بواسطة :
الزيارات : 1٬975 مشاهدة
  • إسم الملف : الغثاء والبناء
  • عدد الزيارات : 1٬975 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

الغثاء والبناء

إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

الحمد لله الذي قال في محكم كتابه : ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [ الفتح : 28 ] له الثناء كله ، وله الحمد كله على هذا الوعد الصادق ، وعلى هذه البشارة العظيمة التي هي أن هذا الدين غالب جميع الأديان ، وأن أهله مرفوعون على غيرهم ، والشاهد بذلك ربنا جل وعلا ، وكفى بالله شهيدًا .

ما المقصود بالبناء والغثاء ؟

إذا ذُكر البناء في أي ميدان من ميادين الحياة فإنه لا بد وأن يكون لذلك البناء من عوائق تعوقه ، أو من أشياء لا تصلح له ولا تناسبه . وهذا في أمور الدنيا ظاهر ، وكذلك فيما يتعلق بنشر الإسلام والسنة والدعوة إلى الخير والصلاح ، وتعبيد الناس لربهم جل وعلا ، فلا بد في ذلك الطريق من دعوة وإصلاح وبناء .

ولا بد أن يوجد شيء من الغثاء ، ونعني بالغثاء ما يدل عليه معناه اللغوي ، ألا وهو المذكور في نحو قوله الله جل وعلا : ﴿ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً[ المؤمنون : 41 ] ، وفي قوله : ﴿ غُثَاءً أَحْوَى[ الأعلى : 5 ] ، والغُثاء هو الزَّبَد الذي يطفو على السيل من أشياء متكسرة من ورق الأشجار وأشياء متفرقة ورغوة ، ولكنها لو جُمعت لا تنفع ، قال جل وعلا : ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ[ الرعد : 17 ] .

لكن الشأن هو كيف يتعامل الخاصة – فضلًا عن العامة – مع هذه المتغيرات ، ومع هذه الأحداث الكثيرة المتوالية ؛ فإما أن يتعامل معها بنظر صحيح ، فتكون مثمرة الخير ، ويتجنب مع ذلك النظر الصحيح أثر ذلك الغثاء ، وإما أن ينظر المرء إلى هذه المسيرة وكأنه لا شيء يرى إلا ذلك الغثاء ، وأما السيل وأما الماء الذي ينفع فإنه لا يكاد يرى !

لهذا ينبغي أن ننظر فيما يجب وما ينبغي في هذه المسألة العظيمة ، وهي التي تداولتها مجالس كثيرة بكلام منضبط تارة ، وغير منضبط أخرى ، جاشت فيها عواطف ، وتكلم فيها أناس بتعصب ، وتكلم فيها آخرون بغير علم ، وتكلمت فيها فئة قليلة بعلم وهدى ، وهم الناجون فيما أحسب ؛ لأن المرء مؤاخذ بما يقول ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمعاذ حين سأله : يا رسول الله ، وإنا لمؤاخذون بما نقول ؟ قال : « ثَكَلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ في النَّارِ على مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ » ([1]) ، وقد قال جل وعلا : ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا[ النساء : 114 ] ، قال بعض أهل العلم : الأمر بالشيء داخل في فعله ، بل هو من الفعل ، فإنه إذا أمر بالصدقة فقد فعل ؛ لقوله جل وعلا : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ .

إننا نرى هذا الزمن زمنًا عجيبًا من جهة أن الفساد فيه قد كثُر في بلاد المسلمين ، وأخذ في الكثرة والازدياد والظهور في هذه البلاد التي هي البقية الباقية ، فظهر الفساد في أنواع كثيرة في حياة الناس الشخصية ، وفي حياة المؤسسات ، وفي قطاعات كثيرة ؛ من جهة فساد عقدي ، ومن جهة فساد في السلوك والأخلاق ، ومن جهة فساد في المال والاقتصاد ، ومن جهة فساد آخر ، وهو خطير يبلغ تلك الأمور في خطورته ، بل ربما زاد ، وهو أن تُقلب المفاهيم وأن تُقلب الأصول الشرعية ، فيصبح المعروف منكرًا ، ويصير المنكر معروفًا .

فهناك أنواع من المتناقضات ، وأنواع من البعد عن الإسلام الصحيح في مجالات شتى ، فمن المصلح لهذا ؟ من الذي ينبغي ويجب عليه أن يتولى هذا الأمر ؟ ألا وهو أمر الإصلاح ، ألا وهو أمر هداية الناس ، ألا وهو المحافظة على إسلام هذه الأمة ، وعلى إسلام الناس وأخلاقهم وأعراضهم وتصرفاتهم ، وأن تكون جميعًا على وفق الشريعة ، من يُتخاطب بذلك ؟

لا شك أن هذا الواقع المؤلم علاجه يجب أن ننهض به جميعًا ، وعلاجه تارة يكون من جهة الفرد في نفسه ، وتارة يكون من جهة الفرد في أسرته ، وتارة يكون من جهة الفرد مع زملائه وأصدقائه وجماعته ، وتارة يكون علاجه من جهة أهل العلم ، وتارة يكون علاجه من جهة ولاة الأمر ، وهكذا في أنواع شتى .

وإذا نظرت إلى حال كثيرين ، وجدت أن اليأس دب في قلوبهم ، وهذا اليأس الذي دب في قلوب كثيرين سببه إرجاف الشيطان ؛ لأنهم ما نظروا في سنن الله جل وعلا ، وما جرى لأنبيائه ، فهذا نوح – عليه السلام – كم مكث في قومه ؟ ﴿ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ[ العنكبوت : 14 ] ، وقال جل وعلا عنه : ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ[ هود : 40 ] ، فمن العجب أن ترى الأنبياء الذين أُيدوا بالبراهين والآيات الدالة على صدقهم ، المؤيدين من الله – جل وعلا – قد خُولفوا ، ترى أنهم أُوذوا ، ترى أنهم لم يُقبَل ما جاءوا به ، فكيف الحال إذن بمن هم دونهم ؟ ! بل بمن ليسوا بمؤيدين بما أُيدوا به ؟ !

لهذا نقول : طريق الإصلاح وطريق الدعوة يجب ألا يُنظر فيه إلى ما يحصل من بُعد الناس عن الحق وأنواع الفساد ، بل يجب أن يُنظر فيه إلى عملنا وما يجب علينا أن نعمل ، وما يجب علينا أن نتحرك به ؛ لأنننا إذا نظرنا إلى حال الناس ، أو إلى العوائق الموجودة ، أو إلى البعد عن الحق والهدى ، ونظرنا ثم نظرنا ثم نظرنا فقد يعظم ذلك في النفس حتى يصير الأمر إلى أنه لا يتحرك متحرك في مجابهة الباطل ، والله – جل وعلا – وسع علينا فقال سبحانه : ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ[ التغابن : 16 ] .

وإنك تنظر اليوم إلى أن مجابهة دعوة الإسلام ليست محلية في بلد ، أو في منطقة ، أو في قطاع ؛ لأنها تخالف أهواء الأكثرين ، بل إن حرب الدعوة من جهات متعددة ، بعضها كافر ، وبعضها منافق ، وبعضها من ضعاف الإيمان ، فالأعداء متكالبون على هذه الدعوة ، والناس ربما ساعدوهم في أن يبعدوا الناس عن الاقتناع بالحق والهدى ، وعن الاقتراب منه ، من جهة تصرفاتهم التي لا يقرها العلم الصحيح .

أنواع الدعوة إلى الإصلاح :

إذا نظرت إلى هذا الواقع فهناك تجارب كثيرة مرة ، وهناك خطوات كثيرة جرت في الدعوة والخير والإصلاح ، في هداية الناس وفي إلزامهم ونصحهم وإرشادهم ، يأخذ هذا شكل دعوات فردية ، ويأخذ هذا تارة أخرى شكل دعوات جماعية ، ويأخذ تارة ثالثة شكل دعوات تنظيمية ، والكل يريد العلاج ، الكل يريد الإصلاح ؛ لأن الأصل في المسلمين الذين يدعون إلى الله – جل وعلا – أن نياتهم صالحة ، إلا إذا ثبت غير ذلك ، تنظر إلى هؤلاء بأصنافهم وإلى هذه الاتجاهات المختلفة وكل يحمل هذا الهم ، وهو أن يدعو إلى الله وأن يصلح .

والدعوة إلى الله – جل وعلا – شأنها شأن أي عبادة ، لا بد أن تنضبط بضوابط الشرع ، ولهذا نجد أن المسلمين الذين يسعون في البناء ويسعون في الدعوة والإصلاح لا يصححون مساراتهم ، فخطوات ومرحليات الدعوة كما هي ، بل ربما تفاجأت الدعوة ببعض الأوضاع فجعلت مرحلياتها وفقًا لذلك التجدد في الأوضاع ، وهذا قصور ، بل هو نوع من عدم معرفة سنن الله – جل وعلا – الكونية والشرعية .

فنجد أن من الناس من يريد الإصلاح والدعوة على شكل فردي ، وهؤلاء مشكورون ؛ ذلك أنهم رغبوا وأدوا بحسب ما في وسعهم ، ومنهم من يريد الدعوة ولكنه لا يستطيع الدعوة بنفسه ، وهذا لا بد أن يكون داعيًا مع غيره ؛ لأنه ليس كل أحد يستطيع أن يؤثر بنفسه ، لا من جهة الكلمة ولا من جهة العمل ، ولا من جهة التفكير لما يصلح الناس ، والمؤمن قليل بنفسه ، كثير بإخوانه ، ولهذا قال الله جل وعلا : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ[ آل عمران : 104 ] فقال – جل وعلا – هنا : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ ووصفهم بأنهم أمة ، بل أوجب أن يكون ثم أمة ؛ لأن أثر الأمة في الدعوة والأمر والنهي أعظم بكثير من أثر الفرد .

ولهذا كان لزامًا في الإصلاح ولزامًا في الدعوة أن يكون الجهد جهد متعاونين على الحق والهدى ؛ كما قال جل وعلا : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[ المائدة : 2 ] ، فقال عليه الصلاة والسلام : « يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا » ([2]) .

لهذا كانت الدعوة الجماعية – وهي النوع الثاني – من الضروريات ، بل ينبغي لكل أحد يرعى هم الدعوة أن يعمل مع إخوانه ؛ لأن الصلاح في هذا المجتمع والإصلاح لا يمكن أن يكونا على ما ينبغي إلا بتعاون ، والله جل وعلا أمر بذلك حيث قال : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ[ آل عمران : 104 ] ، ولهذا جاء في الأخبار الكثيرة أن الصحابة – رضي الله عنهم – كانوا يتعاونون في أمر دينهم ودنياهم .

والجهة الثالثة التي فيها البناء وفيها الدعوة والإصلاح : جهة العمل الجماعي والتنظيمي ، يعني التنظيمات الدعوية المختلفة في الجماعات المختلفة ، وهذه من جهة النظر الواسع لا شك أنها أثرت تأثيرات في أنواع وقطاعات مختلفة من المجتمعات الإسلامية ، وهذه الدعوات التنظيمية يقال في شأنها : إنه من الغلط أن يظن أن ما يصلح في بلد يصلح في بلد آخر ، وأن ينقل كل شيء بحذافيره ، وأيضًا من الغلط أن يظن أن الدعوة التنظيمية ينبغي أن تبقى هكذا أبد الآبدين ، أو حتى تقوم دولة يرضى عنها أولئك الذين يرومون العمل التنظيمي ، لم ؟

لأن هذا النوع من البناء – فيما جربنا وعلمنا من جهة من ذكروا ذلك ، ومن جهة تجربة المجتمعات – وجد أنه يضيق بأصحابه ويضيق بالعاملين ، فالدعوة التنظيمية هذه أصحابها في الغالب يكونون منضوين غير منفتحين ، يعني أنه لن يعمل إلا بمكان يكون مرتبًا ، ولن يتحرك إلا بما يكون منظمًا . ومن البراهين على ذلك أن من الناس من ترك تلك الدعوات التنظيمية ، ثم لما تركها عاد لم يعمل شيئًا وترك العمل وترك الدعوة إلا في محيط نفسه وأسرته ومن حوله ؛ لأنه لم يتعود العمل إلا في إطار معين .

وهذا نوع من الأمور التي ينبغي علاجها ، بل ينبغي النظر فيها من جديد ، لهذا قال العلماء في قول النبي عليه الصلاة والسلام : « يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا » : إن فقه هذا الحديث فيه أن التطاوع مطلوب .

والتطاوع ينتج عن العمل الجماعي غير المنظم ، أما العمل الجماعي المنظم – يعني التنظيمي – فإنه – كما هو معروف وكما هو واقع – فيه الطاعة ، والطاعة لا تنتج الإصلاح المطلوب ؛ لأن النظر يكون محدودًا والتوجه يكون مقتطعًا ، وليس بواسع .

والمجتمعات اليوم لا تحتاج إلى فئة معينة تحمل شيئًا معينًا خاصًّا بها ويُفرَض على الناس ، بل الذي يجب أن تؤخذ دعوة الإسلام إلى الجميع ، وأن يكون المرء كل همه أن يحمل الدعوة ، وإن وجد من يعينه أو لم يجد من يعينه . لهذا نقول : إنه من البناء الصحيح الذي تتوجه إليه الدعوة أن يكون هناك عمل فيه تعاون على البر والتقوى ، أما العمل الجماعي المنظم فإنه إن كان على شكل تنظيمات وأطر فالزمن يفرض ألا يعمل فيه ، بل ينبغي إن كنا نريد أن نستدرج الزمن أن نعمل عملًا فيه التعاون على البر والتقوى ، ولكن العمل الجماعي التنظيمي الذي فيه القيادة وفيه القاعدة وفيه المسئول ، وفيه المتابعات الخاصة ، وفيه تقييمات خاصة إلى آخر ذلك ؛ هذا ينبغي أن يذهب اليوم لمصالح كثيرة ، ويبقى العمل الجماعي الذي فيه النظام .

ففرق بين النظام في الدعوة وبين التنظيم ؛ لأنه ما من دعوة جماعية يُرجى لها الأثر إلا ويكون بين أصحابها تطاوع وتشاور ، وأن يكون هناك نظام يحكمها ، ولكن ليس ثم طاعة وليس ثم تنظيم ؛ لأن الطاعة والتنظيم خاصة في بلد الإسلام وفي دولة الإسلام له مآخذ وعليه مآخذ . ومن جهة النظر في المصالح والمفاسد الدعوية يرى من هو خارج تلك الأطر أن العمل التنظيمي الدعوي غير ناجح في المرحلة المقبلة ، ومن كان في داخل إطار معين .

قد يُخالَف في هذا ، لكن من كان خارج الشيء يرى الصورة بكمالها إن كان من أهل العلم والإخلاص .

لهذا نقول : إن خطوات البناء والبعد عن الغثاء والغثائية في العمل ؛ لا بد أن تكون في المرحلة المقبلة بنظر عميق جديد ، وهذا يفرض نفسه ، ولا نريد أن نتحدث بمثل هذا الحديث في غرف مغلقة ليس فيها إلا الخاصة ، بل نتحدث بهذا حديثًا عامًّا ؛ لأن الحق لا مؤاخذة عليه في أي مكان قيل فيه إذا كان منضبطًا بضوابط الشرع ، فهمّ البناء هم عظيم ، وهم الدعوة والإصلاح هم عظيم ، فكيف نصل إلى أمثل طرق ذلك البناء وذلك الإصلاح وتلك الدعوة ؟

لاشك أن هذا يتطلب رؤًى مختلفة ، ويتطلب طرحًا جديدًا في المرحلة الدعوية المقبلة . ولا بد أن يكون المخلصون والدعاة إلى الله – جل وعلا – في دعوتهم همهم إرضاء الله جل وعلا ، وأن يكون نظرهم وهم يدعون إلى نشر الإسلام ونشر السنة التي نعلمها من النصوص ؛ سواء أرضي من رضي أم سخط من سخط ؛ لأن الناس لن يتفقوا على شيء ، حتى خاصة الخاصة لا بد أن يختلفوا ، ولكن النظر يجب أن نتوجه به إلى دعوتنا فيما نأتي وفيما نذر . والتوجه بالبناء والبعد عن الغثائية يجب أن يكون متوجهًا لقصد إرضاء الله جل وعلا .

قد يكون من الناس من تختلط عنده الأمور لأجل عدم فقهه وعلمه ، فيقصد بالدعوة من دون شعور منه إرضاءَ جهة معينة أو إرضاء فئة معينة ، أو إرضاء مرجع معين أو نحو ذلك فيما يأتي وفيما يذر ، سواء من ذلك الجهات الرسمية أو الجهات الدعوية ، وهذا لاشك أنه من الغثاء الذي تجب إزالته في الصعيدين جميعًا .

فالواجب أن نتجرد في النظر إلى هذا الموضوع المهم ، والنظر إلى هذا المجتمع ، بل ومجتمعات المسلمين ، وما يزيد فيها من الفساد والشر يومًا بعد يوم ونحن مشغولون بأمور غثائية عجيبة ، لا شك أن هذا لا يرضى به غيور على دين الله ، والأمر عجيب عجيب ، ومن سمع وخالط وقيم ما يتداوله الشباب أو يتداوله الناس ؛ وجد عجبًا أن تكون الأمور على هذا النحو من السعي في الإفساد والشر ، وأن يبقى الخاصة في أحاديث عجيبة وفي أقوال يرددونها ليست بسبيل إلى رفع أو تخفيف ذلك المنكر وذلك الفساد !

1 – بناء النفس :

البناء الذي نرومه والذي ينبغي ، بل نقول : يجب أن يكون همًّا لكل واحد منا أولًا : بناء النفس ، وإصلاح النفس وتزكيتها . والله – جل وعلا – أمر عباده بأن يصلحوا أنفسهم وأن يصلحوا غيرهم ، وأمرهم – جل وعلا – بل حثهم على أن يزكوا النفس فقال تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [ الشمس : 7 – 10 ] فلا يمكن أن تؤثر في الآخرين وأنت ما بينك وبين الله – جل وعلا – ليس بموصول أو ضعيف الصلة ، ولن تستطيع أن تنطق بكلمة قوية فيها حق وفيها أمر بمعروف وفيها نهي عن منكر ؛ وفي نفسك من القصور والموبقات ؛ لأن اللسان يغرف من القلب ، وإذا كان القلب من القلوب التي فيها مداد خير وفيها مداد باطل فإنك لن تقوى على الدعوة والإصلاح ؛ لهذا قال الحسن البصري – رحمه الله تعالى – في كلام له : إذا رآك الشيطان مقيمًا على طاعة الله دائمًا فإنه لن يطمع فيك ، وإذا رآك تارة وتارة فإنه يطمع . وقال الحسن أيضًا فيما صح عنه مخاطبًا قراء البصرة : يا مِلح الأرض لا تفسدوا .

يعني بكلمته الأولى : أن المتذبذب في الطاعة يطمع فيه الشيطان ، وكل منا يعرف هذا في نفسه ؛ فإنه قد قال بعض السلف : إذا رأيت الرجل يعمل بالسيئة فاعلم أن لها عنده أخوات ، وإذا رأيت الرجل يعمل بالحسنة فاعلم أن لها عنده أخوات .

فإذن إصلاح النفس هو الخطوة الأولى .

وقوله : “يا ملح الأرض لا تفسدوا” الفساد هنا الذي نهى عنه ليس فسادًا من جهة الأخلاق فحسب ، ولكنه فساد بمعنى ألا يصلح لتبيين الدين . قال : “يا ملح الأرض” لأن الملح به يستطاب الطعام ، ولا يستطاب الطعام بلا ملح إلا لمريض . فكما أن الملح به يستطاب الطعام فكذلك الدين يستطاب بأهله ، فإذا كان أهله لا يمثلونه من جهة القدوة وصلاحهم في أنفسهم ، ولا من جهة أنواع معاملاتهم وتعاملهم ، فأين ومتى يكون نقلهم للصلاح والخير ؟ !

فتجد أن كثيرين من العامة ينقدون الأفعال ، يقول أحدهم : هذا يزعم أنه مهتم بالسنة وانظر إلى أفعاله كذا وكذا من الأخلاق التي ليست هي أخلاق أهل السنة ، وليست هي الأخلاق التي أُمر بها في الكتاب والسنة ، ينظر آخر ويقول : خذ هذا المتدين فيه كذا وكذا من الأفعال . فالناس صار لهم حديث في أهل الخير ؛ من جهة تفريط الناس في أمور الخير .

ومن الأمور التي ليست بمرضية ، بل منكرة ، أن أهل هذا الزمن يريدون من أهل الطاعة أن يكونوا أولياء ! يعني أن يكونوا مطيعين ليس فيهم نقص ولا معصية ، فإذا عصوا جعلوا يتكلمون في أهل الدين جميعًا ، أو أن الدين نفسه كذا وكذا .

فإذا تحملت هم الدعوة والإصلاح والخير فيجب أن تنظر إلى أن حركاتك وسكناتك في هذا الزمن محسوبة من كل أحد ، فإن كنت من أهل الخير فحذاري أن يُصَدّ عن الدين وعن الدعوة بسبب فعل لك ، أو قول تغضب فتنتصر لنفسك ، والناس يسيئون الظن بأهل الخير لأجل أفعالك ، أو تفعل فعلًا في بيتك أو مع أقاربك أو مع رحمك أو مع الناس ولا تنظر إلى أن هذا قد يصد النظر في الإقبال على الدين ويصد عن التمسك بالهدى ؛ لأن هذا الزمن زمن الناس فيه يقيسون وينظرون ، فالشيء القليل يقربهم ، والشيء القليل يبعدهم . هذا البناء الذي نريده .

وبناء النفس يكون في مجالات :

أولًا : البناء العقدي :

وهذا يجب أن يسلكه الفرد في بناء نفسه ، وكذلك في بناء المتعاونين على الخير والحق ، في بناء بعضهم بعضًا ؛ لأنه بلا عقيدة فإن الفرد متداعٍ إلى السقوط ، ونعني بالعقيدة ما يصلح القلب من أمور الاعتقاد ، بل أمور الاعتقاد الواجبة كلها صلاح للقلب ، فيما يتعلق بتوحيد الربوبية والعلم به وما يثمر ذلك من أنواع العبوديات في القلب من التوكل على الله جل وعلا ، ومن التبرؤ من الحول والقوة إلا به سبحانه وتعالى ، ومن عظم العلم بالدار الأخرى ؛ لأن من تأمل في الربوبية علم يقينًا بهداية القرآن أنه لا مناص له من أن يكون مطيعًا مقبلًا على ربه غير هارب منه – جل وعلا – من جهة توحيد العبادة وبناء القلب ، والعمل على توحيد الله – جل وعلا – توحيد الألوهية في العبادة وإخلاص الدين له ، وأن تعمل العمل في إخلاص .

وكلمة الإخلاص كثيرًا ما تردد وينصح الناس في الإخلاص وبالإخلاص ، لكن هل كان هناك تقييم فردي لكل واحد منا لنفسه من جهة الإخلاص ، أو تقييم جماعي ؟ أظن أن الإخلاص عجيب وعسير .

أبو داود السِّجِسْتاني سليمان بن أشعث صاحب السنن قدم كتابًا من جمعه للإمام أحمد ، فقال له الإمام أحمد : لأي شيء جمعت هذا ؟ فقال أبو داود ، وهو تلميذ الإمام أحمد : جمعته لله . قال : لله أريد   ولكن قل : حبب إلي شيء فعملته .

لأن الذي يعلم قيمة الإخلاص وعظيم أمر الإخلاص ومعناه وكيف يحقق إنما هم أهل العلم الخاصة ، ولكن كثير من الذين يسلكون الدعوة يظنون أن كلمة الإخلاص كلمة معناها كما يتصورون ، وتصورهم يكون ناقصًا ، فالإخلاص عزيز ، فلا بد من إخلاص في التوجه والدعوة ، وإذا أردنا البناء والبعد عن الغثاء فلا بد من النظر في هذه الكلمة : الإخلاص في الدعوة كيف يكون ؛ لأن الله – جل وعلا – أمرنا بإخلاص الدين له ، فقال جل وعلا : ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ[ الزمر : 3 ] وقال سبحانه ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [ الزمر : 14 ] وقال تعالى : ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ[ البينة : 5 ] ومن ذلك أمر الدعوة .

كيف تكون العبادة مخلصة ؟

أحيانًا ينظر بعضنا في عمل عمله فيه نصرة لخير ، لكن هو ما أراد به إلا شيئًا من أمر الدنيا ؛ إما مال أو جاه أو سمعة ، أو التقرب من فلان أو فلان أو نحو ذلك . . فكيف تصلح دعوة ليست مخلصة وليس أصحابها بمخلصين ؟ ! لا بد أن يكون هناك بناء من جهة فردية ومن جهة جماعية للفرد على إخلاص الدين لله ، وعلى أن يكون كل تصرف يتصرفه المرء يريد به وجه الله جل جلاله .

ثانيا : العبادة :

ومعناها العظيم بناء النفس وبناء المسلم في جماعة متعاونة على البر والتقوى بشروطها الشرعية على العبادة وعلى التعبد لله جل جلاله .

يذكر أهل السنة في عقائدهم ؛ كما في عقيدة أهل الحديث للصابوني المحدث الذي كان في القرن الخامس الهجري ، وكما في العقيدة الواسطية لشيخ الإسلام ابن تيمية ؛ أن أهل السنة من خصائصهم أنهم يوصون بقيام الليل وبإتيان الفرائض والبعد عن المحرمات .

فإذا لم يكابد الخاصة والدعاة في أمور العبادة فإنهم لن يصبروا على ما يرون ، وستخلص تصرفاتهم إلى غير ما ينبغي شرعًا ؛ قال جل وعلا : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ المزمل : 1 ، 2 ] وقال فيها : ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ [ المزمل : 5 ] وقال جل وعلا : ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا ﴾ [ المزمل : 6 ] ، فكان من فقه أهل العلم في فرض قيام الليل في مكة ؛ أن قيام الليل فيه مكابدة عظيمة ، ولن يدعو ويصبر على الجهاد وعلى الدعوة ، ويصبر على أمر الشرع وأن يتخلص من هواه ؛ إلا من كابد العبادة ، ونحن نرى اليوم أن فيمن يرومون الدعوة ويسعون في ذلك من يفرط في واجبات ، وتجده أحسن الناس كلامًا ، أين هذا من هذا ؟ ! لا بد أن ننظر إلى بنائنا من جهة العبادة في أفرادنا وفي الجماعة المتعاونين على البر والتقوى .

من العجب أن يمضي أناس يظنون أنهم يصلحون في أحاديث عجيبة متناقضة غريبة ، منها ما هو صواب ومنها ما هو غلط ، ومنها ما هو مخالف للشرع ، إلى ساعة متأخرة من الليل ، ثم لا هم يتنفلون ولا هم يؤدون الفرض ، هذا خلل في البناء ، وإذا قام الخلل في البناء فإن مكابدة الدعوة أمر فيه الخلل أيضًا .

ثالثًا : بناء المسلم في الأخلاق :

كثيرًا ما أتاني من يقول : إن طلبة العلم – يعني الشباب الذين يحضرون دروس العلم ويطلبون العلم – ليس عندهم أخلاق طيبة ، ليسوا بأهل صلة في بيوتهم ، تجد فيهم الغلظة في بيوتهم ، ربما تجد الكذب ، ربما تجد إخلاف الوعد ، تجد أخلاقًا كثيرة من سجايا المنافقين أو من شعب النفاق ، أو من الأخلاق التي لا تجوز ، تجدها في المتنسبين للخير ، والمنتسبين للدعوة ، بل ولطلبة العلم . وهذا لا شك أنه مشاهد من عبوس الوجه ومن عدم تطبيق قول النبي عليه الصلاة والسلام : « تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخِيكَ صَدَقَةٌ » ([3]) ، وعدم الإعانة على الخير ، وبذل الماعون ؛ وهو ما تحتاجه ويحتاجه غيرك ، وعدم التخلق بالبر وصدق الحديث ، وصلة الأرحام ، والسعي على الأرملة والمسكين ، والسعي في حاجات الناس . أخلاق كثيرة فقدها الناس ففقدوا جوانب كثيرة من الدعوة ، جوانب صامتة ، قد نلقي خطبة أو نلقي محاضرة أو كلمة لكن لا تبلغ في النفوس مبلغ صنيعة من صنائع الخير ؛ لأن صنائع الخير تتغلغل في النفس فتؤثر .

رابعًا : المراجع الدينية :

أيضًا بناء المسلم في معرفة مراجعه الدينية ، إذا أردنا البناء الصحيح فلا بد أن ننظر إلى المراجع الدينية التي يوجه إليها الداعية أو الشباب أو طالب العلم أو المسلم ، إلى أي مرجع يرجع ؟ إذا داهمه أمر وتخبطته الآراء وصارت الرؤية عنده فيما يريد أن يأتيه وما يذر غير واضحة شرعًا ، إلى أي جهة يرجع ؟

إن تحديد المرجعية ضرورة من ضروريات قيام الدعوة ، والتخبط في توجيه الشباب أو توجيه المهتمين بالدعوة والصلاح في تحديد المرجعية هذا يجعل الرأي متخبطًا ، ثم الفرقة تكثر ؛ لأن المرء إذا كان عنده مرجع ، والثاني عنده مرجع آخر ، والثالث عنده مرجع ثالث ، والعاشر عنده مرجع عاشر ، والخمسون عنده مرجع رقمه خمسون . . . فإذن يكون بالتالي هناك فرقة في الساحة ، وإذا كانت الفرقة انشغل المتفرقون في ميدان واحد بأنفسهم ؛ لأنهم يعانون شيئًا واحدًا ، فمن الطبيعي أن ينشغل بعضهم في بعض لأنهم اختلفوا ، فهذا يريد شيئًا وذاك يريد شيئًا في نفس الموضوع ، ولهذا يختلفون .

إنه من الأمور العظيمة الأهمية في البناء – بناء الدعوة – أن تحدد المراجع الدينية التي يرجع إليها الداعية ، يرجع إليها المسئول ، يرجع إليها كبير المجتمعين على الحق والهدى ، يرجع إليها الشباب ، يرجع إليها الكبير والصغير ، يرجع إلى من ؟ هل يرجع إلى ما ألِفه ؟ هل يرجع إلى ما تربى عليه ؟ هل يرجع إلى من أثر فيه ؟ يرجع إلى من ؟ لا بد أن يكون الجواب يقينيًّا ، والجواب اليقيني في القرآن ، ولن ينجو عبد ذهب إلى غير ما أمر الله – جل وعلا – به حين يسأل العبد المسألة العظيمة ، ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ [ الأعراف : 6 ، 7 ] من المرجع ؟

قال الله جل وعلا : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[ النحل : 43 ] ، آية عظيمة يحفظها الجميع ، لكن من جهة التطبيق هل امتثل أمر الله أم لا ؟

إن البناء الذي نريده للدعوة في السنوات المقبلة وفي العقود المقبلة يجب أن يكون – إذا أردنا البناء والبعد عن التفرق والبعد عن الغثائية – بتحديد المرجعية الدينية ؛ من الذين يرجع إليهم . إذا حددت الذين ترجع إليهم كفرد أو كمجموعة فإنه إذا اختلفتم فسترجعون إلى من أمر الله – جل وعلا – بسؤاله واتباعه ، فإذن لن تكون قد حكمت هواك أو سعيت في غير ما أمر به شرعًا . لهذا نقول : إن بناء المسلم في شخصيته ينبغي أن يكون متوازنًا على هذه الأربع .

2 – بناء المجتمعات :

الجهة الثانية في البناء الذي نريده هي بناء المجتمعات ، وبناء المجتمعات أمره عسر ؛ لأن إصلاح الفاسد منها يتطلب فقهًا في المجتمعات وفقهًا في أمراضها ، وفقهًا في الناس ، ويتطلب أيضًا فقهًا في الوسائل ، وهذا يحتاج إلى بحث طويل وكلمة خاصة ، لكن بناء المجتمعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح كل يريده ، كل عامل للدعوة يريد ذلك ، لكن هل يكون ذلك بلا ضابط ؟ ينبغي في المرحلة المقبلة أن يكون ذلك بضابط أهل السنة والجماعة .

وقد قال علماء أهل السنة والجماعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الواسطية ، في وصف أهل السنة : “وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة” . لأن من الناس من يأمر وينهى على ما يريد هو ؛ لهذا ذكر شيخ الإسلام – رحمه الله – في رسالته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر ولم يعلم حين أمر وحين نهى أن مصلحة الأمر راجحة ، وأن مصلحة النهي راجحة ، فهو آثم . لم ؟

لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، ودرء المفاسد وتقليلها ، فإذا كان أمَر وهو لا يعلم أن أمره راجح على ما دونه ، أو أن نهيه راجح على ما دونه ، فلا يكون قد أصلح على وفق ما تأمر به الشريعة .

ولهذا قال شرّاح الواسطية : إن قوله : “على ما توجبه الشريعة” فيه إخراج لطريقتي الخوارج والمعتزِلة ؛ لأن الخوارج أمروا ونهوا لكن لا على ما توجبه الشريعة ، بل على ما جعلوه لأنفسهم من الدين والعقيدة ، وكذلك المعتزلة من أصولهم الخمسة : الأمر والنهي .

فإذن إصلاح المجتمعات وبناء المجتمعات بأن تجعل هذه المجتمعات مجتمعات على وفق الشرع ، وإذا قلنا : “مجتمع” فنعني به الأرض والناس ، قد يدخل في ذلك الدولة . كيف يبنى هذا المجتمع ؟ كيف تصلح هذا المجتمع ؟ لا بد أن يكون على وفق الشريعة .

هل أنت مطالب شرعًا أو الدعوة مطالبة بأن يكون الإصلاح في المجتمع سريعًا ؟

ليس ذلك بشرعي ، وليس له أصل في الشرع ، بل الناس مطالبون بأن يكونوا ممتثلين لأمر الله في إصلاحهم وأمرهم ونهيهم ، وفي مجابهتهم للباطل ، وفي دعوتهم إلى الحق والهدى ، فأنت مطالب بامتثال أمر الشرع ، لم ؟

لأنه في الإصلاح هناك حكم تكليفي ، أنت مخاطب به والدعوة ، أو المجموعة مخاطبة به ، فإذا تعدت ذلك إلى ما تريد أن تصل إليه ، أو أن يصل إليه المجتمع ، باجتهادها ، فالاجتهاد قد يصيب وقد يخطئ .

وإذا أخطأ الاجتهاد في مسألة المجتمعات كانت النتيجة مريرة ، وقد تكون المسألة غير قابلة للاجتهاد ؛ لأن فيها نصوصًا ، أو لا يكون من اجتهد فيها أهلًا للاجتهاد فيها ، لهذا نقول : إن بناء المجتمعات لا شك أنه مطلب ، وبناؤها بالدعوة واتخاذ جميع القنوات التي يمكن أن تتخذ للوصول إلى الناس وإرشادهم إلى الحق والهدى والصلاح ؛ هذا يتطلب جهودًا عظيمة .

الواقع الذي تراه أن الناس – أعني الخاصة – يتذمرون كثيرًا من واقع المجتمعات ؛ هذا مجتمع واقعه كذا . . وهذا فيه كذا . . وحصل عندنا كذا . . وينشغلون أيامًا وليالي عددًا في ذكر ما استجد من أنواع الشرور في مجتمعاتهم ، لكن لا يمضون أيامًا وليالي عددًا في وسائل نشر الدعوة ووسائل الخير والهدى . هذا مدخل من مداخل الشيطان وأحبولة من حبائله .

فالدنيا والزمان يلدان كل يوم عجيبًا ، فليس المطلوب أن نصبح متحسرين كل يوم على ما حدث بالأمس ، ليس هذا هو المطلوب شرعًا ، إنما المطلوب أن تعمل ، وإذا حصل شيء أن تعلم ما حكمه إن كان جديدًا ، وإذا كان من أنواع الشرور فتحذر ذلك وتحذر منه ، فالمهم العمل ، لا شك أن إلقاء التبعة على الآخرين لذيذ ، لكن العمل صعب !

والناس من أخلاقهم – إلا من قوّى الله جل وعلا – أنهم يحبون أن يلقوا باللائمة على غيرهم : حصل كذا . . العلماء فيهم كذا . . الولاة فيهم كذا . . الدعاة فيهم كذا . . . لكن هو ماذا أصلح ؟ ماذا قدم للأمة ؟ ماذا قدم للمسلمين ؟ تجد أن هذا في حقه ضعيف أو لا يوجد .

إذن نحن بين بناء يجب أن نسعى فيه ، وما بين ظواهر غثائية أو ظواهر من الزبد يجب أن نتلافاها ، وكلٌّ عليه واجب ، والمسألة عظيمة ولا بد أن ينظر إليها بجد .

إن بناء المجتمعات لا شك أنه مطلب ، لكن نحتاج فيه إلى أن يضبط بالضوابط الشرعية ، إذا أشكلت علينا الضوابط في أمور نظنها اجتهادية فنرجع إلى المرجعية الدينية التي جعلها الله – جل وعلا – مرجعية دينية ، وهم أهل العلم الراسخون فيه ، الذين علموا العلم وفقهوا في دين الله بالكتاب والسنة وبأقوال أهل العلم والسنة .

الهدف المرحلي في البناء :

1 – المحافظة على رأس المال :

هناك هدف مرحلي في البناء فيما نريد من الدعوة ، وهناك هدف بعيد ، أما الهدف المرحلي الذي نريده فهو أن نحافظ على رأس المال ، والمحافظة على رأس المال لا بد منها ، ولا أحد يقول : لا تحافظ على رأس مالك واسعَ في الربح مع تعريض رأس المال للخسارة ، المحافظة على رأس المال مهمة ؛ لأن الله – جل وعلا – أمر نبيه بأن يستقيم هو ومن معه ، وأمره بأن يصبر نفسه مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ؛ قال جل وعلا : ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [ الكهف : 28 ] والمحافظة على رأس المال هي : أن نحافظ على الصالحين ، لا شك أنه يحزننا أن نرى صالحًا ضيع صلاحه ، الذي لو عقل لكان هو أعظم ما يحافظ عليه ؛ لأن به سبب الدخول إلى رحمة الله جل وعلا . كذلك المحافظة على الشباب ، المحافظة على الدعاة ؛ المحافظة على ملح الأرض .

إنه لا طريق يُرتجى إذا كان رأس المال يُبدد أو يُسعى في تبديده ولا يحافظ عليه ، إن إصلاح رأس المال أمر مطلوب ولكن إصلاح بلا تضييع . وقد يكون كما قال الأدباء : “من الحفاظ تضييع ، ومن النصح تقريع” . بعض الناس يريد أن يحافظ حتى يكون ثمرة ذلك أن يضيع ؛ ولهذا جاء في الحديث الذي في السنن : « إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ » ([4]) فقد تبتغي الريبة في قوم من جهة محافظتك عليهم ، لكن ترجع إلى إفسادهم .

والمحافظة على رأس المال تكون بأن نسعى في إصلاح الأفراد وفي إصلاح الجماعات بما نريد من الإصلاح الذي دلت عليه النصوص وأقره الراسخون في العلم ، وهذا الإصلاح يكون مع المحافظة ، لا شك أن كل واحد معرض لأن يكون مخطئًا ، معرض لأن يكون مفرطًا ، معرض لأن يكون رأى من وجهة نظر واحدة ، لا من وجهة نظر متسعة ، قد يكون هناك أمور معينة عاشها هو فجعلته ينظر دائمًا من هذه الوجهة ، ولا ينظر من وجهة أخرى ، وقد يستغرب من ينظر الوجهة الأخرى ، ولكن هذا النصح أو هذا الإصلاح لرأس المال يجب أن يكون مع المحافظة عليه ؛ لأن هؤلاء هم الزينة ، هم زينة الأرض ، وإصلاح ما في بعضهم من المخالفة يجب أن يكون بطريقة لا تفسدهم بها ؛ لأنه من النصح تقريع ، ومن المواجهة ما يئول إلى مقاطعة ، وإذا تفرقت الخاصة وقعت الخصومة بينهم حتى تصل إلى أن تكون دينًا يتدينون به ، إلى أن يكون أعدى الأعداء هو الفئة الأخرى ، وهذا حصل ، ونعوذ بالله – جل وعلا – من الشيطان ومن وسائله ومن طرائقه .

إذن فالهدف المرحلي : لا بد أن نسعى في المحافظة كما ذكرنا ، ولكنها محافظة مع الصبر عليها ، ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [ الكهف : 28 ] لابد من الصبر والمصابرة ، وهذا الصبر صبر على ما فيهم من مخالفة الحق ، أو ما فيهم من أمور ليست بحميدة . . وإذا اختلفنا : هل هذا مرضي أو ليس بمرضي فعندنا المراجع ، لا بد أن ننظر إلى مشاكلنا الدعوية التي نريد إذا تغلبنا عليها أن نجتمع في مواجهة هذا الفساد العظيم الذي ينشر في الناس ، والبعد عن الدين والديانة الذي الآن يكثر في الناس ، لا بد أن يكون عندنا سعة في النظر إلى أعظم واجب ، وهو تعبيد الناس لله جل وعلا .

لا شك أنه من المحزن أن تكون هناك ظواهر نسميها ظواهر غثائية لا تخدم البناء وتضره ، ولا شك أن ما يضر البناء أصحابه لا يعودون على الدعوة بخير ولا بصلاح وسائل المحافظة على رأس المال ، قد يكون من الوسائل المتاحة الآن أنواع الاتصالات التي فيها بحث الأمور بوضوح ، فلم يعد شيء خفيًّا فيما يتعلق بالدعوة والدعاة . قبل الأزمة كان هناك أمور كثيرة خفية ، لكن اليوم كثر الكلام وأصبح من له هم في الدعوة ومن لا هم له يعرف أشياء كانت مغيبة ، هذا لا بد أن نستفيد منه ، وأن نبحث كيف نستفيد منه ؟ بأن تبحث الأمور بوضوح ، لا داعي للانغلاق اليوم ، لا بد أن ينفتح بعضنا على بعض ، بحيث نناقش كل القضايا ، نناقش جميع الأمور التي تهمنا ، نناقشها ونسمع وجهة النظر الأخرى ، ويكون الحكم فيها الأخير المرجعية العلمية الدينية التي أمر الله – جل وعلا – بالرجوع إليها .

فأن نسعى في أطر معينة لا نتعداها ، وألا نحدث الآخر لأنه كذا وكذا ؛ هذا يفقدنا البناء الداخلي والمحافظة على رأس المال ؛ لأن الفرقة وقعت ، وإذا وقعت فلا بد من الاختلاط الذي معه إصلاح ، إصلاح هذا الشغب الذي حصل ، كيف يكون الإصلاح ؟

بالمناقشة ، بالمحاضرة ، بطرح جميع القضايا . ليس ثم قضية الآن يمكن أن يقال : لا تناقش ، نعم هناك بعض الدعوات عندها قضايا لم تطرح إلى الآن ، ولكن الخاصة يعلمونها ، لابد من طرح جميع القضايا إذا كان ديدننا الحق ، أما أن تفجع الناس بين حين وآخر بآراء أو أن تكون آراؤنا حبيسة لأطر معينة ، لا شك أن هذا ليس من وسائل البناء . وهذه الكلمة ربما يفقهها من يفقهها ، ويسعى في تحقيقها .

2 – توسيع قاعدة الصالحين :

من الوسائل المهمة توسيع القاعدة ، الملاحظ أنه منذ سنين قاعدة الصالحين ، أو قاعدة الملتزمين كما يقال ، أو قاعدة الشباب أو النساء الملتزمات ، أرى الازدياد فيها محدودًا ، لم ؟

قبل الأزمة كانت الدعوة وكان اقتناع الناس وقربهم من أهل الخير والتزامهم وتمسكهم بالهدى كثيرًا وعظيمًا ، وفي كل سنة ازدياد للخير ، بعد ذلك جاءت عوائق مختلفة ، عوائق منها أنفسنا ، وعوائق أخرى موضوعة ، بعض العوائق قد يكون عقوبة ، وبعض العوائق قد يكون من جراء عدم النظر الصحيح فيها ، لكن هل ننظر في هذه الأمور ونبقى كما نحن بدون توسيع القاعدة ، فالدعوة لا بد أن تنتشر ، وهذا الانتشار كيف يكون ؟ وما وسائله ؟ لا بد أن يطرح في مجالسكم ، وأن ينظر في كل مجموعة ؛ مجموعة عمل ، أسرة معينة ، جماعة مسجد . . إلى آخره . لا بد أن توسع القاعدة ، هذا التوسيع للقاعدة ضروري ، وهذا التوسيع للقاعدة يجب أن يكون مبنيًّا على أطر بعيدة عن الخلافات .

إن الأمور التي فيها الكلام الآن وفيها الخلافات كانت لها أسباب ولها نتائج ، لكن من لا يعي شيئًا ولا يرى هذه الخلافات يجب أن نبعده عنها ؛ لأنها تشوش القلب ، وتشوش العبودية لله جل وعلا . والقصد من الدعوة أن تعبّد الناس لرب العالمين ، إذا كان المقصود أن تحذرهم ، يعني أن تقصد بالدعوة تحذيرهم من فلان وفلان ، أو من الجهة هذه ، أو من الفئة تلك ؛ فهذا باطل من القول وزور ؛ لأن القصد من الدعوة أن تجعل من هذا المدعو صالحًا متعبدًا لله جل وعلا ، و تخلصه من هوى نفسه ، وتكون قد أعظمت له المثوبة وأعظمت له النعمة إذ هديته لما به سعادته في الأخرى .

فليس كل ما يعلم يقال ، كما تقول طائفة : “ليس كل ما يعلم يقال ، ولا كل ما يقال يقال لكل الرجال ، ولا ما يقال لبعض الرجال يقال في كل الأحوال” .

فإذن توسيع القاعدة والدعوة ضرورة من الضروريات ، لا ندخل الناس في خلافات الخاصة ، أو في المعلومات ، ليست مسألة الغثاء في الدعوة والزبد والمشاكل الموجودة مقصودة ، وإنما هي هكذا حصلت ، فينبغي أن توضح بقدرها ، وألا يشغل الناس بها من أي جهة كانت ، فأن تأتي إلى رجل تدعوه ، أو إلى امرأة تدعوها ويصبح الكلام في قيل وقال وأمور ليست من صميم الدين هذا جناية على البناء الصحيح ، وجناية على الدعوة ، وأثر من آثار التعصب لأشياء المرجو أن تزول وأن يعقل أصحابها ما يجب شرعًا . . .

المستقبل كيف ننظر إليه ؟

المستقبل ننظر إليه بأنه لا امتداد أو لا توسع في الصلاح إلا ببناء القاعدة الصالحة القوية ، المدن توسعت والمناطق كبرت والناس كثروا ، من سيخاطب الناس وسيرشدهم ويدعوهم ، لا بد من توسيع القاعدة التي ستحمل الدعوة ، وهل القاعدة في هذا البلد بخاصة ؟ يعني هل الدعوة في هذا البلد بخاصة الذي ستنتشر فيه هذه القاعدة ، أم في هذا البلد وفي غيره ، أعني في المملكة العربية السعودية وفي غيرها ؟ لا شك أن بناء القاعدة يكون فيه وفي غيره .

وهذا يتطلب نشئًا كثيرا وتربية قوية ، وتربية مركزة ، حتى يمكن أن تحمل الدعوة صحيحة بدون مفاسد للناس ، دعوة ينظر فيها إلى المستقبل ، ونقعد فيها عن الأخطاء التي ارتكبت فيما مضى من الدعوات والتجارب الماضية التي لم تنجح .

هذا الكلام الذي ذكرته ربما يمر من فوق بعض الرءوس – كما يقال – لكن لا بد من الاهتمام به ؛ لأن الواقع اليوم مرير وصعب ، وكل مخلص أو كل من يرجو رفعة هذا الدين يتألم كل يوم مائة مرة ؛ لما يرى من هوان أهله وفرقتهم وانشغال بعضهم في بعض ، ولما يرى من ضعفهم وبعدهم عن الانتشار والدعوة ، لا بد من علاج الأمور بوضوح ، ولا بد من الكلام بقدر ما يفهم المرشد أو بقدر ما ينظر إليه طالب العلم ، لكن لابد أن نصل في دعوتنا وفي بنائنا المستقبلي ومشاكلنا إلى حل واضح ، والناس لم يعد عليهم شيء يخفى ، بل الأمور واضحة يتسامعون ويتكلمون فيها ، فلا بد من طرقها علانية .

ميادين الدعوة :

هناك ميادين للدعوة والبناء نذكرها باختصار :

1 – العمل التربوي :

يعني أن يكون البناء والدعوة من جهة التربية . ومن أصول الداعين أنهم يسعون في تربية الناس ، لكن إذا نظرت اليوم وجدت أن جهات المجتمع مختلفة ، وطبقاته مختلفة ، كيف نخاطب الناس ؟ هل نخاطبهم على وتيرة واحدة ؟ منهم الموظفون ، منهم المنشغل بوظيفته جل يومه وبأهله ، منهم الأطباء ، منهم المهندسون ، منهم التجار ، منهم العامة ، منهم الشباب ، منهم المثقفون ، منهم الصحافيون ، منهم الكتّاب . . . إلى فئات كثيرة من المجتمع ، لا بد من عمل لهؤلاء ، ولا يسوغ أن ننظر إلى الدعوة على أنها تخاطب جهة معينة ، أو تخاطب فئة معينة فنطلب من الجميع أن يكونوا طلاب علم ، لا يمكن أن نطلب من الجميع أن يهتموا بنوع معين أو بشيء معين من العلم الشرعي ، أو من أمور الإسلام ، وإذا لم يهتموا به فهم كذا وكذا ، هذا غير ممكن ، يجب أن ننطلق في الدعوة إلى أن تناسب الجميع .

لكن هنا في الدعوة التربوية هناك أصول يجب أن تحكم الجميع ، فكل واحد يجب أن يعتقد المعتقد الحق ، وأن يأخذ بالأصول الثابتة ، لكن هناك أشياء يختلف فيها الناس ؛ قراءات مختلفة ، قناعات معينة ، وعمل يختلف من فلان إلى آخر ، هل نسعى في الدعوة إلى أن يكون كلٌّ مخاطبًا بشريعة معينة ؟ ! هذا لا يناسب دعوة الإسلام ؛ لأن دعوة الإسلام تخاطب الأمة جميعًا ، والله جل وعلا وصف هذه الأمة بأنها خير أمة أخرجت للناس : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ[ آل عمران : 110 ] ، قال أهل العلم في قوله : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ معنى الآية : خير أمة أخرجت من الأمم للناس هي هذه الأمة . فهي تخاطب جميع الناس ، دعوة لغير المسلمين ، دعوة للمسلمين بأنواع شرائحهم ، مخاطبة لجميع طبقات الناس ، هذا يتطلب منا أن ننظر في الدعوة إلى أفق واسع ، وإلى ميادين متعددة ، لكن هناك أصول ثابتة في الدعوة ، هناك أصول عقدية ثابتة : أولا التوحيد ، أي البناء على تحقيق القلب في عبوديته بالتوحيد لله جل وعلا ، هذا أصل من الأصول ، ولن تقوم الدعوة وتتوسع الدعوة والقاعدة إلا على هذا الأساس . . تحديد المرجعيات . . العلم الواجب ، أنواع الاهتمامات . . حد كل اهتمام . . .

هذا لا بد أن يضبط ، ولا بد أن تخاطب جميع الشرائح .

2 – العمل الاجتماعي :

وهذا ميادينه مختلفة ، قد يكون من قبل كل أسرة في محيطها ، أو كل أهل بلد في محيطه . . . وغير ذلك ، هناك الاهتمامات السياسية ، فمطروق في الدعوات ومطروق في مجالس الناس والشباب اهتمامات سياسية متنوعة ، والاهتمام بالسياسة تجاوز أن نقول : مهم أو غير مهم ، فالناس يهتمون بطبعهم ، وقد قال بعضهم : إذا تكلم الناس في الرؤى والأحلام أو في الجن أو في السياسة فلن يسكتوا . وهذا صحيح ، الاهتمامات السياسية عند الناس متنوعة ، وعند الدعاة والشباب أيضًا موجودة ، وتختلف ما بين الغلو فيها وما بين البعد عنها تمامًا ، هناك من لا يهتم بالسياسة أصلًا ولا بما يحدث ، فربما يعرف الشيء أنه حدث بعد سنة أو سنتين أو عشر سنين ، هذا واقع ، فهو لا يهتم بشيء من ذلك ، وهذا قصور في مخاطبة الناس ، قد لا أهتم أنا أو لا يهتم الثاني والثالث ، لكن من يواجه الناس بالدعوة ينبغي أن يهتم ، لكن الاهتمام بالسياسة هل هو اهتمام على ما ظهر أو هو اهتمام منضبط بأصول الشرع ؟

لا بد من أن نضبط كل شيء بالشرع ، هناك غلو في بعض الاتجاهات في الاهتمامات السياسية ، فترى من يهتم بالقضايا السياسية في أكثر يومه ؛ في الحكام ، في الولاة ، في السلام ، في الخطوة هذه ، في الخطوة تلك . . . وهكذا ، هل هذا يتقدم ببناء الشخصية المسلمة ؟ هل هذا يتقدم ببناء المجتمع أو بناء المجموعة ؟ !

 كل شيء يؤخذ منه بقدر المأذون به شرعًا ، وإذا نظرت إلى ما كان في عهد الصحابة – رضوان الله عليهم – وجدت أن ثمة اهتماما بما كان يجري ، لكن كان اهتمامًا لم يعد على أصل الدعوة بالانحراف . إن الدعوة التي لا تهتم بما حولها لا تصلح للمجتمعات الحالية ، والدعوة التي تغرق في السياسة أو لا تنضبط فيها بضابط الشرع لا شك أنها لا تصلح .

والذي يلاحظه كل ناظر أن الشباب في الاهتمامات السياسية عبارة عن نَقَلَة ، تجد أن منهم مثلًا عشرة يجتمعون في مجلس ، واحد منهم يلقي خبرًا ، أو يحلل حادثة سياسية على نحو ما ، تلاحظ بعد مدة أن التسعة الباقين يرددون الخبر ، ولو كان غير دقيق ، ويرددون التحليل نفسه ، من أين أتى هذا ؟ أتى بأنه ليس ثم وعي ، فكثير من الشباب بل الأكثرون في هذا المجال مقلد ؛ من جهة نقل الخبر ومن جهة تحليله ، منهم من يزيد على ذلك بأن يكون الخبر إذا كان في صالح جهة ما فهو غير صحيح ، وإذا كان في ضد جهة ما فهو صحيح ، وهذا لا شك ضعف ونزول في المستوى الثقافي السياسي .

إذن فهم الناس للسياسة ينبغي أن يكون منضبطًا بما يجب شرعًا ، فما الذي يجب في تلك الاهتمامات ؟ أولًا : أن يكون الخبر متأكدًا من صحته ، لا تنقل الخبر عن فلان وهو غير دقيق فيما يأتي ، وإذا أردت أن تنقل ما قاله فلان فلا بد أن تتأكد أنت من مصدره ، وإذا أتى التحليل فلا بد أيضًا أن توازن أنت ، تحلل بما أعطاك الله – جل وعلا – من العقل .

إن مصيبتنا اليوم في الدعوات التقليد ، الشباب كثير منهم مقلدون ، لا يفكرون ، إذا نقدت طائفةٌ طائفةً أخرى جاء التقليد ، إذا تكلموا في السياسة وفيما يتعلق بها أو في الأحوال وفي الواقع أو في المنكرات تجد التقليد ، ينقل بعضهم عن بعض ، أين الفكر ؟ أين العقل ؟ أين بناء المرء لنفسه البناء الصحيح الذي به يقيم الأمور ويكون محللا بنفسه أو له رأيه ؟ هذه أمور ليست شرعية فنقول : الاجتهاد فيها محصور على فئة معينة ، فهي مكفولة والجميع يخوضون فيها ، فالتقليد فيها من عيوب العقل العجيبة .

وإنك ترى في بعض المجالس من يردد كلمة قيلت ربما قبله بدقائق ، ينسى أن الذي قالها فلان قبل ساعة من المجلس ويقول : أنا سمعت كذا ، ويقال له : لا ، قبل قليل قيلت ! هذه موجودة كتربية ، فيردد بعض الناس كلام بعض ، ويردد بعضهم تحليل بعض ، وهذا إذا كان مقبولًا في صفوف العامة لكن في صفوف البناء – بناء الدعوة الصحيحة – غير محمود وغير مرضي .

الاهتمامات السياسة لا بد فيها من الوسطية ، وإذا كان أهل العلم وسموا أهل السنة والجماعة بأنهم وسط في الفِرَق المختلفة ، ووسط بين هذا وهذا ؛ بين الغالي والجافي ، وسط في باب الصفات ، ووسط في باب الإمامة ، وسط في باب القدر ، ووسط في مسألة الأسماء والأحكام . . . نقول أيضًا : هم في هذه المسائل وسط ؛ فإنهم لا يخلون أنفسهم من الاهتمام ، ولكنهم لا يغرقون في الاهتمام ، وإذا اهتموا فليسوا بمقلدة ، فإما أن يتحدثوا بعقلية ناضجة أو يتركوا ؛ لأنه من العيب في العقل أن يكون مقلدًا في مسألة يشترك في معرفتها وتحليلها الجميع .

خاتمة : المظاهر التي تزيد في الغثاء :

وهذه الخاتمة نعرض فيها لبعض مظاهر تزيد من الزبد ، وتزيد من ظهور الغثاء ، وإذا كان المفسرون واللغويون قالوا لنا : إن الغثاء والزبد أشياء تراها متفرقه كثيرًا وظاهرة ، لكنها وإن كانت تبهر العين أو تأخذ بالعين من جهة النظر ولا قيمة لها ، فهي أيضًا تحتاج إلى إزالة ، إذا أردت أن تستفيد من ماء فيه زبد وفيه غثاء فلا بد أن تزيل ما علق به من الشوائب ، ولهذا نقول : لا بد أن ننظر إلى هذه المظاهر :

1 – النظر إلى الأمور من جهة واحدة :

أول مظهر من تلك المظاهر : النظر إلى الأمور من جهة واحدة ، كيف يكون ذلك ؟

 من طبيعة بعضهم أنه يرى هم الدعوة أو يرى الإصلاح من جهة واحدة فقط ، ذهنه تربى عليها ، أو أكثر من السماع في هذا الموضوع ، فيرى أن الإصلاح في هذه الجهة فقط دون غيرها . وهذا من نتائج الضعف في البناء والتقليد ، فهذه المجتمعات اليوم وهذه الأمور المشتبكة المتخالفة ننظر فيها إلى الأمور من جهات متعددة ، فالذي ينظر إلى الأحوال من جهة واحدة لا بد أن مخطئ .

ومن أسباب النظر من جهة واحدة أن يكون المرء عاش مع من يملي عليه هذا الفهم ، فينظر إلى الأمور بهذا الفهم ، فيقضي سنين وهو لا يسمع إلا هذا التصور ، أو يخالط مجموعة يرددون هذا التصور ، حتى أصبح بعد مرور السنين عنده حقيقة لا تقبل النقاش . وهذا من نتيجة أن يكون في إطار واحد ، وهذا خلل في البناء ، ومظهر من المظاهر التي ينبغي علاجها .

ولا شك أن الدعوة التي يمارسها أولئك مطلوبة ، وما هم عليه من الخير لا يُجحَد ، لكن الذي يكون فيه النظر من جهة واحدة ، ويحكم على الأمور من جهة واحدة ، بل ويُلزِم الناس بهذا النظر ؛ لا شك أن هذا غير مرضي ؛ لأن وجهات الأمور مختلفة ، والله – جل وعلا – أمرنا بأن نزن بالقسطاس المستقيم .

2 – الاستعجال :

من مظاهر الزبد ومن المظاهر التي تزيد من الغثائية : الاستعجال ، إن الدعوات لا تقاس أعمارها بالسنين ، وفي الإصلاح والدعوة لا يقاس كم مضى من سنوات ، فكما ذكرت قبل : كم مكث نوح عليه السلام من السنوات ؟ ألف سنة إلا خمسين عامًا ، والنتيجة : ما آمن معه إلا قليل . محمد بن عبد الله – عليه الصلاة والسلام – مكث ثلاث عشرة سنة في مكة ، ومكث عشر سنين بعد الهجرة ، وكانت حصيلته في الدعوة في العشر سنين أعظم من ثلاث عشرة سنة ، بل كانت أعظم وأعظم وأعظم ؛ ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [ الفتح : 1 ] جاءته الجموع والوفود مسلمة . أول الرسل نتيجة دعوته قليل ؛ قال بعض المفسرين : كانوا اثني عشر ما بين رجل وامرأة ، وأكثر ما قيل : إنهم بضعة وسبعون ، والنبي – عليه الصلاة والسلام – محمد مكث ثلاثًا وعشرين سنة ولكن كانت النتيجة أعظم من ذلك بكثير ، كانت النتيجة أعظم وأعظم وأعظم .

هذا يعطينا أن النظر في الدعوة إلى ما يجب ، لا إلى النتيجة ، ولهذا من المآخذ على الدعوات المعاصرة الاستعجال ، جاء بعض الصحابة إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو في منى فقالوا له : يا رسول الله ، إن شئت لنميلن على أهل منى بأسيافنا . قال : « لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ » ([5]) .

ففي هذه الظروف الحالية لا بد من الصبر على الدعوة .

والاستعجال له صور كثيرة متعددة تختلف ما بين بلد إلى آخر ، فمن عوائق البناء الاستعجال ، من عوائق البناء أن يتحمس المتحمس الداعية أو الشاب بتصرف أو بقول أو بفعل ثم تكون النتيجة ضده ، وضد مجموعته ، وضد الإسلام ، وضد الدعوة ، هذه من مظاهر الاستعجال ، ويمارسها بعضنا في كل يوم في دعوته للأفراد ، حيث يستعجل تحصيل النتائج .

3 – التعصب :

من تلك المظاهر التي تزيد من الغثائية : التعصب . الدعاة والمصلحون اليوم يعيب بعضهم التعصب للمذاهب الفقهية التي ينتمي أصحابها إلى أئمة ؛ مذهب أبي حنيفة ، مذهب الشافعي ، مذهب مالك ، مذهب الإمام أحمد ، والإمام أحمد والشافعي ومالك وبقية أئمة الإسلام هؤلاء أئمة في الإسلام ، ومع ذلك من يتعصب لأقوالهم يعيبونه ويعيبون المقلد ، لكننا نرى تعصبًا لأقوال بعضهم لبعض ، تعصبًا لأفكار بعضهم لبعض ، فكيف يتفق هذا مع هذا ؟ نرى تقليدًا ، نرى التعصب على مصراعيه ، بحيث إنه لا يقبل كلمة حق إلا إذا جاءت ممن يرضاه ، واعجبًا ! كيف قال يهودي لأحد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنكم تُنَدِّدُونَ ، وفي بعض الروايات : إنكم لأنتم القوم ، لولا أنكم تنددون ؛ تقولون : ما شاء الله وشاء محمد . فأبلغ الصحابي رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه الصلاة والسلام : « قُولُوا : مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ » ([6]) .

يهودي عاب على المسلمين في عهد النبي – عليه الصلاة والسلام – كلمة يقولونها ، والنبي عليه الصلاة والسلام ما رفض هذا القول لأنه من يهودي ، بل قال : « قُولُوا : مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ » ، قال إمام هذه الدعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب في مسائل كتاب التوحيد لما ساق هذا الحديث : “فهم الإنسان إذا كان له هوى” .

لكن الجهة المنقودة هل تتعصب لنفسها وتقول : لا أقبل الحق إلا من جهتي ؟ لا شك أن هذا من غير الشريعة ، بل الشريعة جاءت بقبول الحق ممن جاء به .

ونحن نرى اليوم أن الجهات المتعددة التي تعمل للإسلام وتدعو ، على اختلاف ما بينها ، وعلى قربها وبعدها من السنة ، نجد أن هذه الجهات لا تأخذ بهذا التوجيه ، فالذي هو من الفئة الأخرى وضد آرائنا لا يقبل منه صرف ولا عدل ! لا تقبل منه كلمة ! لا يقبل منه نقد ! بل إذا نقد قدح ، والنبي عليه الصلاة والسلام ما قدح في اليهودي ، بل قبِل ما قاله وقال : « قُولُوا : مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ » . فنريد أن نأخذ من هذه الظاهره الصحية عندنا في البناء الدعوي المستقبلي : أن نتجاوز التعصب للفرد ، أن نتجاوز التعصب للداعية ، أن نتجاوز التعصب للعالم ، أن نتجاوز التعصب للدعوة وللفئة وللجماعة ، أن نتجاوز ذلك إلى ما هو أغلى وأهم ، ألا وهو التعصب للحق ، نبحث عن الحق ، الله – جل وعلا – أعطانا عقولًا ، أعطانا مدارك ، وبناء الدعوة إذا كان فيه التعصب وعدم الانفتاحية وفيه الانغلاقية الموجودة الآن ؛ فإنه لن يكون بناءً صحيحًا ، بل لا بد أن نفتح الأمور ، وأن نقبل النقد ممن جاء به إذا كان صحيحًا ، ونناقش في قنوات مفتوحة على أوسع مجال ، من جميع الجهات ؛ لأن هذا فيه صلاح وإصلاح ، والنظر والمناظرة والمحاجة والمجادلة بالتي هي أحسن كلها لها أصولها الشرعية المعلومة .

4 – طلب الكمال :

من المظاهر التي تزيد الغثائية طلب الكمال في الأشخاص ، أو طلب الكمال في الدعوات ، أو طلب الكمال في أنواع التربية ، مثال ذلك ألا يقتنع بأحد ، أو ألا يرضى بفعل لو كان في نفسه خيرًا ومصلحة شخصية ، لا يرضى به إلا إذا كان كاملًا لا نقص فيه .

وهذا غلط ، بل النقص يُسدد ويُكمل . إذا كان ثم نقص نرضى بأصل العمل ، بشرط أن يكون الأصل العلمي على وفق طريقة السلف الصالح ، ألا يكون عملًا بدعيًّا ، ألا يكون عملًا مخرجًا عن طريقة أهل السنة ، أن يكون العمل في أصله صحيحًا ، فإذا كان العمل في أصله صحيحًا فإن طلب الكمال في العمل الدعوي غير واضح ، بل لا بد أن يكون ثم وثم وثم من الثغرات . فالذي ينبغي أن نتكامل ، بمعنى أن ينصح بعضنا بعضًا ، وأن نفرح بالنقد ، فإذا قيل : في دعوتك من العيب أو النقص كذا ، في دعوتك كذا وكذا وكذا ، تقول : إذن ندرس هذه الأمور ونرى ؛ فما كان فيها من حق نزيله .

فيجب ألا نربي أنفسنا وشبابنا على التعصب وعلى البعد عن قبول غير ما نقتنع به ، لا شك أن الإيمان يتبعض ، وكذلك أمور الإيمان تتبعض ، ومن دعاكم إلى خير فأجيبوه ، والله جل وعلا قال : ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ[ المائدة : 2 ] .

فلهذا ترى من طريقة الراسخين في العلم في هذه البلاد أنهم يسددون النقص إذا كان موجودًا ، إذا وجدوا من يدعوهم ، أما أن يتصور واحد منا أنه لا دعوة إلا على وجه الكمال ، أو لا يقبل دعوة مطلقًا ، فهذا ينتج عنه أن نقبل بتسلط أهل الباطل وأن نقبل بانتشار الفساد ؛ لأنه إما هذا أو ذاك ، فما يجب هو أنه من كان مصيبًا في شيء نصوبه فيه ، ومن كان مخطئًا في شيء ننصحه حتى يتخلص من أنواع الخطأ في دعوته وفي أسلوبه أو في آرائه ، ونكون أكثر واقعية في عملنا الدعوي .

إن طلب الكمال في الأشخاص ، طلب الكمال في المجموعات ، طلب الكمال فيما تراه ؛ هذا غير واضح ، ولكن المرء يوازن فيما يأتي وفيما يذر ، ويراعي في تقييمه للأمور ما يراه من أحوال ومجتمعات ، وإذا كان الناس قريبين إلى الحق والهدى أو كانوا أعظم اتصالًا بالسنة وبالتوحيد فهم على خير ، وما كان فيهم من نقص فإنه يسدد .

هذا وأسأل الله جل وعلا أن يبصرنا ، وأن يجعلنا من الدعاة إلى دينه ، وألا يجعلنا ممن يتخلفون عن الدعوة بأسباب موهومة ، وأن يجعلنا من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، اللهم أصلح قلوبنا ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، اللهم أصلح قلوب أحبابنا وقلوب ذرارينا ، وأصلح قلوب أقاربنا ، وأصلح قلوب المسلمين ، اللهم وفق ولاة أمر المسلمين إلى الأخذ بالدعوة إلى دينك على ما تحب وترضى ، اللهم وألف بين قلوب المؤمنين ، واجعلهم متعاونين على البر والتقوى ، اللهم نسألك أن تعيذنا من مضلات الفتن ، وأن تعيذنا من الفساد ، وأن تعيذنا من المنكر ، وأن تعيذنا من كل ما لا ترضاه ، اللهم أعذنا ، وأعذ أحبابنا ، وأعذ من دعا لنا ، وأعذ جميع المسلمين ، اللهم واحفظ مجتمعاتنا من كل سوء ، اللهم من أرادنا ، أو أراد المسلمين بسوء في ديننا ، أو في أعراضنا ، أو في أخلاقنا ، أو في أي أمر من أمورنا ، اللهم فأشغله بنفسه ، اللهم لا تجعل له طريقًا علينا ، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ، ويعافى فيه أهل معصيتك ، ويؤمر فيه بالمعروف ، وينهى فيه عن المنكر ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

أسئلة :

سؤال : الفرق بين الدعوة التنظيمية والدعوة الجماعية ؟

جواب : إن الدعوة التنظيمية فيها طاعة وتنظيم ، وأما الدعوة الجماعية ففيها تطاوع ، ليس فيها طاعة ؛ بمعنى أنه يجب أن يطاع فلان ؛ لأن الطاعة في الشرع لأصناف ، وليس منهم هذا ، فالدعوة الجماعية فيها تطاوع ، وفيها نظام ، ولكن ليس فيها طاعة وتنظيم . والفرق بين هذا وهذا ظاهر ؛ إذ التطاوع غير الطاعة ، والنظام والترتيب والتنسيق غير التنظيم الذي له حلقاته وله تسلسله .

سؤال : أهل الذِّكر ؟

جواب : الله – جل وعلا – أمر بالرجوع إلى أهل الذكر ، قال : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ[ النحل : 43 ] ، وأهل الذكر هم أهل الكتاب والسنة ، ومن المتقرر في الأصول في مباحث الفتوى والمستفتى أن المرء يسأل أوثق الناس عنده ، يسأل في دينه وما أشكل عليه ، وتبرأ ذمته إذا كان هذا الذي سأله متحققًا بالعلم ، ولم يسأله عن جهة هوى أو تعصب له دون غيره . فهؤلاء الذين تبرأ بسؤالهم الذمة هم الراسخون في العلم ؛ لأن الله – جل وعلا – وصف الراسخين في العلم بقوله : ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا[ آل عمران : 7 ] ، ونصوص الشرع من الكتاب والسنة منها محكم ومنها متشابه ، فالمحكم والمتشابه موجودان في القرآن وموجودان في السنة ، من الذي يفصل هذا عن ذاك ؟ من الذي يرجع المتشابه إلى المحكم ويعلم معاني الأدلة ويفهم القواعد ؟ إنما هم الراسخون في العلم ؛ لأن الله جل وعلا قال : ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ آل عمران : 7 ] كما هو أحد وجهي الوقف عن السلف ، الراسخون في العلم يعلمون التأويل . فمن هو الراسخ في العلم ؟

هو الذي رسخت علومه بحيث تحقق بشهادة الناس له أنه عالم حق ، وأنه قد استوعب فهم نصوص الكتاب والسنة ، فهذا هو الذي يُسأل ، والمسألة تحتاج إلى تجرد ، وإلا فالعلماء الراسخون معروفون ومشارٌ إليهم .

سؤال : لماذا ينكر بعض طلبة العلم على الجماعات الإسلامية التي لولاها لما حافظ كثير من المسلمين على هويته في غالب أقطار الدنيا ؟

جواب : أولًا : ملاحظة أن قوله : “الجماعات الإسلامية التي لولاها لما حافظ كثير من المسلمين” هذا فيه لفظ شركي ؛ لأن قوله : “لولاها لما” هذا فيه نسبة نعمة الهداية إلى الجماعات ، وهذا من باب إنكار النعم ، والله جل وعلا قال : ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا [ النحل : 83 ] ، والذي يأخذ بالقلوب هو الله جل وعلا : ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ[ الكهف : 17 ] ، وقال جل وعلا : ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ[ الأنعام : 125 ] .

فلو أراد الله – جل وعلا – هداية أحد هداه من دون جماعة ولا جماعات ، ولو أراد إضلاله لما نفعته الجماعات ، لو اجتمعت جميعًا على ذلك ، إنما هي أسباب .

الجماعات تلك أسباب نفع الله – جل وعلا – ببعضها في بعض الأمور التي عالجوها ، لكن هل يعني أنهم نفعوا في بعض المجالات ألا يوجه إليهم كلمة البتة ؟ ! هذا ضِيق في الأفق ، وضيق في النظر إلى العمل الإسلامي ، وضيق في النظر إلى الدعوة . أصابوا بعضًا قليلًا وأخطئوا بعضًا كثيرًا ، وبعضهم أصابوا بعضًا كثيرًا وأخطئوا بعضًا قليلًا ، وهكذا ، والناس يتنوعون ، لكن إما أن يكون أو لا يكون ! إما أن نرضى عن الجميع وأن يكونوا أئمة وقممًا أو لا يكونوا شيئًا البتة ! ليس كذلك !

ونحن في هذه البلاد أنعم الله – جل وعلا – علينا بدعوة ، وهي دعوة الإمام المجدد المصلح محمد بن عبد الوهّاب رحمه الله تعالى ، وربى العلماء بعده الناس على هذه الدعوة ، وأخلصوا قلوبهم لله جل وعلا ، وربما منهم من حط منازله في الجنة ونحن نتناقش في أمور فيها البعد عن تلك الدعوة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

هذه الدعوة في هذه البلاد لو تَمَّ تَبَنِّيها ، كما يُقال ، لو أُخذ بها لاختصرنا فيما أحسب ثلاثين سنة من الزمان ، لكن جاءت دعوات غريبة لم يعرفها أهل البلد مخالفة للدعوة التي في هذه البلاد ونبتت ، مع أن هذه البلاد فيها دعوة حق قامت فيها وأصلحت وأنتجت ، فلماذا صُرف عنها إلى دعوات أخرى . فالسؤال يوجه إلى من صرفوا الناس أو أنشئوا جماعات أخرى .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد .


 ( [1] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 11 ، رقم 2616 ) وابن ماجه ( 2 / 1314 ، رقم 3973 ) ، والإمام أحمد ( 5 / 231 ، رقم 22016 ) .

 ( [2] ) أخرجه البخاري ( 4 / 65 ، رقم 3038 ) ، ومسلم ( 3 / 1359 ، رقم 1733 ) . والخطاب موجه إلى أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما ، وذلك عندما أرسلهما النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى اليمن .

 ( [3] ) أخرجه الترمذي ( 4 / 339 ، رقم 1956 ) .

 ( [4] ) أخرجه أبو داود ( 2 / 689 ، رقم 4889 ) ، والإمام أحمد ( 6 / 4 ، رقم 23815 ) .

 ( [5] ) أخرجه الإمام أحمد ( 3 / 462 ، رقم 15798 ) .

 ( [6] ) أخرجه النسائي ( 7 / 6 ، رقم 3773 ) ، والإمام أحمد ( 5 / 393 ، رقم 23339 ) .

شاركها مع أصدقاءك