بواسطة :
الزيارات : 6٬013 مشاهدة
  • إسم الملف : الفرق بين كتب الفقه وكتب الحديث
  • عدد الزيارات : 6٬013 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

الفرق بين كتب الفقه وكتب الحديث

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد :

أهمية العلم :

من الْمُسَلَّمِ به عند طالب العلم الحريص عليه أن طلب العلم هو غاية ما يحصله المرء لنفسه من الخير ، لأن العمل تابع للعلم ، والعمل بلا علم لا ينفع ، لأن من شرط صحة العمل وصحة النية الإخلاص والعلم ، بما يُمَيَّزُ به عمله ويفرق به بين العادة والعبادة ، فكثيرون يعملون أعمالًا على سبيل العادات ، أو الْجِبِلَّةِ والطبيعة ، أو بما جرى عليه أهله ومجتمعه ، لكن العلم يحمله على أن يفرق بين نية العمل الذي يتقرب به إلى الله – جل وعلا – ، وبين العمل الذي يعمله عادة ، والعمل الذي يريد به أن يكون وسيلة إلى أمر محبوب .

التفرقة بين كتب الفقه وكتب الحديث :

يحتاج طالب العلم في طريقه لطلب العلم إلى معرفة فَرْقٍ مهم ، وهذا الفرق لم يدركه الكثير وهو : الفرق بين تناول كتب الفقه وكتب الحديث ، فكتب الفقه فيها الكلام على المسائل الفقهية وفيها الأدلة ، وفيها الخلاف ، وكتب الحديث فيها أيضًا الكلام على المسائل الفقهية وفيها الأدلة ، وفيها الخلاف والترجيح ، فمن جهة النظر إلى المحتوى قد يتشابه هذا وهذا .

اكتمال الملكة العلمية تكون بالجمع بين الحديث والفقه :

 ولذا يشتكي كثير من طلاب العلم – الذين في الكليات الشرعية ككلية الشريعة أو كلية أصول الدين – من أنهم إذا بدؤوا في دراسة الفقه دخلوا الكلية، فعند دراسة الحديث والفقه يشتبه عليهم شرح الأستاذ الذي يدرسهم الفقه ، مع شرح الأستاذ الذي يدرسهم الحديث، فكل منهما يورد أدلة واختلافًا وتصويرًا للمسألة ، وربما كان إيراد هذا يختلف عن إيراد ذاك من جهة الاستيعاب ، أو من جهة الاستدلال ، أو بيان وجه الاستدلال ، أو استخدام علوم الآلة ، أو الترجيح ، إلى غير ذلك ، وهذا يجعل طالب العلم في كثير من الالتباس في تحصيل العلم ، وهل يطلب علم الأحكام من كتب الحديث أو يطلبها من كتب الفقه ، وينتج عنه عدم معرفة كيفية تناول الأحكام ، هل هو من كتب الحديث أم من كتب الفقه ؟ وما ميزة هذه وهذه ؟ وهل هذه تعارض هذه أم لا ؟

وعدم العلم بهذه المسائل ينتج عنه نقص عند كثير من طلاب العلم، وما اكتملت ملكتهم في العلم من جهة التكامل بين هذين العلمين العظيمين الفقه والحديث .

كتب الحديث سابقة لكتب الفقه :

إن كتب الحديث – كما هو معلوم – سابقة لكتب الفقه، وأول ما دُوِّنَ العلم دُوِّن على جهة الرواية والإسناد ، حتى الفتاوى والوقائع والأسئلة نقلت في مصنفات أهل العلم بالأسانيد ، فعلم الحديث من حيث هو رواية ودراية يشتمل على إسناد ومتن ، وهذا المتن قد يكون مرفوعًا للنبي – صلى الله عليه وسلم – ، أو قولًا لصحابي ، أو قولًا لتابعي ، أو ما دون ذلك .

الحديث رواية ودراية :

كثيرا ما يستعمل أهل الحديث كلمتي : « رواية ، ودراية »، وفي تفسير الرواية والدراية اختلاف .

فمنهم من يقول : الرواية : هي نقل الحديث بالإسناد . والدراية : هي تمحيص هذا الإسناد من حيث الصحة وعدمها ، ومن حيث هل هو مستقيم أم غير مستقيم ؟ وهل هو معلول أو غير معلول ؟ وهل يحتج به أم لا يحتج به ؟ وهذا قول طائفة كثيرة من أهل العلم .

وآخرون يقولون : الرواية راجعة إلى النقل ، والدراية راجعة إلى فقه الحديث ، وفقه الحديث هو درايته وفقهه . فيدخل على هذا في النقل مصطلح الحديث ، والنظر في الرجال ، وتكون الدراية هي الفقه ، يعني النظر في المتن .

أصول الفقه سابق لمصطلح الحديث استعمالا :

مما سبق يمكننا استنباط أن مصطلح الحديث سابق لأصول الفقه ، وأصول الفقه أتت بعده من جهة تقعيد الفن ، أما من جهة الاستعمال فإن أصول الفقه سابقة لأصول الحديث والمصطلح ، ذلك لأن أصول الفقه : هي أصول الاستنباط، وهي موجودة في زمن النبي – عليه الصلاة والسلام – قبل أن يكون ثَمَّ أسانيد ، لهذا تنظر إلى علم الفقه وعلم الحديث على أنه لا انفصال بينهما في الحقيقة . فالفقه : هو فقه الأحكام الشرعية ، والأحكام تكون مبنية على أدلة ، ومن الأدلة السُّنَّةُ .

أدلة الفقيه أعم من أدلة المحدث :

أدلة الفقيه أعم من أدلة المحدث ، بمعنى أن الكتاب الذي يعرض لمسائل الفقه تكون أدلته أوسع من أدلة الكتاب الذي يعرض لفقه الحديث ، لأن من نظر في فقه الحديث يكون دليله هو ما يتكلم عليه الحديث ، كأن يكون عنده حديث في ” بلوغ المرام “، يشرحه أو حديث في ” منتقى الأخبار “، يشرحه مثل ” نيل الأوطار “، أو حديث البخاري يشرحه أو نحو ذلك ، فيكون شرحه مبنيًّا على هذا الحديث، واستنباطه للحكم بما في هذا الحديث من الحكم .

أما الفقيه فإنه يستنبط الحكم من عدة أدلة، قد يكون الدليل نصًّا من الكتاب أو السنة ، وقد يكون إجماعًا ، وقد يكون قياسًا شموليًّا ، وقد يكون قياسَ علةٍ ، وقد يكون قول صاحب ، أو قول إمام… الخ .

نخلص من هذا إلى نتيجة مبدئية مهمة، وهي : أن كتب الفقه تختلف عن كتب الحديث من جهة الأدلة.

الفرق بين كتب الفقه وكتب الحديث من حيث التأصيل :

أما من حيث تأصيلها ، فنقول : إن كتب الحديث – إذا رجعنا إلى أولها – نجد أن الإمام يبوب على الحديث بما فيه من الفائدة ، لكن لا يرى الاختلاف الذي فيه ، فمثلًا الإمام البخاري في تبويباته يبوب على فقه الحديث الذي عنده ، وأبو داود كذلك يبوب على فقه الحديث الذي عنده ، والترمذي ، والنسائي ، وابن خزيمة ، والتبويب – وهو عبارة عن الحكم أو الفائدة – راجع إلى فقههم لهذا المتن .

لكن إذا نظرت في تبويب كتب الفقه ، فستجد أن الفقيه يستدل بعموم آية ، أو بمفهوم آية ، أو يستدل بعدد من الأحاديث ، أو يستدل بقاعدة ، أو بأقوال الصحابة .

 فالمحدث في الزمن الأول – قبل شيوع المصنفات وشروح الحديث المطولة – يستنبط بناء على هذا المتن الذي عنده ، ولا ينظر إلى جميع أدلة المسألة ، لا ينظر إلى كل ما في المسألة مع الأقوال ، أما المفتي أو الفقيه إذا أراد أن ينظر في هذه المسألة التي تناولها الحديث فإنه يستحضر أشياءَ أُخَر .

ولهذا صار كلام الفقهاء يختلف عن كلام طائفة من أهل الحديث ، لأنه قد يكون المحدث ينظر إلى هذا المتن باستنباط ما فيه من فوائد دون النظر إلى أن هذه الفائدة هل هي الحكم في نفس الأمر ، أم أنه يأتي معارِضٌ فينظر إليها من جهة أخرى .

كيفية الترجيح بين الأدلة :

الأقوال المتضادة أو الأقوال المتقابلة في الفقه يكون القول فيها أرجح إذا كان المعارضُ له أقلَّ ، فإن القولين المختلفين في الفقه كُلٌّ له دليل ، بل الأكثر وجل المسائل أن يكون هذا القول له أدلته ، وهذا القول له أدلته ، ولكن أي القولين يكون أرجح ؟ القول الأرجح هو الذي يكون الاعتراض على ما استدل به أصحابه أقل من الاعتراض على القول الآخر ، وهذه فائدة رصينة مهمة يحتاجها الناظر في كتب الفقه وكتب الحديث جميعًا .

كتب الفقه التي بسطت المسائل الخلافية :

إن الأقوال المتقابلة والاختلافات المعروضة في كتب الفقه جاءت نتيجة إلى نظر العلماء في المسائل الفقهية ، بعد ذلك صنفت متون الفقه ، ثم صنفت المطولات في الفقه ، ثم ظهرت شروح كتب الحديث وقد استفادت من كتب الفقه ، فأوائل كتب الفقه التي بسطت القول في المسائل الفقهية الخلافية كتب ابن المنذر ، ومثلها مع شيء من الاختلاف المصنفات :  مصنف ابن أبي شيبة ، ومصنف عبد الرزاق ، وأشباه هذه ، فتجد أن هذه الكتب بسطت القول في المسألة بذكر أقوال العلماء بدون ذكر أدلتهم لأنها رواية ، ومثل كتب ابن المنذر تجد أنه يذكر القول ويذكر دليله .

نماذج من كتب الفقه :

ظهرت كتب الفقه بعد ذلك فيها ذكر الخلافيات ، وفيها دليل كل قول إذا كان الكتاب في الفقه عامًّا مقارنًا يقارن فيه صاحبه بين المذاهب ، أما إذا كان كتابَ مذهب خاص فإنه لا يورد أدلة الأقوال الأخرى ، ونضرب أمثلةً على ذلك : فكتاب ابن حزم ” المحلى بالآثار شرح المجلى بالاختصار ” هو كتاب ألفه للمبتدئ من طلاب العلم كما نص عليه في أثناء كلامه على صور صلاة الخوف ، قال : « وَإِنَّمَا كَتَبْنَا كِتَابَنَا هَذَا لِلْعَامِّيِّ وَالْمُبْتَدِئِ وَتَذْكِرَةً لِلْعَالِمِ » ([1]). وهذا واقع من جهة أن الناظر فيه يجد أنه يذكر أقوالًا متعددة بالإسناد ، فهو عبارة عن جمع ما يراه ناصرًا لأصل المسألة ، وقد يذكر الخلاف ويذكر الترجيح ، أما الاستيعاب فإنه في كتب مطولة أخرى ، فهذا الكتاب هل هو كتاب فقه ، أم كتاب حديث ؟ هو على طريقة كتب ابن المنذر من جهة أنه يذكر المسألة ويذكر الاستطراد بذكر الأدلة تارةً بالإسناد وقليلًا بلا أسانيد ، إذا نظرت في هذا الكتاب يحصل عندك شيء من التردد في فهم المسألة ، لأن تقرير المسألة جاء مع بيان الخلاف مع الأسانيد ، مع الدراية ، مع الاستنباط ، مع رأي ابن حزم الأصولي ، مع رده على المخالفين .

 مثال آخر : كُتب ابن عبد البر ” التمهيد ” ، و” الاستذكار ” وغيرها ، وهي شروح للموطإ، لكنها شروح نظر فيها إلى المسألة لا إلى المتن ، فهو قد يشرح المتن ثم يخرج من المتن إلى المسألة ، ثم يفصل الكلام في المسألة  ، كأنها مسألة فقهية مستقلة ، وهذا نوع من شروح كتب الحديث نقابله بكتاب ابن حزم ، فكتب ابن عبد البر وكتاب ابن حزم متقابلان ، هذا له طريقته ، وهذا له طريقته إذا نظرت في الكتابين وجدت أن طريقة الفقهاء موجودة في كتاب ابن حزم ، وطريقة المحدثين موجودة في كتاب ابن عبد البر – في الجملة – بخلاف ما يظنه كثيرون أن كتاب ابن حزم كتاب حديث ، هو كتاب فقه ، لكنه فقه بناه على الأثر بتوسع ، فكأنه صور المسائل الفقهية كمتن فقهي ، ثم استوعب ما في المصنفات ، وما نقل عن السلف في هذه المسائل ، ونظر فيها نظرًا مختصرًا ، فهو كتاب فقه توسع فيه في الاستدلال .

مقارنة بين كتب الفقه المقارن وشروح الحديث :

تطورت المسألةُ تاريخيًّا ، فدخلنا إلى مرحلة ” المغنى ” لابن قدامة المقدسي ، وما شابهه مثل ” المجموع شرح المهذب ” للنووي ، وهما كتابان متقاربان من جهة أنهما كتابان فقهيان منهجهما واحد من جهة الفقه ، فـ ” المغني ” كتاب حنبلي يعرض فيه للأدلة والخلاف ، وكتاب النووي كتاب شافعي يعرض فيه لتأصيل المسألة والأدلة والخلاف .

وكتاب النووي يمتاز عن كتاب ابن قدامة بأن فيه استيعابًا للغويات ، وفيه الحكم على كثير من الأدلة من جهة الإسناد ، فتجده يقول : هذا إسناده صحيح ، إسناده قوي ، إسناده ضعيف … الخ . وله ترجيحاته المخالفة للمذهب ، كما أن ابن قدامة له ترجيحاته المخالفة للمذهب .

في مقابلهما نذهب إلى كتب الحديث في ذاك الزمان أو بعده بقليل ، مثل ” فتح الباري ” وما شابهه ، ففتح الباري فيه عرض المسألة بحسب إيراد البخاري واستيعابه للأدلة أو للخلاف وبحسب حاجة المسألة إلى ذلك ، فنخلص من هذا العرض الموجز إلى أن كتب الفقه وكتب الحديث يخدم بعضها بعضًا .

الفروق بين كتب الفقه وكتب الحديث :

 فمن نظر في كتب الحديث وأراد أن يستفيد – يعني في شروح كتب الأحاديث – فلا بد أن يكون مؤصلًا في الفقه ، فإذا أُصِّل في الفقه كان نظره في كتب الحديث جيدًا ، والفروق في هذا الباب كالتالي :

الفرق الأول : أن كتب الحديث لا تصور المسألة ، وإنما تبني على أن المسألة صورتها واضحة ، وأما كتب الفقه فهي تصور المسألة ثم تذكر دليلها .

الفرق الثاني : أن كتب الحديث ليس فيها استيعاب للأدلة على اختلافها ، لكن كتب الفقه يُذكر فيها ما في الباب من أدلة هذه المسألة ، سواء كان من الكتاب ، أو السنة ، أو القياس ، أو القواعد إلى آخر ذلك .

الفرق الثالث : أن كتب الحديث فيها إيراد المسألة بحسب مجيئها في الحديث دون تكامل للباب ، أي أن الباب في كتب الحديث لا يتكامل في ذهن طالب العلم ، فإذا نظرت مثلًا في كتاب الجهاد في البخاري ، أو الإمارة في مسلم ، أو نظرت في باب من الأبواب في كتب الحديث ، فستجد أن هذه الأبواب فيها من الفوائد بقدر مجيئها في السنة ، لأنه مبني على الاستدلال من السنّة فقط ، لكن كتب الفقه يكون فيه عرض الباب بذكر المسائل التي تدخل تحت هذا الباب ، ودليلها من القرآن أو من السنة ، أو من القياس ، أو من القواعد ، أو من قول صاحب ، أو استنباط ، أو فتوى للإمام ، فتجد أن المسائل في كتب الفقه أكثر منها في كتاب الحديث .

ومعنى ذلك : أن من نظر في كتب الحديث جميعًا فإنه يخلص بنتيجة، وهي : أن المسألة إذا كان دليلها حديثًا عن النبي – عليه الصلاة والسلام – فهو موجود في كتب الحديث بتفصيله ، وببيان الخلاف فيه ، ودرايته ، وروايته ، وما يتصل بذلك ، لكن إذا كان دليلها قاعدة عامة ، دليلها آية ، أو القياس ، أو قول صاحب ، أو فتوى الإمام فلا يجدها في كتب الحديث ، وينبني على ذلك أن الناظر في كتب الفقه يكون الباب في ذهنه أحسن ترتيبًا وأوسع .

الفرق الرابع : كتب الفقه المذهبي يكون النظر في الحديث بناء على مذهبه ، وهذه الحيثية نوع من القصور في كتب الفقه من جهة طالب العلم المتوسع ، فيكملها بالنظر في كتب الحديث .

الفرق الخامس : كتب الحديث – يعني الشروح المطولة – تجد فيها أن المسألة لا يتصورها طالب العلم تصورًا دقيقًا ، حيث لا تستخدم أصول الفقه في الاستنباط ، بخلاف كتب الفقه الموسعة ، فهي تستخدم أصول الفقه .

الفرق السادس : يظن كثير من طلاب العلم أن شارح الحديث يسلم من التعصب، فيُقبل على كتب الحديث بناء على أن أصحابها متجردون – رحم الله أهل العلم جميعًا -، ويقول أن أصحاب كتب الفقه مقلدة ، وعندهم نصرة لمذاهبهم ، فلا ينظر فيها ، وهذا غلط ؛ لأن أصول الاستنباط التي بها يستنبط العالم الذي سيشرح كتب الحديث ويرجح بناء على ما عنده من أصول الفقه ، لأن أصول الفقه هي أصول الاستنباط ، فهو سينظر في هذه المتون وألفاظ الأحاديث ويستنبط ويرجح بين الأقوال ، لكنه لن يسلم من التقليد لأنه سيرجح بناء على ما في مذهبه من أصول الفقه ، ويظن الناظر أنه يرجح بناء على الصحيح المطلق ، وهذا غير وارد البتة .

فإنه ما من شارح للحديث إلا وعنده تبعية في أصول الفقه وهي التي عليها مدار الاستنباط ، فهو سيشرح ويقول : هذا الراجح لأنه كذا ، لذا لا بد أن يُعلم أن شراح الحديث إنما هم أتباع مذاهب وليسوا مجتهدين الاجتهاد المستقل أو المطلق ، لأن الاجتهاد المطلق أو المستقل – على خلاف في التسمية والتعريف – راجع إلى أنه يجتهد في أصول الفقه ، كما أنه يجتهد في النظر في الرجال ، فله اجتهاداته في الفنين جميعًا ، مثل الأئمة الأربعة وبعض من اندرست مذاهبهم كـ : سفيان ، والأوزاعي ، وابن جرير ، فهؤلاء لهم اجتهادات في أصول الفقه وفي الرجال جميعًا .

وكذلك كان لابن حزم طريقة مخالفة لما قبله في أصول الفقه ، وكذلك في النظر في الرجال ، لا يقلد ، وإنما له نظره المستقل ، فهذا مجتهد مستقل .

لكن بعدما دونت المذاهب وانتشرت لا يوجد الاجتهاد المطلق ، حتى شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – فإنه في أصول الفقه يتبع مذهب الحنابلة ، إلا ما ندر مما رجحه أو بحثه بحثًا مستقلًا مثل الكلام في عموم البلوى وأشباه ذلك ، في مسائل أخذها من غير أصول الحنابلة ، ولهذا إذا نظرت في مسودة آل تيمية في أصول الفقه وجدت أن استدراكات شيخ الإسلام على قول أبيه وجده – في هذه المسائل – نادرٌ أو قليلٌ .

إذا أتيت إلى مثل الحافظ ابن حجر ، والنووي وأشباه هؤلاء ، فإنهم من جهة الاستنباط سيدخلون في النظر في : هل هذا اللفظ من ألفاظ العموم أم لا ؟ هل المفهوم يخصص أم لا ؟ هل مفهوم المخالفة معتبر في هذا أم لا ؟ هل الدلالة دلالة نصية أو دلالة ظاهر ؟ هل ينسخ هذا أم لا ؟ والنووي وابن حجر – رحمهما الله تعالى – في الاستنباط في أكثر المسائل ، بل في جل المسائل هم تبعٌ للشافعية ، ويأتي الناظر ويقول : رجحه النووي ، ويترك قول ابن قدامة ، أو قول فلان من الحنفية ، أو غيره باعتبار أن ذاك ينصر مذهبه ، لأنه رأى القول في كتاب فقهي ، وهذا لن ينصر مذهبه باعتبار أنه وجده في كتاب شرح مسلم ، أو البخاري ، أو غير ذلك ، وهذا من عدم معرفة الفرق بين كتب الفقه وكتب الحديث .

في كثير من المسائل يأتي طالب العلم وينقل أقوالًا عن الحافظ ابن حجر ، أو عن النووي حتى في صورة المسألة ، في نوعية النظر في الخلاف ، وإذا تأمل وتوسع وجد أنهم نقلوها من كتب الفقه الشافعية ، وعلماء الشافعية – رحمهم الله تعالى – خدموا كتب الحديث ، ولهذا صارت ترجيحات المحدثين المتأخرين ، أو ترجيحات الناظر في كتب الحديث من المتأخرين تبعًا لترجيحات الشافعية ، لأنهم خدموا كتب الحديث أكثر من غيرهم ، بينما خدمة الحنفية لكتب الحديث قليلة ، وخدمة الحنابلة لكتب الحديث أقل ، وهكذا .

مراحل تأسيس طالب العلم من جهة النظر :

 فطالب العلم الذي يريد أن يؤسس نفسه من جهة النظر ويكون دقيقًا في النظر ينظر في كتب الفقه وكتب الحديث ، ويعلم مميزات كلٍّ ، وحتى يصل طالب العلم إلى منهجية دقيقة في هذه المسألة يرتب نفسه في مراحل :

المرحلة الأولى : أنه إذا عرضت لطالب العلم المسألة يطلب صورة المسألة من كتب الفقه ، لأن تصوير شروح الحديث غالبًا ما يكون ناقصًا ، لأنك لن تجد  الكلام مفصلًا عليها في كتب الحديث ، إلا إذا كان ثَمَّ حديث يدل عليها .

المرحلة الثانية : ينظر في كتب الفقه ، ما دليل المسألة ؟

المرحلة الثانية : إذا كان دليلها من القرآن فإنه يحتاج إلى كتب أحكام القرآن ، كتب أحكام القرآن كل كتاب تَبَعٌ لمذهبه ، ” أحكام القرآن ” للقرطبي مالكي ، ” أحكام القرآن ” للكيا الهراسي شافعي ، ” أحكام القرآن ” للجصاص حنفي ، ” أحكام القرآن ” لعبد الرزاق الرسعني حنبلي ، وهكذا . وفي كتب أحكام القرآن ينصرون مذاهب فيها الدليل واضح من الكتاب ، فينصرون المذهب الخاص لقناعتهم بذلك من جهة الدليل والاستدلال .

المرحلة الثالثة : إذا كان دليلها من السُّنَّة فإنه ينظر إلى قول شارح كتاب الفقه ، وبعده ينظر إلى قول علماء الحديث وشراح الحديث في كتبهم ، فيكون النظر في كتب أهل الحديث المطولة هل إيراد هذا الكتاب – الذي هو الكتاب الفقهي – لهذا الدليل والاستدلال كاملًا أم غير كامل ؟ هل الأسانيد صحيحة أم لا ؟ هل الدليل صحيح من جهة النقل أم لا ؟ ثم النظر في الدلالة هل هي كما قال أم لا ؟ ففي هذه المرحلة تخدم كتب الحديث كتب الفقه ، ويكون الناظر في كتب الحديث مؤصلًا في المسألة الفقهية بعد معرفة دليلها .

المرحلة الرابعة : أن ينظر في الدليل من جهة القواعد ، والقواعد قسمان : قواعد متفق عليها ، وقواعد مختلف فيها ، القواعد المتفق عليها توافق جميع المذاهب ، أما المختلف فيها فكل مذهب له قاعدة ودليل ، هذه القاعدة في المذهب تارة تكون مبنية على فهمهم لدليل من الكتاب أو السنة ، وتارة تكون مبنية على فروع منقولة عن إمام المذهب ، فإذا كان الدليل من القواعد الكلية فإن هذا القول به ظاهر وواضح .

 أما إذا كانت هذه القاعدة دليلها خاص بمذهب ، أو فروع منقولة في مذهب فإنه لا تخلو المسألة من جهة النظر إلى تنازع في الفهم والدلالة ، وفي دليل هذه القاعدة ، تجد قواعد يستدل بها الشافعية لا يوافقهم عليهم الحنابلة ، قواعد عند الحنفية ليست مستقيمة عند المالكية ، والحنابلة ، والشافعية ، قواعد واضحة من دلالات النصوص يذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية خرج بها عن بقية المذاهب ، العز بن عبد السلام أتى بقواعد في كتابه القواعد الكبرى ” قواعد الأحكام في مصالح الأنام ” في كثير من القواعد خرج بها عما هو صواب في نفسه وهكذا .

الدليل بالقاعدة لا يعني أنه صحيح مطلقًا ، فبعض طلبة العلم إذا قيل له القاعدة يظن أنها مسلمة وكأنها النص . والواجب أن ينظر في القاعدة إذا كانت كلية فهذا صحيح ، أما إذا كانت قاعدة خاصة بمذهب من المذاهب فإنها يعرض لها النزاع كما يعرض لأي مسألة فقهية .

المرحلة الخامسة : بعد ذلك ننظر في  قول الصحابي ، هل استدلوا بقول الصحابة – رضي الله عنهم أجمعين – أم لا ؟ هل هذا الصاحب له مخالف أم لا ؟ ننظر فيما يأتي به من الأدلة . وللنظر في كتب الفقه أو كتب الحديث .

خطوات تصور المسألة :

رتب نفسك في تصور أي مسألة – لاستيعاب المراحل السابقة – حسب الخطوات التالية :

الخطوة الأولى : تصور المسألة ، فأي مسألة تعرض عليك في كتب الفقه أو كتب الحديث رتبها حتى تفهمها بدقة على هذه المراحل الستة ، بمعنى أن يفهم هذه المسألة ما صورتها في الواقع ؟ ما صورتها التي تخرجها عن ما يضاد عن غيرها ؟ ما صورة هذه المسألة التي تميز بها عن مثيلاتها .

الخطوة الثانية : حكم المسألة ، بحسب ما عرض في كتاب فقه أو كتاب حديث … إلخ ، ما حكمها ، فمثلا في المتن الفقهي يقول : كذا جائز ، أو يشترط كذا . فما هي صورة هذا الشرط ؟ والشرط حكم ، فتفهم الصورة ثم تفهم الحكم .

الخطوة الثالثة : دليل هذا الحكم بحسب إيراد المؤلف ، ما هو دليله ؟ ثم ينظر في هذا الدليل بحسب الخطوات التي ذكرناها من قبل ، دليل الحكم الذي أورده المؤلف .

الخطوة الرابعة : وجه الاستدلال ، وهو استخدام أصول الفقه في النظر في الأدلة، وجه الاستدلال ما هو ؟ كيف استنبط من هذا الدليل ذلك الحكم ؟

الخطوة الخامسة : الخلاف في المسألة ، ما هو الخلاف في المسألة ؟ الأقوال الأخرى . وإذا أتيت للقول الآخر فإنك تتعامل معه بنفس الطريقة ، ما دليل القول الآخر ؟ وما وجه الاستدلال … إلخ .

الخطوة السادسة : الترجيح .

كتب الفقه وكتب الحديث غير متعارضة :

 فلو جعلت لكل مسألة في كتاب فقه ، أو كتاب حديث هذه المراحل في النظر وجدت أن كتب الفقه وكتب الحديث غير متعارضة بل متفقة ، هذا يخدم هذا ، وهذا يخدم هذا ، وهو صنيع العلماء والأئمة , ما ترى عالمًا يزهد في كتب الفقه ، أو عالمًا يزهد في كتب الحديث ، حاشا وكلا ؛ بل يقول : كتب الحديث هي الأصل , وكتب الفقه هي استيعاب للأبواب بحسب أدلة المسائل .

الخلاصة : كتب الفقه وكتب الحديث من حيث النظر شيء واحد :

والخلاصة من هذه البحث الموجز أن طالب العلم ينظر إلى كتب الفقه وكتب الحديث على أنها شيء واحد غير منفصل ، هذا وهذا شيء واحد .

فإن قال قائل : لا ليس الأمر كذلك ، كتب الحديث هي الأصل ، فالاستنباط من السنة ، وأما كتب الفقه فهي آراء الرجال .

نقول : هذا الكلام غير دقيق لمن مارس النظر في كتب الفقه وكتب الحديث ، ولمن استقبل فتاوى الناس ، لكن طالب العلم من حيث نظره لنفسه يحتاج إلى نوع معين فيستوعب ما فيه ، لكن من حيث فهم الباب فهمًا كليًّا فإنه لا بد له أن ينظر في هذا وهذا ، لا يستغني عن أي من الاثنين .

أمثلة للمسألة في كتب الفقه وكتب الحديث :

 نأخذ مسألة وننظر فيها في كتاب فقه سنجد أنها مذكورة هي ودليلها ، قد يكون ثَمَّ خلاف بحسب الحكم ، لكن تجد أنها في كتاب الحديث إذا كان مطولا – يعني في شرح كتاب من كتب الحديث – قد يورد لك خلافًا وأقوالا فيها ، إذا نظرت في كتاب فقهي أطول منه ستجد أنه يورد هذا ، ككتب ابن المنذر ، فإن كتب أهل الحديث في الخلاف وكتب الفقهاء أيضًا في الخلاف معتمدة بكثرة ، ومنها الموجود ومنها غير الموجود ، وكتب ابن المنذر من أشهرها ” الأوسط ” وهو موجود أكثره ، و” البسيط ” وموجود قطعة يسيرة منه أو نحو ذلك .

طالب العلم يجمع بين النظر في كتب الفقه والحديث :

فالناظر في الفقه من طلاب العلم ينبغي له أن يكون جامعًا في النظر بين هذا وهذا ، لا يكون زاهدًا في كتب الفقه فيحرم فهم الفقيه وذهن الفقيه وشمولية الفقيه في الباب ، ولا يكون زاهدًا في كتب الحديث – لأجل أنها أدلة – والأدلة موجودة في كتب الفقه فيفوته كثير من البسط في المسائل والخلاف ، ومعرفة آراء أهل العلم في المسألة حتى يكون ترجيحه ونظره على أساس، وهو الاطلاع على أقوال الناس في المسألة .

نكتفي بهذا القدر في هذه المقدمة ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .



([1])        المحلى ( 5/ 33 ) .

شاركها مع أصدقاءك