بواسطة :
الزيارات : 3٬954 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .

 أما بعد ، الفتن جمع فتنة ، والفتنة كغيرها من الألفاظ لها استعمالان : استعمال لغوي ، واستعمال اصطلاحي أو عرفي متعارف عليه بين الناس ، وهو أن الفتنة : ضرر يقع على الناس سواء كان هذا الضرر بنِزاعٍ فيما بينهم ، وما ينتج عنه من هرج وقتل ، أو كان بانعدام للأمن وغير ذلك من الأمور التي تشعر بعدم الاستقرار في المجتمعات . أو يمكن تعريفها بأنها : « أقوال وأعمال تخرج عن الشريعة ، تؤدي إلى انعدام الأمن واختلاف الجماعة وحدوث الفرقة » ، وهذا المعنى هو المقصود بالتحذير منه .

وإذا تتبعنا تاريخ أمة الإسلام لوجدناه مليئًا بالفتن التي ذُكِرت على حد التعريف السابق ، وقد أشار إلى ذلك عدد من الباحثين في مؤلفاتهم التاريخية ، بل إن بعضهم قال في هذا الأمر : ليس في تاريخ المسلمين إلا الفتن ، وكتب التاريخ مملوءة بذكر تلك الفتن وما فيها من اقتتال وسفك للدماء .

وهذا صحيح من وجهٍ ، وغير صحيح من وجه آخر ، أما وجه الصحة فهو أن كتب التاريخ يصدق فيها الكثير مما ذُكر من وقوع الفتن في أمة الإسلام وما استتبع ذلك من كثرة الاقتتال وسفك الدماء واستباحة المال والعرض ، ولكن علينا أن نعلم شيئًا دَأَب عليه المؤرخون وهو أنهم درجوا على ذكر المساوئ والأمور المستهجنة والجوانب المظلمة أكثر من ذكرهم للمحاسن والجوانب المضيئة والنهضات الفكرية والعلمية والاقتصادية التي قام بها الخلفاء في دول الإسلام المتعاقبة ، فتجدهم عند حوادث كل سنة يذكرون ما كان فيها من فتن وما استتبع ذلك من تفرق وقتال وسفك دماء ووفيات ، والقليل منهم من يذكر ما فيها من أمور محمودة .

 فلا يغلبن على الأذهان تلك الصورة التاريخية ، فكما مرت الأمة الإسلامية بسنوات اضمحلال ، كانت هناك سنوات رخاء وقوة ، لكن لا ننكر حدوث تلك الفتن التي كانت في أمتنا الإسلامية ، وسنعرض لبعض الأمثلة بحسب ما أمكننا .

أسباب الفتن :

إن نشوء الفتن – بالمعنى الذي ذكرناه ورجحناه سالفا – يكون عادة على أيدي فئة من شأنها زعزعة الأمن والاستقرار وتفريق الجماعة ، والذي يؤدي غالبًا بتلك الفئة إلى إحداث تلك الفتن وما يكون فيها من الخروج والقتل وسفك الدماء هو الغلو في الدين والتعمق فيه ، وفيما يلي نذكر بعض الأسباب المؤدية لظهور تلك الفتن .

السبب الأول : الجهل :

إن الجهل بالدين أو الجهل بقواعد الشرع أو الجهل بحقوق الآخرين يؤدي غالبًا إلى حدوث الفتن ، فمن كان عنده جهل فإنه -بلا شك- سيتجرأ بجهله على أن يخوض في الفتن ، ونضرب مثالا من السنة على هذا فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال : أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالْجِعْرَانَةِ مُنْصَرَفَهُ مِنْ حُنَيْنٍ ، وفي ثَوْبِ بِلاَلٍ فِضَّةٌ ، وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْبِضُ مِنْهَا يُعْطِي النَّاسَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، اعْدِلْ . فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : « وَيْلَكَ ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ ، لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ »([1]) .

وفي هذا الحديث إشارة إلى خروج تلك الفئة الجاهلة التي تكون سببًا في إحداث الفتن ، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق هذا الرجل : « إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ([2]) هَذَا قَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ »([3]) .

هم أهل تَعبُّد وأهل صلاة وأهل صيام ، لكنهم -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فهذا الجهل بحق النبي صلى الله عليه وسلم وجلال قَدْره هو الذي تسبب في خروج أمثال هؤلاء .

وهكذا فإن الجهل بالدين وأمور الشريعة سبب أساس في خروج تلك الفئام من الناس الذين يُحْدِثون مثل هذه الفتن ، فما من فئة أحدثت في الأمة مثل هذه الأمور إلا وكان الجهل سببًا في ذلك ؛ ولقد أحسن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله :

والجَهْلُ داءٌ قَاتِلٌ وشِفَــاؤُه

أمْرانِ في التَّركيبِ مُتَّفِقانِ

نَصٌّ من القُرآنِ أو مِن سُنَّةٍ

وطَبِيبُ ذَاكَ العَالِمُ الرَّبَّانِي ([4])

 فإذا كان الكتاب والسنة دواء ، فإن صرفه وفَهْمه يكون من العالم الرباني ، لا من فَهْم آحاد الناس .

السبب الثاني : اتباع المتشابه وترك المحكم :

لقد ابتلى الله -جل وعلا- الناس بأن جعل في كتابه مُحْكَمًا ومتشابهًا ، فالمحكم هو ما كان بَيِّنًا واضحًا يُدْرَك معناه ، والمتشابه ما يشتبه معناه ، فيدركه أهل العلم الراسخون في ذلك ، ولا يدركه آحاد الناس وعوامهم .

قال الله -جل وعلا- في فاتحة سورة آل عمران : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ [ آل عمران : 7 ] .

ونلحظ من الآية أمرين :

الأمر الأول : انقسام القرآن إلى محكم ومتشابه ، فالمتشابه يجب أن يكون المسلم منه على حذر في استخدامه حتى لا يكون استدلاله بالقرآن استدلالاً خاطئًا . وقد قال بعض أئمة الإسلام : ليس الشأن أن تقول : قال الله وقال الرسول ، وإنما الشأن أن يكون استدلالك صحيحًا موافقًا لفهم السلف . فكثير من الذين ضلوا يقولون بالاستدلال من الكتاب والسنة ، وكثير من المخالفين ممن خرجوا وقاموا بتفجيرات وفتن وقتل للمسلمين والمعاهدين والمستأمنين يقولون بالدليل ، ولكن يستخدمون الدليل استخدامًا غير صحيح ، بل يستخدمونه وَفْقًا لفهمهم ، فلا بد في الدليل أولا أن يكون محكمًا ، وثانيًا أن يكون موافقًا لفهم سلف الأمة لهذا الدليل .

وننبه إلى أمر وهو أن المحكم والمتشابه ليس خاصًّا بالكتاب وحدَه ، بل هو مختص بالكتاب والسنة ، فكما أن في القرآن محكمًا ومتشابهًا ، فالسنة كذلك ، وكذلك أقوال العلماء من الصحابة وأعمالهم وأفعالهم ليست كلها من قبيل المحكم ، بل منها ما هو محكم ، ومنها ما هو متشابه . فإذا جاء إنسان وقال : الإمام الشافعي قال كذا وكذا ، والإمام مالك قال كذا وكذا ، والإمام ابن تيمية قال كذا وكذا . فليس معنى ذلك أن نجزم بصحة كلامه ، بل لا بد أن تكون أقوال أهل العلم محكمة ، وإذا كانت من المتشابه فترد على المحكم ، أي إذا لم يستبن الأمر فيها ، فيكون الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فمعرفة المتشابه تكون برَدِّه إلى المحكم .

الأمر الثاني : وجود أهل الزيغ الذين يبحثون عن المتشابه للاستدلال به فيما يوافق هواهم وأغراضهم ومعتقداتهم قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ ﴾ [ آل عمران : 7 ] .

 فأهل الزيغ يتبعون المتشابه لتقرير ما عندهم من معتقدات فاسدة ، وهذا كثير فيمن عنده هَوًى وضلال ، تجده يبحث عما يساند هواه ويقرر معتقده .

وقد ذكر ابن حزم في أول كتابه “الإحكام في أصول الأحكام” أن من أسباب الانحراف أن يكون عند الإنسان مقررات سابقة وأفهام وأحكام واتجاهات معينة فيبحث عن الدليل ليؤيد تلك الاتجاهات وتلك الأحكام والأفهام . وهذا سبب رئيس لحدوث الفتن والاختلافات والضلالات .

فليحذر كلٌّ منا أن يكون عنده هوى في نفسه فيبحث في الأدلة من الكتب ليساند ما قرره سلفًا أو ليساند ما اتجهت إليه نفسه سابقًا أو ليساند ما رسخ عنده أو عند الجماعة التي ينتمي إليها ونحو ذلك .

 السبب الثالث من أسباب حدوث الفتن : التأويل :

 إن التأويل – سواء كان في العقائد أم في مسائل العمليات التي اتجهت إليها بعض الفرق كالخوارج والمعتزلة وغير ذلك – سبب رئيس في إحداث الفتن ، وهل أفسد الدنيا إلا التأويل ، يتأول الأمور فيُحرِّفها عن وجهها ويلوي عنق النص حتى يصل إلى ما يريده .

السبب الرابع : حب الدنيا والرئاسة :

قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أثناء ذكره للخوارج : هؤلاء خرجوا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وجماعة المسلمين حتى كَفَّروا مَن خَالَفَهم مثل عثمان وعليّ وسائر مَن تَولاهما من المؤمنين ، واستحلوا دماء المسلمين وأموالهم . . . وهذا بسبب حب الرئاسة والعلو في الأرض ، كحال فرعون ، الذي قال تعالى عنه : ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ[ القصص : 4 ] . فوصفه بالعلو في الأرض والفساد . وقال في آخر السورة : ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُواًّ فِي الأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[ القصص : 83 ] . ولهذا قال في حق فرعون : ﴿ وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ[ غافر : 37 ] ؛ وذلك أن حب الرئاسة شهوة خفية كما قال شداد بن أوس رضي الله عنه : «  يا نعايا العرب يا نعايا العرب يا نعايا العرب إن أخوف ما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية  » ([5]) .

قيل لأبي داود السِّجستاني : ما الشهوة الخفيَّة؟ قال : حبُّ الرئاسة ([6]) ، وحبُّك الشيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ ([7]) . فيبقى حب ذلك يُزيِّن له ما يهواه مما فيه عُلُوُّ نفسِه ، ويُبَغِّض إليه ضِدَّ ذلك ، حتى يجتمع فيه الاستكبار والاختيال والحسد الذي فيه بغض نعمة الله على عباده ([8]) .

لقد ظهر هؤلاء في زمن عثمان رضي الله عنه ، وهل هناك أنقى في زمنه منه رضي الله عنه؟! لكنهم نقموا عليه ، وخرجوا عليه وقتلوه في بيته وهو ناشر المصحف يقرأ فيه ، وكان -رضي الله عنه- صائمًا .

السبب الخامس : الغلو .

 الغلو هو مجاوزة الحد عن المأذون به ، ولقد نهى الله -جل وعلا- هذه الأمة عن الغلو كما نهى من قبلنا من أهل الكتاب ، حيث قال لهم : ﴿ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ [ النساء : 171 ] . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ » ([9])

 فمن جاوز الحد عن السنة المرضية فقد غلا ، والنبي صلى الله عليه وسلم ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما . كان رَحِيمًا بَرًّا ، قَوِيًّا في موضع القوة ، لَيِّنًا في موضع اللين ، بعض الناس يظنون أن الشدة دائمًا هي الحق ، وهذا غلط منهم ، فقد يكون اللين واليسر والأناة والرفق هو المطلوب في مواضع كثيرة ، لهذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، ويُعْطِي على الرِّفْقِ ما لا يُعْطِي على الْعُنْفِ ، وما لا يُعْطِي على ما سِواهُ »([10]) ، فمن كان رفيقًا في أمره كله فقد ابتعد عن الفتن ، وسلم من الغلو ، وكان محبوبًا لله جل وعلا .

السبب السادس : مخالفة العلماء وعدم الرجوع إليهم :

 إن الخوارج فعلوا مع فعلوه لعدم رجوعهم إلى الصحابة ، استقلوا بأفهامهم في إصدار الأحكام ، وكذلك تلك الجماعات الضالة التي خرجت في هذه الأيام ، الذين لا يفرقون بين مؤمن وغير مؤمن ، بل يقتلون كما يشاءون ، ولا يرعون لذي عَهْدٍ عَهْدَه ، ذلك لأنهم استقلوا بأفهامهم ولم يرجعوا إلى العلماء الراسخين في العلم ممن شهدت لهم الأمة بذلك ، فكان ذلك من أسباب ظهور فتنتهم ، إن الذي يستقل بنفسه في الفهم ولا يرجع إلى أهل العلم الراسخين فيه لا شك أنه يضل الطريق ، وأهل العلم على درجات ، فليس كل من يقرأ يصير عالمًا ، وليس كل من يبحث يصير باحثًا ، العلم له أهله الذين يُرجع إليهم ، ولا بد أن نعرف أن من أسباب الفتن مخالفة العلماء وعدم الرجوع إليهم .

إن هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى خروج أمثال هؤلاء ممن أشعل نار الفتن في الأمة الإسلامية ، وأشهر هؤلاء وأولهم الخوارج الذين خرجوا على الإمام الحق ، خرجوا على عثمان رضي الله عنه وقتلوه ، ثم قتلوا عليَّ بنَ أبي طالبٍ خيرَ الناس في زمانه ، قتلوا خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن بُشِّر بالجنة ، لقد أداهم الهوى إلى أن يقتلوا عثمان ويقتلوا عليًّا ؛ لأنهم رأوا أنهما تجاوزوا الشريعة ، حكموا على عثمان -رضي الله عنه- بالضلال في باب المال والولايات واتهموه بتقسيم المال كما يشاء ، وأنه يُقْطِع الإقطاعات لمن يشاء . ولقد أجمع أهل العلم على ضلال أمثال هؤلاء وعلى أنهم كلاب النار .

كذلك قتلوا عليًّا رضي الله عنه ، هل من قتل عليًّا رجل فاسق يزني ويسرق ويرتشي ويشرب الخمر؟! لا لم يكن كذلك ، ولربما كانت مكانة عليٍّ في قلب من يعمل مثل هذه الأعمال أجل من مكانته في قلب من قتل عليًّا .

 إن قاتل علي هو عبد الرحمن بن مُلجَم ، وكان رجلا صالحًا في أول أمره ، أرسله عمر بن الخطاب إلى مصر ، حيث طلبه عمرو بن العاص ، قال : يا أمير المؤمنين ، أرسل لي رجلاً قارئًا للقرآن يُقرئ أهل مصر القرآن . فقال عمر بن الخطاب : أرسلتُ إليك رجلاً هو عبد الرحمن بن مُلجَم ، من أهل القرآن ، آثرتك به على نفسي ، فإذا أتاك فاجعل له دارًا يُقرئ الناس فيها القرآن وأكرمه .([11])

إن عبد الرحمن بن ملجم لم يكن لديه علم ، فدخلته الأسباب التي ذكرنا ، فجَرَّه الخوارج معهم ، وقَتَل عليًّا رضي الله عنه ، وبعدما قتله وقيد للقصاص قال للسياف : لا تقتلني مرة واحدة – يعني بقطع رأسي- ولكن اقطع أطرافي شيئًا فشيئًا ، حتى أرى أطرافي تُعذب في سبيل الله ، يظن أن ذلك حب لله عظيم وبذل للنفس ؛ لأن قتل عليٍّ عنده حق وواجب .

 وقد قال أهل السنة والجماعة كلمة عظيمة ، قالوا : ليس الشأن أن تقول : أنا أحب الله ؛ لأن هذه دعوى ، ولكن الشأن أن تبحث عما يحبه الله فتعمله . يقول أحدهم : أنا أحب الله غَيْرةً لله جل وعلا ، وأنا أريد أن أضحي في سبيل الله ، وأريد أن أبذل نفسي في سبيل الله . ثم يمشي في طريق الخطإ ، لا بد أن نبحث عما يحبه الله ، والله -جل وعلا- يحب الأناة والحلم في موضعهما ، ويحب الإقدام في موضعه .

وعلينا أن نعلم أن الخوارج لم ينتهوا بل هم باقون إلى آخر الزمان وذلك كما في الحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : « لاَ يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ » .([12]) فالحظ قوله عليه الصلاة والسلام : « لا يزالون يخرجون » . يعني يخرجون ، ثم تخمد فتنتهم ثم يخرجون . . . وهكذا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم في حقهم : « فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ » . وها هو أحدهم وهو عمران بن حطان يمدح قاتل علي بقوله ([13]) :

يا ضربةً مِن تَقِيٍّ ما أراد بها

إِلاَّ لِيَبْلُغَ مِن ذِي العَرْشِ رِضْوانًا

إِنِّي لأَذْكُرُه حِينًا فَأَحْسَبُهُ

أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا

إذن من أسباب الفتن الزيادة في التدين ، فاحذر أن يكون تدينك على طريقة المخالفين ؛ فقد تسلك طريقًا خاطئًا يَحِيد بك عن الجادة ، فالزم الطريق السديدة طريقة السلف الصالح ، فقد تتدين على طريق خاطئة فتصبح مثل أولئك الأقوام الذين انحرفوا . فعليك باتباع الكتاب والسنة وكن على نهج سلف الأمة واحذر أن تتجارى بك الأهواء ، ولا تعرض نفسك لمواطن الزلل .

 كثير من الناس يتساهل في حق نفسه ويعرضها للخطر ، فيسمع لهذا ويسمع لذاك ، وهذا لا ينبغي ، فالواجب على المرء أن يقي نفسه مواطن الزلل ، فالوقاية خير من العلاج ، فعليك بالابتعاد عن مجالسة أمثال هؤلاء المخالفين لمنهج السلف وابتعد عمن يثيرون الفتن والقلاقل .

قال ميمون بن مهران : « لا تصغين بسمعك لذي هوى ، فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه » ([14]) .

 فربما تجالس أحدهم وتعجبك منه غَيْرةٌ في الدين وتقول : هؤلاء هم المجاهدون ، هؤلاء هم الصالحون ، هؤلاء هم المتقون . فتجلس وتستمع إليهم ، ثم تأتيك الفتنة ويأتيك الانحراف . لا بد أن يكون الإنسان على بصيرة من أمره ، وألا يكون قلبه وعاءً لكل ما يقال ، بل عليه بالتحري في القول والفعل ، وذلك من خلال سؤال أهل العلم الراسخين المشهود لهم بذلك .

ومن مظاهر أصحاب الفتن أنهم يتقربون بِالنَّيْل من الكعبة ، وهم ينتسبون للإسلام ، كما حصل من طائفة العبيديين حينما اقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم من مكة إلى الأحساء ، وكانت تُسمى في ذلك الوقت البحرين ، قتلوا كثيرًا من الحجاج ، وأخذوا الحجر الأسود وذهبوا به ظَنًّا منهم أن هذا من باب التقرب إلى الله ، بل هذا جهل من تلك الطائفة الباطنية العبيدية .

وحوادث الحرم الأخيرة التي حصلت في حدود سنة1400 هـ ، هذه الحوادث الفظيعة ما سببها؟ سببها هؤلاء المارقون ،لم يكن أحد يشك في سلوكهم كان ظاهرهم التدين والخير ، وكانوا يطلبون العلم في حِلَق المشايخ ، لكن أتاهم الضلال وجاءتهم الفتنة من جهة الغلو ، ومن جهة الجهل ، ومن جهة اتباع المتشابه ، فأداهم ذلك إلى أن يجعلوا الحرم الآمن مكان خوف ، والله – جل وعلا- قد أمَّن الحرم وجعله حرامًا لا يُخْتَلى خلاه ، ولا يُعْضَد شجره ، ولا ينفر صيده ، فكيف يرتكب هؤلاء هذه الأفعال في حرم الله باسم الدين؟!

ومن الفتن التي حصلت تلك التفجيرات الأخيرة التي حصلت في الرياض وفي الخُبَر ، وفي مصر وفي غيرها من بلاد المسلمين ، يأتون إلى أناس آمنين من مسلمين وغير مسلمين فيقتلون الجميع ، وهذا من أعظم الفتن والبلاء .

 وهذا فيه من المخالفات الكثير وفيه من الخروج عن الصراط ، واتباع لسبيل الخوارج ففيه قتل نفس الغير ، والله -جل وعلا- يقول : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ[ الإسراء : 33 ] . وفيه قتل فاعل ذلك لنفسه ، والله يقول : ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [ النساء : 29 ] . وفيه قتل للمسلمين ، والله -جل وعلا- يقول : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا[ النساء : 93 ] .

 وفي حادثة الرياض كان هناك شاب يمشي فلما رآهم بألسحتهم هرب ، فضربوه على رأسه ، ولم يكن معه سلاح ولم يكن معه ما يدفعهم به أو يعترضهم به ، لكنهم ضربوه على رأسه ، وقتلوه هو وغيره ، وقتلوا كذلك المعاهدين ، فأين هم من قول النبي صلى الله عليه وسلم : « مَن قَتَل نَفْسًا معاهدًا ([15])لم يَرَحْ رائحة الجنة ([16]) ، وإنَّ رِيحَها ليُوجَدُ من مَسيرةِ أَرْبَعِينَ عَامًا »([17]) .

 العهد من يعطيه؟! يعطيه إمام المسلمين ، والأمان من يعطيه؟ يعطيه الإمام وولي الأمر ، ولو أعطىأحد المسلمين الأمان لأي إنسان ، فلا يجوز الاعتداء عليه ؛ لأن المسلمين تتكافأ دماؤهم ، ويسعى بذمتهم أدناهم .

 وكذلك هذه الأمور فيها اعتداء على أموال المسلمين والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : « كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُه ومالُه وعِرْضُه » .([18])

فالأموال والْمُجَمَّعات أليست مِلْكًا للمسلمين؟! فبأي حق تُفني أموال المسلمين ويُعْتَدَى عليها؟! فأين هم من هذا الحديث؟ لكن الغلو هو سبب الفتن .

هذه صور لما حدث في التاريخ القديم والجديد تبين لك الفتن ، فيجب أن نحذرها ، سواء كانت فتن شبهات -كما ذكرنا- أو فتن شهوات .

علاج الفتن :

أولاً : يجب علينا أن نعتصم بالكتاب والسنة ، والله -جل وعلا- يقول : ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ[ سورة : 92 ] .

ثانيًا : يجب علينا أن نتبع المحكم من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن كلام أهل العلم وأن ندع المتشابه .

الثالث : أن نلتزم بفهم الراسخين في العلم .

الرابع : أن نحرص على لزوم الجماعة وأن نحذر من الفرقة ، فالله -جل وعلا- يقول : ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا[ آل عمران : 103 ] . وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الجماعة رحمة ، والفرقة عذاب ، فمن سعى في أي سبيل للفرقة فقد دخل في الفتن من أوسع أبوابها ، وفي الحديث : « الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها »([19]) .

كذلك من علاج الفتن : الاهتمام بجمع الكلمة ، فالفتن لا تظهر إلا في أرض التفرُّق ، ولا تظهر في أرض الاجتماع ، فيا أيها المسلم إذا أردت أن تأمن على نفسك وأن تأمن على دمك وأن تأمن على عرضك وأن تأمن على دينك وأن تكون حاميًا لدين الله -جل وعلا- فاحذر الفتن بأي طريق كان ، فهناك أرض خصبة للفتن ، بأي شيء ، وعلينا أن نهتم بجمع الكلمة ، قد تكون هناك مفاسد ، وقد تكون هناك معاصٍ ، وقد تكون هناك منكرات . . . إلخ لكن المصلحة العظمى في اجتماع الكلمة ؛ لأن الشهوات تطرأ وتزول ، مشكلة الشهوات أنها معصية ، لكنها تطرأ وتزول ، يرتكب المرء بعض الشهوات المحرمة ، ثم بعد ذلك يستغفر الله ويتوب إليه ، ويحس في نفسه بالألم والندم ، ويعمل الصالحات فالصلاة إلى الصلاة مكفرات ، ورمضان إلى رمضان ، والعمرة إلى العمرة ، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ، لكن مشكلة الشبهة أن صاحبها يتدين بها وتبقى في نفسه ، بخلاف الشهوة ، الشهوة تأتيه فيستغفر الله ويتوب إليه ويعترف بذنبه ويقول : أنا عصيت ربي وسأعود إليه . في نفسه الندم ، وإذا صلى يرجو مغفرة ذنوبه ويقول : أستغفر الله تعالى . لكن صاحب الشبهة ما يستغفر الله تعالى من قتل مسلم ، ما يستغفر الله تعالى من التفجير ، ما يستغفر الله تعالى مما يعمل ؛ لأنه يرى هذه قربة إلى الله -جل وعلا- ويرى نفسه شهيدًا ، ويرى نفسه مجاهدًا . فيجب علينا الاهتمام بجمع الكلمة ووحدة الصف ، هذا يلغي كل سبيل إلى ذلك ، والله -جل وعلا – أمرنا أن نحقق المقاصد والوسائل .

هذه بعض الكلمات في العلاج والوقائع والأسباب ، موقفك أن تهتم بأن تكون أيها المسلم بعيدًا عن الفتن ، ليس بعيدًا فقط ، بل عليك أن تكون واقيًا لنفسك وأن تكون مسلمًا حقًّا مجاهدًا في درء الفتن ، وأن تكون مجاهدًا لهذه الفرق الضالة ، من الجهاد أن تكون مجاهدًا في جمع الكلمة ، ومن الجهاد أن تكون محققًا لمراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة في رد الفتن عن الدين ما ظهر منها وما بطن ، من الجهاد الحق أن تكون عنصرًا عالِمًا تَقِيًّا صالِحًا في ألا تجعل للشيطان مدخلاً في هذه البلاد .

 لقد أصلح الله -جل وعلا- هذه البلاد وبلاد المسلمين عامة ، فكيف نسعى في إفسادها ، والله يقول الله جل وعلا : ﴿ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا[ الأعراف : 56 ] لا تفسدوا فيها بالفتن وعليكم بإصلاحها بجمع الكلمة ، والتوحيد الخالص .

نسأل المولى -جل وعلا- أن يوفقنا جميعًا لما فيه رضاه ، اللهم وفق ولاة أمورنا لما فيه رضاك ، اللهم اجمع كلمتنا على الحق والهدى ، اللهم من أراد بنا سوءًا فرد كيده إلى نحره ، اللهم من أراد بنا فتنة فاجعل فتنته على نفيه ، واجعله عبرة للمعتبرين ، اللهم اجز ولاة أمورنا خيرًا عما يبذلونه للإسلام والمسلمين ، واجعلنا ممن يعلم الحق ويسعى في سبيله ، ويجاهد في سبيل درء الفتن وإحقاق الحق ، إنك جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد .



( [1] )      أخرجه مسلم ( 2 / 740 ، رقم 1063 ) .

( [2] )      الضِّئْضِئ : الأصل . يُريد أنه يخرُج من نَسْلِه وعَقِبه .

( [3] )      أخرجه البخاري ( 3 / 1219 ، رقم 3166 ) ، ومسلم ( 2 / 741 ، رقم 1064 ) .

( [4] )      الكافية الشافية ( ص 189 ) .

( [5] )      أخرجه الضياء ( 9 / 371 ، رقم 342 ) وأخرجه أيضًا : البيهقى فى شعب الإيمان ( 5 / 332 ، رقم 6824 ) وابن أبى حاتم فى العلل ( 2 / 124 ، رقم 1864 ) وقال قال أبى : ليس هذا الحديث من حديث عباد بن تميم إنما روى هذا الحديث عن الزهرى عن رجل قال قال شداد بن أوس قوله وكان بمكة رجل يقال له عبد الله بن بديل الخزاعى وكان صاحب غلط فلعله أخذه عنه . وأخرجه ابن عدى ( 4 / 213 ، ترجمة 1020 ) ، وأبو نعيم فى الحلية ( 7 / 122 ) .

( [6] )      أخرجه الخطيب في “تاريخ بغداد” ( 9 / 58 ) عن أحمد بن محمد العتيقي به .

( [7] )      أخرجه أحمد ( 5 / 194 ، رقم 21740 ) ، والبخارى فى التاريخ الكبير ( 3 / 171 ) ، وأبو داود ( 4 / 334 ، رقم 5130 ) ، والحكيم ( 4 / 216 ) ، والبيهقى فى شعب الإيمان ( 1 / 368 ، رقم 411 ) . وأخرجه أيضًا : عبد بن حميد ( ص 99 ، رقم 205 ) ، والطبرانى فى الأوسط ( 4 / 334 ، رقم 4359 ) .

( [8] )      جامع الرسائل ( 232-233 ) .

( [9] )      أخرجه أحمد ( 1 / 347 ، رقم 3248 ) ، والنسائي ( 5 / 268 ، رقم 3057 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1008 ، رقم 3029 ) .

( [10] )    أخرجه مسلم ( 4 / 2003 ، رقم 2593 ) .

( [11] )    انظر لسان الميزان 3 / 439 ، وتاريخ الإسلام 1 / 490 .

( [12] )    أخرجه أحمد ( 4 / 424 ، رقم 19821 ) ، والنسائي ( 7 / 119 رقم 4103 ) ، والحاكم ( 2 / 160 ، رقم 2647 ) وقال : صحيح على شرط مسلم .

( [13] )    تاريخ دمشق 43 / 495 ، وسير أعلام النبلاء 4 / 215 .

( [14] )    حلية الأولياء ( 4 /  85 ) .

( [15] )    المُعاهَد : مَن كان بَيْنك وبَيْنَه عهد ، وأكثرُ ما يُطْلَق في الحديث على أهْل الذِّمة ، وقد يُطلق على غيرهم من الكُفَّار إذا صُولحوا على تَرْك الحَرْب مُدّةً ما .

( [16] )    أي لم يَشُم رِيحَها .

( [17] )    أخرجه البخاري ( 3 / 1155 ، رقم 2995 ) .

( [18] )    أخرجه أحمد ( 2 / 277 ، رقم 7713 ) ، ومسلم ( 4 / 1986 ، رقم 2564 ) .

( [19] )    أخرجه الرافعي ( 1 / 291 ) .

شاركها مع أصدقاءك