بواسطة :
الزيارات : 17٬912 مشاهدة
  • إسم الملف : ثمرات العلم
  • عدد الزيارات : 17٬912 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

تقديم :

الحمد لله رب العالمين ، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله ، فهو المتوحد باستحقاق جميع أنواع المحامد ، فالحمد له كثيرًا ، كما أنعم كثيرًا ، وأسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يحمده ويشكره كما يحب ويرضى ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا أما بعد :

فأسال الله – جل جلاله – أن يجعلنا ممن إذا أُعْطِي شَكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر ، كما أسأل المولى – جل جلاله – أن يجعلنا ومن نحب من عباده وأوليائه الذين لا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يَحْزَنون ، وأسأله أن يبارك لنا في أعمالنا وأعمارنا ، وأن يجعل قليل علمنا حجة لنا لا حجة علينا .

ثم إن العلم والحرص عليه من علامات محبة الله – جل وعلا – للعبد ، وقد صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « مَنْ يُرِد الله به خيرا يفقهه فى الدين » ([1]) .

فدل الحديث بمنطوقه على أن من تَفَقَّه في الدين ، وكان فقهه نافعًا له كان ذلك من علامات إرادة الله – جل وعلا – به الخير ، ودل بمفهوم المخالفة على أن من ترك العلم واتجه إلى غيره ، فإنه ممن لم يُرِد الله به خيرًا ، لأن العلم يرفع العبد كما قال – جل وعلا – } يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ { ([2]) .

فأهل الإيمان مرفوعون عن غيرهم ، وأهل العلم من أهل الإيمان ، أعلى من عموم أهل الإيمان بدرجات } وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا { ([3]) فلله الحمد على أن وَفَّق من وفق من المسلمين إلى الإقبال على العلم والحرص عليه ، ونسأل المولى – جل جلاله – أن يثبتنا على هذا السبيل ، وأن يجعلنا ممن يَرِدُ حَوْض النبي – صلى الله عليه وسلم – غَيْرَ مُغَيِّرين ولا مُبَدِّلين ولا مُحْدِثِين ، إنه سبحانه جواد كريم .

ثمرات العلم :

الثبات والرفع في الدرجات :

لا شك أن العلم له ثمرات ، دَلَّ على ذلك قول الله – جل وعلا – } يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ { ([4]) ، فمن ثمراته المنصوص عليها في القرآن الكريم أن أهل العلم مرفوعون في الدرجات ، ومن ثمراته المذكورة في القرآن أيضا ما جاء في سورة النساء في قوله – جل وعلا – } وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا { ([5]) فدلت الآية على أن الذي يعلم ويعمل بما عمل ، كان هذا خيرا له في دنياه وآخرته ، وأن هذا العلم – إنْ أورثه الطاعة – فإنه مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقًا .

وفي القرآن لم يأمر الله – جل وعلا – نبيه أن يسأل المزيد من شيء إلا من العلم ، فقال – سبحانه وتعالى – في سورة طه } وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا { ([6]) .

وهذا مما يدلك على جلالة قدر العلم ، لأن الله – جل وعلا – خَصَّ به أنبياءه ، وخص به أولياءه ، فإن العبد كلما كان أكثر علمًا ، وأورثه ذلك العلم ثمراته من العمل وغيره ، فإنه سيكون أقرب إلى ربه – جل وعلا – ، وقد قال الله – سبحانه – } إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ { ([7]) يعني أن أحَقَّ الناس خشية لله – جل وعلا – الذين يعلمون الرب – جل وعلا – بذاته وأسمائه وصفاته ، وما جاء في شريعة أنبيائه – عليهم الصلاة والسلام – .

لا شك إذًا أن للعلم ثمرات ، يصعب حصرها ، ولا بد لكل واحد أن يسعى إلى العلم أولا ، ثم يتفطن لنفسه إن سعى إلى العلم ، هل حَصَّل ثمرات العلم ، أو هل ناله من ثمرات العلم ما ناله العلماء من ذلك أم لم ينل من ذلك شيئًا ، إلى آخره .

أقسام العلم :

والعلم الذي يعتني به الناس قسمان ، كما هو ظاهر في حياة الناس :

1-            علم يراد للدنيا .

2-            علم يراد للدين .

والدنيا يعطيها الله – جل وعلا – مَن يحب ومن لا يحب ، ولكن الدين لا يعطيه الله – جل وعلا – إلا مَن يحب ، وهذا كما جاء مأثورًا ، فإنه من معنى قوله – عليه الصلاة والسلام – : « مَنْ يُرِد الله به خيرا يفقهه فى الدين » ([8]) . وقوله : « خَيْرُكم مَنْ تَعَلَّم القرآن وعَلَّمَه » ([9]) .

والعلم لما كان منقسمًا إلى هذين القسمين ، فإن العلماء نظروا في المفاضلة بينهما ، كما قال الشافعي – رحمه الله – : لما أردت طلب العلم نظرت فإذا العلم علمان : علم لصلاح الأبدان ، وعلم لصلاح الأديان ، فنظرت فإذا العلم الذي لصلاح الأبدان لا يعدو الدنيا ، وإذا العلم الذي هو لصلاح الأديان للدنيا والآخرة ، فأقبلت على الفقه وتركت الطب .

وكان الشافعي – رحمه الله – ممن نال طَرَفًا من علوم مختلفة ، من الطب والأدب والفراسة إلى آخره ، لهذا إذا قلنا ثمرات العلم ، فإنما نعني بها العلم الذي هو أعظم فائدة ، وأجزل عائدة ، وهو الذي يراد للدنيا والآخرة ، الذي يُصْلِح الله – جل وعلا – به الدنيا ، ويصلح به الآخرة .

وقسم العلماء العلم تقسيما آخر ، باعتبار النفع والضر ، فقالوا هناك :

1-            علم نافع .

2-            وعلم غير نافع .

فأما العلم النافع فهو العلم بالله – جل وعلا – يعني علم الدين ، العلم الذي يراد للآخرة ، الذي يُصْلح الله – جل وعلا – به دُنيا العبد ، ويصلح الله به آخرته ، وهذا العلم هو في الحقيقة العلم النافع ، لأنه ينفع العبد في حياته كلها ، وحياة العبد منقسمة إلى حياة أولى ، وإلى حياة أخرى .

فحقيقة العلم النافع نفعا مطلقا كاملا هو علم الشريعة ، علم الدين ، العلم بالله – جل وعلا – وبرسوله – صلى الله عليه وسلم – وبما أنزل من حدود .

لهذا لما سئل بعض السلف هل علم الأنساب من العلم النافع . قال : هو علم جهالته لا تضر . يعني لا تضر العبد في دينه ، ولا تضره في دنياه وآخرته معًا ، فوجه إلى ضرورة اعتناء طالب العلم بالعلم الذي ينفعه في دنياه وفي آخرته .

وهذا العلم النافع هو العلم الموروث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وقد صح عن النبي – عليه الصلاة والسلام – من حديث أبي موسى – رضي الله عنه – كما في الصحيح أنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « مَثَل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كَمَثَل الغَيْث ([10]) الكثير أصاب أرضا ، فكان منها نَقِيَّة قَبِلَت الماء فأنبتت الكَلأ ([11]) والعُشْب الكثير ، وكانت منها أَجَادِبُ ([12]) أَمْسَكَت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها وسَقُوا وَرَعَوْا ، وأصاب طائفة منها أخرى ، إنما هي قِيعَانٌ ([13]) ، لا تُمسِك ماء ولا تُنْبِت كَلأ ، فذلك مَثَل مَن فَقُه فى دين الله ، ونفعه ما بعثني الله به ، فَعَلِم وَعَلَّم ، ومَثَل مَن لم يرفع بذلك رَأْسًا ، ولم يَقبل هُدى الله الذى أرسلت به » ([14]) .

وهذا الحديث يدل على أن العلم الذي خص الله – جل وعلا – به أنبياءه ، وخص به أعلى الأنبياء مقامًا – أعني محمدًا – عليه الصلاة والسلام – هو العلم الذي وَرَّثَه النبي – عليه الصلاة والسلام – ، لهذا صح عنه – عليه الصلاة والسلام – أنه قال : « مَن سَلَك طريقًا يَطلب فيه عِلمًا سَلَك الله به طريقًا مِن طُرق الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رِضًا بما يَصْنع ، وإن العالم لَيَسْتغفر له مَن في السموات ومَن في الأرض ، والحيتان في جوف الماء ، وإن فَضْل العالِم على العابِد كَفَضْل القَمَر ليلة البَدْر على سائر الكواكب ، وإن العُلماء وَرَثة الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرْهمًا ، إنما وَرَثُّوا العِلْم ، فَمَن أَخَذَه أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر » ([15]) .

فالعلم النافع هو العلم الذي له ثمرات ، هو علم الدين ، وهو الذي تكلم عنه شمس الدين ابن القيم – رحمه الله تعالى – ، وهو تلميذ شيخ الإسلام ابن تيميه وناقل علمه ، وحافظ سيرته ، حيث قال في نُونِيَّته المشهورة لما تكلم عن الجهل :

والجهل داءٌ قاتل وشِفاؤه

 

أمران في التَّركِيب مُتَّفِقَان

 

 

 

نَصٌّ من القرآن أو من سُنَّةٍ

 

وطبيب ذاك العالم الرَّبَّانِي

والعِلْم أقْسَامٌ ثَلاث ما لها

 

مِن رَابِعٍ والحقُّ ذُو تِبْيَان

عِلْم بأوصاف الإله وفِعْلِه

 

وكذلك الأسماء للرحمن

والأمر والنَّهْي الذي هو دِينُه

 

وَجَزاؤه يوم المعاد الثاني

والكُلُّ في القرآن والسُّنَن التي

 

جاءت عن المبعوث بالفُرْقان

والله ما قال امْرُؤ مُتَحَذْلِق

 

بِسِوَاهما إلا مِنَ الهَذَيَان

.. إلى آخر كلامه .

فجعل العلم النافع ذلك العلم الذي يُضَادّ الجهل ، ويثمر الثمرات النافعة العظيمة في الدنيا والآخرة ، وقسمه إلى ثلاثة أقسام :

الأول : علم بأوصاف الإله ونعته أو فعله ، يعني بهذا علم التوحيد ، ولا شك أن العلم بالتوحيد – الذي هو حق الله على العبيد – هو أعظم أنواع العلم وأفضلها على الإطلاق ، ذلك أن العلم يتنوع بتنوع المعلوم ، وعلم التوحيد يبحث في أسماء الله – جل وعلا – وفي صفاته وما يستحقه – جل وعلا – .

وكذلك يبحث في حق الله – جل وعلا – على العبيد ، وما يتصل بذلك .

فلما كان المعلوم بعلم التوحيد هو ما يتصل بالرب – جل جلاله – وما يضاف إليه من نُعُوت الجلال ، وأسماء الجمال والجلال ، كان أفضل العلوم وأشرفها .

قال العلماء : لأن فضل العلم يكون بفضل المعلوم ، وشرف العلم يكون بشرف المعلوم ، ولهذا كان التوحيد أفضل العلوم وأشرفها . التوحيد هو أفضل العلوم النافعة ، لأنه يصلح اعتقاد العبد ، ويصلح باطنه ، والنبي – عليه الصلاة والسلام – قال في بيان تفضيله وعِظَمِ قَدْرِه : « إنَّ أتْقَاكم وأعْلَمَكم بالله أنا » ([16]) .

فكلما زاد العبد علما بالله – جل جلاله – وبما يستحقه ، وبما يضاف إليه – جل وعلا – كان – لا شك – أعلم ، وهذا العلم بالله – جل جلاله – والعلم بالتوحيد يُورِث صلاح الباطن ، يورث صلاح القلب ، يورث صلاح العبد فيما بينه وبين الله – جل جلاله – .

ولهذا قال العلماء إن عمل القلب مُتَنَوِّع ، وعمل القلب هو اعتقاده في الله – جل وعلا – يعني العلم بالتوحيد وما يتصل بالاعتقاد .

والإيمان قول وعمل ، ولا بد من قول القلب واعتقاده ، وعمل القلب متنوع ، ولا بد من قول اللسان وعمل الجوارح في الإيمان ، لهذا يَعْظُم قدر العبد عند الله – جل وعلا – إذا كان له الحظ الأكبر من هذا العلم النافع الذي هو توحيد الله – جل وعلا – . لهذا ينبغي لك أن تلحظ هذا المعنى في قوله – عليه الصلاة والسلام – : « إنما الأعمال بالنِّيَّات ، وإنما لكل امرئ ما نوى » ([17]) . وقوله – عليه الصلاة والسلام – : « ألا وإن فى الجَسَد مُضْغَة ([18]) إذا صَلَحَت صَلَح الجَسَد كُله ، وإذا فَسَدت فَسَد الجسد كله ، ألا وهي القَلْب » ([19]) .

والنية محلها القلب ، فرجع الأمر إلى أن أعظم أنواع العلم النافع هو علم التوحيد الذي به صلاح القلب الذي إذا صَلَح صَلَح الجسد كله .

فإذًا هذا العلم هو أعظم ما تتوجه له في طلبك للعلم ، لأن هذا العلم يأتي بعده العمل ، يأتي بعده صلاح القلب ، وصلاح النية ، فإذا صح قلب العبد ، وصحت نيته وصح علمه بربه – جل جلاله – ومعرفته بالله – جل وعلا – فإنه لا بد أن يخشع ، ولا بد أن يُنِيب إلى ربه ، وإن حصل منه غفلة ، فلا بد أنه سيرجع سريعًا ، فلا يكون مُعْرضًا عن الله – جل وعلا – .

العلم الثاني من العلوم النافعة هو علم الأمر والنهي ، وهو علم الحلال والحرام ، علم ما يصح من عبادتك ، وما لا يصح ، يعنى علم الظاهر ، وهذا الذي يسمى علم الفقه ، وسمي علم الفقه لقوله الله – جل وعلا – } فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ { ([20]) .

الفقه هو الفهم ، والفقيه هو العالم الذي يفهم معنى كلام الله – جل وعلا – وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – وهذا كما في قوله تعالى } وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ { ([21]) يعني أن يفهموه .

وهذا الفقه هو ما يتعلق بالطهارة والصلاة والزكاة ، ونحو هذا ، من شروط وأركان وواجبات وسنن ، وغير ذلك مما هو موضح في كتب الفقه .

بعض العلماء قد قسم الفقه إلى قسمين : فقه أكبر ، وفقه أصغر ، وجعل الفقه الأكبر هو الفقه في الله – جل وعلا – يعني الفهم في الله جل وعلا – وبأسمائه وصفاته وأفعاله سبحانه وتعالى ، وهذه أمور العقيدة . والفقه الأصغر هو معرفة الحلال والحرام ، وأدلة هذين من الكتاب والسنة وملازمة طريقة الصحابة – رضي الله عنهم – هذا هو الفقه ، وكل هذا داخل تحت قوله – عليه الصلاة والسلام – « مَنْ يُرِد الله به خيرا يفقهه فى الدين » ([22]) . يعني الفقه الأكبر والأصغر ، يعني علم التوحيد ، وعلم الحلال والحرام .

قال ابن القيم في هذه الأبيات :

والأمر والنَّهْي الذي هو دِينُه

الأمر والنهي يعني العلم بالحلال والحرام ، يعني بالفقه ، وهذا الذي علم هذا لا شك أن عبادته ومعاملته كلها ستكون على وفق الشريعة ، فمن علم أحكام الشريعة تصرف في جميع أحواله على وفق تلك الأحكام ، فيكون مأجورا في كل حاله ، لأنه يفعل ما يفعل متذكرًا حكم الشريعة ، فيتصرف على وفق ذلك .

هذا بخلاف الجاهل ، فإنه لا يعلم إلا قليلا ، فسيرتكب كثيرًا من المحظورات ، وهو لا يعلم أنه مخالف لشرع الله – تعالى – ، ربما يعصي وهو لا يعلم ، لهذا صار أعظم الناس علمًا بالحلال والحرام وبالفقه هم أكثر الناس استغفارًا لله – جل وعلا – ، بل إن أعظم الناس علمًا ، وهو المصطفى – صلى الله عليه وسلم – كان يستغفر الله ويتوب إليه في المجلس الواحد مائة مرة ، كما صح عنه – عليه الصلاة والسلام – ([23]) . العالم يعاشر أهله وأولاده ، ويكلم زوجته ، يكلم أباه وأمه في حدود شرع الله ، أما غير العالم ، أو غير طالب العلم ، فإنه لا يعرف الأحكام الشرعية المتعلقة بكل هذا ، فسيتعامل بمقتضى الطبع ، أو بما يمليه عليه هواه ، أو بمقتضى ما ألفه في بلده ، أو نحو ذلك ، وهذا لا شك أنه قد يكون ضلالا وخروجًا عما جاء في شرع الله – جل وعلا – .

لهذا كانت معرفة الأوامر والنواهي أعظم العلوم النافعة بعد التوحيد ، فمن كان عالمًا بالتوحيد ، عالمًا بالفقه ، فإنه قد حَظِي بِحَظٍّ وافر .

العلم الثالث : علم الجزاء يوم القيامة :

قال ابن القيم فيه :

وجزاؤه يوم المعاد الثاني

علم الجزاء يوم القيامة يعني ما يحصل في القيامة ، وما يكون فيها ، وكيف يجازي الله العباد ، وكيف تكون الحسنات ، وكيف تكون السيئات ، وكيف يحاسب الإنسان في قبره ، وعلى أي شيء يحاسب ، والعقوبات ، ومكفرات الذنوب ، والمصائب ، إلى آخر ذلك . وهذا لا شك أنه من العلم العزيز الذي هو نور في صدور أهله ، ولهذا تجد في القرآن كثيرا من الآيات التي تتحدث عن يوم القيامة ، ولو نظرنا إلى القرآن الكريم وجدنا أن أكثر ما جاء فيه كان عن التوحيد ، ثم يأتي الحديث عن القيامة بعد ذلك ، ثم الأوامر والنواهي ، يعني الحلال والحرام والأحكام ، لأن استقبال العبد للأمر والنهي والحلال والحرام إنما يكون بعد حسن توحيده ، وصلاح قلبه وبعد خوفه من الله – جل وعلا – وعلمه بما يكون يوم المعاد الثاني ، وهو يوم القيامة .

فإذًا العلم النافع هو هذا العلم الذي ذكره ابن القيم ، وهو التوحيد ، ثم الفقه ، ثم ما يحصل يوم القيامة من بعد موتك ، إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار . وهذا العلم النافع نتلقاه عن الله – جل وعلا – وعن رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، ولهذا قال ابن القيم بعدها :

والكل في القرآن والسنن التي

 

جاءت عن المبعوث بالفرقان

يعني أن كل هذه الأقسام والعلوم وردت في القرآن الكريم .

والعلماء هم ورثة الأنبياء بنص الحديث ، فإذا كان ذلك العلم في الكتاب والسنة ، فإن وظيفة العلماء من الصحابة – رضوان الله عليهم – إلى وقتنا الحاضر ، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أن يبلغوا هذا العلم للناس ، كما قال الله – سبحانه – } الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا { ([24]) فإذًا العلماء وظيفتهم البلاغ ، وبيان الحق ، وعدم الكتمان فلا بد أن يكون في هذه الأمة في كل زمان من أهل العلم الذين يصدعون بأحكام الله – جل وعلا – في بيان التوحيد ، وبيان ضده من الشرك ، وبيان حقوق الله – جل وعلا – ، وبيان الحلال والحرام ، وبيان ما يقرب الناس إلى الجنة ، ويباعدهم من النار ، هذه هي مهمة الأنبياء والمرسلين وهي البلاغ } إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ { ([25]) .

وهذه الأمة ليس فيها نبي بعد محمد – عليه الصلاة والسلام – كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء ، كلما مضى نبي جاء نبي ، فالأنبياء في بني إسرائيل عددهم كثير جدًّا ، أما في هذه الأمة فقد جعل الله – جل وعلا – العلماء يقومون مقام الأنبياء في البيان والإرشاد والجهاد ، وبيان الحق ، وبيان ضده ، حتى يكون الناس على بصيرة بأمور دينهم ، وقد قال – عليه الصلاة والسلام – : « لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون » ([26]) . كما هو في الصحيح .

إذا تبين هذا فالواجب أن يؤخذ العلم عن أهله الذين يبينون معاني الكتاب والسنة ، وقد قصدت بعض الطوائف من الخوارج وغيرهم أخذ العلم عن غير الصحابة ، فأخذوه عن أنفسهم ، دون الرجوع إلى أعلم الناس بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – وهم الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – فضلوا وأضلوا ، وقد قال فيهم – عليه الصلاة والسلام – : « يأتي في آخر الزمان قَوْم حُدَثَاء الأسنان ، سُفَهَاء الأحلام ([27]) ، يقولون مِن قول خَيْرِ البَرِيَّة ، يَمْرُقُون من الإسلام كما يَمْرُق السَّهْم مِن الرَّمِيَّة ([28]) ، لا يُجَاوِز إيمانهم حَنَاجِرَهُم ، فأينما لَقِيتُمُوهم فاقْتُلَوهم ، فإنَّ في قَتْلِهم أَجْرًا لمن قتلهم يوم القيامة » ([29]) .

وهذا يدلك على أن القضية ليست في أخذ العلم ، يعني في أخذ القرآن والسنة ، وإنما القضية في الطريقة التي يؤخذ بها معنى القرآن ، ومعنى السنة ، ولهذا قال ابن القيم مبينًا لك هذا المعنى فقال :

والجهل داء قاتل وشفاؤه

 

أمران في التركيب مُتَّفقان

أي شفاء الجهل :

نَصٌّ من القرآن أو من سنة

 

وطبيب ذاك العالم الرباني

 لا بد من طريق ، وإلا فإن النبي – عليه الصلاة والسلام – ذم من لم يأخذ العلم عن أهله ، كما ذم الخوارج ، وذم غيرهم ، لهذا نقول : إن العلم النافع هو الذي ينفع العبد في دنياه وفي آخرته .

إذا اتضح ذلك ، وبان لك أن العلم أعظم ما تسعى إليه ، وأن من يُرِد الله به خيرًا يفقهه في الدين ، وأن النبي – عليه الصلاة والسلام – شبه الذي قبل الهدى والعلم الذي جاء به بالأرض النقية الطيبة التي حفظت الماء وأنبتت الكلأ ([30]) والعشب الكثير ، فنفعت الناس قال : « فذلك مَثَل من فَقِه فى دين الله ، ونفعه ما بعثني الله به فَعَلِم وعَلَّم » ([31]) . إذا علمت هذا وعلمت عظم هذا المثل ، وأن أعظم من أخذ ، وقبل هدى الله – جل وعلا – الذي بعثه به – عليه الصلاة والسلام – هو من عَلِم فعَلَّم زادك هذا حرصًا على العلم وأخذًا له ، وشغفًا به ، ومحافظة عليه ، وحرصًا على طريق أهله ، وهم العلماء الذين ورثوا محمدا – عليه الصلاة والسلام – .

إذا تبين هذا فإنا نقول : إن العلم له ثمرات عظيمة لمن أخذه بحق وهذه الثمرات – يعني الفوائد والنتائج – تراها مثمرة للعبد في نفسه ، ومثمرة أيضًا في غيره ، فثمرات العلم لا تقتصر على العبد في نفسه ، بل العلم يثمر لمن حمله بحق في نفسه وفي غيره ،  وكل بحسب ما قدر الله – جل وعلا – له .

لا شك أن العلماء في أنواع ثمارهم لا يتساوون ، وكذلك طلبة العلم لا يتساوون ، فصحابة النبي – عليه الصلاة والسلام – الذين هم من العلماء لم يتساووا في أثر العلم على الناس جميعًا ، فمنهم من كان له أعظم الأثر ، ومنهم من كان له الأثر العظيم ، لكنه أقل من السابق ، وهكذا وكلهم كان لهم أثر عظيم في العلم .

لهذا نقول : إن هذه الثمرات منها ما هو قاصر على العبد في نفسه ، ومنها ما هو مُتَعَدٍّ ، منها ما هو قليل ، ومنها ما هو كثير ، والعلم أعظم ما يُورِث في العبد خشية الله – جل وعلا – .

العلم يورث الخشية :

لا شك أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة يتبعض ، ويزيد وينقص ، ومن أعظم ما يزيد به الإيمان العلم ، فالعلم يورث الخشية ، فرجع الأمر إلى أن من ثمرات العلم على طالب العلم أن يكون ذا خشية من الله – جل وعلا – التي قال فيها – جل جلاله – في وصف أهلها } إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ { ([32]) .

وحقيقة هذه الخشية أنها خوف من الله – جل وعلا – ، لكنها خوف مع عدم اضطراب ، بل معها سكينة ، والخوف بشكل عام يكون معه اضطراب ، يقال : خاف فلان من عدوه ، وخاف من النار ، وخاف من الأسد ، وخاف من المرض ، هذا الخوف يحدث للعبد نوعًا من الاضطراب ، لكن إذا كان الخوف خوف خشية ، فإن هذا هو خوف الملائكة ، وخوف الأنبياء ، لهذا جعل الله – جل وعلا – خوف العلماء منه – جل جلاله – خوف خشية فقال } إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ { ([33]) .

ولما كان الإيمان يتبعض كانت الخشية كذلك تتبعض ، لهذا كلما زاد العلم كلما قاد صاحبه إلى الخشية ، ولهذا قال بعض أهل العلم : طلبنا العلم وليس لنا نية ، فجاءت النية بعد . لما أخذ طرفًا من العلوم قاده ذلك إلى خشية الله – جل وعلا – ، لهذا فإن أعظم ما يثمر العلم في العبد أن يكون ذا خشية من الله – جل وعلا – وأن يكون مُجِلًّا له – سبحانه وتعالى – خائفا منه .

أنه يورث الإخلاص :

من ثمرات العلم أنه يجلب الإخلاص ، فالعلم النافع – الذي هو التوحيد – يقود إلى الإخلاص ، لأنه يعلم أن مَن عَلِم التوحيد ، ورفع به رأسه ، وحافظ عليه ، فلم يهجره إلى غيره ، بل تمسك به دائمًا ، كان هذا العلم يلاحقه في إخلاصه ، وفي نيته ، وفي تعظيم حق ربه – جل وعلا – ، ويلاحقه في نبذ الشرك بأنواعه ، من الشرك الأكبر – والعياذ بالله – ، والأصغر – وهو كثير في زماننا هذا – ، وكذلك الشرك الخفي ، الذي هو في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء على الصخرة السوداء في ظلمة الليل .

التوحيد يدلك على الإخلاص في كل شيء ، كيف تخلص في طلبك للعلم ، وفي معاملتك لولديك ، وفي معاملتك لأهلك ، وفي عملك ، لأن التعامل في كل هذه الأحوال إنما يكون مع رب العالمين – جل جلاله – .

فالإخلاص هو أن تقصد بعملك وجه الله – جل وعلا – ، وهذا شرط العمل : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى » ([34]) . لهذا جاء في بر الوالدين لما ذكر الله – جل وعلا – في سورة الإسراء الأمر ببر الوالدين ذَكَّر الله – جل وعلا – بالإخلاص ، حيث قال – سبحانه – } فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا { ([35]) .

قال العلماء لا بد للإنسان إذا رعى والديه في حال الكبر أن يحدث عنده نوع من الملل ، أو الفتور ، ورغبة في عدم فعل هذا الشيء ، وندر أن تجد في هذا من هو صابر محتسب في كل حركة ، وفي كل قول ، وفي كل عمل ، لذا قال – سبحانه وتعالى – بعد ذلك } رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ { هل تعملون هذا احتسابا وامتثالا ورغبة فيما عند الله – جل وعلا – أو تعملونه كرهًا ، } إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ { إذا صلحت قلوبكم ونيتكم باطنًا ، وصلحت منكم الأعمال ظاهرًا } فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ { الذين يكثرون الرجوع إليه استغفارًا مما قد يحصل من تقصيرهم } غَفُورًا { يغفر الذنب مغفرة واسعة .

وهذا تنبيه للإخلاص ، إذًا فأعظم ما يثمر العلم أنه يلاحق صاحبه بالإخلاص في كل عمل ، لهذا ذكر العلماء أن الإخلاص له قدر مشترك في كل الأعمال ، وكل عمل له إخلاص ونية تخصه ، فالإخلاص في جميع الأعمال هو أن تقصد وجه الله – جل وعلا – لا الدنيا ، وهذا قدر مشترك في كل عمل .

والإخلاص في طلب العلم هو أن تنوي رفع الجهل عن نفسك ، وعن غيرك ، أن تنوي أنك تتعلم لترفع الجهل عن نفسك ، فتعمل بعمل موافق للشريعة ، مقرونا بالإخلاص لله – جل وعلا – .

الإخلاص في بر الوالدين له حال ، والإخلاص في العمل له حال ، والإخلاص في الجهاد له حال ، والإخلاص في الدعوة كذلك ، هناك إخلاص عام ، وإخلاص خاص ، وما تَأَتَّى هذا إلا من قِبَل العلم ، الذي أثمر هذه الثمرات النافعة ، ولقد قال ابن القيم – رحمه الله – في ذكر المخلصين :

فَلِوَاحِد كُن واحدا في واحد

 

أعْني سبيل الحق والإيمان

يعني كن في جميع أعمالك لله الواحد الأحد .

أنه يورث العمل الصالح :

من ثمرات العلم أنه يورث العمل الصالح ، فالعلم النافع لا بد لصاحبه أن يكون ذا عمل ، يعني أن يعمل بما علم ، أما الذي لا يعمل بما علم فهو داخل في قول الله – جل وعلا – } أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ { ([36]) فقال السلف رحمهم الله : العلم يورث العمل ، ويهتف بالعمل ، فإن أجابه ، وإلا ارتحل . فصار للعلم مع العمل شأنان :

الأول : أن العلم يورث العمل ، فمن علم علمًا نافعًا لا بد أن يخشى الله ، ويتقيه ، ويحافظ على الفرائض ، ويجتنب المحرمات . وأهل العلم في ذلك درجات ، ولذلك ذكر شيخ الإسلام – رحمه الله – من فوائد قوله – تعالى – } وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا { ([37]) قال : من فوائد الآية أن الفعل والعمل لما أمر به العبد وعلمه يورثه الخيرية ، ويورثه الثبات ، قال – تعالى – } لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا { تثبيت في الإيمان وتثبيت للمعلومات ، ولهذا نرى من علمائنا الصالحين – حفظهم الله – جل وعلا – ونفع بهم – منهم العمل الكثير الصالح ، مما ثبَّت العلم في قلوبهم ، فنفعوا الناس عقودًا من السنين ، وذلك من فضل الله – جل وعلا – عليهم ونعمته ، حتى ختم الله – جل وعلا – لهم بخير .

إذًا لا بد لك إذا أردت أن يثمر العلم الذي تعلمه أن تعمل ، ولا يكون ذلك إلا بصلاح القلب ، وأعظم العمل هو إصلاح القلوب ، وإصلاح أعمالها ، لأن أعمال القلوب شأنها عظيم ، وأعمال القلوب مثل الإخلاص لله – جل وعلا – والتوكل عليه ، والإنابة إليه ، ومحبته ، والخوف منه – سبحانه وتعالى – ، وحسن الظن به . يجب أن تفتش عن أعمال قلبك ، لأنها واجبات ، وكثير من الناس يغفل عنها ، ثم يأتي بعد ذلك أعمال الجوارح ، من إتيان الفرائض ، وترك المحرمات ، والمسابقة في النوافل ، إلى آخره ، وهذا كله مما يثبت العلم في قلبك .

أنه يورث الصلاح :

أيضًا من ثمرات العلم – وهو أعظم الثمرات – الصلاح ، فطالب العلم والعالم لا بد أن يثمر له علمه الذي يحمله صلاحا ، والصالح من عباد الله هو القائم بحقوق الله ، وحقوق عباده ، فالعلم يجعل صاحبه صالحًا ، يعني قائمًا بحقوق الله ، بإتيانه الفرائض والنوافل ، مسابقًا في الخيرات بحسب ما قدر له ، قائمًا بحقوق العباد ، من المسلمين ومن غيرهم ، هذه الحقوق التي نص الله – جل وعلا – عليها في القرآن ، أو جاءت في السنة ، أو أجمع عليها أهل العلم .

لا شك أن القيام بها دين ، فإذا تعلم الإنسان القرآن ، وتعلم السنة ، ورأى هذه الحقوق فلا بد أن يمتثلها ، وإلا فإنه سيكون غير قائم بحقوق العلم ، وهذه الحقوق هي حق الله – جل وعلا – ، وأعظم حق لله – جل وعلا – هو التوحيد ، وقد ذكرنا طرفًا مما يتصل بهذا .

والغفلة عن التوحيد – على وجه الخصوص – توقع العبد فيما يخالف العقيدة وهو لا يعلم ، وقارن في ذلك بين ما عليه الناس الآن في أمر التوحيد ، وأمر الحساسية في الألفاظ ، وما يتصل بالشرك ، وما كانوا عليه في هذه البلاد منذ خمسين سنة كيف كانت الحساسية ؟ وكيف كان الشعور ؟ الآن تجد بعض الصغار ، وبعض النساء يفعلون أشياء مخالفة للتوحيد ، وهذا بسبب الابتعاد عن العلم .

الصلاح يورث القيام بحقوق الله – جل وعلا – ، وكلما زاد العبد معرفة بحق الله زاد حرصًا على التوحيد ومفرداته جميعها ، وزاد خوفًا من الشرك وأنواعه ، لهذا قال إبراهيم الخليل – عليه السلام – الذي هو أعلم أهل زمانه بالله – جل وعلا – سائلا ربه قال } وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ { ([38]) ، وكان إبراهيم التيمي يقول في قصصه : من يأمن البلاء بعد الخليل حين يقول } وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ { كما عبدها أبي وقومي ([39]) . مَن أَمِن الله على نفسه طَرْفَة عَيْن أتاه الله على غِرَّة ، فالله – جل وعلا – يستدرج العباد .

الثاني : أن العلم كما يساعد على القيام بحقوق الله – جل وعلا – ، فإنه يساعد كذلك على القيام بحقوق العباد ، حقوق العباد هذه من ثمرات الصلاح ، لهذا تجد طالب العلم يخشى من حقوق العباد ، لأنه يعلم أن حق الله – جل وعلا – مبني على المسامحة ، وحقوق العباد مبنية على المشاحة ، فالله – جل وعلا – هو أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وأرحم الراحمين ، يغفر سبحانه ولا يبالى ، لكن الأمر مع العباد يوم القيامة بخلاف ذلك ، إذ لا يوجد إلا المشاحة ، لهذا يخشى العبد من التفريط في حقوق العباد ، وحقوق العباد كثيرة ومتنوعة .

أنه يورث الاقتداء بأهل العلم :

من ثمرات العلم أنه يورث طالب العلم الاقتداء بأهله ، وقد كان السلف يظنون بطالب العلم خيرًا إذا كان يصاحب الأشياخ ، ويظنون به شرًّا إذا كان يصاحب الأحداث ، كما جاء في جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر – رحمه الله – ، لأن صحبة الأشياخ والكبار تحمل طالب العلم على أن يقتدي بهم ، فيتعلم كيف يتعامل مع الأشياء التي يراها أمامه ، أما إذا كان لا يصاحب إلا الأحداث ، فإنه لا بد أن يكون عنده نقص ، وربما شر كما في قول من سلف : وكل خير في اتباع من سلف ، وكل شر في ابتداع من خلف .

العلم يتوارثه العلماء هديًا وسمتًا وسلوكا ، وهم متفاوتون فيما بينهم في التزام ما دل عليه العلم ، والعلم والعمل محفوظان في أهل العلم ، وهم لهم منهاج يتوارثونه ، ربما لا يكون هذا المنهج موجودًا في كتاب ، ويكون موجودا في أعمالهم ، في سلوكهم ، فأهل العلم يقتدي الخالف منهم بالسالف ، أعني أهل العلم بالسنة المتحققين بهدي السلف ، لا أعني علماء الضلالة والبدع ، فهم لا يدخلون في ذلك .

لهذا فإن من ثمرات العلم أنه يجعل صاحبه ينهج نهج العلماء ، ويقتدي بهم ، وينظر سيرتهم ، ومن علامات العلم النافع أن يسير المرء سيره أهل العلم الذين رفع الله درجاتهم .

أن العلم يورث التؤدة :

من ثمرات العلم على أهله أنه يورث صاحبه التؤدة ، وعدم العجلة ، إلا في الخير ، فالعجلة في الخير محمودة ، ويدل له موقف أبي ذر – رضي الله عنه – لما عُوتب في بعض أموره التي استعجل فيها ، وهي من أمور العبادات ، وقيل له إن العجلة مذمومة . فقال : ليس كل عجلة مذمومة . فالعجلة إلى الله ، إلى العبادة محمودة ، ولو كانت مذمومة لم يقل موسى لربه – جل جلاله – } وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى { ([40]) فإذا كان المرء يتعجل في ذهابه إلى المسجد – مثلا – فلا يصح أن يأتي شخص فيقول له : لا تستعجل . فالعجلة في الخير محمودة كما قال الشافعي – رحمه الله – :

إذا هَبَّت رِياحُك فاغْتَنِمها

 

فإن لكل عاصفة سكون

فإذا أحببت أن تفعل أمرا من الخير وخشيت أن يضعف نشاطك ، كقيام ليل أو أمر بمعروف ، أو نهي عن منكر ، أو حفظ للقرآن ، أو نحو ذلك ، فعليك بالمسارعة ، فهذا النشاط لا يأتي دائما ، فالعجلة في الخير ، يعني الاستعجال فيما يحب الله – جل وعلا – ويرضى من الأقوال والأعمال محمودة .

العلم يورث صاحبه التؤدة والحِلم والأَناة في شأنه كله ، والتؤدة والأناءة والحلم من الخصال المحمودة التي تفيد المرء في علمه وتَعَلُّمِه ، وكذلك في تعامله مع الناس .

أنه يورث صاحبه التواضع :

ومن ثمرات العلم أيضًا أنه يورث صاحبه التواضع ، فلا تجد عالمًا متكبرًا ، والكبر يكون بِرَدِّ الحق والحطّ من شأن الناس واحتقارهم .

وهذه الصفات ليست من صفات أهل العلم ، فكلما زاد العبد في العلم رسوخا صار العلم في حقه نافعًا ، كلما زاد تواضعه لله – جل وعلا – ، وقد صح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا ، حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ » ([41]) .

لا تجد طالب علم متحقق بالعلم يفتخر افتخار الجاهلية ، يفتخر بنسبه ، ويحقر الناس في أنسابهم ، ولا تجد طالب علم متحقق بالعلم يرى نفسه أعظم من الآخرين ، بل كلما كان العلم أنفع في حقه ، كلما ظن أن طلبة العلم الآخرين أنفع للعباد ، وأنهم أخشى لله – جل وعلا – فيحتقر نفسه ، ويتواضع لله – جل وعلا – ، لأنه يعلم من نفسه ما يعلم ، فيتعاون معهم على الخير والهدى ، ويبذل ما يستطيع .

والحسد قد يكون بين طلبة العلم وقد يكون بين العلماء ، وقد حصل في الزمن الأول ، كما أنه باقٍ يحصل في كل زمان ، لكن لا شك أن العلم يوجب على العبد أن يكون متواضعا ، وألا يكون حاسدا ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .

قد يقول قائل : صار فلان أحفظ مني ، أو صار أعلم أو صار أنفع للعباد . فيقع في قلبه شيء من الحسد ، أو الحقد ، لكن العالم المتحقق بالعلم يفرح إذا وجد من يقوم بحق الله – جل وعلا – وحق العباد ، يفرح بأن يجد من يؤدي هذه المهمة ، ولا يتغير قلبه على هذا العالم لأنه أحفظ منه ، أو أعلم منه ، فيقع فيه ويتتبع غلطاته ، أو نحو ذلك ، لا شك أن العلم يجعل صاحبه لا يحسد إخوانه ، ولا يحقرهم ، وقد قال – عليه الصلاة والسلام – : « بِحَسْب امْرِئ من الشَّرِّ أن يَحْقِرَ أخاه المسلم » ([42]) .

أنه يورث صاحبه الخلق الجميل :

ومن ثمرات العلم أيضا أن العلم النافع الذي ذكرناه يورث أصحابه وحملته الخلق الجميل ، والنعت الفاضل في أقوالهم ، وفي أعمالهم ، ولهذا أحق الناس بالأخلاق الفاضلة هم العلماء ، لأنهم ورثة محمد – عليه الصلاة والسلام – والنبي – صلى الله عليه وسلم – قال فيه ربنا – جل جلاله – } وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ { ([43]) .

فأهل العلم كما يرثون العلم يرثون الخلق الفاضل ، ويرثون الكلام الجميل ، والعفو عمن أساء ، ويرثون كل خصلة خير ، ولهذا فإن العلم يثمر في صاحبه عِفَّة اللسان ، فلا يكون بذيئا ، ولا سبابا ، ولا شَتَّامًا ، يقع في هذا ويقع في هذا ونحو ذلك ، فهذا الذي يقع في ذلك في الحقيقة لم يتحقق بالعلم ، ولم يثمر فيه العلم ثمرة نافعة ، فالعلم يورث الخلق الحميد في تعامل الإنسان في بيته ، وفي تعامله مع من يخطئ في حقه ، ومع من يتعدى عليه ، فكيف بما يفعله الإنسان مع غيره ابتداءً ، لا شك أن العلماء وطلبة العلم هم أحق الناس بالأخلاق الفاضلة ، بأن يبذلوا الخير للناس ويعفوا عمن أساء إليهم ، وأن تكون ألسنتهم طيبة ، وأفعالهم كذلك ، فهم يتحلون بخلق النبي – عليه الصلاة والسلام – ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .

فثمرات العلم كثيرة ومتنوعة تأخذها من حياة العلماء ، بعدما تنظر فيما دل عليه الدليل وهدي السلف .

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا ممن عَلِم فَعَمِل وعلَّم ، وأن يجعل عِلْمَنا حُجَّة لنا ، وأن يَقِيَنا شرور أنفسنا ، ونسأله – جل وعلا – بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى ، وأن يختم لنا بالخاتمة الحسنى ، اللهم وفقنا لما فيه رضاك ، وجنبنا ما فيه سخطك يا أكرم الأكرمين ، نسألك اللهم أن توفق ولاة أمورنا إلى ما فيه الصلاح ، وأن تهيئ لهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير وتحثهم عليه ، اللهم وأعن علماءنا على كل خير ، واجزهم خير الجزاء على ما قدموا وبذلوا ، إنك جواد كريم تجازي وتُعْظِمُ الجزاء ، وتعظم الأجر والثواب ، اللهم فأعظم أجورهم ، وثبت أقوالهم وأعمالهم ، وانفعنا بعلومهم يا أكرم الأكرمين .

وصلى وسلم وبارك على نبينا محمد .

 

([1]) رواه البخاري (1/39 ، رقم 71) ، ومسلم (2/718 ، رقم 1037) .

([2]) سورة المجادلة : الآية 11 .

([3]) سورة الإسراء : الآية 21 .

([4]) سورة المجادلة : الآية 11 .

([5]) سورة النساء : الآية 66-69 .

([6]) سورة طه : الآية 114 .

([7]) سورة فاطر : الآية 28 .

([8]) رواه البخاري (1/39 ، رقم 71) ، ومسلم (2/718 ، رقم 1037) .

([9]) رواه البخاري (4/1919 ، رقم 4739) .

([10]) هو المطر . النهاية : غيث .

([11]) الكَلأ : النَّبات والعُشْب وسَواءٌ رَطْبُه ويابِسُه . النهاية : كلأ .

([12]) الأجَادب : صِلاَب الأرض التي تُمْسِك الماء ، فلا تَشْرَبُه سريعا . وقيل : هي الأرض التي لا نبات بها ، مأخُوذٌ من الجَدْب ، وهو القحْط . النهاية : جدب .

([13]) جمع قاع ، وهو المكان المُسْتَوِي الواسع في وَطْأة من الأرضِ ، يَعْلوه ماء السماء فيُمْسِكه ، ويَسْتوِي نَباته . النهاية : قيع .

([14]) أخرجه البخاري (1/42 ، رقم 79) ، ومسلم (4/1788 رقم 2283) .

([15]) أخرجه أحمد (5/196 ، رقم 21763) ، وأبو داود (3/317 ، رقم 3641) ، والترمذي (5/48 ، رقم 2682) وقال : لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندي بمتصل . ثم أورد له إسنادًا وقال هذا أصح . وابن ماجه (1/81 ، رقم 223) . والحديث حسنه الألباني في المشكاة (212) .

([16]) أخرجه البخاري (1/16 ، رقم 20) .

 

([17]) رواه البخاري (1/3 ، رقم 1) ، ومسلم (3/1515 ، رقم 1907) .

([18]) المضغة : القِطْعةُ من اللحمِ قَدْرَ ما يُمْضَغُ وجَمْعُها مُضَغٌ . النهاية : مضغ .

([19]) رواه البخاري (1/28 ، رقم 52) ، ومسلم (3/1219 ، رقم 1599) .

([20]) سورة التوبة : الآية 122 .

([21]) سورة الأنعام : الآية 25 .

([22]) رواه البخاري (1/39 ، رقم 71) ، ومسلم (2/718 ، رقم 1037) .

([23]) يعني الحديث الذي رواه مسلم (4/2075 ، رقم 2702) عن الأغر بن يسار المزني عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « إنه لَيُغَان على قلبي ، وإنى لأستغفر الله فى اليوم مائة مرة » .

([24]) سورة الأحزاب : الآية 39 .

([25]) سورة الشورى : الآية 48 .

([26]) أخرجه البخاري (6/2667 ، رقم 6881) ، ومسلم (3/1523 ، رقم 1921) .

([27]) أي العقول . النهاية : حلم .

([28]) أي يَجُوزُنَه ويَخْرِقونُه كما يَخْرِقُ السَّهْمُ الشيءَ المرْميَّ به ويَخْرُخُ منه . النهاية : مرق .

([29]) أخرجه البخاري (3/1321 ، رقم 3415) ، ومسلم (2/746 ، رقم 1066) .

([30]) الكلأ هو النَّبات والعُشْب وسَواءٌ رَطْبُه ويابِسُه . النهاية : كلأ .

([31]) أخرجه البخاري (1/42 ، رقم 79) ، ومسلم (4/1788 رقم 2283) .

([32]) سورة فاطر : الآية 28 .

([33]) سورة فاطر : الآية 28 .

([34]) أخرجه البخاري (1/3 ، رقم 1) ، ومسلم (3/1515 ، رقم 1907) .

([35]) سورة الإسراء : الآية 23-25 .

([36]) سورة البقرة : الآية 44 .

([37]) سورة النساء : الآية 66 .

([38]) سورة إبراهيم : الآية 35 .

([39]) انظر تفسير القرطبي 9/368 .

([40]) سورة طه : الآية 84 .

([41]) رواه مسلم (8/158 ، رقم 7309) .

([42]) رواه مسلم (4/1986 ، رقم 2564) .

([43]) سورة القلم : الآية 4 .

شاركها مع أصدقاءك