بواسطة :
الزيارات : 1٬487 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ :

الرحمن الرحيم : اسمان من أسماء الله الحسنى ، وهما في هذا الموضع من حيث العربية نعتان للفظ الجلالة “الله” ، وهما نعتان للذات المدلول عليها باسم الجلالة “الله” ، فـ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ نعت أول ، ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ نعت ثانٍ ، ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ نعت ثالث ، ﴿ مالك يوم الدين ﴾ نعت رابع .

والرحمن الرحيم : اسمان من الأسماء الحسنى يتضمنان صفة الرحمة لله جل وعلا ، وتَضَمُّنُ اسمِ اللهِ “الرحمنِ” لصفةِ الرحمةِ أبلغُ وأعظم وأوسع متعلقًا من تضمن اسم الله “الرحيم” لتك الصفة ، وقد مر معنا أن الرحمن : هو المتصف بالرحمة الواسعة ، التي استغرقت الأزمنة في الدنيا والآخرة . بينما اسم الله “الرحيم” : يتضمن صفة الرحمة المتعلقة بالآخرة . وعلى هذا دلت تفاسير السلف ، كما ساق ذلك ابن كثير – رحمه الله – من أن الرحمن هو رحمن الدنيا والآخرة ، والرحيم رحيم الآخرة .

والله – جل وعلا – موصوف بأنه ذو الرحمة ، قال جل وعلا : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : 156 ] ، ومعلوم أن ﴿ الْعَالَمِينَ ﴾ – كما ذكرنا قبل – جمع العالم ، والعالم هذا سميت به أنواع العوالم ؛ لأن بها عُلم أن الله – جل وعلا – هو الخالق المتفرد بالخلق ، والرزق ، والإحياء ، والإماتة ، وأنواع معاني الربوبية ، وهذا وجه مناسب لذكر اسم الله “الرحمن” بعد قوله : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، وذلك أنه متضمن لصفة الرحمة التي تعلقت بكل شيء ، إما في الدنيا ، وإما في الآخرة .

أما في الدنيا : فإن متعلق الرحمة كل شيء ، كما قال : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : 156 ] ، ورحمة الله – جل وعلا – ظاهرة في أنها شملت العرش ومن حوله ، والكرسي وما تحته . . والسماوات إنما قامت برحمة الله جل وعلا . . ومَن في السماوات وما في السماوات إنما قام برحمة الله جل وعلا ، لا غنى للسماوات ومن فيها وما فيها عن رحمة الله – جل وعلا – طرفة عين ؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [ فاطر : 41 ] فما في السماء الدنيا من أنواع العوالم ؛ من أنواع ما يطير من الأحياء ، وما فيها من أنواع ما خلق الله – جل وعلا – مما نعلم من الهواء ونحوه ، ومما لا نعلم ؛ كل ذلك من رحمة الله – جل وعلا – بالمخلوق نفسه ، ومن رحمته – جل وعلا – بمن يستفيد وينتفع بتلك المخلوقات .

إذا نظرت إلى الأرض بأنواعها من جبل ووادٍ وسهل وحزن وشجر ، وجميع معالمها فإنما هي برحمة الله – جل وعلا – قامت ، كل هذا يدل عليه هذا الاسم “الرحمن” ، ولهذا قال : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ ﴾ لأن رحمته تعلقت بكل العالمين جل وعلا .

إذا نظرت إلى البحر ، وما في البحر ، وإلى أنواع ما في الأرض ، وما تحت الأرض من الأحياء ، وما فيها من أنواع مخلوقات الله – جل وعلا – الحية وغير الحية ، كل ذلك إنما يعيش برحمة الله جل وعلا ، وهذا يبلغ مبلغًا عظيمًا في قلب العبد ، وفي معرفة آثار الرحمة وآثار اسم الله الرحمن بقدر ذلك .

ولقد حكى ابن جرير – رحمه الله تعالى – في التفسير الاتفاق على تعلق الرحمة التي في اسم الله “الرحمن” بالدنيا والآخرة ، وأما اسم الله “الرحيم” فهو متعلق بالآخرة .

ولهذا نقول : إن شمول الرحمة للكفار إنما هو في هذه الدنيا ، فهم داخلون في متعلق الرحمة في قوله : ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ ، فالكافر مرحوم في هذه الدنيا بأنواع الرحمة ، قال جل وعلا : ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ﴾ [ البقرة : 126 ] ، فهو يمتَّع في الدنيا بأنواع المتاع ، ويعيش عيشة ربما كانت هنية طيبة ، مع أنه كافر يحمل الشرك بالله ، ويحمل الكفر بالله جل جلاله ، والعياذ بالله ، ولكن رحمة الله – جل وعلا – عمت في الدنيا كل شيء .

وأما في الآخرة فإن اسم “الرحمن” يشمل رحمة الله – جل وعلا – للمؤمنين في الآخرة ؛ لأن الرحمة في الآخرة تكون بالمؤمنين ، قال جل وعلا : ﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾ [ الأحزاب : 43 ] .

***

قال بعدها : ﴿ الرَّحِيمِ ﴾ والرحيم يعني بالمؤمنين في الآخرة ، وهاهنا وقع تكرار في المعنى مع تنوع اللفظ ، “الرحمن” يدل على رحمة الله بالمؤمنين في الآخرة ، وعلى رحمة الله – جل وعلا – بالمؤمنين في الدنيا ، “الرحيم” يدل على رحمة الله – جل وعلا – بالمؤمنين بالآخرة ، فتكرر ذكر رحمة الله للمؤمنين في الآخرة : بسم الله الرحمن ، وبسم الله الرحيم ، وتكرر ذكر رحمة الله – جل وعلا – بالمؤمنين في الدنيا ؛ الرحمة الخاصة بهم بقوله : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ وبقوله : ﴿ الرَّحْمَنِ ﴾ . . ولهذا قال أهل العلم : إن هذين الاسمين “الرحمن الرحيم” يفتحان لمن عقل أوسع أبواب المحبة لله جل وعلا ، ويفتحان لمن عقل أوسع أبواب الرجاء لله جل وعلا ، وقد قال الله – جل وعلا – في الحديث القدسي : « أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ » ([1]) .

وذكرت فيما سلف أن قوله : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ يفتح باب المحبة ، وأن قوله هنا : ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ يفتح باب الرجاء في القلب .

ومبحث الأسماء والصفات يبحثه كثير من المفسرين في هذا الموضع ، والذي نذكر منه هو رحمة الله – جل وعلا – وتكرير إثباتها ؛ وذلك أن الرحمة معنى قام بالله جل وعلا ، فهي صفة ذاتية قامت بالله جل وعلا .

والرحمة – وما كان من جنسها من الصفات – قد يعسر تفسيرها بمعنى يشمل جميع أفرادها ؛ وذلك لأن المعاني الكلية لا توجد على وجه كلي إلا في الأذهان ، أما في الواقع . . في الوجود . . خارج الذهن ؛ فإنما توجد مضافة ، توجد منسوبة ، فيقال : رحمة العبد بالعبد ، رحمة الوالد بولده ، رحمة الأم بوليدها ، رحمة الله بخلقه ، ونحو ذلك .

فما كان من المعاني الكلية فإنه يعسر تفسيره بتفسير جامع يصلح لما يتعلق بالمخلوق ولما يتعلق بالخالق ، ولهذا كثير من العلماء إذا أتى ذكر تفسير الرحمة أو نحوها من المعاني التي هي صفات لله – جل وعلا – فإنهم يقولون : إن الرحمة صفة . ولا يدخلون في تفسيرها .

وهذا معنى قول السلف : أمروها كما جاءت ؛ لأن في تفسيرها قد يلحظ المفسر مَن تعلقت به الرحمة وقد يلحظ المخلوق ، ولهذا ضل مَن ضل من المبتدِعة ، حيث فسروا الرحمة بالرحمة في المخلوق ، فقالوا : الرحمة المعقولة هي : ميل القلب لمن يرحم ، وهذا التفسير إنما نظروا إليه من جهة تعلقه بالبشر ، وهذا من الأغلاط الكبيرة في تفسير هذه المعاني . . فهذه الصفات التي هي ليست ذوات يمكن أن تحد إنما هي معان ، ففسروها ببعض مَن تعلقت به ، وهو المخلوق ، ولما استحضروا ذلك قالوا : إذن لا تصلح وصفًا لله جل وعلا ، وهم لم يفسروا الرحمة من جهة المعنى الكلي العام الذي يصلح لكل من اتصف بها ، وإنما فسروها ببعض مَن اتصف بها ، وهو المخلوق ، ثم سعوا في نفيها عمن اتصف بها وهو الخالق سبحانه ، ولهذا يحرفون ويقولون : إن الرحمة هي إرادة الإحسان إلى الغير . وهم – أعني الأشاعرة والماتُرِيدِيَّة والكُلَّابية ونحوهم ومن شابههم – فسروها بهذا التفسير لأن الإرادة عندهم صفة دل عليها العقل ، وهم يثبتون سبع صفات ، وكل صفة في القرآن ليست من الصفات السبع التي يثبتونها لدلالة العقل فإنهم يرجعون تفسيرها في القرآن إلى أحد الصفات السبع المذكورة عندهم لدلالة العقل ، فيقولون : الرحمة إرادة الإحسان ، الغضب إرادة الانتقام ، الرضا إرادة الإنعام . . . ونحو ذلك ، فيفسرونها بالإرادة لأن الإرادة أحد الصفات السبع التي يثبتونها ، وهذا مصير منهم إلى أنها في هذه الآية وما شابهها مجاز عن الإحسان ، أو إرادة الإحسان .

وهاهنا تنبيه بهذا المقام ، للمناسبة ، وهو أن المجاز في الصفات ممتنع باطل ؛ وذلك لأن أهل المجاز يعرِّفون المجاز بأنه نقل اللفظ من وضعه الأول إلى وضع ثانٍ لمناسبة بينهما . فهم يشترطون أن يكون الوضع الأول للفظ معلومًا ، ولهذا ينقلونه من الوضع الأول إلى الوضع الثاني لمناسبة ، وباطل أن يكون الوضع الأول في اتصاف الله – جل وعلا – بالرحمة معلومًا للمخلوق على وجه الكمال ، وإنما يُعلم منه ما دل عليه المعنى . . يعلم بعض المعنى ، وأما الرحمة في معناها الكامل الذي هو وصف لله فإن هذا لا يُعلم ، فلهذا امتنع أن يكون الوضع الأول معلومًا ، ولهذا بطلت دعوى المجاز في كل الصفات ؛ لأن الوضع الأول – على حد تعريفهم – ليس معلومًا ، فيَمتنع الانتقال ، كما هو قول المحققين من أهل اللغة ، وأهل التفسير ، وطوائف كثيرة من العلماء . فهذه إشارة لهذه المسألة العظيمة .

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

قال سبحانه وتعالى بعد ذلك : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، وهذا نعت بعد النعوت السالفة ، و”مالك” من أسماء الله جل وعلا ، فهو المالك سبحانه . . فهنا سمى الله – جل وعلا – نفسه بخمسة أسماء :

الأول : أنه الله . الثاني : أنه الرب ، أو رب العالمين . الثالث : أنه الرحمن ، الرابع : أنه الرحيم . الخامس : أنه مالك يوم الدين .

وهذه الأسماء الخمسة إذا تأملت تتفرع عنها من حيث المعنى جميع الأسماء ، وأسماء الله – جل جلاله – منها ما هو راجع إلى معنى الجلال ، ومنها ما هو راجع إلى معنى الجمال ، ومنها ما هو راجع إلى معنى الربوبية ، ومنها ما هو راجع إلى معنى الألوهية ، وهنا الربوبية ذُكرت بقوله : ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، وذُكرت بقوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، ونعوت الجلال هنا ذكرت بقوله : ﴿ مَالِك ِيَوْمِ الدِّينِ ﴾ ؛ لأن هذا يورث إجلاله – جل وعلا – والهيبة منه والخوف ، والوجل منه ، وذُكرت صفات الجمال في قوله : ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، كذلك الصفات الراجعة إلى الألوهية بذكر اسمه “الله” الذي هو أعظم الأسماء .

فإذن في هذه السورة أصول الأسماء الحسنى ، كما يقوله ابن القَيِّم وشيخه شيخ الإسلام – رحمهما الله تعالى – وجماعات كثيرة من المحققين في مسائل الأسماء والصفات .

***

وقوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يبعث – ولا شك – على الخوف ؛ لأن يوم الدين هو يوم الجزاء ، يوم الحساب ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله .

فقوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ هذا مورث للخوف لمن عقله ، فمن قالها وهو يتذكر ما في قلبه من أنواع الشبهات ، وأنواع الشهوات ، التي منعت استسلامه الكامل لربه جل وعلا ، فإذا كان يعقل ما يقول ، فسيورثه ذلك خوفًا من ذلك اليوم ، الذي يحاسب الله – جل وعلا – فيه الخلائق ، ولهذا قال العلماء : إن الله – جل جلاله – بدأ في هذه السورة بذكر ما يورث في العبد المحبة لله ، وهو ربوبية الله – جل وعلا – للعالمين ، وذكر بعده ما يبعث الرجاء في القلب بقوله : ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ ، ثم ذكر ما يبعث الخوف في القلب ، وهو قوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ .

وقد قُرئ : ﴿ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، و”مالك” من أسماء الله الحسنى ، و”ملك” كذلك من أسماء الله جل وعلا ، وهناك فرق بينهما : فمالك من المِلك ، ، وهو تملك الأشياء ، كما تعقل من قولك : ملكت البيت ، وملكت الكتاب .

وأما ملك ، فهو من المُلك ، والمُلك معناه السيادة ، والتدبير ، والتصرف ، قد لا يكون ذو المُلك مالكا للأعيان ، ولكن ينفذ فيها تصرفه ، ويسوسها ويدبرها .

والله – جل جلاله – موصوف بالصفتين ، ومسمى بالاسمين ، وهذا أبلغ ما يكون ، فإذا تعلق قلب بشر بما يراه في ملوك الدنيا ؛ من سعة الملك ، والتدبير ، والأمر والنهي ، والطاعة لهم ، وما يحدثون في ذلك من أنواع الهيبة ، أو الإنعام ، أو نحو ذلك ، فإنهم يتقاصرون مهما بلغوا في ذلك عن أن يكونوا مالكين ، وأن يكونوا ملوكًا .

قال تعالى : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فهو يملكه ملكًا ، وأيضا هو ملك – جل وعلا – في ذلك اليوم ، فقوله هنا : ﴿ مالك ﴾ فيه رعاية لهذا المعنى ، وهو أن كل شيء في ذلك اليوم يملكه سبحانه ، ومعنى ذلك أنه إنما يرجع إليه ، يتصرف فيه ، ينفذ فيه أمره ، لا يُتصرف ولا يُفعل شيء إلا من بعد إذنه ، فإذا كان ثم تعلق بغير الله – جل وعلا – فإن قوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ يبطل ذلك ، كما نبه إمام الدعوة – رحمه الله – في تفسير هذه السورة ، قال : “في هذا إبطال لتعلق القلب بغير الله من الصالحين والأنبياء والمعبودين الذين يطمع الطامع في شفاعتهم” .

فإن الله – جل جلاله – قال في ذكر يوم الدين : ﴿ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ [ الانفطار : 19 ] ، المعنى : لا تملك أيّ نفس عن أي نفس شيئا ؛ لا تنفعها بشيء ، ولا تدفع عنها شيئًا ، والملك والمالك لذلك هو الله جل وعلا ، ﴿ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ وهذا فيه إحداث لتعلق القلب بالله – جل وعلا – وحده ؛ لأنهم إنما طمعوا في أن يكون أولئك شافعين ومقربين من الله ، وهذا كله باطل بقوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ .

﴿ الدِّينِ ﴾ :

كلمة “الدين” جاءت في القرآن على معانٍ ، وأصلها في اللغة من العادة المتكررة ، قال الشاعر :                              

تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي

 

أَهذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي

لهذا ذكر شيخ الإسلام في قاعدة له في معنى الدين : أن أصل الدين في اللغة – وهذا الكلام صحيح موافق لعلماء الكلام بالعربية – العادة المتكررة ، وسُمي ما يجعله المرء في قلبه من العقائد ، أو ما يجعله المرء على لسانه من الأقوال ، أو ما يعمله بجوارحه من العبادات ، سمي مجموع هذا دينًا ؛ لأنه يُفعل على وجه العادة والتكرر ؛ لأنه دين يتكرر بالفعل . هذا أحد الإطلاقات ، فالدين يراد به ما يلتزمه المرء من الاعتقاد ، أو القول ، أو العمل ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ [ آل عمران : 19 ] .

أيضا يُطلق الدين ويُراد به الجزاء ، وذلك في آيات ، منها قوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، ومنها قوله تعالى : ﴿ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ﴾ [ النور : 25 ] ، يعني جزاءهم الحق ، فالدين يأتي في القرآن بمعنى الجزاء في آيات كثيرة ، وهناك صلة بين معناه بمعنى الجزاء والأصل اللغوي الذي هو العادة أو الشيء المتكرر ، ووجه الصلة أن الجزاء يتكرر بتكرر العمل ، ويطلق على الجزاء المتكرر دينًا إذا كان أصله الذي يجازى عليه متكررًا متنوعًا .

ويعني ﴿ يَوْم الدِّينِ ﴾ يوم الجزاء والحساب ، ويوم الدين من أسماء يوم القيامة ، وليوم القيامة أسماء كثيرة في القرآن معلومة ، والمقصود بيوم الدين يوم يقوم الناس لرب العالمين ، مع أن يوم القيامة يشمل ما بين النفخة الأولى في الصُّور إلى النفخة الثانية وما بعدها إلى أن يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ ، وأهلُ النارِ النارَ ، فكل ما يحدث إذ ذاك فالمالك له الله جل جلاله ، كما قال سبحانه : ﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [ غافر : 16 ، 17 ] .

وإذا كان كذلك فقوله هنا : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ إنما يعني به يوم الجزاء ، وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين ، يعني حين يصلون إلى أرض المحشر ، فهناك المُلك يومئذ لله وحده لا شريك له . . وقبل ذلك أيضا لا شك أن الملك لله ، فما فائدة التخصيص؟

الله – جل جلاله – مالك للدنيا وللآخرة ، مالك لما كان قبل النفخة الأولى وما بعدها ، ولما قبل النفخة الثانية وما بعدها ، فما فائدة التخصيص بيوم الدين؟

فائدة التخصيص أن يوم الدين هو يوم المجازاة ، يوم الحساب ، يوم يوفى كل عامل عمله ، يوم توفى كل نفس ما عملت ، وهذا تتعلق به النفوس .

أيضا من أوجه التخصيص أن قوله : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ في مقام أن يحضر في قلب العبد المؤمن وهو يتلو هذه الآية ما يحصل في يوم الدين من جميع الأحوال ؛ لأنه قال : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ ، وهذا اليوم يحصل فيه جميع تلك الأمور ؛ من وصول الناس إلى المحشر ، بل وما قبل ذلك من قيامهم من قبورهم ، بل وما قبل ذلك إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، فكأن المتدبر المتأمل إذا قرأ استحضر المشهد بتفاصيله أمامه ؛ وهذا يبعث على خوف مجدد غير الخوف الذي استُفيد من قوله : ﴿ مَالِكِ ﴾ ، ولا شك .

وهذا يفيدنا في تفسير قوله : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وهذا هو الغرض ، وهو الذي بفهمه وبتدبره يحصل المقصود ؛ لأن الرسل إنما بُعثت لترشد العباد لعبادة الله وحده دونما سواه .

فهنا قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ، فأولًا أثنى على الله – جل وعلا – بأنواع الثناء ، ثم قال ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ، وهذا أول فعل : نعبد إياك ، وأول أمر في القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ﴾ [ البقرة : 21 ] . والعبادة هي المقصودة في هذا المقام ؛ لأن الابتلاء إنما حصل في عبادة الله جل وعلا ؛ هل يعبد العباد ربهم وحده دونما سواه أو يشركون به؟

فهنا جاء قوله : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ بعد ما سبق ، لم؟

قال أهل العلم : لأن العبادة لها أركان ثلاثة ، بمجيئها مجتمعة تكون العبادة موجودة شرعًا ، وتلكم الأركان الثلاثة هي : الحب ، والخوف ، والرجاء .

فالعبادة إنما تقوم إذا كان القلب محبًّا راجيًا خائفًا ، أرأيت المصلي مثلًا إذا صلى فإنه يصلي وهو يلحظ محبته لربه جل وعلا ، وهو يلحظ رجاءه في ربه – جل وعلا – أن يتقبل منه وأن يثيبه ، وهو يلحظ الخوف منه – جل وعلا – أن يعاقبه لو ترك الصلاة أو فرط فيها في يوم الدين .

فالعبادة إنما تقوم على هذه الثلاثة ، لا بد من وجود الثلاثة : أصل الحب ، أصل الرجاء ، أصل الخوف ، فلو لم يوجد واحد منها صارت العبادة غير موجودة شرعًا ، وإن وُجدت واقعًا لكنها شرعًا ليست موجودة .

هنا ننبه : لما قال هنا : ﴿ الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ذكرنا أنه فتح باب المحبة ، ولما قالَ : ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فتح باب الرجاء ، ولما قال : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ فتح باب الخوف ، فالعبد يقول : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ إن كان يعقل وقد قام في قلبه ما قام من المحبة والخوف والرجاء ، فالله – جل جلاله – من رحمته بالعبد أنه وجهه لقوله : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ ، وهو يخاطب ربه – جل وعلا – بعد أن ذكر الآيات التي تبعث في قلبه المحبة والرجاء والخوف ، حتى يكون قوله ذلك آتيًا على وفق الشرع .

قال العلماء في قوله : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ : “إياك” مفعول به مقدم ، وهو ضمير منفصل قُدم ، والأصل أن المفعول به يتأخر عن الفعل ، وهنا قدمه على الفعل ، وفي تقديمه على الفعل فوائد ؛ منها : الحصر والقصر . وهذا مقرر في علم المعاني من علوم البلاغة (مبحث الحصر والقصر) ، وكذلك في أصول الفقه في (مبحث مفهوم المخالفة) . قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ معناه : أقصر وأحصر عبادتي ، بل نقصر ونحصر عبادتنا فيك . قال بعض أهل العلم : يفيد التخصيص . وهو المعنى نفسه ، يعني نجعل عبادتنا مختصة بك وحدك .

فقولـه : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فيه توحيد العبادة ، ما هي العبادة؟ العبادة في اللغة : الخضوع والذل ، أو الذل وحده ؛ ولهذا قالوا : بعير مُعَبَّد إذا طُلِي بالقَطِرَان وأُفْرِدَ فصار خاضعًا ذليلًا بانفراده .

ومنه قول طَرَفَةَ في مُعلَّقته :

إلى أنْ تَحامَتني العَشيرةُ كلُّها

 

وأُفرِدتُ إفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ

وقيل أيضا للطريق ، كما هو مشهور : طريق مُعَبَّد ؛ إذا ذُلل بكثرة وطء الأقدام عليه ووطء الحوافر والمسير عليه .

ومنه أيضًا قول طرفة في المعلَّقة نفسها في وصف ناقة :

تُباري عِتاقًا نَاجياتٍ وأَتْبَعَتْ

 

وَظيفًا وَظيفًا فَوقَ مَورٍ مُعبَّدِ

المور : الطريق . ومعبد : أي من كثرة ما وطئ .

قال العلماء : العبادة في الشرع : غاية الحب مع غاية الذل ، كما ذكر ابن القيم في النونية ، وذكره غيره أيضا .

ويعرف شيخ الإسلام رحمه الله – كما هو مشهور – العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة .

أما الأصوليون فيعرفون العبادة بأنها : ما أُمر به من غير اضطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي .

وكل هذه التعريفات صحيحة تصدق على العبادة ؛ فقوله هنا : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ يعني نُفرِدك بالعبادة دونما سواك ، فلا نعبد إلا أنت ، وهذا فيه توحيد العبادة كما هو ظاهر .

إذن فالمشرك الذي أشرك بالله وعبد معه غيره إذا قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ يكون صادقًا أو كاذبًا؟ يكون كاذبًا .

ولهذا الكفار والمشركون هم أعظم الكذبة على الله – جل وعلا – وأعظم الكذبة على أنفسهم ، فالله – تعالى– يقول في سورة الأنعام : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ [ الأنعام : 24 ] ، فهو يشرك بالله ومع ذلك يقول في الصلاة : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ . أنت دعوت غير الله ، وذبحت لغير الله ، واستغثت بغير الله ، ونحو ذلك ، فكيف لا تعقل معنى ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾؟

وهذا من أعظم البلاء أن يكون الإلف للقرآن أو للفاتحة أو لكلمة التوحيد أو للشهادة بأن محمدا رسول الله ، يمنع من تعقل المعنى ، حتى غدا من يتكلم باللسان العربي لا يعقل معاني ما يتكلم به أو ما يسمع من القرآن .

﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ :

قوله : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ فيه إفراد الله – جل وعلا – بالألوهية ، ثم قال : ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ وهذا فيه إفراده – جل وعلا – بالاستعانة ، وهنا قال العلماء في ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ : أُخرت الاستعانة مع أن طلب العون يكون من جهة الرب ، فرجع إلى معنى الربوبية ، فهنا قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ لمناسبة عظيمة وغرض عظيم ؛ وذلك أن العبد الموحد الذي يقول : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ لا يمكنه أن يوحد إلا بأن يكون مستعينًا بالله – جل وعلا – وحده في ذلك ، وإلا فإن الشياطين تكتنف وتستحوذ على البشر ، فهنا قال : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ في آية واحدة مع العطف بالواو ، يعني : إياك نعبد فلا نعبد إلا أنت وحدك دونما سواك ، وإياك وحدك نستعين في أمورنا كلها ، وأخصها عبادتك وحدك دونما سواك .

وهنا يستحضر الموحِّد عِظَم حاجته إلى ربه – جل وعلا – في أن يثبته على توحيده قولًا وعملًا ؛ لأنه لا يمكن أن يثبت على توحيد الله إلا بعون من الله ، فيذهب مع قول العبد في صلاته : ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ كلُّ إعجاب بالنفس ، وتذهب كل ثقة بالنفس ، ويكون العبد مخليًا نفسه وقلبه مع ربه جل وعلا ، فلا غنى له عن الله – جل وعلا – طرفة عين . نعم إن إفراد الله – جل وعلا – بالعبادة ، وإفراده – جل وعلا – في طلب الاستعانة في جميع الأمور ؛ هذا سر أعظم ومطلوب أعظم ، ومَن تحقق له تحقق له الخير الأعظم .

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ :

﴿ اهْدِنَا ﴾ :

قال – جل وعلا – بعدها : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ أي : اهدنا يا الله ، اهدِ : دعاء ، وهو فعل أمر ، وفعل الأمر – كما هو متقرر – إن كان لمن هو أرفع من الآمر فإنه يكون دعاء ، وإن كان لقرين فإنه التماس ، وإن كان لمن هو دونه صار أمرًا .

فالله – جل وعلا – من رحمته بالعبد أن أنزل هذه الآيات لكي ندعو بها .

وفي ﴿ اهْدِنَا ﴾ تنبيه ، فالقارئ يقرأ هذه الآية ومعه غيره من إخوانه المؤمنين ، وفي هذا تنبيه على أن سورة الفاتحة إذ كانت من القراءات الواجبة في الصلاة ؛ فإن الصلاة التي تتلى فيها هذه الفاتحة واجبة ، أعني صلاة الفرض ، وهي صلاة الجماعة ؛ لأنه قال : ﴿ اهْدِنَا ﴾ فهذا تنبيه على أن ذلك إنما يقع لمن كان معه غيره ، وأما صلاة النفل فهي تبع لذلك ، وقد تقع جماعة ، وقد لا يكون ذلك ، والحكم إذا دار بين الفرض والنفل فإنه يغلب الفرض في مسائل كثيرة ، كما هو معلوم .

والهداية هنا مطلوبة من الله جل وعلا ، وحقيقة الهداية أنها الدلالة والإرشاد ، ففي اللغة : هدى يعني دل وأرشد .

أنواع الهداية :

والهداية في نصوص القرآن أربعة أنواع :

النوع الأول : هداية غريزية ، بمعنى هداية الله – جل وعلا – الخلق لما يصلح لهم غريزة ، وهذا كقوله جل وعلا : ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [ طه : 50 ] .

النوع الثاني : الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد لما يصلح في أمر الدين . فالأولى غريزية فيما يصلح في أمر الدنيا ، وهذه دلالة وإرشاد لما يصلح في أمر الدين ؛ كما في قوله – جل وعلا – لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ الشورى : 52 ] ، وكقوله : ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [ الرعد : 7 ] ونحو ذلك . وهذه الهداية يملكها الرسل ، ويملكها العلماء ، ويملكها الدعاة .

النوع الثالث : الهداية التي هي التوفيق والإرشاد ، وهي نتيجة الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد التي سبقت في النوع الثاني ، فهل يقبل العبد هداية الدلالة والإرشاد أم لا يقبل؟ يحتاج في القبول إلى توفيق ، ولهذا قيل : هداية توفيق ؛ وهذه كما في قوله : ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [ القصص : 56 ] يعني : لا توفِّق مَن أحببتَ ولكن الله يوفق من يشاء .

النوع الرابع : وهو أعظمها وأجلها وغاية جميع أنواع الهدايات ، وهو الهداية إلى طريق الجنة ، والهداية إلى طريق النار :

 – هداية المؤمنين إلى طريق الجنة ؛ كما في قوله تعـالى : ﴿ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾ [ محمد : 4 ، 5 ] .

فهذه الهداية ليست هداية الدنيا ، وإنما هي هداية الآخرة ، قال أهل التفسير : سيهديهم إلى طريق الجنة . . نسأل الله الكريم من فضله!

 – وكذلك الهداية إلى طريق النار ؛ قال جل وعلا : ﴿ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ﴾ [ الصافات : 23 ] والعياذ بالله! وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ﴾ [ القصص : 41 ] نسأل الله العافية!

فهذه أربعة أنواع ، فقول القائل : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ يشمل الأنواع الثلاثة : الثاني والثالث والرابع ، ولكلٍّ تفسير ، أما الثاني وهو هداية الدلالة والإرشاد ، فالعبد إنما قال ذلك بعد أن هُدي ، بمعنى أنه بُين له وأرشد ودُل على الإسلام ، فالمصلي يتلو هذه الآية وهو من أهل الإسلام ، لكن يدخل في دعوة الداعي في قوله لربه : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ معنى دلنا وأرشدنا إلى الصراط المستقيم . كيف يكون ذلك؟ لأن أمور الصراط المستقيم وأفراده وأنواعه كثيرة لا يمكن إحصاؤها ، وهذه يتنافس في معرفتها العلماء . ويدخل في هذا كل عالم في مسألة قد دُل وأرشد إليها ، وهذه المسألة هي من مسائل الشرع الذي هو الصراط المستقيم .

فقول القائل : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ معناه أنه يطلب من ربه أن يبين له ويدله على أنواع وأمور الصراط ؛ بأنواعها وأفرادها وتعددها ؛ ولهذا يقول الداعي في دعائه : “اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه” .

﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ :

أمور الصراط المستقيم متعددة : مستحبات ، مكروهات ، واجبات بأنواعها ، محرمات ، أنواع العلم بالله ، أنواع العلم بأحكامه ، أنواع العلم بآثار أسمائه وصفاته في ملكوته ، أمور كثيرة لا يمكن أن يحصيها محصٍ ؛ فالسائل في قوله : ﴿ اهْدِنَا ﴾ يدعو ربه أن يبين له ذلك ، وهذه حاجة من أعظم الحاجات ، إن أعظم حاجة نحتاجها هي أن يبين لنا ذلك ، لكن مع ذلك نسأل الله أن يهدينا بالمعنى الثاني الذي هو هداية التوفيق والإلهام ؛ لأن الدلالة والإرشاد بدون توفيق ولا إلهام ولا تسديد من الله حجة على العبد ، وليست حجة له . فقول القائل : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ بعد أن سأل الله الدلالة والإرشاد هو سؤال الله أن يوفقه لجميع أفراد الصراط المستقيم . وسيأتي تفسير الصراط إن شاء الله تعالى .

كذلك المعنى الأخير الرابع من أنواع الهداية في ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ فالصراط المستقيم صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، الصراط في الآخرة له وصف : منصوب على متن جهنم ، أحدّ من السيف وأدق من الشعر ، على جنباته كلاليب كأمثال شوك السَّعدان ، ونحو ذلك مما جاء وصفه في السنة . والله – جل جلاله – قال في سورة مريم : ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾ [ مريم : 71 ] ، ودون الصراط ودون الجسر ظُلمة ، ولا يبصر طريق الصراط إلا من أُعطي النور الذي يبصر به ؛ كما قال النبي – عليه الصلاة والسلام – في الحديث الصحيح : « . . .هُمْ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْجَسْرِ » ([2]) أي : دون الصراط . أما الكفار فهم في ظلمة لا يدرون أين الصراط ، وجهنم يُجاء بها ﴿ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ﴾ [ الفجر : 23 ] لها سبعون ألف زمام تُسحب وينصب عليها الصراط وتجعل حولها الظلمة ، فيأتي الكفار يتهافتون فيها تهافت الفراش . وهذا الصراط الذي هو الطريق من العَرَصات إلى الجنة ، منصوب على متن جهنم ، ومن وصفه : أنه أدق من الشعر وأحد من السيف ودونه الظلمة ، فمن الذي يُهدى؟ ولهذا لعظم هذا الأمر يقول الأنبياء : « اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ » ([3]) ، فالأمر شديد .

فيستحضر الداعي ربه – جل وعلا – بقوله : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ذلك الصراط ، فيسأل الله أن يهديه ويدله ويرشده عن ذاك الصراط ، فيبصره ويمضي فيه على ما قدر الله – جل وعلا – له من السرعة والمضاء ، وهذه أنواع من الدعاء لو حصلت للعبد لكفى بها . ولهذا يقول العلماء : إن أحوج سؤال سأله العبد ربه – جل وعلا – هو هذا السؤال ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ .

ومن رحمة الله – جل وعلا – بعباده المؤمنين أنه جعل لهم هذه السورة التي فيها هذا السؤال العظيم الذي لا يعرف عظمه وقدره وحاجة العبد إليه ، بل وحاجة العباد إليه ؛ إلا من وُفق ، وقليلٌ ما هم .

والمراد بالصراط في ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ صراط الدنيا وصراط الآخرة ، أما صراط الآخرة فقد ذكرتُ معناه ، وأما صراط الدنيا فقد اختلفت أقوال المفسرين من السلف في معناه ؛ فقال بعضهم : الصراط المستقيم هو القرآن ، وقال آخرون : الصراط المستقيم هو الإسلام ، وقال آخرون : الصراط المستقيم السنّة ، وقال آخرون : الصراط المستقيم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم . قال العلماء كابن جرير وابن كثير وشيخ الإسلام وجماعة : كل هذه الأقوال مؤداها واحد ؛ لأن من التزم بالقرآن التزم بالإسلام والتزم بالسنة واتبع النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فالعبد يسأل ربه أن يهديه الصراط المستقيم في الدنيا بأن يهديه إلى الإسلام ، يهديه إلى القرآن ، يهديه إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم .

وهاهنا سؤال معروف عند أهل التفسير ، وهو أن العبد المصلي قد هُدي إلى الإسلام ، هدي إلى القرآن ، فكيف يسأل هذا السؤال : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ بمعنى أرشدنا ودلنا على الإسلام ، أرشدنا ودلنا على القرآن ، أرشدنا ودلنا على السنة ، أرشدنا ودلنا على اتباع النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف يكون وجه السؤال هاهنا؟

قال العلماء : إن هذا السؤال سؤال لطلب الثبات على الصراط ؛ لأن المصلي قد حقق الإسلام ، فهو يسأل أن يثبت عليه ، وهذا معروف في الأوامر ؛ فمن أُمر بشيء قد تحقق به فإن معنى الأمر : اثبت عليه ؛ قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ [ الأحزاب : 1 ] ، أي اثبت على تقوى الله جل وعلا ، وقال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا ﴾ [ النساء : 136 ] ، يعني اثبتوا على الإيمان ؛ هكذا قال كثيرون من أهل العلم .

وفي هذا الجواب نظر ، والصواب والأصح : الثاني : أن الصراط المستقيم وإن كان الإسلام أو القرآن أو السنة أو اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فإن له تفاصيل ، وذلك أن الصراط المستقيم واسع وثم فيه أمور وتفاصيل ، فالإسلام ليس شيئا واحدًا ، وإنما هو مبني على أمور ، مبني على أركان خمسة ، وله شعب ، كذلك الإيمان مبني على أركان ستة وله شعب : شعب عقدية ، وشعب قولية ، وشعب عمليه . وهكذا الإحسان ركن واحد ، وأيضًا هذا الركن له شعب ، وهكذا . . .

إن أمور الإسلام متعددة ، فآيات الله – جل وعلا – في القرآن التي فيها الإخبار متعددة ؛ أخبر الله بأشياء كثيرة في القرآن ، الأوامر متعددة ، النواهي متعددة ، فحين يسأل العبد الله فإنه يسأله – جل وعلا – أن يدله – كما ذكرت لك آنفًا – وأن يوفقه لهذه التفاصيل جميعا ، وهو سؤال بجميع ما يدخل في أمور الإسلام ، ولهذا ليس ثم أحد مستغنٍ عن هذا السؤال . العالم ، بل الأنبياء يحتاجون إلى هذا السؤال ، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يتلو ذلك وهو محتاج إليه ، الصحابة يتلون ذلك وهم محتاجون إليه ، كل واحد يتلو هذه الآية ويسأل الله أن يهديه الصراط المستقيم بهذا المعنى ؛ بتفاصيله وأنواعه وأفراده ، وكل واحد بحاجة إلى ذلك بحسب حاله .

فإذا تلا التالي هذه الآية فلا يقول : أنا من أهل الهداية ؛ فكيف أسأل الله إياها؟! فيُذكَّر ويقال له : لا ، أنت في أعظم الاحتياج والفقر إلى أن تسأل ربك أن يدلك على أمور هذا الصراط المتنوع ، وأن يعلمك ويفهمك ذلك ، ثم يوفقك إلى هذا في الدنيا بالتزامه ، ثم يعطيك جزاءه في الآخرة بالجواز على الصراط .

فكل مسألة من مسائل الصراط نحن في حاجة إليها ، يوضح ذلك أن الصراط في الآخرة لا يمضي عليه إلا من قوي يقينه ، فلا يمضي عليه بسرعة ومضاء إلا من قوي ، وهكذا الناس يخِفون في سرعتهم بقدر قوة يقينهم وثباتهم ومعرفتهم بهذا الصراط في الدنيا ، فبقدر معرفة العبد بالصراط في الدنيا وثباته عليه والتزامه به يكون على ذلك الصراط شأنه وحاله يوم القيامة .

ولهذا قال العلماء : إن ثم في الدنيا كلاليب تعلق بالقلب ، وهي كلاليب الشهوات والشبهات ، كما ذكر ذلك ابن القيم في أول (المدارج) قال :

“ولينظر العبد الشبهات والشهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم ؛ فإنها الكلاليب التي بجنبتي ذاك الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه ، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك ، وما ربك بظلام للعبيد”([4]) .

وقد قال نبينا عليه الصلاة والسلام : « فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ » ([5]) .

فبقدر تعلق الكلاليب في الدنيا – وهي كلاليب الشبهات والشهوات – يكون ذلك ، إن لم يغفر الله ويتجاوز عن عبده . نسأل الله – جل وعلا – السلامة والعافية .

بعض صفات الصراط :

والصراط في اللغة – كما أجمع عليه اللغويون ، وحكى عليه الإجماع ابن جرير الطبري ، رحمه الله تعالى – الطريق الواضح المستقيم الذي يجمع كثرة من السالكين فيه ، واستشهد في ذلك بقول الشاعر :

أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ

 

إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ

وهذا – كما ذكر العلماء – جاء مفصلا بالأدلة الشرعية في الكتاب والسنة ، أعني معنى الصراط ، وقد جمع ذلك ابن القيم وغيره ، حيث قالوا : إن الصراط لا يسمى صراطا مستقيما حتى يجمع بين خصال :

منها : أن يكون واحدًا في إيصاله للمقصود .

ومنها : أن يكون أقصر طريق وأصح طريق للإيصال للمقصود .

واستُدل لذلك بلفظ المستقيم ؛ فإن المستقيم هو خلاف المائل ، والمائل أطول من المستقيم ، فجاء النعت للصراط بأنه أقصر طريق يوصل إلى المقصود ، ومعنى ذلك أن غيره من الطرق إنما هي سبل منحرفة معوجة لا توصل إلى المقصود على الوجه الذي رضيه من نصب هذا الصراط .

ومنها : أنه لا يسمى صراطًا حتى يكون واسعًا ، يكثر سالكوه ، وهذا – لا شك – فيه تنبيهات كثيرة على أن هذا الصراط كثر سالكوه ، وأن الذي يسلكه وإن كان في زمنه لا يرى سالكا غيره ، فإنه ليس وحده بالنظر إلى كثرة من سلكه ، ولهذا قال بعدها : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ ، فهو صراط كثر السالكون فيه ، فإن هذا الصراط واسع قد سلكه فِئام كثيرة من أولياء الله ومن المطيعين له ولرسله .

كذلك قال – جل وعلا – في وصف إبراهيم عليه السلام : ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ [ النحل : 120 ] يعني إمامًا مقتديًا به في الخير ، وقال إمام هذه الدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهَّاب رحمه الله تعالى :لئلا يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين” .

فلو لم يجد المؤمن الذي يدعو بهذا الدعاء : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ إلا أن يكون معه أنبياء الله ورسل الله – عليهم صلوات الله وسلامه – لكفى بذلك يقينًا له ، ولكفى بذلك إيناسًا له .

فهذه من صفات الصراط المستقيم .

مسائل أخرى خاصة بالصراط :

والصراط ينسب إلى الله – جل وعلا – تارَةً ، كما في قوله : ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ هود : 56 ] ، وكما في قوله : ﴿ صِرَاطِ اللَّهِ ﴾ [ الشورى : 53 ] ، وينسب أو يضاف تارة إلى السالكين فيه ؛ كما قال هنا : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ . . .

فالإضافة الأولى إنما هي بالنظر إلى الذي نصبه ووضعه ، والإضافة الثانية هي بالنظر إلى من سلكه وجعله سبيلًا له ، وكفى بهذا طمأنينة للعبد المؤمن ؛ لأنه إذا نظر إلى أن هذا الصراط الذي نصبه وجعله طريقًا موصلًا للحق ، موصلًا للمراد ؛ هو الله جل وعلا ، وأن الله – جل وعلا – عليه ، وأن السالكين فيه هم صفوة خلق الله ؛ كان ذلك في قلبه أعظم ما يكون من إحداث اليقين والطمأنينة .

﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ :

قال – جل وعلا – بعدها : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وهذا الصراط عُرف في الآية الأولى بقوله : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، ونعت بأنه مستقيم ، والتعريف في قوله : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ هذا إما للعهد ، يعني الصراط المعهود ، وإما أن يكون التعريف لبيان حقيقته ، وكلاهما موجود في اللغة . . .

ثم أكد ذلك وعرفه أكثر بعد التعريف السابق بالإضافة التي تقتضي التعريف والتخصيص ، كما هو مقرر في موضعه في علوم العربية ، فقال : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ فالله – جل وعلا – ذكر أنه الصراط ، وأنه المستقيم ، وعرفه أكثر بأنه صراط الذين أنعم الله عليهم ، فقال : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وهذا له فائدة ، وهي أن الصراط من حيث معرفته على حقيقته قد يشتبه على كثير من الخلق : أي الصراط هو الحق؟ إذا نظره من جهة حقيقته ، فإذا اشتبه عليه فثم تعريف آخر عظيم يدله على هذا الصراط ، وهو أنه الصراط والسبيل الذي سلكه من أنعم الله عليهم ، وهذا لا يقع معه الاشتباه ؛ لأن من الناس من لا يحسن معرفة حقيقة الشيء من حيث هو ؛ لأنه يحتاج إلى علم وإلى نظر واستدلال ، ولكن إذا نظر إليه من جهة من سلكه فإنه يدركه ، وهذا من فوائد هذا التعريف بعد التعريف ، فالله – جل وعلا– قال في الآية : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ ، وهذا تعريف له بقوله : ﴿ الصِّرَاطَ ﴾ يعني أنه معروف معهود وصفه ، معهودة حقيقته ، وقال بعدها : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ فإذا لم يصل العبد ولم يعرف حقيقته التي قال فيها : ﴿ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ فإن حقيقته تعرف بالسالك فيه ، فمَن هو السالك لهذا الصراط الذي إذا وقع الاشتباه دلك على هذا الصراط الواحد الذي لا يتعدد؟

قال سبحانه : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، والذين أنعم الله عليهم هم أهل تقواه ، أهل تحقيق الإسلام له ؛ لأن الله – جل وعلا – بيّن في سورة البقرة أن كثيرين ادعوا أنهم سيدخلون الجنة من سائر الفرق والمِلل والنِّحل ، فقال سبحانه : ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [ البقرة : 111 ] ، ثم بين البرهان الذي يستحقه من يدخل الجنة ، وهي نهاية الصراط ؛ الجنة ؛ فهي نهاية الصراط ، وهي الغاية التي شمر إليها المشمرون وساروا على هذا الصراط ليصلوا إليها بعد رضا الله جل وعلا ، وبعد رحمته ، فقال بعدها : ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلَى ﴾ [ البقرة : 111 ، 112 ] يعني بلى سيدخل الجنة ﴿ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ [ البقرة : 112 ] أي من جمع بين هذين الوصفين ؛ تحقيق الإسلام ، وتحقيق الإحسان في العمل والمقال والاعتقاد .

بين – جل وعلا – أيضًا في سورة النساء هؤلاء الذين أَنعمَ عليهم على وجه التعين ، فقال سبحانه : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [ النساء : 69 ، 70 ] فبين الذين أنعم عليهم ، والذين نسب إليهم هذا الصراط ؛ لأنهم هم الذين سلكوه على نور من ربهم ، وعلى برهان صحيح من ربهم ، هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون ، هؤلاء هم الذين أنعم الله عليهم ، فإن كان العبد قد رأى النبيين فهذا صراطهم ، وإن كان رأى الشهداء الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا في سبيل الله ، فهذا هو صراطهم ، أو رأى الصديقين الذين صدقوا ، وجاءوا بالصدق ، وصدقوا به ، قالوا الصدق في قولهم واعتقادهم ولم يعتقدوا خلاف الواقع ولم يقولوا خلاف الواقع ، ولم يعملوا بخلاف ما يجب وهو الواقع ، فإن هؤلاء هم الصديقون ، إذا لم تر أولئك ولم تر أولئك فابحث عن الصديقين ، فإن لم تر أولئك فستجد الصالحين ، لا يخلو منهم زمان ، وهم الذين قام بهم الصلاح ؛ صلاح القلب بما قام به من الاعتقادات ، وصلاح القول بما قام باللسان من أنواع الكلام الطيب ، وصلاح العمل الذي هو متابعة السنة .

وهذا يوضح لك هذا الصراط بحيث إنه لا يقع فيه اشتباه أبدًا .

فمن هم ﴿ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾؟ هم الذين أطاعوا الله – جل وعلا – واستجابوا له ولرسله من أتباع الرسل ، ومقدم أولئك وأئمتهم رسل الله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام .

***

قال الله جل وعلا : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ هذا فيه إسناد الإنعام إلى الله ، وفيه تنبيه ؛ فإنهم سلكوا هذا الصراط ، ونسب الله – جل وعلا – بل أضاف الصراط إليه بقوله : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، ومع أنه أضاف الصراط إليهم في هذا الموضع لكنه نبه على أن سلوكهم لهذا الصراط إنما هو من جهة إنعام الله عليهم ، لا من جهة أنفسهم فقال : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ ، وهذا فيه إبعاد للقلب عن الغرور بالنفس وعن الثقة بها وعن اعتقاد العبد أنه وصل إلى الاستقامة ، أو ثبت عليها ، أو سيثبت عليها من طريق جهده واجتهاده ونفسه ، بل إنه لا غنى للعبد عن الله طرفة عين ، فالسالك لهذا الصراط ما سلكه إلا بإنعام الله عليه ، فهو – جل وعلا – الذي هدى الصراط المستقيم ، وهو الذي دل عليه ، وهو الذي أنعم به سلوكًا ، يعني وفق إليه ، فمبتدأ الأمر من الله ومنتهاه على الله وإلى الله ، والله – جل وعلا – بعد ذلك يثيب السائرين على الصراط ، وهذا أعظم ما يكون من الرحمة والكرم والمنة والإحسان والفضل .

يرشد إليه ، ويوفق إليه ، ويهدي إليه ، ثم بعد ذلك يثيب العبد ، وهو المنعم المتفضل ، وهذا –لا شك – يجعل القلب في محبة بعد المحبة ، وفي تجرد بعد التجرد ، وفي حسن توكل على الله وتفويض الأمر إليه .

فالفاتحة هذه السورة العظيمة فيها أصول العقائد ، فيها أصول السلوك ، فيها أصول الأحكام ، ولهذا صارت وسميت أم القرآن ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [ الحجر : 87 ] ، هي القرآن العظيم ، وهي السبع المثاني ، وهي أم الكتاب ؛ لما اشتملت عليه من أصول عظام .

***

قال هنا : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ فهؤلاء صراطهم واحد ، وأما غيرهم فهم على سبل كما جاء في القرآن أو كما يعبر بعضهم : على صُرطٍ مختلفة لكنها صرط لا توصف بالاستقامة ، أو هي سُبُل ليست بصرط أصلا ، قال سبحانه : ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [ الأنعام : 153 ] ، فالصراط صراط الله ، وغيرُ هذا الصراطِ سُبُلٌ ، على كل سبيل منها شيطان يدعو الناس إلى ذلك السبيل ، لا حصر لها ولا عدد ، تتنوع وتتفرع وتتشعب باختلاف الأزمنة والأمكنة ، ولكن صراط الله واحد ، أضافه إلى نفسه لتعرفه ، وأضافه إلى أوليائه السالكين فيه لتعرفه .

﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾

ثم بين أيضًا سبحانه ما به يُعرف هذا الصراط ، وهو أنه مخالف لطرق الهالكين ، فقال سبحانه : ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ يعني غير صراط المغضوب عليهم ، كما هو الراجح في هذا الموضع عند جمع من أهل التفسير .

وقال بعض العلماء : إن “غير” هنا استثناء ، مثل “حاشا” وأشباهها ، تقول : دخل الرجال غير محمد ، يعني إلا محمدًا ، فقالوا : إن قوله : ﴿ غَيْر الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ هذا استثناء عما سبق ، يعني اهدنا الصراط المستقيم ؛ صراط الذين أنعمت عليهم ، لكن صراط – استثناء منقطع – المغضوب عليهم والضالين لا نريده ، لا نبغيه ، لا نختاره .

وهذا فيه نظر من جهة العربية ، وفيه نظر أيضا من جهة المعنى المتقرر هنا ، والأنسب هو الأول كما قرره المحققون ، وهو أن “غير” نعت لما قبلها ، فمعنى ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ : غير صراط المغضوب عليهم .

وهنا على هذا التقدير هل يُجعل للمغضوب عليهم صراط؟ هل يُجعل لهم صراط أم أن لهم سبلًا؟

هذا على الخلاف : هل الصراط يقع على المحمود من السبيل أم يقع على المحمود والمذموم من السبيل؟ خلاف لغوي وكذلك اصطلاحي أو استعمالي .

وعلى هذا فإننا نقول : إن المعنى : غير صراط إذا كان الصراط للمحمود والمذموم ، أو يضاف إلى المعنى : غير سبيل المغضوب عليهم ولا الضالين ؛ لأن اللفظ إذا حُذف فإنه يصح أن يُقدر مكانه لفظه إن صلح أو معناه إن لم يصلح اللفظ ، وهذه قاعدة يُستفاد منها في المقدَّرات في التفسير وفي غيره .

***

والمغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى ، صح بذلك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم([6]) ، بل حُكي اتفاق المفسرين على أن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى .

أما قولنا : المغضوب عليهم هم اليهود فلأن الله – جل وعلا – وصفهم في القرآن بأنه غضب عليهم في غير ما آية ؛ كقوله تعالى : ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ﴾ [ البقرة : 90 ] ، وكقوله تعالى : ﴿ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ [ الفتح : 6 ] ونحو ذلك .

وهم مع كونهم مغضوبًا عليهم هم أيضًا ضالون ، فلم وُصف النصارى بالضلال مع أنهم مغضوب عليهم أيضًا ، ووُصف اليهود بالغضب مع أنهم ضالون أيضًا؟

قال العلماء : لأن أخص صفات اليهود أنهم مغضوب عليهم ، ولأن أخص صفات النصارى أنهم ضالون ، فوُصف أولئك وهؤلاء بأخص الصفات التي تضاف لهم . . نعم ، اليهود ضالون ، ولكن أخص من ضلالهم أنهم مغضوب عليهم ، ولهذا ذكر الله – جل وعلا – في كتابه الغضب عليهم في غير ما آية .

والنصارى ضالون كما قال جل وعلا : ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾ [ المائدة : 77 ] .

فالله – جل وعلا – وصف النصارى بأنهم أهل ضلال لأنهم أخص به .

***

قال العلماء : إن “المغضوب” من حيث اللفظ اسم مفعول ، وقد جاءت قبله “أل” ، والمتقرر أن “أل” تكون اسمًا موصولًا إذا جاءت قبل اسم المفعول ، كما قال ابن مالك في الألفية :

وَصفَةٌ صَرِيْحَةٌ صِلَةُ أَلْ

 

وَكَوْنُهَا بِمُعْرَبِ الأَفْعَالِ قَلْ

“وصفة صريحة” : أي اسم الفاعل والمفعول .

فهنا ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ كأنه قال : غير الذين غُضب عليهم . وهذا يعني أن أولئك الذين غُضب عليهم كثير ؛ لأنه عبر بالاسم الموصول الذي هو “أل” . أو تكون “أل” هنا للعهد مع كونها موصولة ، يعني تفيد التعريف على اختيار بعض النُّحاه .

***

فلم وصف اليهود بأنهم مغضوب عليهم؟

سبب الغضب – كما ذكر العلماء – أنهم علموا فخالفوا ، علموا علما بينًا وأقيمت عليهم الحجج المتنوعة وفهموا ذلك واستبانوه ووضح لهم ، ولكنهم خالفوا عن يقين وعن معرفة ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ البقرة : 146 ] ، حرَّموا الحلال وهم يعلمون أنه حلال ، وأحلوا الحرام وهم يعلمون أنه حرام ، غيروا حدود الله وهم يعلمون أنها حدود الله ، فوُصفوا بأنهم مغضوب عليهم .

والغضب جاء على اليهود جميعًا ، مع أن الذي فعل تلك الأفعال إنما هم علماؤهم ، وهذا يدل – كما ذكر طائفة من أهل العلم – على أن العامة تَبَعٌ لعلمائهم في الحكم ، وهذه مسألة مهمة .

إذن قوله : ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ﴾ يعني غير الذين غُضب عليهم ، وسبب الغضب أنهم علموا فخالفوا .

﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ :

قال عن النصارى : ﴿ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ يعني : ولا صراط الضالين ، و”الضالين” : جمع تصحيح للضال ، والضال اسم فاعل من الضلال ، أو اسم من قام به الضلال .

والضلال أصله في اللغة النسيان ، قال جل وعلا : ﴿ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ [ البقرة : 282 ] ، وقال سبحانه : ﴿ أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [ السجدة : 10 ] ، يعني نزّلوا حالهم إذا انتهت لحومهم وعظامهم في الأرض منزلة مَن نسي وتفرق بحيث لم يعد شيئًا مذكورًا .

والضلال نسيان ، فأطلق على مَن خالف الحق عن غير علم ضالًّا لأنه في مقام من تركه نسيانًا له وإعراضًا عنه مع عدم علمه به ، وهذا ظاهر في الصلة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي .

وووصف –سبحانه – النصارى بـ ﴿ الضَّالِّينَ ﴾ لأنهم تعبدوا بعبادات على جهالة فضلوا ، وهم ليسوا من الذين تعمدوا ذلك ، وقد أوضح الله – جل وعلا – هذا في سورة الحديد بقوله : ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ﴾ [ الحديد : 27 ] .

وهذا فيه التحذير من سبيلين وقعا في هذه الأمة :

السبيل الأول : سبيل مَن شابه اليهود .

السبيل الثاني : سبيل مَن شابه النصارى .

والناس الذين يتلون الفاتحة في هذه الأمة إما علماء وإما متعبدون : إما علماء فعلا أو على حكم العلماء كطلبة العلم ، أو المنتسبين ، أو نحو ذلك ، وإما متعبدون ليسوا بعلماء ولا بمنتسبين إلى العلم . فهذان الصنفان في الأمة ممن يتلو هذه الفاتحة ويحافظ عليها في صلاته ويتلوها ، والله – جل وعلا – بعد أن ذكر الصراط ذكر وصفه باعتبار السالكين ، وذكر ما يتميز به هذا الصراط باعتبار الهالكين ، وهم الذين علموا فخالفوا العلم – نسأل الله جل وعلا العافية – واتبعوا أهواءهم ، والذين تعبدوا الله – جل وعلا – على جهل .

***

وإذا تبين هذا فنرجع إلى آخر آيتين ، قال تعالى : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ فتلحظ أن هذا الدعاء مع أن الله – جل وعلا – هو الذي أنزله ليرشد العباد إليه ويبين لهم هذا الطريق فهو – جل وعلا – ينبه العباد في دعائهم هذا إلى ما ينبغي أن يكون في قلوبهم ؛ لأن الداعي حين يدعو يستحضر ما يدعو به ، فحين يقول : اهدنا الصراط المستقيم ، يسأل الله الهداية بهذا الصراط ، هو يتكلم أيضا بوصف هذا الصراط ، يخاطب ربه بذلك بقوله : ﴿ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ﴾ معنى ذلك أنه راغب في سلوك صراط المنعم عليهم ، أيضا يقول : ﴿ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ يعني أنه غير راغب ولا محبذ ولو بقريب ، ولا يرغب ، بل يستعيذ بالله من صراط الذين خالفوا عن علم ، وصراط الذين تعبدوا على جهالة ، فترى أن هذا الدعاء أعطى الهداية للقلب من جميع جهاته ، بحيث إن العبد لو تأمله على حقيقته لاستغلقت عليه مداخل الشيطان .

إن إضافة الصراط إلى مَن سلكه تعني أنه يقوم بقلب القارئ أنه مع هؤلاء الذين أنعم الله عليهم ، وهم أهل طاعة الله وطاعة رسوله وأهل تقواه ، ثم يقوم بقلبه البغض وعدم الرغبة وكراهة صراط الذين علموا فخالفوا العلم ، والذين تعبدوا على جهالة . . وهؤلاء الأصناف كثروا في هذه الأمة جدًّا ؛ أعني الذين تعبدوا على جهالة ، والذين علموا فتركوا العلم في العقائد وفي العبادات وفي الفقه وفي السلوك . . إلى آخره ، وكذلك الذين تعبدوا على غير بصيرة .

***

يُشرع لمن أتم الفاتحة إذا كان في صلاة أن يقول بعدها : “آمين” . وهذا اسم فعل بمعنى : استجِبْ ، وقد تكون ممدودة : آمين ، وقد تكون مقصورة : أمين ، وكلاهما لغة ، وهي صحيحة ، وهي ليست من الفاتحة ولكنها دعاء .

والمؤمِّن أحد الداعيينِ ، يعني إذا تلا الإمام الفاتحة ودعا بهذه الدعوات فقال المؤمن بعده : آمين ، فكأنه شركه في الدعاء ، يعني كأن الإمام قال هذا الدعاء من أوله إلى آخره لنفسه ومن معه ، دليل ذلك قوله تعالى في سورة يونس : ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ [ يونس : 88 ] ، من الذي دعا؟ موسى عليه السلام ، قال – جل وعلا – في الآية التي بعدها : ﴿ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾ [ يونس : 89 ] ، والداعي موسى . قال المفسرون : لأن هارون أمَّن فقال : آمين بعد دعاء موسى ، والمؤمِّن أحد الداعييْن ، كأنه دعا الدعاء بمفرده له ولأخيه .

ولهذا يُحرَم هذا الخير العظيم مَن لا يؤمِّن في الصلاة .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد .



( [1] ) أخرجه أحمد ( 3 / 491، رقم 16016 ) .

( [2] ) أخرجه مسلم ( 1 / 252، رقم 315 ) .

( [3] ) أخرجه البخاري ( 1 / 160، رقم 806 )، ومسلم ( 1 / 163، رقم 182 ) .

( [4] ) “مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين” لابن قيم الجوزية ( 1 / 10 ) طبعة دار الكتاب العربي .

( [5] ) أخرجه البخاري ( 9 / 129، رقم 7439 )، %

شاركها مع أصدقاءك