُنقص كماله ، بالشرك الأكبر ، أو بالشرك الأصغر ، هذا هو أعظم الإفساد في الأرض ، ويدخل في هذا أيضا كل ما يحدث من التعديات على الخلق ، فكل هذا إفساد في الأرض .

وقال – جل وعلا – في بيان ذلك في سورة النور ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ [ النور : 55 ] ، وفي هذه الآية وعد وموعود وحالة يكون عليها الوعد .

أما الموعود ، فهم أهل الإيمان ، وأما ما وُعدوا به ، فقد وُعدوا بثلاثة أشياء :

أولًا : أن يستخلفهم الله في الأرض ، يعني إن لم يكن لهم غلبة ومنعة واستخلاف في الأرض ، فالله يعدهم بذلك ، طال الزمان ، أو قصر .

ثانيا : أن يمكن لهم دينهم ، وهذا أعظم شيء يختاره المؤمن ويريده ، وهو أن يَعبد الله – جل وعلا – بتمكين ، فلا يستخفي بدين الله ، ولا يكون مُهانًا ، وهو يدين بدين الله ، بل يكون مرفوع الرأس .

ثالثا : أن يبدلهم من بعد الخوف أمْنًا ، يعني بعد أن كانوا قلة خائفين ، استخلفهم ، ومكّن لهم دينهم ، فصاروا بعد الخوف آمنين على أنفسهم ، وعلى دينهم ، وعلى أنفسهم ، وعلى أولادهم ، وعلى أعراضهم ، وعلى أموالهم ، هذه كلها نِعَم ، ووعد من الله – جل وعلا – .

وبين الله –جل وعلا – حالتهم في الجملة الفعلية بقوله ﴿ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ﴾ ، يعني إذا استخلفهم ، ومكّن لهم دينهم ، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا ، عبدوه ، فلم يشركون به شيئًا .

وهذا أعظم أثر للتوحيد على الناس ، في دولتهم ، وفي مجتمعهم ، أنهم إذا عبدوا الله ولم يشركوا به شيئًا ، وأقروا بالتوحيد ، ونبذوا الشرك ، فإنهم موعودون بفتح الله – جل وعلا – لهم بهذه الثلاث ، وكذلك يفتح الله –جل وعلا – لهم بركات من السماء ، ومن الأرض ، فيوسع عليهم في الأرزاق ، فيعيشون حياة طيبة مطمئنة .

وبعد هذا كله ، فقد ظهر أن فضائل التوحيد وآثاره وحسناته على الناس – على أهل الإيمان ، وعلى غيرهم ، على الأفراد ، وعلى الدول ، وعلى المجتمع – كثيرة جدًّا ، ولهذا يعظم الواجب ، وتشتد حينئذ التبعة في أن نهتم بالتوحيد ، في أنفسنا ، وفيمن حولنا ، إن رغبنا في هذا الخير العظيم .

فالتوحيد ليس من باب الفضائل التي يجوز تركها ، إنما هو أصل هذا الدين وقوامه ، ومن أجله بعث الله الرسل ، وحذر من يقع في خلاف ذلك من الشرك ، فقد قال الله – جل وعلا – في شأن الشرك ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [ المائدة : 72 ] .

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا من أهل توحيده ، الذين علموه واعتقدوه ، وشهدوا به ، وعملوا به ، ودعوا إليه وأعلنوه ، إنه –سبحانه – ولي الصالحين ، وهو ذو الفضل والإحسان .

كما أسأله –سبحانه – أن يجعلنا ممن حاز هذه الفضائل ، اللهم لا تحرمنا فضلك بذنوبنا ، ولا بتقصيرنا ، وبإسرافنا في أمرنا ، اللهم اجعل عاقبة أمرنا إلى خير ، واجعل لنا فواتح الأمر من الخير وخواتمه ، إنك على كل شيء قدير ، رحمان رحيم .

كما أسأله –سبحانه – أن يُوفّق وُلاة أمورنا لما فيه رضاه ، وأن يجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

الأسئلة

السؤال : يقول السائل : معالي الشيخ ، كثرت الدعاوى في هذه الأيام إلى ما يسمى ” وحدة الأديان ” ، يعني تجتمع المئذنة بجانب الكنيسة ، أو ما يسمى بالتسامح الديني ، فما تعليقكم ؟ أحسن الله إليكم .

الجواب : أولًا : الأديان التي يتخذها الناس اليوم كثيرة ، لكن الدين الذي أنزله الله من السماء واحد ، لا يتعدد ، قال –تعالى – ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [ آل عمران : 19 ] ، وقال ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [ البقرة : 131 – 132 ] .

فالإسلام العام هو الذي جاء من عند الله ، أما الشرائع فمختلفة ، ولهذا يبطل شرعًا لفظ ” الديانات السماوية ” ، فليس ثَم ديانات سماوية ، إنما الدين الذي نزل من السماء واحد ، والشرائع هي التي تختلف ، قال – جل وعلا – ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [ المائدة : 48 ] ، وقال نبينا – صلى الله عليه وسلم – ، فيما رواه معمر عن همام عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : « الأنبياء أولاد عَلَّات ( [20] ) ، أمهاتهم شَتَّى ، ودينهم واحد » ( [21] ) .

فإذًا نستفيد من هذا بطلان قول من قال : الديانات السماوية .

ومن المعلوم أنه يوجد ديانات ، لكن لا يصح أن يقال إنها سماوية ، لأنه لم يأتِ من السماء إلا دين واحد ، وهو دين الإسلام ، فالنصرانية واليهودية ، شرائع من السماء ، لكن الدين هو الإسلام .

ويجوز أن تقول ” دين النصرانية ” ، و ” دين اليهودية ” على اعتبار أن المقصود بالدين هنا الشريعة ، كما قال – جل وعلا – ﴿ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ﴾ [ يوسف : 76 ] يعني في شريعة الملك ، لكن إذا أضيف إلى السماء ، فهذا لا يصح ، ولا يجوز ، وهذه هي المسألة الأولى .

أما المسألة الثانية : فدعوى السائل أن هذا كثير ، فليس بصحيح ، فلم تكثر هذه الدعوة ، وإنما وجدت هذه الدعوة من جهة ، أو جهتين في العالم ، ولكن الإعلام هو الذي أكثر ترديدها وذكرها .

وهذا الذي يسمى ” التسامح الديني ” ، كلمة مجملة ، قد تحتمل صوابًا ، وقد تحتمل خطأ ، أما صوابها : فأن يكون هذا التسامح على وَفْق شرع الله – جل وعلا – بأنه لا يجبر أحد على الدخول في الدين ، ولا يُكره أحد على ترك دينه ، كما قال – جل وعلا – ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [ البقرة : 256 ] ، وكما قال – جل وعلا – ﴿ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ﴾ [ الكافرون : 6 ] .

ووجود الكنيسة بجانب المسجد ، هذا وجد في زمن الصحابة – رضوان الله عليهم – في البلاد التي فيها أهل الذمة ، وكانوا يتعبدون في كنائسهم ، ولكن لا يعلنونها في شارع المسلمين ، كما هو معروف من الشروط العُمرية ، ويسمح لهم بذلك في البلاد التي كان فيها أهل الذمة .

فالتسامح بهذا المعنى تسامح جاء به الشرع وهو صحيح .

أما في جزيرة العرب ، فقد روى الإمام مالك في الموطإ ، والإمام أحمد في المسند ، وغيرهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، قال : « لَا يَجْتَمِعُ دِينَانِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ » ( [22] ) . يعني لا يجتمع في هذه الجزيرة دينان ظاهران ، فلا يظهر فيها إلا دين الإسلام .

أما وجود غير المسلمين ، فلهم أن يتعبدوا في بيوتهم ، وأن يمارسوا شعائرهم في أماكنهم ، دون أن يُظهروا ذلك ، وهذا المعنى من التسامح صحيح شرعًا ، وهو وَفق الأحكام الشرعية .

أما المعنى المرفوض والباطل ، فهو أن يكون التسامح مخالفًا لأمر الله – جل وعلا – وأمر رسوله ، وما جاء في نصوص الكتاب والسنة ، كأن يكون المقصود أن يوالي المسلم غير المسلم ، وأن يود المسلم الكافر ، أو المشرك ، أو ألا يتبرأ منه ، يعني لا يشعر في نفسه ببُغض للكفر والشرك .

والآن هذه الدعوة الموجودة التي ذكرت ، يراد منها ألا يكون في القلب كراهة لأي ملة من الملل ، بل يكون للناس فيما يتدينون به ما يشاءون ، وهذا باطل ، هذا أمر منوط بأحكام الشرع .

ولهذا فإنا نقول : كلمة التسامح هذه يمكن أن تُفَسّر بتفسير على وفق الشرع ، ويمكن أن تَحمل معنًى باطلًا في نفسها ، وفي آثارها .

لم يُعطِ أحد الحقّ الديني مثل ما أعطى الله – جل وعلا – ومثل ما أعطى رسوله الله – صلى الله عليه وسلم – في دين الإسلام ، من إكرام أهل الذمة ، بمعنى عدم إهانتهم ، ومن أن لهم التعبد بعباداتهم ، وأنهم لا يُجبرون على دين الإسلام ، بل يُدْعَوْن إلى الإسلام ، وهم بالخيار ، فمن شاء آمن ، ومن شاء كفر .

وهذا الإكرام والإحسان من أهم الأسباب التي جعلت كثيرا من غير المسلمين يدخلون في الإسلام طواعية .

بل قال الله – جل وعلا – ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [ الممتحنة : 8 ] ، فالجار إذا لم يكن مسلمًا ، فله حق الجوار ، يُهدى له ويُعطى . . وإلى آخره .

فإذًا الذي كفل حق المخالفين في دين الإسلام هو الله – جل وعلا – وأما ما يدّعونه في المواثيق الدولية ، وفي حقوق الإنسان ، وفي بعض الوثائق التي يُدعى إليها ، والقوانين بأن يكون التسامح على وفق فهمهم ، فهو – في الحقيقة – ليس فيه إعطاء كل ذي حق حقه ، وهم مع ذلك لم يطبقوه في بلادهم .

فهناك تدق أجراس الكنائس ، فتقرع الأذان ، ويُمنع الأذان ، يقولون : هذا يزعج الناس ، لكن جرس الكنيسة لا يزعج الناس! والأمثلة على هذا كثيرة ، لا نحب أن نطيل بذكرها ، والمقصود التنبيه على ما سأله السائل .

ونكتفي بهذا القدر ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

 

 

 

 

 

 

 



 ( [1] ) أخرجه أحمد ( 1 / 51 ، رقم 367 ) ، ومسلم ( 1 / 36 ، رقم 8 ) .

 ( [2] ) أخرجه مسلم ( 1 / 112 ، رقم 121 ) .

 ( [3] ) أيْ يَقْطع ويَمْحُو ما كان قَبْلَهُ من الكُفْرِ والمعاصي والذُّنُوبِ . انظر النهاية : جبب .

 ( [4] ) أخرجه أحمد ( 5 / 313 ، رقم 22727 ) ، والبخاري ( 3 / 1267 ، رقم 3252 ) ، ومسلم ( 1 / 57 ، رقم 28 ) .

 ( [5] ) أخرجه أحمد ( 5 / 318 ، رقم 22763 ) ، ومسلم ( 1 / 57 ، رقم 29 ) .

 ( [6] ) أخرجه البخاري ( 1 / 164 ، رقم 415 ) ، ومسلم ( 1 / 455 ، رقم 33 ) .

 ( [7] ) يعني به قول النبي –صلى الله عليه وسلم – : « يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ : هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ ، وَلاَ يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » . أخرجه البخاري ( 5 / 2375 ، رقم 6107 ) ، ومسلم ( 1 / 198 ، رقم 218 ) .

 ( [8] ) أخرجه أحمد ( 2 / 213 ، رقم 6994 ) ، والترمذي ( 5 / 24 ، رقم 2639 ) وقال : حسن غريب . وابن ماجه ( 2 / 1437 رقم 4300 ) . وصححه الألباني في المشكاة 5559 .

 ( [9] ) أخرجه النسائي في الكبرى ( 9 / 307 ، رقم 10602 ) ، وأبو يعلى ( 2 / 528 ، رقم 1393 ) ، والحكيم ( 3 / 264 ) ، وابن حبان ( 14 / 102 ، رقم 6218 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 8 / 328 ) . وصحح إسناده الحافظ ابن حجر في الفتح ( 11 / 208 ) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ( 10 / 82 ) : رواه أبو يعلى ، ورجاله وُثِّقُوا ، وفيهم ضعف . وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب 923 .

 ( [10] ) يعني حتى يدخل البعير في خُرْق الإبْرَةِ . وقيل غير ذلك . وانظر تفسير ابن كثير 3 / 414 .

 ( [11] ) أخرجه أحمد ( 4 / 80 ، رقم 16778 ) ، والبخاري ( 5 / 2231 ، رقم 5638 ) ، ومسلم ( 4 / 1981 ، رقم 2556 ) .

 ( [12] ) أخرجه البخاري ( 1 / 49 ، رقم 99 ) .

 ( [13] ) أخرجه أحمد ( 1 / 293 ، رقم 2669 ) ، والترمذي ( 4 / 667 ، رقم 2516 ) وقال : حسن صحيح . وصححه الألباني في المشكاة 5302 .

 ( [14] ) أخرجه أحمد ( 1 / 307 ، رقم 2804 ) ، والضياء ( 10 / 23 ، رقم 13 ) . وصححه الألباني في الصحيحة 2382 .

 ( [15] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1226 ، رقم 3181 ) ، ومسلم ( 1 / 114 ، رقم 124 ) .

 ( [16] ) دليله قوله –صلى الله عليه وسلم – :« إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ » . أخرجه أحمد ( 2 / 168 ، رقم 6569 ) ، ومسلم ( 4 / 2045 ، رقم 2654 ) .

 ( [17] ) دليله قوله –تعالى – ﴿ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [ الزمر : 67 ] .

 ( [18] ) دليله قوله – صلى الله عليه وسلم – : « لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ، مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ » . أخرجه الترمذي ( 4 / 560 ، رقم 2320 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1376 ، رقم 4110 ) . وصححه الألباني في الصحيحة 686 .

 ( [19] ) دليله قوله –صلى الله عليه وسلم – : « مَنِ التَمَسَ رِضَاءَ اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ،كَفَاهُ اللَّهُ مُؤْنَةَ النَّاسِ ، وَمَنِ التَمَسَ رِضَاءَ النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ ، وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ » . أخرجه الترمذي ( 4 / 609 ، رقم 2414 ) . وصححه الألباني في الصحيحة 2311 .

 ( [20] ) أولادُ العَلَّات : الذين أمَّهاتُهم مُخْتَلفةٌ ، وأبوهم واحِدٌ . أرادَ أنَّ إيمانَهم واحِدٌ وشرائِعَهُم مُخْتَلِفة . النهاية : علل .

 ( [21] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1270 ، رقم 3258 ) ، ومسلم ( 4 / 1837 ، رقم 2365 ) .

 ( [22] ) أخرجه مالك ( 2 / 892 ، رقم 1584 ) ، والبيهقي ( 9 / 208 ، رقم 18531 ) .

شاركها مع أصدقاءك