بواسطة :
الزيارات : 3٬937 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا ، وعملًا صالحًا ، وقلبًا خاشعًا ، ودعاءً مسموعًا ، ربنا لا تكلنا لأنفسنا طرفة عين ، فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك ، أما بعد :

فأسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا ممن استعمله في طاعته ، ويسر لـه سبيل الخير ، ووفقه إليه ، كما نسأله –سبحانه- أن يمن علينا برؤية الحق حقًّا ، وأن يمن علينا أخرى باتباعه ، وأن يمن علينا برؤية الباطل باطلًا ، وأن يمن علينا أخرى باجتنابه ، إنه سبحانه أكرم مسئول .

نرجو -إن شاء الله تعالى- أن يكون لدينا من الهمة في العلم والتعلم ، وفي الطلب والحرص على ذلك ما يؤهلنا للاستمرار في هذا السبيل ، لأن العلم ودواعيه يذهب بالغفلة عنه ، وبرؤية غيره ، ومن أقبل عليه ، وعلم -حق العلم- ثمرة العلم ، وفضل العلم ، ورضى الله – جل وعلا – عمن علم فعمل ، وتواصى بالحق ، وتواصى بالصبر ، فإنه يتيسر عليه المطلوب ، وتنبعث عنده الهمة .

ولهذا نرى في قصص السالفين ، من الأنبياء والمرسلين ، ومن الصالحين ، ما يبعث الهمة على القوة في الحق ، والثبات عليه ، والنظر في معطيات ما أنزل الله – جل وعلا – على رسله – عليهم الصلاة والسلام – .

فإذا نظرنا إلى قصص الأنبياء والمرسلين جميعًا ، وجدنا من فوائدها للمتأمل والمعتبر ، أنها تعطي العبد المؤمن أنواعًا من الثبات :

أولًا : الثبات على الحق ، وإن كثر المخالفون .

الثاني : الثبات على سنة المرسلين وعلى هداهم ، والنظر إلى أولئك على أنهم السلسلة الماضية ، وأنهم السادة الذين منّ الله – جل وعلا – عليهم بلزوم صراطه ، فلا يستوحش حينئذ من قلة السالكين ، ولا من قلة الموافقين لـه في هذا السبيل ، بل ينظر إلى أن قبله من أئمة الناس ، من الأنبياء والمرسلين ومن تابعيهم -وخاصة صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يهيئ لـه أن يسير على منوالهم ، وأن ينتهج نهجهم ، وأن يتخلق بأخلاقهم .

والثالث : أنه يستفيد من ذلك أن الأمور المحمودة لا يمكن أن تكون إلا بالصبر المتنوع ، الصبر على طاعة الله – جل وعلا – والصبر على لزوم تقواه ، ولهذا نرى في قصة يوسف -عليه السلام- أنه قد تكرر ذكر الصبر ، لما لـه من أثر عظيم في ذلك ، وكذلك في قصص غيره من الأنبياء ، ترى أن الصبر لـه المنزلة العظمى في الثبات على الحق والدين والطاعة ، والثبات أيضًا على العلم والتفقه ، ولزوم ذلك الطريق ، قال – جل وعلا – ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ يوسف : 90 ] .

العبرة بسيرة من صبر

ولهذا يجب على طالب العلم أن يعتبر بعد ذلك بسيرة من صبر من الصحابة – رضوان الله عليهم – ومن التابعين لهم بإحسان ، ومن أئمة الإسلام ، فمن صبر ظفر ، وهذا ابن عباس -رضي الله عنهما- قال : لما قبض رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأنا شاب ، قلت لشاب من الأنصار : يا فلان هلم فلنسأل أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولنتعلم منهم ، فإنهم كثير . قال : العجب لك يا ابن عباس ، أتُرى أن الناس يحتاجون إليك ، وفي الأرض من ترى من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم – ؟ قال : فتركت ذلك وأقبلت على المسألة ، وتتبع أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإن كنت لآتي الرجل في الحديث يبلغني أنه سمعه من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأجده قائلا ، فأتوسد ردائي على بابه ، تَسْفي الريح على وجهي ، حتى يخرج ، فإذا خرج قال : يا ابن عم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما لك؟ فأقول : حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأحببت أن أسمعه منك . قال : فيقول : فهلا بعثت إلي حتى آتيك . فأقول : أنا أحق أن آتيك . فكان ذلك الرجل بعد ذلك يراني ، وقد ذهب أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واحتاج إليَّ الناس ، فيقول : كنت أعقل مني ( [1] ) .

وهكذا في فعل السلف ، فقد صبروا ، وتحملوا شدائد العلم والتحصيل ، من رحلات عظيمة في أخذٍ لبعض الأحاديث ، أو للقيا بعض أهل العلم .

لا علم إلا بصبر

وهذا نستفيد منه أنه لا علم إلا بصبر ، وإذا كان الأمر كذلك فالصبر المطلوب هنا عبادة ، وتركه ترك لعبادة محبوبة لله – جل وعلا – لأن أول واجب على العبد هو العلم ، والصبر مطلوب في كل عبادة من العبادات ، وفي سورة العصر يقول – تعالى – ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ [ العصر : 1-2 ] .

والإيمان هنا فيه العلم – كما هو معلوم – والعمل بعده ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ، والتواصي بالصبر يعود على هذا كله ، لهذا نرى اليوم ضعفًا عامًّا في الإقبال على العلم ، وفي مداولة العلم ومدارسته ، بين الأصحاب والأصدقاء والزملاء فيما بينهم ، وهذا يضعف العلم ، يضعف الملكة عند المرء نفسه ، ويضعفها أيضًا في الصلة بإخوانه وزملائه .

لهذا نرى السلف – رضوان الله عليهم – إذا اجتمعوا تذاكروا العلم ، وكان تذاكر العلم أهم المهمات عندهم ، لم يكونوا ليقضوا جل أوقاتهم إذا التقوا إلا في مذاكرة العلم ، حتى إن المذاكرة إذا خشي أن تفوت ترك معها بعض النوافل والسنن ، كما ترك الإمام أحمد قيام ليلة لما قدم أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي المعروف ، لما قدم قال : استعضنا عن القيام بمذاكرة أبي زرعة ([2]) .

وذلك لأن مصلحة المذاكرة متعدية على المسلمين ، ويفوت وقتها بذهاب من يُذاكر معه العلم ، وهذا هو الذي ينبغي على طالب العلم :

أولًا : أن يُصبر على العلم في تلقيه ، وفي لزوم العلماء ، وسماع الدروس ، وفي قراءة الكتب ، واستخلاص الفوائد ، وهذا يحتاج إلى صبر ومصابرة .

والثاني : يصبر أيضًا إذا التقى بأصدقائه ورفقائه وزملائه ، يصبر عن اللهو ، ويصبر عن مقتضيات الطبيعة ، في إمضاء الأوقات بما لا ينفع في تذاكر العلم .

فوائد مذاكرة العلم

فإذا تذاكر طلاب العلم فيما بينهم العلم كان له فوائد عظيمة :

أولها : تثبيت العلم .

وثانيها : قيام الصلة على المحبة الصحيحة في الله – جل وعلا – .

وثالثها : أن طالب العلم في تذاكر العلم مع أخيه ينزل عليهم من الله – جل وعلا – السكينة وتَحفُّهم الملائكة ، وهذا من فضل الله – جل وعلا – العظيم على عباده .

إذا تبين ذلك فإني أوصي نفسي أولًا ، ثم أوصي جميع إخواني من طلبة العلم ، بالصبر على مقتضيات العلم والدرس ، والصحبة في أن تكون في العلم والعمل لا في غيره ، لأن الزمن يمضي والعمر قصير .

استعمال الوسائل الحديثة في العلم

        المسألة الثانية : هي أنه يكثر اليوم عند طلاب العلم تداول بعض الوسائل الحديثة في العلم ، أو في الدعوة ، أو نحو ذلك ، مثل الأشرطة ، أو الأسطوانات ، ومثل ما هو موجود في البرامج المختلفة التي يُبحث فيها عن طريق الكمبيوتر ، أو في شبكة الإنترنت ، وما أشبه ذلك ، فهذه ينبغي أن يُنظر إليها بأناة وروية ، لأن الإيغال فيها قد لا يكون محمودًا في المستقبل ، فيما يتعلق بصلة طالب العلم بالكتاب .

وهذه الأشرطة ، أو هذه المنتجات من البرامج وغيرها ، أو ما هو موجود على شبكة الإنترنت ، ونحو ذلك ، ينبغي أن يؤخذ بقدر ما ينفع المسلم ، وما ينفع طالب العلم ، في العلم والبحث ، وما ينفع غيره في الدعوة والإصلاح ، لكن ليس ذلك هو الوسيلة الوحيدة ، وليس هدفًا لطالب العلم .

فالأصل في العلم أن يكون عبر المشايخ ، وعبر الكتب ، وأن يكون بالمطالعة ، والفرق بين هذه وهذه ، أن هذه البرامج ، وما هو موجود في أجهزة البحث المختلفة ، هو أن هذه البرامج ، وهذه الأدوات الحديثة ، تعطيك ما تبحث عنه ، أو ما تنظر فيه بسرعة بالغة ، أما النظر في الكتب ، فلأجل بحث مسألة واحدة ، تمر على مائة مسألة ، وتستفيد خيرًا كثيرًا ، وربما لبحث في تفسير آية تمر على تفسير عدة آيات ، وربما في بحث عن حديث واحد ، تمر على أحاديث كثيرة ، استفدتها في العلم والعمل ، وصليت على النبي -صلى الله عليه وسلم- في أثناء ذلك المرات والمرات ، فإذا ضاق الوقت ، واتجه طالب العمل إلى البحث ، أو أراد أن يبحث بحثًا ، أو أن يخطب خطبة ، أو نحو ذلك ، فليستفد من هذه الوسائل ، لأنها مفيدة ونافعة كثيرًا ، أما أن تكون هي الوسيلة الوحيدة ويترك الكتاب ، وتترك القراءة ، فهذا ليس بصحيح ، وهو من وسائل ضعف العلم عند طالب العلم .

وقد جربنا أنه بمطالعة الكتب – حتى في البحث – وأنت تبحث في كتاب ، لو صبرت على ذلك ، فإنك تأخذ فوائد كثيرة جدًّا ، ما كنت تظن أنك ستستفيدها ، لولا الله – جل وعلا – ثم هذه الطريقة ، والسلف -رضوان الله عليهم- كانوا أشد منا في ذلك ، حيث إن الكتب التي كانوا يتداولونها لم تكن مفهرسة أصلًا ، ولهذا كانوا يحتاجون في القراءة أن يمروا على أشياء كثيرة ، وإنما يعرفون الحديث مثلًا عن طريق الجزء ، يعني مثلًا إذا نظرت في الفهرس المصنف لمسند الإمام أحمد – الذي عمله ابن عساكر – وجدت أنه يشير إلى أجزاء ، يقول : في الجزء كذا ، في الخامس عشر من مسند الشاميين ، في الجزء العاشر من مسند المكيين ، وهكذا ، وهذا يعني في الأجزاء بحسب التجزئة الأولى ، وهذا كان في القرن السادس الهجري ، فكيف الشأن في القرن الثاني ، والقرن الثالث .

كان أكثر العلم يثبت بفضل الله – جل وعلا – أولًا ، ثم بكثرة النظر ، فإذا كرر طالب العلم النظر في الكتب ، فإنه يثبت عنده ، وهذا يحتاج إلى صبر ، وله ارتباط بالمسألة الأولى .

نقول : إن الوسائل الحديثة ، تعاطيها طيب في العلم وينفع طالب العلم ، لكن ليست هي المقصود ، وليست هي الوسيلة الوحيدة ، أو الوسيلة المثلى ، بل الوسيلة المثلى في طلب العلم والنظر ، هي حضور الدروس ، أو سماع الدروس ، أو قراءة كتب أهل العلم ، والبحث فيها ، لأن هذا يعطي ملكة وقوة في أشياء كثيرة ، حتى في اللغة .

إذا قرأت فإن لغتك تستقيم ، وتزداد معرفتك بمواضع الكتاب ، وبطريقة المؤلفين فيه ، أما البرامج المعاصرة ، فإنها إذا بحثت بها وصلت بسرعة ، لكن يفوتك أشياء كثيرة في هذا الباب .

التقليد

المسألة الثالثة : اليوم نرى أن المسائل التي يتكلم فيها طلاب العلم ، أو يتداولونها فيما بينهم ، كثير منها يُتداول بالتقليد ، ولا ينظر فيها إلى تحقيق المسائل -وخاصة في الأمور الخلافية- ومعلوم أن طالب العلم إذا أراد أن يعمل ، فليبحث ، أو يقلد من يثق بدينة ، أما إذا أراد أن يبحث عن الحق ، وأراد أن يقضي ، وينظر في الراجح والمرجوح ، فإن هذا يحتاج منه إلى صفتين عظيمتين ، هما : العلم ، العدل .

والقاضي في المسائل العلمية ، ربما كان أعظم من القاضي في مسائل الخصومات ، لأن مسائل الخصومات يقضي فيها بين اثنين ، هل الحق مع هذا ، أو مع هذا؟ وأما في المسائل العلمية والدينية التي يقع فيها الاختلاف ، فطالب العلم يجدها فرصة لبحث المسألة ، ولا يخوض في شيء بدون أن ينظر ، فأحيانًا تقع مسائل ، ويكثر فيها البحث ، أو التردد ، فنجد أن كثيرين يمررون المسائل بالتقليد ، هذا ينقل عن فلان ، وهذا ينقل عن فلان ، وهذا غير محمود لطالب العلم المدقق ، الذي يريد أن يتثبت من العلم ، فعليه أن يجعل هذه مناسبات لبحث المسائل ، والتحري عنها ، لكن لا يتسرع في حكمه .

ربما كان النظر في مثل هذه المسائل ، والحكم فيها قد كُلف به غيره من الناس ، ولأجل تحري الحق ، عليه أن يحكم بعلم وعدل ، فينظر في المسألة بمقتضياتها من أصلها ، وبعدل في ألا يتجرأ ، فيقول : هذا غلط . بدون ما يعرف الحقيقة ، لأنه سيحاسب على ذلك ، يقول : هذا بطال . بدون ما يتأمل ، أو يقلد فيها ، وهو لا يعرف ما الوجهة أصلًا ، ويكثر الأمر بدون بينة .

وهذا له أمثلة كثيرة في دنيا الناس اليوم ، لأن الحديث اليوم صار مفتوحًا لكل أحد ، فالصحف فيها ما لا حصر له ، وشبكة الإنترنت والفضائيات كذلك ، وفي الخطب والمحاضرات أيضًا أشياء لا حصر لها من هذا الباب ، فطالب العلم يجب عليه أن يتحرى الحق ، وأن يستفيد من مثل إيراد هذه المسائل ، في بحثها وتدقيقها ، وألا يتوانى في بحث هذه المسائل اتكالًا على بحث غيره فيها ، لأن المقصود هو الفائدة .

طلب العلم عبادة من أفضل العبادات وأجلها

        المسألة الرابعة والأخيرة : طلب العلم عبادة -كما ذكرنا- من أفضل العبادات وأجلها ، وهذا يعني أن طالب العلم لا بد أن يحاسب نفسه ، بين الحين والآخر ، في علمه الماضي ، وفي علمه المستقبل ، لأنه أحيانًا يكون قد طلب العلم لهوى ، أو لشهوة ، أو نحو ذلك ، فتجد أنه يمضي وقتًا طويلًا في طلب علم هو يشتهيه ، ولكن غيره من العلوم أولى منه ، وهو أحوج إليه ، لكن هو يشتهي هذا .

فعلى سبيل المثال ، واحد يشتهي النظر في السيرة والبحث ، يشتهي تخريج الأحاديث ، يشتهي بحث بعض المسائل الفقهية ، ويطول فيها جدًّا ، ويفوت معه بحث أشياء أخرى ، هي أهم له ، وربما جهلها ، وهي متعلقة بدينه ، متعلقة بعمله ، أو متعلقة بأمور مهمة ، هو يعانيها ، أو يقع فيها .

لهذا نقول : إن طالب العلم إذا سلك هذا السبيل ، فعليه أن ينتبه من شهوة العلم ، فشهوة العلم شهوة خفية ، قد تصرف صاحبها عما ينبغي له ، وهناك فرق بين عُقد العلم ، ومُلَح العلم ، فعقد العلم هذه لا بد منها ، وملح العلم بحسب الوقت ، تنظر في التراجم ، تنظر فيما تشتهي من أمور ، في تفاصيل اللغة ، أو في الأدب ، أو نحو ذلك ، فهذا لا بأس به ، لكن عُقد العلم هذه أن تنظر إلى ما أنت محتاج إليه ، ثم بعد ذلك تقبل عليه .

والعلم كما أن له شهوة ، فإن له طغيانًا كذلك ، لهذا قال وهب بن مُنَبِّه : « إن للعلم طغيانًا كطغيان المال » ( [3] ) . وهذا واقع ، فإنه كما أن الإنسان إذا ازداد ماله ، دخله الشيطان فطغى وبغى ، فكذلك العلم الذي لا يصاحبه تقوى من الله – جل وعلا – فإنه ربما كان معه الطغيان ، وكان معه البغي ، بل كثير من الخلافات التي وقعت في الأمة من الزمن الأول ، لما صاحبها البغي والتعدي ، وقعت الفرقة الشديدة ، ووقعت الخلافات الشديدة ، وصار بأس الأمة بينها ، كما ذكر شارح الطحاوية في أواخرها ، وكما ذكر نقلًا عن ابن تيمية في موضع من كتبه .

العلم له شهوة عارمة

فالعلم له شهوة عارمة بطالب العلم ، يعني قد يصيبه شهوة عارمة في نوع من العلم ، أو في نوع من البحث ، أو نحو ذلك ، فيكون معه انصراف عما هو أولى له ، فينبغي له أن ينظر ويحاسب نفسه .

كذلك العلم ربما يرى من نفسه الملكة وكذا وكذا ، فيجد أن عنده نوع اعتداد وقوة ، بحيث يتسلط بهذا العلم على الآخرين ، والعلم مبناه على الرحمة والتراحم ، العلم هو ما ورّثه النبي -صلى الله عليه وسلم- لهذه الأمة ، والله – جل وعلا – قد وصف نبيه بأنه رحمه ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [ الأنبياء : 107 ] .

فالعلم الذي معه البغي ، والذي ليس معه عدل ، ولا تقوى ، سيكون وبالا ، ليس على صاحبه فحسب ، بل ربما على الآخرين ، فلهذا نحذر من هذين الأمرين : الشهوة ، والطغيان في العلم ، فالشهوة مذمومة ، والطغيان مذموم ، ومن رأى واقع الناس اليوم ، وجد أنه يوجد فيه هذا وهذا .

نسأل الله – جل وعلا – السلامة والعافية ، وأن يثبتنا على دينه ، إنه سبحانه جواد كريم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

الأسئلة

السؤال الأول : كيف تكون مذاكرة العلم ومدارسته المذاكرة الصحيحة التي يستفيد منها الطالب؟

الجواب : هذا بحسب ما يراد مذاكرته ، فإذا كانت المذاكرة في المحفوظ ، فعليهم أن يتذاكروا فيما يحفظون ، وإذا كانت المذاكرة فيما يفهم ، فعليهم أن يتذاكروا في المفهوم ، يعني فيما يفهمه هذا ، ويفهمه هذا من المسائل المشكلة ، فإذا كانت المذاكرة يراد منها مذاكرة كتاب الزكاة مثلًا ، فلا بد من مراجعة الأحاديث فيه ، فمذاكرته أن تتداول بعض الفوائد من الأحاديث المتعلقة بأمور الزكاة ، فهذا يورد ما عنده ، وهذا يورد ما عنده كذلك .

وإذا كانت المذاكرة –مثلًا- في الفقه ، في فقه الزكاة ، فيأتي هذا مثلًا يقول : ما شروط وجوب الزكاة؟ فيأتي هذا بشرط ، وهذا بشرط ، ويفسر هذا وهذا ، ويمشون هكذا ، الباب الأول ، فالباب الثاني ، إلى آخره .

فالمذاكرة بحسبه ، مذاكرة المحفوظ شيء ، ومذاكرة المفهوم شيء آخر ، وأكثر السلف كانت مذاكرتهم في المحفوظ ، لأن حفظ العلم هو الأساس ، وهو الذي سيُنقل ، خشية من الغلط في ذلك ، أما اليوم فينبغي أن يكون في هذا وذاك ، يحفظون ويراجعون فيما بينهم ، من المحفوظ ، ويراجعون فيما بينهم العلم بأنواعه .

السؤال الثاني : ماذا عن الكتاب الذي طبع مؤخرًا في دار الباز ، وهو ( جمع الجوامع ، الجامع الكبير وزيادته للسيوطي ) ، خمسة عشر مجلدا؟

الجواب : هذا مطبوع سابقًا ، والسيوطي له كتاب ( الجامع الكبير ، والجامع الصغير ) ، و( الجامع الصغير ) محدود ، وقد قسمه العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- إلى قسمين :

1- صحيح الجامع .

2- وضعيف الجامع .

وهما قسمان مفيدان ، وإن كان الحكم على أن هذا صحيح ، أو أن هذا ضعيف ، لا يسلم في كل موطن ، وعلى طالب العلم أن يبحث ويدقق ، وهو كتاب مفيد للغاية في هذا الباب ، والجامع الكبير للسيوطي له شرطه ، وكتب كثيرة نقل عنها ، وقد قسمه إلى قسمين :

1- قسم الأقوال .

2- قسم الأفعال .

وهو كتاب – كما هو معروف – كبير جدًّا ، طبع قسم الأقوال ، وقسم الأفعال مستقل ، في مجلدات كثيرة جدًّا ، وصُوِّر عن المخطوطة أيضًا في مصر ، أظنه في الهيئة العامة للكتاب ، صورت إحدى نسخ المخطوط ، وكان خطها دقيقا جدًّا ، فصورت في مجلدين ، وهي أيضًا سهلة في البحث ، والأحسن منه كنز العمال .

و( كنز العمال ) رتب الجامع الكبير على الأبواب ، وجعل ترتيبها مثاليا وطيبا ، والأكثر هو الرجوع إلى كنز العمال ، أو إلى المتن ، يعني الأصل الذي هو الجامع الكبير ، لكن الجامع الكبير قد لا تجمع الأحاديث في الباب الواحد ، يعني مثلًا إذا بحثنا عن السلب في الجهاد ، أو حرم المدينة ، كيف تجدها؟ قد تجد حديثًا واحدًا في الباب ، أو قد لا يأتي غيره ، لكن في كنز العمال ترجع إلى هذا الموضوع ، فستجد الأحاديث ، وستجد الآثار ، عن الصحابة في هذا الباب .

السؤال الثالث : نرجو منكم التكرم بكشف شبهات من قال : إن علماء هذه البلاد يشددون في الأحكام ، ويأخذون من الأدلة أكثرها تشددًا ، وذلك بعد أن طالعت بعضهم في بعض القنوات الفضائية ، الذين يتعرضون لإفتاء الناس بفتاوى تخالف ما عليه هذا البلد ، فأصبح هناك تذبذب في تلقي الفتاوى ، وتردد في استقبال فتاوى علماء هذا البلد ، حتى قال بعضهم : إن علماء البلاد الأخرى ليسوا أجهل من علماء هذه البلاد . أرجو من فضيلتكم كشف هذه الشبهة إلى آخره؟

الجواب : هذا الخلاف موجود منذ خلق الله – جل وعلا – الدنيا ، والخلاف في العلم ما بين مشدد فيه ومتساهل موجود من الزمن الأول ، لكن إذا كان الأخذ بالأشد ، أو الأخذ بالأسهل هو نتيجة هوى ، دون نظر في مقتضى الأمر ، فإن هذا وباله على من أفتى ، والعياذ بالله ، ليست المسألة مسألة تشهي ، لكن المسألة مسألة دليل ، المسألة إعمال للقواعد الشرعية .

قد تجد أن بعض العلماء من السلف يشدد في مسألة ، ويتساهل في مسألة أخرى ، لكن لا تجد من علماء السلف من يسهل في كل شيء ، أو يشدد في كل شيء ، لأن كلا منهم كان يتحرى الحق بحسب ما وصل إليه ، وبحسب ما يرى من إعمال الأدلة والقواعد الشرعية ، تجد أنه في مسائل يتشدد ، وفي أخرى يسهل .

إذا أخذنا مثلًا المذاهب الفقهية ، تجد أن مذهب الحنابلة في العبادات فيه ميل إلى الاحتياط ، وبراءه الذمة ، إلى آخره في الأحكام ، فصار هذا المذهب فيه نوع تشديد مقارنة بمذهب الشافعية ، ومذهب الحنفية ، أو المالكية ، لكن في المعاملات تجد أن المسألة بالعكس ، فمذهب الحنابلة أيسر وأسهل ، والمذاهب الأخرى أضيق .

فنخلص من هذا إلى أن وجود من يشدد ، أو من يسهل ، قديم ، لكن لا يكون هذا عن هوى ، ولا عن رغبة في التسهيل ، فهذا ليس من صنيع أهل العلم ، وإنما تجد عند العالم الواحد ، في مسائل من العبادات والمعاملات ما يشدد فيها ، وأخرى يسهل فيها ، وذلك بحسب ما ظهر له من الوجه الشرعي ، وإعمال القواعد .

ولهذا نرى الآن من يتهم العلماء ، فيقول : إن علماء هذه البلاد يشددون في الأحكام . وهذا ليس بصحيح ، بل هم يتكلمون في المسائل بمقتضى الدليل ، ومقتضى القواعد الشرعية ، فيسهلون أحيانا ، ويشددون أحيانا أخرى ، وليس ذلك لغرض التشديد ، أو التسهيل ، لكن هذا ما ظهر لهم من الأدلة .

فمثلًا أنا سمعت مرة من سنين طويلة أحد المشايخ يقول لمُسْتَفْتٍ : المسألة فيها ثلاثة أقوال : فيها قول كذا ، وقول كذا ، وأيسرها هذا القول ، وهذا هو الأنسب لك إن شاء الله .

ومثل هذا الجواب ليس مستقيمًا ، لا على القواعد الشرعية ، ولا على أصول الفتوى ، ولا على ما ينبغي للمفتي أن يعامل به المستفتي ، وليست المسألة اختيارا .

ويمكن أن نرجع إلى ما أنكره الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- على بعض مشايخ زمنه ، لأنه كان المفتي في وقته يحفظ أربع كتب من مختصرات المذاهب الأربعة ، وإذا أتاه المستفتي قال له : تريد الفتوى على أي مذهب؟ قال : على مذهب الشافعي –مثلا- . فيقول له : في متن الإقناع يقول : كذا . أو في متن المنهاج يقول : كذا . أو في التنبيه كذا ، إلى آخره ، فأنكر عليه هذا الصنيع .

فالمفتي ليس له أن يأتي دائمًا بأيسر الأقوال التي اختلف فيها العلماء ، لأن اختلاف العلماء تارة يكون اختلافا قويا ، وتارة يكون اختلافا ضعيفا ، وهنا يجب على المفتي أن يفرق بين هذا وذاك ، يجب أن يفرق بين الأخذ بالأسهل ، وبين بالحزم ، وبين المسألة قبل وقوعها ، وبعد وقوعها ، فإذا وقعت المسألة وانتهت ، وكان وقوعها ناتجا عن جهل صاحبها ، أو عن أنه جرى له هذا الشيء ، وليس في المسألة وضوح من جهة الدليل الشرعي ، فإنه يُسهّل له بعد وقوعها ، لكن قبل وقوعها ، فإنه ليس له أن يقول إلا ما ظهر دليله ، وقاعدته الشرعية .

وهذه الصورة نص عليها العلماء من القرون الأولى ، لما ظهر الخلاف ، يعني ينبغي للمفتي أن يتحرى ، لأنه ربما كان الذي وقع في الشيء بنى على مذهبه ، أو بنى على شيء عنده ، أو يكون غير عالم بالحكم ، فإذا كان فيه مجال للتسهيل ، بغير أخذ بشيء ضعيف في المسألة ، فإنه أولى من التشديد ، أو من الأخذ بالحزم فيها ، أما قبل الوقوع ، فليس له أن يسهل ، لأن الناس إذا سهلت عليهم بلا حجة ، فقد يئول الأمر -والعياذ بالله- بهذه الأمة إلى مثل ما حصل لليهود ، حيث أحل الأحبار لهم الحرام ، فاستحله الناس ، وهذا لا ينبغي .

وعلماؤنا – رحم الله الأموات منهم ، وبارك في الأحياء – يتحرون في ذلك ، فتارة تكون الفتاوى فيها شدة ، وتارة يكون فيها تسهيل ، ليست دائمًا فيها شدة ، وليست دائمًا فيها تسهيل ، بل بحسب المقتضي .

السؤال الرابع : في مسألة التأصيل العلمي في علم الفقه ، كيف نستخرج المسائل؟ هل نستخرجها من كتب المطولات ، أم من المختصرات؟

الجواب : المسألة إذا مرت بك ، فهي بحسب استعدادات طالب العلم ، إذا كان طالب العلم يعرف المسألة ، ويعرف كلام أصحاب المختصرات فيها ، ويعرف المذهب ، فعليه أن يذهب إلى الكتب المطولة في المذهب ، ثم بعد ذلك إذا نظر في الكتب المطولة في المذهب والتعليل ، فعليه أن ينتقل إلى كتب الحديث المطولة ، مثل ( نيل الأوطار ) ، و( فتح الباري ) ، أو ( المحلى ) ، أو ما أشبه ذلك ، أما إذا كان لم يطلع على المسألة أصلًا ، فإن تصور المسألة من الكتب المختصرة أيسر ، وأدعى للفهم من تصورها في الكتب المطولة ، لأن الكتب المطولة تشرح المسألة فيها في كلمتين ، أو ثلاث ، وتبقى بقية الصفحات كلها في الاستطرادات والخلافات ، أما في الكتب المختصرة ، فتجد أنه يؤصل المسألة ، ويُصورها ، ثم بعد ذلك يحكم عليها ، ويترك التفصيل لغيره .

السؤال الخامس : أبلغ من العمر ما بعد الثلاثين عامًا ، ولم أطلب العلم في الصغر بسبب أصحابي ، يقولون لي : لا سبيل لك إلى هذا . فما قولكم في هذا الأمر؟

الجواب : كثير من العلماء طلبوا العلم في الكبر ، منهم من طلب العلم في الثلاثين ، ومنهم من طلب العلم في الأربعين ، فالسن ليس حاجزا ، فالله – جل وعلا – قال لنبيه في آخر سورة الشورى ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا ﴾ [ الشورى : 52 ] والنبي – عليه الصلاة والسلام – درى الكتاب ، ودرى الإيمان بعد الأربعين ، فهذا الطالب يجب ألا ييأس ، لأن العلم عبادة ، وليس المقصود أن تصبح شيخًا ، أو أن تصبح معلمًا ، بل تطلب العلم ابتداء لترفع الجهل عن نفسك ، ولكي تقي نفسك التعبد بجهل ، أو التعامل مع نفسك ، ومع من حولك بجهل ، فإذا طلبت العلم ، وتعاملت بحق وعلم ، فإن ذلك يكون عبادة تؤجر عليها .

السؤال السادس : متى يكون التقليد مذمومًا ، ومتى يكون محمودًا ؟

الجواب : الأصل في التقليد لطالب العلم أنه مذموم ، ويزداد الأمر مذمة إذا كان يقلد مع إمكانية أن ينظر في المسألة بدليلها ، والتقليد هو قبول قول العالم من غير حجة ، فإذا قبلته بدليله ، فلست مقلدًا ، لأنك تكون في هذه الحالة قد اتبعت الدليل ، لأنك سمعت القول بدليله .

إذا أمكنك أن تعرف الدليل ، ولم تحرص على معرفته ، فإن هذا يذم بقدره ، لأنك تكون قد قلدت .

وذكر ابن عبد البر أن العلماء أجمعوا على أن المقلد ليس بعالم .

والمقلد أيضا من يعرف أقوال المذهب ، بدون ما يعرف أدلته ، يعرف التوحيد ، والأحكام ، يقول : هذا شرك ، وهذا توحيد ، وهذا كذا ، لكنه لا يعرف الأدلة ، هو يعرف أن هذه بدعة ، لكنه لا يعرف دليل بدعيَّتها ، وهذا كله تقليد .

فالتقليد يُحمد إذا ضاق الوقت عليه ، يعني ضاق الوقت عليه وهو يحتاج إلى مسألة ، كأن يكون –مثلًا- في الصلاة ، واشتبهت عليه مسألة : هل يسجد للسهو ، أو لا يسجد؟ فسأل من يثق بعلمه ، فقال له : لا تسجد . فهذا محمود ، وإذا كانت المسألة لها علاقة بمصالح ومفاسد ، ولا يتسع الوقت للنظر فيها ، فقلدت غيرك في هذه المسألة ، من باب براءة الذمة ، فإن هذا محمود أيضا ، وهناك أيضًا أحوال أُخَر تنظر في محالّها .

  أسأل الله – جل وعلا – أن يوفقنا لما فيه رضاه .

 



( [1] ) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة ( 2 / 977 ، رقم 1925 ) ، والحاكم في مستدركه ( 1 / 189 ، رقم 363 ) ، والدارمي في سننه ( 1 / 151 ، رقم 570 ) ، والطبراني في معجمه الكبير ( 10 / 244 ، رقم 10592 ) .

([2])    تاريخ بغداد ( 10 / 326 ) ، وتاريخ دمشق ( 38 / 17 ) ، وتهذيب التهذيب ( 22 / 31 ) ، وتهذيب الكمال ( 19 / 92 ) ، والأنساب للسمعاني ( 3 / 24 ) ، وسير أعلام النبلاء ( 11 / 228 ) ، وطبقات الحنابلة ( 1 / 198 ) .

( [3] ) حلية الأولياء ( 4 / 55 ) ، والزهد لابن المبارك ( ص 19 ) ، والزهد لابن حنبل ( ص 372 ) ، واقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي – المكتب الإسلامي – بيروت ( ص 30 ) .

شاركها مع أصدقاءك