بواسطة :
الزيارات : 1٬774 مشاهدة
  • إسم الملف : دروس وعبر من سيرة إمام الدعوة
  • عدد الزيارات : 1٬774 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصَفِيّه وخليله ، نشهد أنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعد :

فأسأل الله – جل وعلا – أن يهبنا العلم النافع ، والعمل الصالح ، والتوفيق لما يحب ويرضى ، وأن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، وهذه الثلاثة – كما يقول إمام الدعوة – عنوان السعادة .

إمام الدعوة :

إننا عندما نقول : ” إمام الدعوة ” فالمقصود به الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – المولود سنة 1115 هـ ، والمتوفى سنة 1206 هـ ، والمقصود بالدعوة التي في اسمه ” إمام الدعوة ” : الدعوة الخاصة التي قامت في هذه البلاد في القرن الثاني عشر الهجري ، وإلا فإمام الدعوة – دعوة الإسلام – هو محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام .

فإذن إطلاق لفظ إمام الدعوة المقصود به المعنى الأخص في هذا البلد صاحب الدعوة السلفية النقية الصالحة المصلحة في أمصار الإسلام ، ولهذا تتابع علماؤنا على هذا اللقب على الإمام المصلح ؛ لأن هذه البلاد ليس فيها إلا دعوة واحدة في الماضي وفي الحاضر ، وكل دعوة في العقيدة والمنهج لا تتصل بسبب وثيق مع منهج إمام الدعوة في دعوته فهي غريبة عن هذه البلاد . ولهذا يقول القائل : ” إمام الدعوة ” وكأنه ليس عندنا إلا هذه الدعوة وحدها التي أثرت في الماضي والتي تؤثر في الحاضر ، والتي يرجى أن يبقى نفعها وأثرها في المستقبل .

ما يستفاد من سيرة الإمام :

أولا : العلم :

كان إمام الدعوة – رحمه الله – محمد بن عبد الوهَّاب رجلًا من الرجال الذين وهبهم الله – جل وعلا – العلم النافع ، وقد طلب العلم في بلده على والده وعلى غيره ، ثم رحل إلى مكة وأخذ علمًا عن عدد من علمائها ، ورحل إلى المدينة فأخذ علمًا كثيرًا عن عدد من علمائها ، ورحل إلى البصرة وأخذ العلم عن عدد من علمائها ، ثم رجع إلى الأحساء وأخذ العلم أيضًا ، حتى استقر به المطاف وقام بدعوته .

فإذن هو متأهل للدعوة لِمَا حصل عليه من العلم الواسع من أهله ورحلته فيه وتتبع العلم من مظانه ، وهذا القدر معروف في سيرته لا يحتاج إلى بسط ، لكنه قاعدة مهمة وعبرة عظيمة من العبر ، وهي أن الداعية لا يصلح للدعوة التي تؤثر حتى يكون علمه راسخًا ، فإذا ضعف العلم ضعفت الدعوة ، وربما نتج عن الدعوة أشياء لا تُحمَد ، لهذا يقول أهل العلم : إن العلم قبل الدعوة ؛ كما أمر الله – جل وعلا – في قوله : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [ محمد : 19 ] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل ، والعمل والقول هما الدعوة .

فالعلم إذن هو القاعدة التي بنى عليها الإمام المصلح دعوته ، وإذا نظرنا إلى هذا الأمر وجدنا أن هذه البلاد كان فيها نوع من العلوم واحد فقط ، وهو الفقه على المذهب بفهم المتأخرين ، وأما العلوم الأخرى فإنها لم تكن موجودة في هذه البلاد ، ونعني بها نجدًا وما حولها ، فلم يكن ثَمَّ من يتكلم في التفسير ومن يحسِنه ، ولم يكن ثم من يتكلم في العقيدة والتوحيد على طريقة السلف الصالح ويحسن ذلك ، ولم يكن ثم من يتكلم في سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام – بعلم ونظر ويحسن ذلك ، ولم يكن ثَمَّ مَن يعتني بعلم الحديث البتة في هذه الديار ، فلما أتى الإمام المصلح بدعوته بث هذه العلوم ؛ فبث علم التفسير والعناية به ، وبث علم الحديث والعناية به ، وبث علم الفقه كما كان وزاد عليه بمعرفة الخلاف ومعرفة الراجح في المسائل ، وبث فقه السيرة ، وهذه الأربعة له فيها مؤلفات .

فألف في التفسير ولكن بما ينفع ، لم يكرر صنيع من قبله ولكن ألف فوائد من كتب التفسير ، وألف في الحديث مجموعًا في الأحكام ، ومجموعًا في التوحيد والفقه والسنة ، فكتب ( كتاب التوحيد ) ، وكتاب ( أصول الإيمان ) ، وكتاب ( فضل الإسلام ) ، وكتب مجموعًا في أحاديث الأحكام ، طبع في أربعة مجلدات ، وهكذا ، بل إن أبناء الشيخ – رحمه الله تعالى – جميعهم كانوا يشار إليهم بالبنان في الحديث ورجاله وفقهه . وقد نشر في الناس علم السلف الصالح فيما يتصل بالسنة والتوحيد خاصة ، ودعا إلى ذلك وألف فيه .

إذن الدعوة – دعوة الإمام المصلح رحمه الله – لم تنتشر في الناس بمواعظ ، ولم تنشر في الناس بقوة مجردة ، لم تنتشر في الناس إلا بالعلم ، فالعلم كان هو الذي نفذ في الناس قبل أن تنفذ الجيوش وتنتشر وتمتد الدولة ، ولهذا ترى أن الإمام المصلح – رحمه الله – في كتبه يهتم بالعلم ويركز على العلم . . .

وقد ذكر البخاري –رحمه الله – في الصحيح أن العلم قبل القول والعمل ، فهذا العلم ما هو ؟ هل هو العلم التفصيلي الذي يدرس في الجامعات اليوم ، أو هو العلم النافع !

نقول : في الدعوة لا بد أن تنظر إلى واقع المجتمع الذي تعيش فيه ، وكل مجتمع له مستوى من العلم يعيشه ، وكلما زاد العلم زادت الدعوة ، فليس الطرح العلمي في دعوة الإمام المصلح واحدًا في جميع المجالات ، بل اختلف ذلك وتنوع بحسب المجتمع الذي فيه الدعوة ، فتجد أن خطاب الإمام المصلح تنوع ، فخطابه للعلماء بلهجة علمية عالية ، وخطابه للعامة بلهجة علمية نافعة ؛ لأن المقصود من العلم التعليم ، وليس المقصود من نشر العلم أن يُظهِر العالم أنه يعلم ، لا ، « حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ » ( [1] ) ، لا بد أن يواكب العالم مستوى المتلقي ، وإذا لم يواكب مستوى المتلقي كان فيه عِيّ علمي ؛ فكما أن في الخطابة عيًّا فكذلك أيضًا في العلم عي ، ويكون العي في العلم بأن تحدث الناس بما هو فوق مستواهم ، والكلام إذا مر فوق الرءوس – كما يقال – لا يصل إلى القلوب .

لهذا تجد إمام الدعوة يستعمل أحيانا ألفاظًا عامية ، وهذا نادر ، وقد تجد العبارة عنده ليست كما في كتب أهل العلم المتوسعين كالحافظ ابن حجر أو النووي ، وهذا لا شك له سبب ؛ لأن التصنيف له غرض ، واستخدام العلم للدعوة له غرض آخر .

ومما يستفاد ويؤخذ عبرة من دعوة الإمام المصلح أنه جعل العلم قاعدة الدعوة ، والذين حملوا الدعوة من بعده طلبة علم ، ليس ثم جاهل حمل الدعوة من بعده ، وإنما كانوا أهل علم ، يدعون إلى ما علموا ، وكان علمهم عن قناعة وعن دليل ، وقد رباهم الإمام الشيخ – رحمه الله – على قبول الحق والقناعة بما جاء في الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح مهما خالف المخالفون .

ذهب مرة أحد أتباع الدعوة إلى أحد البلاد المجاورة – إلى اليمن – فقال له بعض علمائها : إنكم تقولون ما تقولون تقليدًا للشيخ محمد بن عبد الوهّاب في التوحيد والشرك والسنة والبدعة . . . إلى آخره ، فأجابه قائلًا : لو خرج محمد بن عبد الوهاب من قبره وقال لنا : اتركوا الذي قلتُ لكم لَمَا تركناه !

فيتبين لك من هذا أنهم أخذوا هذا العلم عن دليل وبرهان ويقين ، وهذا هو الذي يبقي صف الدعوة قويًّا ، أما الدعوة التي تقوم على انفعالات وعلى عواطف فليست مهيئة لامتداد ، ولذلك ترى أن دعوة الإمام المصلح في نجد وفي الأمكنة التي انتشرت فيها تزداد يومًا بعد يوم من وقت الشيخ – رحمه الله – إلى وقتنا الحاضر ، حتى وُجدت كتب الإمام المصلح تُدرَّس وتعلم في أمكنة بعيدة ؛ كما في روسيا وجزر القمر .

فهذا المنهج العلمي – لا شك – يحتاجه الدعاة لتكون دعوتهم صالحة مثمِرة على قاعدة سوية كما كانت عليه دعوة الإمام المصلح رحمه الله تعالى .

وتلامذة الإمام جميعًا طلبة علم ، لهم رسائل وكتب سارت وشرّقت وغرّبت ، وهذا يجعل الناظر في هذه المسألة يتيقن أن الصف الثاني والثالث والرابع في دعوة الحق – الدعوة السلفية الصالحة – كانوا امتدادًا علميًّا ، فإذا كان الامتداد قناعات عقلية أو تبعية تقليدية فإنه لن تستمر الدعوة .

ولهذا يجب على كل من يعتني بأمور الدعوة أن يعتني بالعلم ؛ لأنه الأرضية للاستمرار ، فالعلم لا ينقطع ، أما العواطف فتنقطع وتأتي وتذهب ، لكن العلم يُرتكز فيه على أصول ثابتة لا تتغير مهما تغير الوقت . . العلم الذي كان عند سعيد بن جُبير وسعيد بن المسيَّب وإبراهيم النَّخَعِي وأصحاب ابن مسعود هو العلم الآن الذي نراه ، لم يُحجَب عنا شيء من ميراث المصطفى عليه الصلاة والسلام ؛ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[ الحجر : 9 ]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وإنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا ولا دِرْهَمًا ، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ » ( [2] ) .

***

ثانيًا : متابعة النبي – صلى الله عليه وسلم – في المنهج وترتيب الأولويات :

مما يستفاد من سيرة الإمام المصلح إمام الدعوة – رحمه الله تعالى – أنه رعى في دعوته متابعة النبي الكريم إمام المرسلين وقدوة المؤمنين محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، فسار في نهجه في الدعوة حذو سير محمد – عليه الصلاة والسلام – حذو القُذَّةِ بالقُذَّةِ ، حتى إنه لما تعاهد مع الإمام محمد بن سعود – رحمه الله تعالى – عبّر بالكلمة التي قالها عليه الصلاة والسلام ، فقال له الإمام محمد بن سعود : يا شيخ ، نخشى أنه إن فتح الله علينا أن تستبدل بنا غيرنا وأن تنتقل من الدرعية وترجع إلى بلدك . قال له الإمام : الدم الدم ، والهدْم الهدْم ، وهي الكلمة التي استعملها وقالها نبينا الكريم – عليه الصلاة والسلام – للأنصار ( [3] ) .

وكانت دعوة الإمام في مراحلها مقتدية بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ؛ حيث نشر التوحيد ، ثم بعد ذلك عرضت الهجرة ، ثم بدأ يجاهد من حوله ، فكانت دعوته امتدادا لما كانت عليه سيرة النبي – عليه الصلاة والسلام – تمامًا ، ودعوة النبي – عليه الصلاة والسلام – هي دعوة الإسلام ، هي دعوة الأنبياء والمرسلين جميعًا ، الدعوة إلى التوحيد ، وهذه الدعوة هي التي جعلها الإمام المصلح أول ما دعا إليه .

فإذن نرى في دعوة الإمام أنه – كما يقال في التعبير العصري – رتب الأولويات ، فقد جعل للدعوة أولويات .

ولم تكن الأولويات التي طرحها وبدأ بها دعوته محض رأي واجتهاد له وآراء مصلحية ، وإنما كان فيها على ما كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فالمصطفى – عليه الصلاة والسلام – بدأ بالدعوة إلى التوحيد ، لهذا صنف الإمام ( ثلاثة الأصول ) ، فمكث عشر سنين يدعو إلى التوحيد ، فالدعوة إلى التوحيد هي أولى الأولويات بلا شك ، ولا يقدَّم عليها شيء ، حتى إن الإمام المصلح عندما سئل عن مسائل من السنة ومن إنكار بعض البدع ، وذلك مثل الكلام عن مسألة التوسل بالذوات ونحو ذلك ، كأن يقول الإنسان : اللهم إني أسألك بجاه نبيك ، أسألك بمحمد ، أسألك بأبي بكر … . إلى آخره, فهذه بدعة ووسيلة إلى الشرك – فعندما سئل عنها قال : أنا لم أتكلم في هذه بشيء ، وإنما تكلمت فيما أجمع عليه العلماء ، وهو الدعوة إلى التوحيد والبراءة من الشرك وأهله ، تكلمت عن أن ينهى عن دعوة غير الله معه ، هذا الذي دعوت إليه .

وهذا الأمر يحتاجه الداعية ؛ لأن الشريعة كبيرة ولأن المصلحة يجب أن تكون تبعًا للشرع ، وليس الشرع تبعًا للمصالح ، ونحن أمامنا سُنة في الدعوة ، وهي أن الناس لا بد أن تقر في قلوبهم دعوة التوحيد ، وأن تكون قلوبهم ذليلة خاضعة للرب جل وعلا ، وألا يرغبوا إلا إليه ، متوكلين عليه محبين له ، فيكون الولاء والبراء فيه جل وعلا ، فهذه القاعدة هي أصل قيام القلوب ؛ فإن القلب لا يصلح إلا بتوحيد الله جل وعلا .

إذن فدعوة الإمام المصلح أتت على الشريعة بأنواعها ، فبدأ بالتوحيد ، فلما قبل المجتمع ذلك وصار موحدًا خاضعًا جاءت بعد ذلك أشياء كثيرة من الوسائل ومن العلم ومن الإلزام بأحكام كثيرة في المجتمع . . وهذا المنهج لا بد منه ؛ لأن الأمور تكثر ، والداعية لا يصلح أن يتشتت ، لا بد أن يركز حتى ينتج ، والتركيز لا يكون على هواه وعلى معطيات نظرية أو سياسية أو نحو ذلك ، إنما على ما يصلح الناس ؛ لأن دعوة الإسلام ليست لتحقيق مصالح دنيوية ، وإنما المصالح الدنيوية تبع . . فالدعوة أولا ، والدنيا تبع ، قد ترى الدنيا وقد لا تراها ، لكن المهم الدعوة ، وهذا هو الذي فعله الإمام المصلح رحمه الله .

إذن فأولى الأولويات التي اعتنى بها الإمام المصلح أن يدعو إلى التوحيد وأن يعلم الناس التوحيد ، لهذا كان الإمام المصلح في هذه البلاد كل يوم يمسك بواحد من جماعة المسجد ويعلمه الأصول الثلاثة ، حتى يحفظ المسائل ويرددها ؛ لأن التوحيد لا ينفع فيه التقليد ، فيعرف المسائل بأدلتها ، فهذا نشر للعلم النافع ، فهكذا أصبح كل إمام في مسجده يمارس الدعوة إلى توحيد الله – جل وعلا – وإصلاح القلوب .

ويُحكى عن الشيخ رحمه الله أنه مرة في أثناء الدرس قالوا له : يا شيخنا ، دائما ندرس العقيدة والتوحيد ، فإلى متى ؟ نريد أن ندرس الفقه . فهم يريدون أن يتوسعوا في العلوم ، وكان هذا في مرحلة من الدعوة ، فقال لهم الإمام : دعونا نتأمل . فلما أتى من الغد رأوا في وجهه التغير ، فقالوا له : ما الذي أزعجك ؟ فقال : أُخبرتُ بخبر أزعجني ، وهو أن في أحد البيوت في الدرعية وقع رجل على أمه . يعني – والعياذ بالله – زنى بأمه . قال الطلاب : نعوذ بالله ، كيف يكون هذا ؟ فقال : إنا ذاهبون لنتأكد من هذا الأمر ، ثم بعد ذلك نرى . فلما أتى المرسل طبعًا الشيخ فعل هذا للتعليم – وقد أسر إليه ، قال : الأمر ليس كذلك ، وجدنا الأم في بيت من البيوت ، وكان مسها شيء وقد قال أحد الناس : اذبحوا خروفًا عند الباب يسيل دمه فتكفون الشر . فقال الطلبة : بشرك الله بالخير يا شيخ .

فقامت القيامة عندهم وأخذتهم الغيرة لما كانت مسألة الوقوع على المحارم ، لكن لما أتت مسألة الشرك الأكبر بهذه الصورة ما تغيظت لها القلوب ، فمعنى ذلك أن التوحيد ما رسخ .

وهذا مثلما هو الآن ، فبعض الناس يرى امرأة متبرجة فيقوم قلبه ، لكن يرى بدعة أو شركًا أكبر في بلد من البلاد ولا يتغير قلبه ، أو يرى قبة على قبر وكأن شيئًا لم يحصل ، فلا يتحرك قلبه .

إذن القلوب لم تتعلم التوحيد بعد ، ولهذا قال الشيخ – رحمه الله – في رسالة كشف الشبهات : ” . . .ومعرفة أن قول الجاهل : ” التوحيد فهمناه ” أن هذا من أكبر الجهل ومكائد الشيطان ” .

إذن لا بد من وجود هذه الأولويات ، فبعض الناس يقول : المجتمع عندنا – والحمد لله – ما يحتاج إلى التوحيد ، نحتاج إلى بيان المنكرات ، نحتاج إلى بيان الفقه ، فنقول له : لا ، الواقع ليس كذلك ، فعندما تتحرك ترى أن الولاء و البراء في القلوب ليس كما ينبغي ، وأن معرفة التوحيد والحب فيه وحب أهل السنة في أي مكان ليس كما ينبغي ، وأن إكرام الرجل لما فيه من التوحيد ونصرة التوحيد ليس كما ينبغي ، وهكذا في أمور كثيرة .

إذن الإمام المصلح علم التوحيد ليحدث قاعدة يكون الترابط فيها على التوحيد ، والمجتمع لا يمكن أن يقوم إلا على التوحيد ، فلا يمكن أن يقوم المجتمع وأن تكون ثم رابطة في مثل هذه البلاد وفي غيرها من البلاد المتنازعة المتشتتة إلا بشيء يجمعها ، وهو حبل الله جل وعلا ؛ ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ [ آل عمران : 103 ]

وقد استفاد بعض الخبثاء من هذا الدرس ، فماركس الشيوعي في مراسلة بينه وبين إنجلز وقد تعرض لبعض المسائل حول مد البرولتاريا والمستقبل الشيوعي في التنظير – وهذا قبل أن يحدث أمر عملي – تكلم عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وقال : انظر إلى ذلك الثعلب الصحراوي كيف استطاع أن يلبس ثوب الزهد والعلم والدين ويوحد هذه الجزيرة على كلمة واحدة ويسعى في الانتشار خارجها . طبعًا هذا في تصوره .

لماذا نقول : العقيدة ، التوحيد ، العلم ، المنهج الواحد ؟ لأنه لا يمكن أن تقوم للبلاد قوة ولا للدعوة قوة ولا للأمر والنهي قوة إلا بعصبية واجتماع على شيء ، وهذا الشيء هو توحيد الله جل وعلا ، لا يصلح غيره مهما كان ؛ لأن غيره يقبل الخلاف ، والتوحيد لا يقبل الخلاف ، التوحيد يسري في النفوس لأنه الفطرة .

فلذلك التجمع على توحيد الله – جل وعلا – فيه القوة ، وفيه القدرة على الانتشار ، وهذا هو الذي رآه الإمام المصلح ، لم يره مصلحة دعوية خطط لها ، ولكن أتى نتيجة طبيعية لاتباعه لدعوة محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذن ترتيب الأولويات كان عند الإمام المصلح في دعوته واضحًا جليًّا ، فبدأ بالدعوة للتوحيد . . العلم . . بدأ في تنمية المجتمع . . تنوع الخطاب عنده لطبقات المجتمع . . إلى آخر ذلك .

ثالثًا : أنه صاحب دعوة وليس صاحب دولة :

إن الإمام المصلح –رحمه الله – لم يطلب أن يكون أميرًا أو صاحب دولة ، وإنما هو صاحب دعوة ، عرض دعوته على أمراء الوقت ، فعرضها على أمير العيينة فنصره فترة ثم خذله ، وأمره بالرحيل منها حتى لا يقتل ، إلى أن قيض الله – جل وعلا – لنصرة دعوته الإمام المصلح محمد بن سعود بن مقرن ، رحمه الله تعالى ورحم عقبه .

فالإمام محمد بن عبد الوهاب ما كان يطمع في أن يكون هو الأمير ، إنما كان صاحب دعوة ، وهذه مسألة مهمة في سيرة دعوة الإمام المصلح ، حتى دعوة الإمام لما وصلت إلى مكة ما طلب الإمام في حينها أن يتولى أحد من أتباعه أهل نجد ، وإنما دخلوا وقالوا : الدعوة كذا ، وناظروا علماء مكة ، ولما أقروا بذلك كتب الإمام لهم بأن يبقى أمير مكة كما هو ، وهو الشريف غالب .

فإذن دعوة الإمام المصلح لم يكن الهدف منها إمارة نفسه ، وإنما كان الهدف التوحيد ، كان الهدف نشر الدعوة ، فبحث له عن نصير وبحث عن السبل التي بها يكون الوالي نصيرًا للدعوة ونجح .

الإمام المصلح صار المرجع ومنه يصدر الأمر في أمور الشريعة ويستشار في الأمور إلى آخره ، وكان هو ومن بعده من أبنائه وتلامذته يعون هذا الأمر في أن طلبة العلم وأن أئمة الدعوة إنما هم للدعوة ، إنما هم للإصلاح ، يصلحون الناس ، يصلحون الرعية ، يصلحون المجتمع ، يصلحون الراعي وينصحونه ، ويكونون محتسبين في هذا الأمر ، ودعاة وطلبة علم ينشرون الخير ويجاهدون في ذلك ، وهذا – لا شك – درس مهم تحته تفصيلات وفروع .

رابعًا : ثلاث ركائز لهذه الدعوة :

إن الإمام المصلح لما أقام هذه الدعوة – التي نصرتها دولة السعودية – جعلها قائمة على ثلاثة أمور وعلى ثلاث ركائز لا محيد عنها :

الأمر الأول : الدعوة إلى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، وتحكيم الشرع في اختلاف المختلفين ، يعني تحقيق التوحيد والحكم بالشريعة .

الأمر الثاني : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إصلاح الناس . ولهذا أسست الهيئات ، زاد الله قوتها ونصر أهلها ووفق ولاة الأمور في أمرها لما يحب ويرضى !

الأمر الثالث : الارتباط بالولاية الشرعية القائمة ؛ ولاية الدولة السعودية الأولى ، والدولة السعودية الثانية ، والدولة السعودية الثالثة ، فكلها امتداد لدعوة واحدة .

فهذه العناصر الثلاث ارتكز عليها إمام الدعوة ومَن تبعه إلى يومنا هذا ، ثلاث مسائل يكون عليها مدار الدعوة ، ومنها المنفذ وإليها المرجع .

ولذلك كل متبع لدعوة الإمام المصلح نجد عنده هذه الثلاث ؛ تجد عنده التوحيد وتحكيم الشريعة ، وتجد عنده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وتجد عنده الارتباط بالولاية ، وانظر هذه الأمور في سيرة العلماء السابقين والحاضرين ومن نهج نهجهم .

وهذا الدرس ، وهذا الموقف ، وهذا الأمر هو الذي به تصلح البلاد ؛ لأن غير التوحيد لا يصلح ، ولأن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يوقع البلاء في الناس والاختلاف والفرقة والوبال ، ولأن ترك الارتباط بالولاية يفرق الناس ويحدث مفاسد الله بها عليم .

وكل هذه المسائل مسائل شرعية ، فالتوحيد هو أساس الدين ، ولا خير فيمن لا توحيد عنده ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند بعض أهل العلم هو الركن السادس من أركان الإسلام : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ آل عمران : 104 ] .

هذا أمر فرض واجب على الولاة ، وواجب على أهل العلم ، وواجب أيضًا على الناس بحسب الاستطاعة .

والمقصود بالارتباط بالولاية : ولاية الدولة ، والارتباط بالحكومة ، والارتباط بالمملكة ، سمها ما شئت من التسميات الحاضرة ، وهذه الثلاث بها اجتمعت القوة في الماضي وبقيت القوة إلى الآن في الدعوة ، وإذا تخلخل واحد من هذه الثلاث ستخلخل قوة الدعوة ، ولهذا كل محب للإسلام وللتوحيد ولهذه البلاد ، ولأئمة المسلمين في هذه البلاد ولعامتهم يسعى في تحقيق هذه الثلاث ما استطاع ، فهذا إذن نهج ، وهذا النهج مضى وبقي .

خامسًا : الحكمة ومراعاة مقتضى الحال :

إن الإمام المصلح كان – هو ومن سار على دعوته – يرعى الحكمة في أموره باختلاف الأزمنة ، قد يرى الناظر فرقًا بين حال الدعوة وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحالها وقت العلماء بعده ، يقول : العلماء بعده تركوا طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

نقول : الإمام المصلح نفسه – في دعوته – تنوعت مواقفه بحسب المراحل ، ففي كل مرحلة كان له خطاب وموقف ؛ مع الولاية ومع العامة ، وهذا مهم ، وهكذا فهم أئمة الدعوة ومن نهج نهجهم من العلماء إلى يومنا الحاضر أن الدعوة في أصولها لا تطبق في كل حين بمثل ما طبقت به في وقت الدولة السعودية الأولى ، قد لا يتاح هذا ، فهل نقول : إما يكون أو لا يكون ؟ ليس هذا من الحكمة ، بل العالِم هو الذي يرعى القاعدة الشرعية التي رعاها الشيخ – رحمه الله – في سيرته وفي حياته ورعاها تلامذته من بعده ، وهي أن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها .

خذ مثلًا : الإمام رحمه الله كان يعاقب على شرب الدخان أول ما ظهر – يعني من مائتين وخمسين سنة – فكان يعزر من يشربه حتى لا ينتشر في الناس ، فمرة طلب عددًا من قبيلة من القبائل حصل بينهم وبين قبيلة أخرى إحن وثارات ، وربما أدت إلى مقتلة ، فأتى مشايخ البدو إلى الدرعية وكلمهم الإمام محمد بن عبد الوهاب وألزمهم فالتزموا بأن يكفوا عن القتال وأن يصلحوا ذات بينهم ، وعندما كانوا يصلون سقط أنبوب دخان من أحد رؤساء البادية ، فرآه الناس ، فقالوا للإمام : إنه أخذ الأنبوب الذي يشرب فيه الدخان وأدخله في جيبه ، فيعزر . . فهذا هو الأصل ، كيف تترك تعزيره ؟ قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : ما رأينا شيئًا . فتركه ولم يقل له شيئًا ، بل حمله بالهدايا .

هذا الرجل في هذا الموقف لو كان في غير هذه الظروف لعُزِّر ، لكن لما كان في هذه الظروف قال الإمام المصلح : هذا ليس مناسبًا الآن لأجل حقن الدماء وحتى لا تحصل مقتلة ، فلم يرَ تعزيره على شرب الدخان لأن هذا ليس من صنيع الأئمة ولا من صنيع من يفهم المقاصد الشرعية في الأمور .

فإذن الدعوة لم تتنوع في مواقفها من علمائها السابقين من الدولة السعودية الأولى ، ولا الدولة السعودية الثانية ، ولا الدولة السعودية الثالثة ، فهي مدرسة واحدة ، لكن تراعى فيها المصالح ؛ لأن الإمام المصلح في حياته تنوع خطابه ، وليس تقليدًا له ولكن لأجل أن المصلحة الشرعية تقضي بذلك ، وكما قلنا فإن أئمة الدعوة بعده على وضوح وعلى أمر بين بما تقتضيه الأوامر الشرعية والأدلة المرعية .

***

سادسًا : تنوع أساليب الدعوة :

إن الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – استعمل في دعوته وسائل مختلفة ، ومنها :

الوسيلة الأولى : الكتاب :

 فاستعمل الكتاب وألف ، وكان تأليفه بحسب المصلحة ، وبحسب ما يصلح الناس ، لم يؤلف شرحًا للبخاري ، ولا شرحًا لمسلم ، ولا تفسيرًا كتفسير الطبري ونحو ذلك ، ولم يؤلف كتابًا عظيمًا في الرد على أهل الفرق من المعتزلة والخوارج إلى آخره ، ولكنه جعل كتبه مشتملة على العقيدة النافعة في دليلها ، وعلى المنهج الصحيح في السنة والبدع ، وهذا بحسب مستوى الناس .

الوسيلة الثانية : المراسلة :

والمراسلة وسيلة مهمة من وسائل الدعوة ، فتجد أن كثيرًا من رسائل الشيخ مراسلات بينه وبين أناس يريد أن يصلحهم ، والمراسلة فيها فائدة في الدعوة ، وهي أنك توصل ما عندك بهدوء ؛ فتأتي المؤثرات العاطفية في الرسالة وكذلك المؤثرات العلمية ، وتكون ميدانًا للتأمل والنظر .

وباب الرسائل اليوم أظنه قل من يفعله من أهل العلم أو من طلبة العلم أو من الدعاة ، رغم أنه وسيلة مهمة من وسائل الدعوة ، ففيه بيان الحق ؛ حتى إن الإمام في رسالة من رسائله أرسلها إلى أحد العلماء الذين خالفوا في بعض المسائل ، وهو عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الأحسائي ، قال له : كنت زرتك – أو كما قال – فرأيتك علقت على مسائل في كتاب الإيمان في أول البخاري بأن كلام البخاري فيها حق ، ففرحت بذلك ؛ لأنه يخالف ما عليه أهل بلدك – يعني في مسألة الإرجاء ، فالإيمان قول وعمل – وكنتُ أرجو أن تكون فاروقًا لدين الله في آخر هذه الأمة كما كان عمر بن الخطاب فاروقًا لدين الله في أول هذه الأمة ، وإني لأدعو لك في صلاتي . . . في رسالة طويلة فيها مناقشة علمية وفيها تأثير عاطفي ، وفيها أمر ونهي وترغيب وترهيب .

فالشيخ –رحمه الله – أخذ بوسيلة المراسلات بقوة ، فلا يقال : اليوم جاء الهاتف وجاء الشريط . . . لا ، الرسالة لها أثر ؛ لأنه يتلقاها المتلقي ويقرؤها في هدوء ، وأنت تكتبها أيضًا في هدوء ، فيمكن أن تملي فيها أشياء جيدة وأن تقنع فيها الناس بالحق .

الوسيلة الثالثة : الإرساليات :

كان الإمام يرسل العلماء للبادية وللقرى ليعظوا وليذكروا ، وما كان أهل العلم – في وقت الشيخ – ينتظرون أن يأتيهم الناس ، بل كان الناس يذهبون .

الوسيلة الرابعة : الولاية :

يعني أن من خالف أُلزم بالولاية ؛ حتى إنه في رسالة له في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عتب على بعض الناس أنه نشر ما عنده في بلده من المنكرات ، وقال له : كان الواجب عليك أن تكتب إلينا في ذلك ونحن نسعى فيه بما يجب ، وأما حديثك بين الناس بما ينكر فإن هذا لا يحقق مصلحة ، أو كما قال . فالاستفادة من الولايات على أنواعها مطلب من المطالب ، والشيخ – رحمه الله – أدرك هذا في دعوته ، فالقاضي في بلده له ولاية يستفاد منها ، والقاضي لا بد أن يشعر بهذه الولاية ويقرر الحق والتوحيد والسنة ، ويرد على الباطل ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ويدعو إلى ربط الناس بالولاية من خلال ولايته الصغرى ؛ لأن القاضي نائب الإمام فيما أنابه فيه .

وكذلك رجل الحسبة عنده سلطة وعنده نوع ولاية ، والعالم عنده نوع ولاية ، والمسئول عنده نوع من ولاية ، والولاية العظمى هي التي بها يقوى الحق وينفذ ، ولهذا كل من دعا إلى انفصال ما بين أهل العلم والولاية فهو مخطئ ، سواء كانت ولاية عظمى أم ولاية صغرى ، والولاية العظمى تعني الإيمان بالملك المسئول الأعظم ، والولاية الصغرى تكون نحو المسئول والقاضي ورئيس الهيئة والوزير . . . إلى آخره ، فلا شك كل من دعا إلى هذا الانفصال والتشكيك فهذا لا يخدم الدعوة ولا يخدم نصرة الحق ، بل يسعى إلى التفكيك ولا شك ؛ لأن الدعوة سارت من قرون وقويت البلاد لأنه بقي هذا التواصل الأعظم . فهذه الوسيلة من وسائل الدعوة المؤثرة .

إذن الإمام المصلح ما اقتصر على وسيلة ، وإنما طرق الوسائل جميعًا التي فيها إصلاح الناس ، لكن لا بد من أن تكون الوسيلة مشروعة ، وهذا يقيمه أهل العلم .

فهذه كلمات موجزة مختصرة ، ولا شك أن دروس الإمام المصلح متنوعة في دعوته ، وكلما نُظر إلى دعوته كلما استُخرجت فوائد ؛ لأنها دعوة ناجحة ، ولم يُر في العصر الحديث ، بل ما بعد الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوة نجحت كنجاح دعوة الإمام المصلح التي قامت عليها دولة وبقيت هذه الدولة قرونًا .

لهذا أوصي أن يكون فيما ذكرت عظة وعبرة ، فلا بد من الاهتمام بالعلم ، ولا بد من طرق وسائل الدعوة بحسب المتاح والمتيسر بما يقره أهل العلم ، ولابد من تعليم الناس ما ينفعهم ونشر الدعوة والتوحيد حتى تكون القلوب ذات عبادة ، ولا بد من قيام الأمر على الثلاثة أمور التي ذكرتها ، وهي التوحيد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والارتباط بالولاية ، فبهذا نجحت الدعوة في الماضي وبه يرجى الاستمرار .

وفي الختام نعود إلى ما به بدأنا ، وهو أن هذه البلاد قامت على دعوة ، ولا يصلح لها إلا هذه الدعوة ، فأي دعوة أخرى فإنها ستُفسد ؛ لأن في هذه البلاد دعوة ، وأي مجيء آخر معناه أن يفرق الناس عن الدعوة الأصلية ، وهذا – لا شك – يحدث انفصالًا في الناس وتعدد الولاء من جديد وتعدد العصبيات ، وفي هذا تفرقة للناس .

فالدعوة كونت – بمناصرة الأئمة من آل سعود – مجتمعًا قويًّا ، وبه انتشر خير كثير في البلاد وفي غيرها ، وهذه القوة كانت على أساس العصبية للتوحيد ، ليست عصبية وطنية وليست عصبية إقليمية ، إنما كانت عصبية على الدين ، عصبية على التوحيد ، فكلما سعينا في تقوية هذه العصبية للتوحيد كلما بقينا أقوياء ، وهذا – لا شك – درس عظيم من دروس هذه الدعوة ، فاستمرار هذه البلاد على أسس هذه الدعوة تلك المدة الطويلة كان بسبب مهم ، وهو بقاء العصبية الشرعية ، وهي العصبية للدين ، يعني الولاء للدين ، فنرى أن الدولة السعودية الأولى ذهبت لكن رجعت مرة أخرى ، وذهبت الدولة السعودية الثانية لكنها رجعت ثالثة ، لم ؟

لأن الأساس الذي بنيت عليه الدول السعودية الأولى والثانية والثالثة هو أساس واحد ، وهو العصبية للتوحيد والعصبية للدين ، فإذا زالت الدولة بظلم من الأعداء فإن الأساس باقٍ والتجمع عليه سهل وميسور .

إن العدو يدخل لهذه البلاد من مدخل عظيم ؛ وهو تفتيت العصبية التي قامت عليها هذه البلاد ، فإذا فتت العصبية ضعفت الدولة ، ولذلك كل محب للتوحيد ولدعوة الإمام المصلح يسعى إلى بقاء هذه العصبية ؛ لأن بقاء العصبية على التوحيد هو بقاء لهذه البلاد مجتمعة على القوة وعلى السنة وعلى التوحيد .

أسأل الله – جل وعلا – بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرفع درجة الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، ودرجة من آواه ونصره الإمام محمد بن سعود ، وأن يصلح في عقبهما ، وأن يجعل عقب الأسرتين هداة مهتدين ، وكل من نصر هذه الدعوة من الناس جميعًا ، اللهم أصلح الجميع وألهمهم رشدهم ، واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى ، وأسأله –سبحانه – أن يقينا الفتن ، وأن يجعلنا آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر رافعين لواء التوحيد ، لا تأخذنا في ذلك لومة لائم .

وأسأله –سبحانه – أن يقينا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يجعلنا متكاتفين متعاونين على البر والتقوى من ذوي النصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين ولعامتهم ، وأسأله –سبحانه – أن يبقى في قلوبنا الحق حقًّا وأن يرزقنا اتباعه ، وأن يرينا الباطل باطلًا ، وأن يمن علينا باجتنابه ، وأن يمن علينا بالحكمة في القول والعمل ، وأن نضع الأمور مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها ، إنه سبحانه جوَاد كريم .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

***

الأسئلة

سؤال : ما هي أهم أسماء الكتب التي ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – في السيرة والفقه والتوحيد والحديث ؟

جواب : لا بأس أن نذكر طرفًا من هذه الكتب :

أما في التوحيد فله عدة مصنفات ، منها المختصر ومنها المطول ، ومنها ما هو رسائل فيها تقرير العقيدة ؛ فكتب رحمه الله تعالى ( كتاب التوحيد ) ، وهو أول الكتب تأليفًا ؛ لأنه ابتدأ تأليفه في البصرة لما كان فيها ، ثم توسع فيه إلى أن صار على هذا الذي ترون ، ومنها رسالة ( ثلاثة الأصول ) ، ومنها رسالة ( كشف الشبهات ) ، ومنها ( فضل لإسلام ) ومنها ( أصول الإيمان ) ، وهذه بين موجزة ومطولة ، ومنها أيضًا ( القواعد الأربع ) ونحو ذلك .

وأما في التفسير فله ( تفسير سورة الفاتحة ) ، وله ( تفسير المعوِّذتين ) ، وله تعليق على تفسير الآيات على شكل مسائل ، طبع في نحو ثلاثة مجلدات ، وهي عبارة عن فوائد من تفسير الآية ، واختصر – رحمه الله – تفسير ابن كثير ، ويوجد الآن قطعة من اختصاره هذا .

وكان الإمام – رحمه الله – متميزًا في علم التفسير ، بارعًا فيه ، مستخرجًا منه فوائد عظيمة ، ولهذا تجد أن تلامذته من أبنائه وتلامذة الشيخ الأقربين لهم عناية كبيرة بالتفسير ، فحصرنا التفاسير التي اعتمد عليها الشيخ سليمان بن عبد الله في شرحه لكتاب التوحيد في أكثر من ثلاثين أو أربعين تفسيرًا .

بالنسبة للفقه فإنه صنف كتاب ( آداب المشي إلى الصلاة ) ويشتمل على أحكام الصلاة والزكاة والصيام ، وكتب في الفقه تحريرًا للمسائل التي فيها الخلاف كتابًا سماه ( مختصر الإنصاف والشرح الكبير ) ، والإنصاف كتاب فيه الخلاف في مذهب الحنابلة ، والشرح الكبير كتاب فيه الخلاف مع المذاهب الأربعة ومذاهب السلف عمومًا ، فكتب مختصرًا جمع فيه الخلاف في المذهب والخلاف فيما بين الأئمة ، وهو موجود ومطبوع ، وهو كتاب نافع جدًّا للفقيه ومختصر ، وسهل الوصول إلى الانتفاع منه .

أيضًا له في الحديث ( مجموع أحاديث الأحكام ) في أربعة مجلدات ، غلط من ظن أنه مختصر من كتاب المنتقى أو من كتاب المحرر لابن الهادي أو كتاب الإلمام لابن دَقِيقِ العِيد ، فطريقته فيه مختلفة عن هذه الكتب ، وقد استفاد منها .

وبالمناسبة هذا المجموع طبع في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وعلق عليه اثنان من المختصين في تدريس الحديث في الجامعة في ذلك الوقت من نحو عشرين سنة ، ولكنهما لم يكونا محترمين للإمام ، ولا يعرفان فضله وعلمه ، فاعترضا عليه في تخريج الأحاديث في مواضع كثيرة متعددة بعبارات فجة لا تليق ، والصواب فيها كلها – كما تتبعت – مع الإمام رحمه الله تعالى ، وطبعًا أهل العصر عندهم إعجاب بنظرهم ، ولا يقدرون للأئمة علمهم وفضلهم .

ومن الأمثلة على ما ذكرت مثلًا أن يقول الشيخ : ولأحمد في المسند كذا ، فيعلقان على هذا الموضع : ليس هذا الحديث في المسند . ولكن لما رجعتُ إلى المسند وجدته في مسند أحمد في مسند الصحابي نفسه !

ومثال ذلك أيضا أن المحققين قرأا : ” عن أنس عن ربيعة ” ، ثم قالا : ليس ثم أنس يروي عن ربيعة ، وذلك في حديث عمر في تقبيل الحجر الأسود : لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّلك ما قبلتك ( [4] ) . والنص في كتابة الشيخ رحمه الله : ” عن عابس بن ربيعة ” ، فقرأها المحققان : ” أنس عن ربيعة ” ، وعلقا بتوهيم الشيخ بهذه العبارة : ” لفقه من عدة أحاديث ” ! نسأل الله السلامة .

وهو بطوله وبالألفاظ التي أوردها الإمام في صحيح البخاري ، وذلك في غير مظانه ، فالبخاري – كما هو معلوم – يقطع الأحاديث ، والشيخ رحمه الله ساقه بطوله ناقلًا عن البخاري في كتاب من كتبه في الصحيح .

فالمقصود أن هذا الكتاب مهم لكنه لم يحظَ بإخراج كما ينبغي .

ومن تآليفه في الأحاديث : ( أحاديث الفتن والحوادث ) .

أما في السيرة فكتب فيها ( مختصر سيرة ابن هشام ) ، وضمن هذا المختصر فوائد دعوية تناسب الداعية ، يعني ما يستفاد من السيرة في الدعوة ، كأنه دروس وعبر من السيرة .

 فمصنفات الشيخ –رحمه الله – متعددة متنوعة .

***

سؤال : أرجو من فضيلتكم ذكر أفضل كتاب أُلف في سيرة إمام الدعوة رحمه الله ، وهل فكرتم في إخراج سيرته في كتاب شامل ؟

جواب : كُتب عن إمام الدعوة – رحمه الله تعالى – كتابات كثيرة متنوعة ما بين مختصر ومطول ، وأشاد بفضله الأعداء من النصارى وغيرهم في دراساتهم ، فجعلوا الإمام إمامًا بحق ، كما يقولون ، وأنه هو المصلح الذي يستحق اسم المصلح في زمنه ، فهناك دراسات مختلفة عن الإمام الشيخ – رحمه الله – ما بين تراجم فيها سيرته مجردة ، كما في كتاب ( تاريخ نجد ) لابن بشر ، و ( تاريخ نجد ) لابن غنام ، ونحو هذين الكتابين ، وهناك كتب تتعلق باستخلاص مواقف الشيخ للعبرة والنظر ، نحو رسالة الإمام عبد الرحمن بن حسن ، المجدد الثاني – رحمه الله – للدعوة في هذه البلاد المسماة ( المقامات ) ، وهي رسالة على وجازتها عظيمة بيّن فيها مقامات التوحيد مع الأعداء ، فهي كسيرة متنوعة الطرح ، متنوعة المعلومات عن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

فهناك كتب كثيرة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، لكن لم أر إلى الآن كتابًا نظر إلى سيرة الإمام تاريخيًّا ودعويًّا وجمع ما بين التاريخ والعبرة ، ولكن مجموع الكتب يخرج منها طالب العلم بنتيجة .

وثَم كتابان ترجم فيهما للشيخ محمد بن عبد الوهاب لعلماء خارج هذه البلاد ؛ الكتاب الأول : كتاب ( دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية وسيرة دعوته ) للشيخ محمد بن حامد الفقي ، وهو كتاب جيد في بابه فيه فوائد .

والكتاب الثاني لمسعود الندوي : ( الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام ومصلح مظلوم ومفترى عليه ) ، وهو كتاب نافع في بابه .

ثم لأديب العراق العالم الموحد محمد بهجة الأثري كتاب في سيرة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب طبعته جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية . وفي مجموع مؤلفات الشيخ التي طبعتها الجامعة جزء خاص بتراجم للإمام .

***

سؤال : هل جميع كتب الشيخ رحمه الله مطبوعة أم لا يزال هناك كتب لم تطبع ، وهل ستطبعها الجامعة مرة أخرى ؟

جواب : لا أعلم كتابًا كاملًا للشيخ لم يطبع ، ولكن هناك قطع مختلفة لم تطبع ؛ فهناك قطعة من مختصر فتح الباري موجودة لا تصلح أن تطبع ، وكذلك قطعة من مختصر تفسير ابن كثير لا تصلح أن تطبع أيضًا ، وأما كتبه الكاملة فقد طبعت ، وقد تولت الجامعة مشكورة جمعها وطباعتها في السابق ، ويرجى أن يكون فيها مزيد من النظر والتحقيق .

***

سؤال : قلت : إن الشيخ الإمام – رحمه الله – كان يرسل الدعاة في أنحاء البلاد لتبليغ الدعوة وتعليم الناس ، ونرى بعض مناطق المملكة في هذا الزمان قد كثر فيها الجهل لكثرة الملهيات ، ونتمنى أن يقوم الدعاة بالانتشار في أنحاء البلاد ونشر دعوة الله وتفقيه الناس في أمور دينهم ، كما نرجو من فضيلتكم بحكم ما حباكم الله – عز وجل – من منصب أن يكون لكم سبب في نشر دعوة الإمام جنوب البلاد وشمالها ؟

جواب : لا شك أن كل منطقة من مناطق هذه البلاد تحظى بالرعاية وبالعناية دينًا ودنيا ، لكن تتفاوت من حيث الرغبة في الذهاب إليها ، ومن حيث الصبر على ما فيها ، فكل منطقة – ولله الحمد – من مناطق المملكة تحظى بدروس ، وتحظى بدعوة ، وأناس يأتونها من خارج المنطقة من العلماء ومن طلبة العلم ليؤدوا الحق ويقوموا بواجب الدعوة ويبينوا حقيقة التوحيد والعلم النافع ، وهناك دورات أيضا تقام في مناطق مختلفة من مناطق المملكة لتعليم الناس يقوم بها عدد من طلبة العلم ومن الدعاة ، والجهود مبذولة ولله الحمد ، ونحتاج إلى المزيد ولا شك ، لكن لا بد في ذلك من تضحيات من طلبة العلم وحكمة وتأنٍّ وصبر ، ونسأل الله – جل وعلا – للجميع التوفيق .

***

سؤال : هل الدعوة هذه الأيام تبدأ بالتوحيد كما فعل إمام الدعوة ، أم نقول : إن التوحيد مستقر في قلوب الناس ، وإن لم يكن كذلك فكيف ننشر التوحيد في هذه الأيام التي شغل الناس بالدنيا بعد انفتاحها علينا . جزاكم الله خيرًا ؟

جواب : لا شك أن ما حصل من الانشغال بالدنيا يضعف التوحيد ؛ لأن التوحيد ليس قضايا عقلية ، فالتوحيد علم وعمل ، تذلل لله جل وعلا ، وكلما قوي دخول الدنيا إلى القلوب والانشغال بالشهوات المباحة – فضلًا عن المحرمة – كلما ضعف الاهتمام بالتوحيد ، خذ مثلًا الذين يعتنون بكتب أئمة الدعوة كم نسبتهم ؟ كل واحد يقول : كتاب التوحيد نعرفه ، ولكن عندما تسأل عن أشياء فيه تجد أنه لا يعرفه ، وربما كان منتسبًا إلى العلم أو طلب العلم ، وهذا – ولا شك – فيه قصور ، فهناك مسائل كثيرة تعرض لها أئمة الدعوة في كتبهم – في الدرر السنية والمسائل والرسائل – لم يطلع عليها بعض الناس ولم يقرأها ، وهذه الكتب لها صلة بالدعوة ؛ لأن الصلة بالدعوة صلة بالتوحيد ، وإنما يكون هذا عن طرق من أهمها أن يعتني طلاب العلم بكتب أئمة الدعوة ، هذه واحدة .

الأمر الثاني أن يتصل الناس بالعلماء الذين يبينون لهم معاني كلام أئمة الدعوة ؛ لأن القراءة وحدها لا تكفي .

فإذن ثم مسائل كثيرة لا بد أن تنشر بين الناس ، خذ مثلًا مسائل السحر ، الآن النساء يدخل عليهن من يدخل ويسهل عليهن الذهاب للمشعوذين ، وكثير من النساء يتعاطين الشعوذة إما ظاهرًا وإما باطنًا ، فالسحر فيه انتشار ورده إنما يكون بالتوحيد ، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : كلما ضعف التمسك بآثار الأنبياء – يعني بالتوحيد ، والمقصود آثار الأنبياء الإيمانية – في أرض كلما قوي السحرة فيها ؛ لأن السحرة يتعاونون مع الشياطين في الأمراض وفي الإضلال ، والساحر حده كحد المرتد لأنه فعلًا مرتد لأنه كافر ؛ فإنه لا يمكن أن يسحر إلا بشرك ، فتبصير الناس في هذا الأمر تبصير بأصل الدين ، وتساهل الناس في أمر السحرة والمشعوذين هو تساهل بمظهر من مظاهر الشرك .

خذ مثلًا البروج ، حيث يقرأ أحدهم : يأتيك مال ، وتأتيك سعادة ، وستسافر . . . فهذا كهانة ، ومن قرأ ذلك فقد أتى كاهنًا ؛ لأن الكاهن إذا أتيته فإنما تأتيه تسأل وتسمع ، أو تصدق ، فمن قرأ هذه الأبراج فهو في حكم من أتى كاهنًا ؛ فإن صدق ففي حكم من صدق كاهنًا ، ومن صدق كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد ، فهذا كفر أصغر أو كهانة تدخل للبيوت ، فأين أهل التوحيد من إنكارها ؟

وتأتيك مسائل كثيرة في الألفاظ يستعملها الأطفال ، فعندنا مسائل الألفاظ الشركية – الشرك الأصغر – كثير من الناس يعزو الفضل للبشر ، يقول : لولا الطيار لكان حصل كذا ، لولا فلان لكان حصل كذا . . . وهذا لا شك من أنواع الشركيات التي ردتها دعوة التوحيد .

وأنا بنفسي رأيت في مكان في الرياض مرة خروفًا يذبح عند الباب ، وصاحب الدار الذي يذبح بعض جهلة المسلمين من بعض البلاد .

وهناك بعض المقاولين إذا وصل عند العُمُد وصُبت الصبة الأولى – أو ما يقولونه – يذبح ذبيحة ، وعند صبة السقف يذبح ! فهذا كله ذبح لدفع شر الجن .

إذن فثم مسائل كثيرة من التوحيد يجهلها أهل هذه البلاد ، خذ أعظم من ذلك مسائل الولاء والبراء ؛ فهناك مَن يحب أهل الشرك ولا يجد في قلبه تغيظًا ونفرة من المشرك ، فيرى الشرك ولا يتغير قلبه ، فهذا كيف يكون موحدًا صادق التوحيد ؟ ! وكيف يكون قد علم وعرف التوحيد ؟ !

إن الشرك مسبة لله جل وعلا ، فالإنسان لو سُب أبوه أو سب هو لقام وقعد ، فكيف لا يتغير قلبه لمسبة الله جل وعلا ، وعبادة غير الله جل وعلا ؟ !

أيضا بعض الناس يجلس ليتابع بعض القنوات ويجد معارضة للتوحيد من فعل سحرة أو كهنة أو أو ذكر أحوال أولياء أو أحوال صوفية أو نحو ذلك ، وهو يطلع وكأن الشيء عادي ، وبعض الناس يتساهل في حضور الموالد ، فهناك أشياء كثيرة دخلت علينا نحتاج معها إلى توعية ، فالتوحيد إذا لم يتواصل في الجهر به وفي بيانه ينسى .

وتذكر حديث ابن عباس الذي في البخاري أن سبب عبادة الآلهة – وَدّ وسُوَاع ويَغُوث ويَعُوق ونَسْر – في عهد نوح – عليه السلام – أن الناس اتخذت الصور فعظمتها ، فلما تنسخ العلم عُبدت ( [5] ) .

فتجد أن الكبار الآن عندهم تمييز ، لكن الصغار هل وُرث فيهم التوحيد ؟ إن من أتى الله موحدًا غير مشرك غفر له ذنبه « يَا ابنَ آدَمَ ، لوْ لَقِيتَنِي بقُرابِ الأرضِ خَطَايا ثم لقِيتَني لا تُشْرِكُ بي شيئًا لَقِيتُكَ بقُرابِها مَغْفِرَةً » ( [6] ) .

فأعظم وسيلة لمغفرة الذنوب وأعظم حسنة التوحيد ، وهذا أمر يطول ذكره ، فواجب على الخطباء والدعاة أن يتتبعوا هذه المظاهر الشركية فيبلغوها للناس ويحذروهم منها ، وواجب عليهم أن يعرضوا مسائل التوحيد .

والتوحيد يدعى إليه إجمالًا ويدعى إليه تفصيلًا ، فيبين الدعاة كل مسألة من مسائل التوحيد ؛ توحيد القلوب ، التذلل لله ، المحبة ، الرجاء ، الإخبات ، الإنابة ، التوكل ، الخوف من الله جل وعلا ، فالآن كثير من الناس ليس في قلبه خوف من الله ، والخوف باب من أبواب التوحيد ، وعبادة من عبادات التوحيد العظيمة ، الملائكة الموحدون ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ [ النحل : 50 ] ، قال تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ﴾ [ سبأ : 23 ] ، فالخوف من الله – جل وعلا – عبادة عظيمة .

إذن فلا بد أن يربى الناس على مسائل التوحيد ، فمن لم يعش مع التوحيد فإنه لا يحسن الدعوة إليه إجمالًا ولا تفصيلًا ، فلا بد أن نعيش معه حتى ندعو إليه .

وأسأل الله سبحانه للجميع التوفيق والرشد والسداد .

 

 ( [1] ) أخرجه البخاري موقوفًا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه ( 1 / 37 ، رقم 127 ) .

 ( [2] ) أخرجه أبو داود ( 2 / 341 ، رقم 3641 ) والترمذي ( 5 / 48 ، رقم 2682 ) وابن ماجه ( 1 / 81 ، رقم 223 ) والإمام أحمد ( 5 / 196 ، رقم 21715 ) .

 ( [3] ) مسند أحمد ( 3 / 461 ، رقم 15798 ) .

 ( [4] ) أخرجه البخاري ( 2 / 149 ، رقم 1597 ) ، ومسلم ( 2 / 925 ، رقم 1270 ) .

 ( [5] ) صحيح البخاري ( 6 / 160 ، رقم 4920 ) .

 ( [6] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2068 ، رقم 2687 ) .

شاركها مع أصدقاءك