بواسطة :
الزيارات : 1٬443 مشاهدة
  • إسم الملف : تفسير سورة الفاتحة - الجزء الأول
  • عدد الزيارات : 1٬443 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير فاتحة الكتاب

الحمد لله ذي المحامد كلها ، وذي الخير كله ، وذي الفضائل كلها ، الحمد لله الذي له الأسماء الحسنى ، وله النُّعوت العُلا ، الحمد لله الذي له كل المحامد على وجه الكمال ، الحمد لله الذي هدانا للإسلام ، ووفقنا للخير الذي نحن فيه من الالتزام بكتابه وبسنّة رسوله – صلى الله عليه وسلم – ما استطعنا ، الحمد لله الذي يُحمد على الخيرات ، وهو المحمود على كل حال ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، ومَن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين .

أما بعد :

فأسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا من المنتفعين بالقرآن ، المتدبرين له ، الذين يُسر عليهم قراءةً وتلاوةً ، وحفظًا وتدبرًا وفهمًا ، وأسأله – جل وعلا – أن يُفهمنا منه ما به تَقَر أعيننا وتنشرح نفوسنا .

إن أول القرآن ، بل والقرآن العظيم فاتحةُ الكتاب ، وأول ما يُفسَّر من القرآن هذه السورة العظيمة ، فتفسيرها مع كونه محتاجًا إليه لفهم سبع آيات من القرآن ، فهو محتاج إليه من جهة الصلاة ، التي هي أعظم أركان الإسلام العملية ، وإنما يَعظُم أجرُها لمن تدبر كتاب الله جل وعلا ، وقال ما يقوله في صلاته عن علم واعتقاد وفهم .

قال النبي – عليه الصلاة والسلام– عن فاتحة الكتاب كما ثبت في الصحيح : « الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ » ([i]) .

وتُسمى أم القرآن ، وأم الكتاب ؛ وذلك لأن هذا الكتاب يُفتتَح بها ، ولأن الصلاة تُفتتح بها ، كما ذكر هذا التعليل البخاري – رحمه الله تعالى – في صحيحه .

وكذلك لأن معاني القرآن جميعًا ترجع إلى ما ذُكر في هذه السورة العظيمة ، فهي أم القرآن باعتبار أن معاني القرآن ترجع إلى المعاني التي فيها ، وهذا يظهر لك واضحًا جليًّا عند الشروع أو بعد الانتهاء من تفسيرها .

ثبت في الصحيح أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « قالَ اللهُ تَعالَى : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ » ([ii]) ، ويعني بالصلاة فاتحة الكتاب .

فهي بين العبد وبين ربه في صلاته ، وهذا ينبئ عن عِظَم شأنها في الصلاة .

ثم قال النبي – عليه الصلاة والسلام – عن رب العزة عز وجل : « فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ الفاتحة : 2 ] قالَ اللهُ تَعالَى : حَمِدَنِي عَبْدِي ، وإذا قالَ : ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [ الفاتحة : 3 ] قالَ اللهُ تعالَى : أثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي ، وإِذَا قَالَ : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ [ الفاتحة : 4 ] قالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي ، فَإِذَا قالَ : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [ الفاتحة : 5 ] قالَ : هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ [ الفاتحة : 6 ، 7 ] ، قالَ : هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ » ([iii]) .

وهذا الذي وصف بهذا الحديث لا شك أنه متفرِّع عن فهم هذه السورة وفهم معانيها ، وعن تدبر آياتها ، فليس سواء عالِمٌ بها وجهول ، لا يستوي من يتلو هذه الآيات من سورة الفاتحة وهو يعقل معانيها ، ويفهم دلالاتها ، مع مَن إنما يرددها بلسانه وقلبه إما مشغول عنها ، وإما جاهل بها ، وما أعظم أن تكون حين الصلاة مناديًا لله – جل وعلا – بهذه السورة العظيمة ، هذه السورة التي هي فاتحة الكتاب ، وهي السبع المثاني ، كما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، وبها فسر قوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ [ الحجر : 87 ] .

فالسبع المثاني فُسرت بأنها الفاتحة ، كما فسرها النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك فُسر القرآن العظيم مع السبع المثاني معًا بأنهما فاتحة الكتاب ، كما مرّ معنا في الحديث السابق الذي رواه البخاري وغيره .

“أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” :

هذه السورة مبتدَأة بالبسملة ، ومبتدأة أيضًا بما أمر الله – جل وعلا – القارئ للقرآن أن يبدأ قراءته به ، وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ، فكان لِزامًا أن نفهم وأن نعلم معنى الاستعاذة بالله – جل وعلا – من الشيطان الرجيم ، قال سبحانه : ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [ النحل : 98 ] .

يبتدئ التالي للقرآن – إما في الصلاة ، وإما في خارج الصلاة – التلاوة بقوله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وقد يزيد القارئ تنزيهًا لله وتعظيمًا بقوله : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، فهذا قد جاءت به السنة ، وكلٌّ وارد ، كما قال الشاطِبي :

إذا ما أردتَ الدهرَ تَقْرَأ فاسْتَعِذْ

 

جِهارًا منَ الشيطانِ بِاللهِ مُسَجَّلَا

على ما أتى في النَّحْل يُسْرًا وإن تَزِدْ

 

لِرَبِّكَ تَنْزِيهًا فلستَ مُجَهَّلَا

يعني إذا زِدتَ في الاستعاذة بأنواع الصفات فقلت : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، أو : أعوذ بالله الحي القيوم من الشيطان الرجيم ، فلستَ مجهلًا ، فالكل سائغ ، والأحسن الاتباع .

وقد جاء في هذا صفتان :

الأولى : “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” ، وهي التي جاء بها القرآن .

الثانية : ما ثبتت بالسنّة : « أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ » ([iv]) .

وهَمْز الشيطان الْمُوتَة ، وهو الجنون ، ونفث الشيطان الشِّعر الذي يُراد به الباطل ، ونفخ الشيطان الكِبر ؛ وهذا مما ثبت في السنّة .

“أعوذ” :

هنا يقول التالي : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ومعنى هذا القول : أعتصم وألتجئ وأتحرز بالله معبودي الحق الذي لا أعبد سواه ، ولا أفوض أمري إلا إليه ؛ من شر الشيطان الذي رُجم ورُمي وأُبعد وطُرد من رحمة الله جل وعلا ، من شياطين الجن ، ومن شياطين الإنس ؛ أن يصيبوني بأذًى في نفسي ، أو بأذى ونقص في ديني ، أو أن يصرفوني عن الالتزام بأمر ربي ، أو أن يحملوني على الإقبال على ما لا يحب إلهي ومولاي الذي أعبده .

ذلك أن معنى أعوذ : ألتجئ وأعتصم وأتحرز ،  نحو قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴾ [ الفلق : 1 ] ، وقوله : ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾ [ الناس : 1 ] ، وقوله : ﴿ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ﴾ [ المؤمنون :97 ، 98 ] .

إذن فمعنى العَوْذ : الالتجاء والاعتصام والتحرز بالله ، فتلحظ أنك عندما تقول : أعوذ ، معنى ذلك أنك تخلي القلب في كف الشر عنك من كل ما سوى الله جل وعلا ، وتعلم أن الذي يكف شر شياطين الجن والإنس عنك إنما هو الله جل وعلا .

ومناسبتها للتلاوة أن التالي حين يتلو يحضره الشيطان ليصرفه عن تدبر الآي ؛ وليحمله على الوسوسة ، وليجعله غير ملتزم بما تلا ، وكل هذا وأمثاله من شرور الشيطان التي يستعاذ بالله – جل وعلا – منها .

“بالله” :

يعني بالمعبود الحق ، الذي ليس ثم معبود حق إلا هو جل وعلا . . بمعبودي الذي أعبده ، وأتوجه إليه في كل عبادتي . وفي ضمن ذلك معاني الربوبية له جل وعلا ، الذي أفوض أمري إليه ، وأتوكل عليه ، وأعتصم به ، وأفوض أمري إليه ، وأطلب الخير منه ، وأطلب البعد عن الشر منه ، وهذا هو الله – جل وعلا – الذي بيده ملكوت كل شيء .

فالمستعاذ به هو الله – جل وعلا – وحده ، والاستعاذة عبادة من العبادات ، ولكنها عبادة قلبية ، لا تنزل إلا بالله جل وعلا ، فلا يجوز الاستعاذة بغير الله جل وعلا ، ومن استعاذ بغير الله – جل وعلا – فقد أشرك ؛ لأن الله – جل وعلا – هو الذي يحمي من الشر ، وهو الذي يفيض الخير ، ويمنع الشر ، قال تعالى : ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [ فاطر : 2 ] ، وقال جل وعلا : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [ الأنعام : 17 ] ، وقال – جل وعلا – في الآية الأخرى : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [ يونس : 107 ] .

فالذي يمنع الشر عن العبد هو الله جل وعلا ، والذي يُفيض الخير على العبد هو الله جل وعلا .

“من الشيطان” :

وأعظم أهل الشر شرًّا على العبد المؤمن الشيطانُ الرجيم ، الذي هو إبليس وجنوده من الجن ومن الإنس ؛ لأن أعلى وأغلى ما عند العبد المؤمن في هذه الحياة أن يستقيم على الإسلام ، ولا يمكن أن يستقيم على الإسلام إلا أن يكون متحصنًا متحرزًا من الشرور التي يصيبه الشيطان بها ويعتدي عليه بها . فهنا يستعيذ المرء بالله من الشيطان الرجيم .

قال أهل العلم : إن “الشيطان” مأخوذ من الشطن ، وهو البعد ؛ لأن الشيطان يُطلَق في اللغة على البعيد عن الخير ، أو البعيد عما عليه أجناسه ، فيقال له : شيطان ، ولهذا قيل لإبليس : إنه شيطان ، وإذا أطلق لفظ الشيطان فإنه يدخل فيه دخولًا أوليًّا إبليسُ ، والشيطان يشمل شيطان الإنس وشيطان الجن ؛ وذلك لأن شيطان الإنس قد بعُد عن الخير ، وشيطان الجن كذلك بعيد عن الخير ، ومما يدل له – كما قال المفسرون – قول الشاعر :

أَيُّمَا شَاطِنٍ عَصَاهُ عَكَاهُ

 

ثُمَّ يُلْقَى فِي السِّجْنِ وَالأَكبْالِ([v])

أيما شاطن : أي أيما بعيد ، فالشطن البعد ، ويقال أيضًا لبعض الحيوانات : إنها شيطان ، وذلك باعتبار البعد ؛ إما عن أجناسها ، وإما عن الخير ؛ فلقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « الْكَلْبُ الأَسْوَدُ شَيْطَانٌ » ([vi]) .

وأيضا جاء أن النبي – صلى الله عليه وسلم – رأى مَن يتبع حمامة فقال : « شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانًا » ([vii]) .

وثبت من حديث ابن وهب – رحمه الله – بإسناد صحيح ، أن عمر رضي الله عنه جيء له ببِرذون([viii]) فركبه ، فجعل يتبختر به ، فجعل يضربه فلا يزداد إلا تبخترًا ، فنزل عنه وقال : “ما حملتموني إلا على شيطان”([ix]) .

فإذن الشيطان في أصل اللغة يطلق على مَن بعُد عن الخير أو بعد عما عليه أجناسه .

وهذا المعنى العام نرجع بعده إلى المعنى الأخص ، وهو أن الشيطان هو : البعيد عن الخير ، الموصوف بالشر .

وقد يكون الشيطان بعيدًا عن الخير بالآصالة كإبليس ، ومَن تبعه من ذريته ، وقد يكون بالتأثر لا بالآصالة ، وهو من صار شيطانًا من الإنس ، ولهذا أمر الله – جل وعلا – في الاستعاذة بأن يستعيذ المرء من نزغات الشياطين ؛ قال جل وعلا : ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [ فصلت : 36 ] وهذا في عدد من الآيات .

إذن فالعبد بحاجة إلى أن يستعيذ بالله – جل وعلا – من الشيطان حاجة عظيمة ؛ لأن الشيطان يكيد لابن آدم بأنواع المكائد ؛ يكيد له بأن يضره ببدنه ، وبأن يضره بقلبه ، وبأن يضره بأهله ، وبأن يضره بماله ، بهذه الأنواع جميعًا ، ولا يعصم من هذا كله إلا الله جل وعلا ؛ فإنه هو العاصم على الحقيقة ؛ ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ﴾ [ هود : 43 ] .

“الرجيم” :

وهذا الشيطان نعته هاهنا بقوله : الرجيم ﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ [ النحل : 98 ] ، ومعنى الرجيم أي المرجوم ، فعيل بمعنى مفعول ، وأصل الرجم في لغة العرب الرمي ؛ إما بالأقوال ، وإما بالأفعال ، والرمي يكون بالقتل ، أو بالظن ، أو بالقول الذي لا دليل عليه ، وهذه كلها جاءت في القرآن ، قال جل وعلا : ﴿ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ﴾ [ مريم : 46 ] ، وقال تعالى : ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾ [ الكهف : 22 ] ، يعني رميًا بالغيب ، وهذا من الأقوال ، ومنه أيضا قول الشاعر :

وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ

 

وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ

يعني المظنون ، الذي لا دليل عليه .

فمعنى “الشيطان الرجيم” المرمي المبعد عن الخير .

فإذا عُرف هذا الوصف للشيطان على هذا النحو ، وأنه بعيد جدًّا عن الخير ، فإن العبد الذي يستعيذ بالله ويقرأ هذه السورة العظيمة ، ويفتتح القرآن بالرغبة في الخير والإقبال عليه ؛ يجب عليه إذن أن يكون حذِرًا من هذا الشيطان الذي وُصف بأنه مرجوم مرمي بالبعد عن الخير ، مطرود من رحمة الله جل وعلا .

وهذا – لا شك – يتنوع بتنوع الناس ، فكل واحد من المؤمنين قد أصابه الشيطان بنوع من الإصابة ، إلا من سلم الله جل وعلا ، فالعبد حين يقرأ يستحضر ذلك ، ويعتصم ويلتجئ بالله جل وعلا ، ويطلب من الله – جل وعلا – التحرز من هذا الشيطان الذي هو عدوه .

فعداوة الشيطان لابن آدم ماثلة أمام العبد المؤمن دائمًا ، فإذا عرف ذلك كان عنده قوة تحميه وتحرصه بفضل الله – جل وعلا – من نَزَغات الشياطين ؛ وذلك لأنه دائم الاستعاذة بالله جل وعلا من الشيطان الرجيم .

﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾

قال سبحانه في أول القرآن : ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[ الفاتحة : 1 ] ، وهذه آية ، ولا نحبذ الدخول في أقوال أهل العلم فيها ، لكن الصحيح أنها آية في أول كل سورة تنزل للفصل بين السور . . فهي آية من القرآن ، ولكنها ليست آية من كل سورة ، إلا أنها بعض آية في سورة النحل ، في قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ [ النمل : 30 ] . وهي ليست آية – كما هو معلوم – في أول سورة براءة .

هنا أُفتتح القرآن بها ، و”بسم الله الرحمن الرحيم” هذه من أعظم ما أنعم الله – جل وعلا – به على المؤمنين عامة من أتباع الرسل ؛ لأن فيها وبها مِن تحصيل الخيرات ما الله – جل وعلا – به عليم .

معنى ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ :

ومعنى “بسم الله الرحمن الرحيم” أن التالي يقول : أتلو القرآن مستعينًا بكل اسم من أسماء معبودي الحق الله ، الذي تسمى بأنه الرحمن الرحيم ، والذي كمُلت له صفة الرحمة ، وعظُمت له آثارها ، فالعبد يتلو ويقرأ مستعينًا بالله – جل وعلا – وبكل اسم من أسمائه ، ومتوسلًا إليه – جل وعلا – بكل اسم من أسمائه .

وتلحظ من هذا أن العبد إذا عظمت معرفته بأسماء الله – جل وعلا – الحسنى ، وبصفاته العلا ، فإنه حين يقول : “بسم الله الرحمن الرحيم” يستحضر الأسماء العظيمة لله جل وعلا ، ويستحضر آثارها في ملكوته سبحانه ، فيفيض على قلبه أنواع من العلم ، وأنواع من المحبة ، وأنواع من حسن الظن بالله ، وأنواع من التوكل على الله جل وعلا . . وكل هذه المعاني تناسب المقصود بالبداءة بـ “بسم الله الرحمن الرحيم” ، فهي عظيمة جدًّا .

إعراب ﴿ بِسْمِ اللهِ ﴾ :

“بسم الله” : جار ومجرور ، قال العلماء : إنه لا بد أن يتعلق الجار والمجرور إما بفعل أو بمصدر ؛ يعني بشيء فيه معنى الفعل ، وهنا بعض أهل العلم قدرها بمصدر ، يعني : ابتدائي بسم الله ، تلاوتي بسم الله ، وهذا لأنه جاء في القرآن تعلق الجار والمجرور “بسم الله” بالاسم ، وذلك في قوله تعالى : ﴿ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ [ هود : 41 ] فسبك الكلام : وقال اركبوا فيها مجراها ومرساها بسم الله ، فصار تعلق الجار والمجرور هنا بالاسم .

وقال آخرون ، وهو الأصح والأقوى : إنه يتعلق بالفعل الذي يناسب المقصود ، فإذا قال القائل : “بسم الله” في أول التلاوة فيكون التقدير : أقرأ بسم الله ، كما كان ذلك في أول ما أنزل من القرآن ، قال جل وعلا : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾ [ العلق : 1 ] .

فالتقدير : أقرأ بسم الله ، أتلو بسم الله ، معنى ذلك أتلو وأقرأ مستعينًا ومتوسلًا بكل اسم لله جل وعلا .

***

قال بعض أهل العلم : “بسم الله” معناها بـ “الله” ، لكن هذا ليس بجيد ، بل الصواب أنه يدخل في ذلك جميع أسماء الله جل وعلا ؛ لأنه أبهم الاسم ، فيصدق على قوله : “بسم الله” كل أسماء الله – جل وعلا – الحسنى ، وهذا – لا شك – له أثر في نفس التالي ، فإن كل واحد من الناس يستحضر من الأسماء الحسنى اسما بعينه حين تلاوته ، وهذا يفتح على القلب أنواع من العبوديات . . .

وهذا – ولا شك – مما يناسب مقصودهم ، ومما يناسب حالهم ، فمثلا التالي للقرآن وهو في كرب ربما استحضر أسماء الله – جل وعلا – التي فيها تفريج للكروب ، ويستحضرها بدون قصد لذلك ، وتجد أن المتعبد لله جل وعلا الذي يرجو رحمته يستحضر الأسماء التي فيها أنواع الجمال لله جل وعلا ، والذي هو مذنب يستحضر ما فيه جلال لله جل وعلا ، وهذا يعم جميع الأسماء .

لهذا نقول : إن الصحيح أن قوله هنا : ﴿ بِسْمِ اللهِ ﴾ لا يُخص باسم معين ، وليس تقديره : بالله ، وليس كلمة “اسم” مزيدة لتأكيد الكلام ، وإنما المعنى : أتلو متوسلًا أو مستعينًا بكل اسم لله جل وعلا .

لفظ الجلالة “الله” :

“بسم الله” : كلمة “الله” هنا مما اختلفت فيها تعابير القوم ، وسأذكر التفصيل لأجل أهميته في الاعتقاد ، وذلك أن المحققين من أهل العلم يقولون : إن هذه الكلمة – “الله” – هي أعظم أسماء الله جل وعلا ، ومعناها أنها عَلَم على المعبود بحق ؛ إذ الآلهة التي عُبدت مع الله – جل وعلا – لم تُعبد بحق ، والمعبود بحق هو الله – جل وعلا – وحده دون ما سواه . فإذن يكون لفظ الجلالة هذا علمًا على المعبود بحق .

والصحيح أنه مشتق ، وليس بجامد ، وأصله الإله ، وإنما خففت الهمزة فصار “الله” لكثرة الاستعمال في أول حياة الناس ؛ لأجل أن الشرك واتخاذ الآلهة الأخرى حادث بعد ذلك .

وإذا كان أصل الكلمة “الإله” فهي كما قال العلماء : فِعال بمعنى مفعول ، أي : بمعنى مألوه ، مثل فِراش بمعنى مفروش ، ووِطاء بمعنى موطوء ، ونحو ذلك . فمجيء فِعال بمعنى مفعول كثير في اللغة ، كما هو معلوم .

ومعنى “إله” : مألوه بحق ، أله يأله إلهة وألوهة ، إذا عُبد مع المحبة والرغبة والرجاء ، فهذا هو المعنى في اللغة ، فمعنى الإلاهة العبادة ، وليس معنى الإلاهة الربوبية ، ولهذا قرأ ابن عباس – كما رُوي عنه من طرق متنوعة تفيد صحة ما نُسب إليه – أنه كان يقرأ قوله تعالى في سورة الأعراف : ﴿ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ﴾ [ الأعراف : 127 ] يقول : ﴿ وَيَذَرَكَ وَإِلَاهَتَكَ ﴾ يعني وعبادتك ؛ لأنه كان يُعبد ولم يكن يَعبد ، ناظرًا في ذلك إلى قوله تعالى : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [ القصص : 38 ] .

فالإلاهة بمعنى العبادة ، ويدل لذلك قول الشاعر في رجزه المشهور :

لِلَّهِ دَرُّ الْغَانِيَاتِ الْمُدَّهِ

 

سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي

يعني : من عبادتي .

فإذن لفظ “الله” لا يسمعه العربي إلا وتوجه باله إلى معنى المستحِق للعبادة الحقة ، الذي له العبادة الحقة ، فلا يأتي في باله معنى الربوبية بالمطابقة . وإنما الذي له الإلاهة الحقة ويستحق العبادة دونما سواه لا شك أنه يتضمن أنه هو ذو الربوبية ، وهو المستحق للربوبية ؛ لأنه لا يستحق العبادة وحده دونما سواه إلا من كان بيده ملكوت كل شيء .

ولهذا تجد في القرآن كثيرًا ما يُحتج على المشركين في إنكارهم لتوحيد الإلاهية بإقرارهم بتوحيد الربوبية .

إذن عندما يقول القائل : “بسم الله” فهو يتوجه إلى المعبود بحق ، فتنخلع عند ذلك من قلب القائل كل الأسماء التي سميت بها الآلهة الباطلة ، ويبقى القلب خالصًا في توجهه وفي ابتدائه للتلاوة لله – جل وعلا – وحده دونما سواه .

﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ :

“الرحمن الرحيم” : نعتان للفظ الجلالة ، فـ “الرحمن” نعت أول و”الرحيم” نعت ثانٍ للفظ الجلالة “الله” ، وقد يكون الرحيم نعتًا للرحمن ، باعتبار أن الرحمن دال على الذات المتصفة بالرحمن .

و”الرحمن الرحيم” اسمان من أسماء الله – جل وعلا – الحسنى ، متضمنان صفة الرحمة لله جل وعلا ، و”الرحمن” كما يقول العلماء : أعم وأشمل وأبلغ من “الرحيم” ، فـ”الرحمن” صيغة مبالغة من الرحمة ، وهي أعظم مبالغة وأوسع شمولًا ، وأبعد أثرًا ومتعلقًا من “الرحيم” ، ولهذا قال بعضهم : إن “الرحمن” هو رحمن الدنيا والآخرة ، وإن الرحيم هو رحيم الآخرة .

لكن نقول : إن الصحيح أن بينهما فرقًا ، وأن “الرحمن” أعم وأشمل ، وأن الرحيم خاص ويعني ذا الرحمة الخاصة . ورحمة الله جل وعلا الخاصة إنما هي بالمؤمنين ، وأما رحمته العامة فتشمل كل شيء ، كما قال تعالى : ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : 156 ] وقال تعالى : ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾ [ غافر : 7 ] ، فكل شيء وسِعته رحمة الله .

فقول القائل : “بسم الله الرحمن” ينعت الله جل وعلا ، مثنيًا عليه بهذا الاسم المتضمن لصفة الرحمة ، التي هي موصوفة بأعظم الأثر والمتعلق ، والتي شملت كل شيء ، فهي تعني أن يكون العبد مشمولا بهذه الرحمة العامة . والعبد مع ذلك يحتاج إلى الرحمة الخاصة ، فلهذا نعت الله – جل وعلا – بقوله : “الرحيم” .

ولا شك أن هذا من تعليم الله – جل وعلا – لعباده ، وهذا من رحمة الله – جل وعلا – بعباده ، أن ابتدأ كلامه بهذه البسملة التي يحتاج العباد إليها ، والله – جل وعلا – غني عن العباد ، لكنه يحب أن يمجده عبده . . ويحب أن يثني عليه عبده . . وأن يلهج لسانه وفعله بتمجيده والثناء عليه سبحانه .

وتلحظ من هذا الكلام أنك إذا رددت هذه الآية العظيمة “بسم الله الرحمن الرحيم” وتأملت ؛ فإنك ينفتح لقلبك أنواع من العبوديات لله – جل وعلا – لم تكن تدركها بدون العلم بمعاني أسماء الله – جل وعلا – الحسنى وأسرار هذا التركيب المجتمع معنًى .

كذلك فقوله : ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ يأتي بعد الاستعاذة ، فالاستعاذة فيها تحريز للنفس من الخوف ، وقوله : ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ فيه إقبال النفس على أبواب الرجاء في الله – جل وعلا– ومحبته وتفويض الأمر إليه ، واعتقاد أنه – سبحانه – هو الذي يوفق ، وهو الذي يهدي ، وهو الذي يبارك فيما يقرأ العبد ، وفيما يتلوه ، وفيما يأكله ، وفيما يشربه ، وفي كل أمره . فانفتح إذن للقلب بابان : الباب الأول : باب الخوف ، والثاني : باب الرجاء في الله – جل وعلا – وحسن التوكل عليه وتفويض الأمر إليه جل وعلا .

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ :

يقول العلماء : إن في هذه الآية ثناء على الله بحمده ؛ كما مر معنا في حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم في الصحيح أن العبد إذا قال : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال الله تعالى : حَمِدَني عَبْدِي([x]) .

﴿ الْحَمْدُ ﴾ :

فما معنى الحمد؟

الحمد هو الثناء عن محبة للمحمود . فإن كان الثناء عن غير محبة سُمي مدحًا . والله – جل وعلا– محمود وممدوح ، وحمده أعظم من مدحه جل وعلا ؛ لأن المدح قد يكون عن غير محبة ، أما الحمد فهو ثناء بأوصاف الكمال على المحمود المحبوب .

فإذن “الحمد لله رب العالمين” معناها : كل أجناس المحامد وكل أنواع الثناء مستحقة لله المعبود بحق ، الذي هو رب العالمين ، المتصرف في العالمين ؛ في أجناس العوالم ؛ في البر والبحر ، في الأرض والسماء ، ما علمنا وما لم نعلم ، ما رأينا وما لم نرَ ، ما سمعنا وما لم نسمع ، فكل ثناء مستحق لله – جل وعلا – الذي له الربوبية الكاملة على خلقه أجمعين .

أنواع الحمد :

“الحمد” مكونة من كلمتين : “أل” مع “حمد” ، و”أل” قال العلماء : إنها لاستغراق الأجناس ، ومعنى ذلك أن قولك : “الحمد” معناه كل أنواع وأجناس الحمد لله رب العالمين . فما هي أجناس وأنواع الحمد التي يستحقها الله جل وعلا؟

أنواع كثيرة ، لكن جِماعها خمسة ، لو استحضرها العبد ، أو استحضر واحدًا منها كل مرة وهو يقرأ : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ لفُتحتْ له أنواع وأبواب من محبة الله ومن تمجيده وتعظيمه وحسن الثناء عليه ، وعلوم وعبادات قلبية لا يعلمها إلا مَن عاشها وعرفها .

فما أنواع المحامد لله – جل وعلا – التي دل عليها القرآن والسنة؟

إن أنواع المحامد لله – جل وعلا – خمسة أنواع :

النوع الأول : أنه – جل وعلا – محمود على أنه واحد في ربوبيته ، وأنه هو الرب المالك السيد المتصرف في هذا الملكوت بأجمعه ، لا رب لهذا الملكوت بأجمعه غير الله جل وعلا ، فتثني على الله – جل وعلا – بهذا الوصف الذي هو رب هذا الملكوت جميعًا . . رب العالمين . . رب جميع الأصناف .

قال تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ [ الإسراء : 111 ] ، وقال سبحانه : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا ﴾ [ فاطر : 1 ] فهذا كله من حمد الله – جل وعلا – لمعاني الربوبية ؛ أن تستحضر معاني الربوبية وآثارها في الخلق . . ربوبيته – جل وعلا – بأنواعها : تصرفه ، إفاضته للخير ، حبسه الشر ، تلطفه بالعباد ، رحمته بهم ، وكلها يستحق عليها – جل وعلا – أعظم الثناء على وجه الكمال .

النوع الثاني : أن الله – جل وعلا – محمود على أنه مستحق للإلاهية وحده دونما سواه ، أي محمود على أنه موحد في إلهيته جل وعلا ، فالله – جل وعلا – هو الإله الحق المبين ، وما عداه من الآلهة فإنما عبادته بالبغي والظلم والعدوان ، فهو الذي يستحق أن يعبده العباد . . وأن يذلوا له . . وأن يحبوه . . وأن يرجوه . . وأن يخافوه . . وأن يحسنوا الظن به . . وأن يتوكلوا عليه . . وأن يستعينوا به . . وأن يستعيذوا به . . وأن يستغيثوا به . . وأن ينحروا له . . وأن يصلوا له . . .

كل ذلك له وحده جل وعلا ، فيُثني العبد على الله – جل وعلا – بأنه هو الذي يستحق هذه الأمور من العباد بأجمعهم على اختلاف أنواعهم ، الذين هم في السماء ما بين راكع وساجد ومثنٍ على الله جل وعلا ، والذين هم في الأرض بأنواعهم ؛ ممن في البر وممن في البحر وممن في الجو ، كلهم يسبحون الله – جل وعلا – ويثنون عليه ويعبدونه وحده دون ما سواه .

النوع الثالث : أنه يحمد على ما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا ، فهو – جل وعلا – محمود على أنه ذو الأسماء الحسنى والصفات العلا ، يعني أنه مثنى عليه بأنه الذي له الأسماء الحسنى التي بلغت في الحسن نهاية الحسن ، ومحمود مثنى عليه بأنه الذي له الصفات العلا ، الذي له الصفات الكاملة على وجه الكمال ، فله من الصفات أكملها ، وله من كل صفة أكملها ، ليس له – جل وعلا – النقص ، والشر ليس إليه ، بل هو – جل وعلا – الكامل في أسمائه وصفاته .

وأسماؤه وصفاته لها آثار في خلقه عظيمة ، يسبح القلبُ فيها بأنواع من الثناء لله جل وعلا ، فإذا تأملت وصف الله – جل وعلا – أو اسمه الغفور نظرت في آثار مغفرته لعباده ، وإذا تأملت في اسم الله – جل وعلا – الرحيم نظرت في آثار رحمته التي أفاضها على عباده ، وإذا نظرت في اسم الله – جل وعلا – العزيز نظرت في عزة الله – جل وعلا – وكيف جعل العزة له ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين . أي أنك إذا نظرت إلى أسماء الله ترى أن كل اسم له أثره في هذه الحياة . . له أثر في ملكوت الله – جل وعلا – لا شك .

فإذا تأمل هذا العبدُ وعلم هذه المعاني للأسماء والصفات سوف يلهج بالثناء على الله عن محبة وبشيء لم يثنِ على الله – جل وعلا – به مَن جهل تلك المعاني العظيمة .

 ولهذا كان أحب الكلام إلى الله – جل وعلا – تنزيهه عن النقائص ، وإثبات أوصاف الكمال له جل وعلا ، كما جاء في آخر حديث في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : « كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ » ([xi]) فشملت التسبيح والحمد ، وهما من أعظم ما يكون من الكلام في هذا الوجود .

النوع الرابع : حمد الله – جل وعلا – والثناء عليه لإنزاله هذا الكتاب العظيم ، ولما أمر وشرع ، فهو محمود على إنزاله الكتاب ؛ قال جل وعلا : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ [ الكهف : 1 ] ، وهو محمود على كل أمر في القرآن ، وعلى كل نهي ؛ لأنه – جل وعلا – أوامره كلها فيها محبته ، واجتناب نواهيه – جل وعلا– فيه محبته ، فأوامره ونواهيه محبوبة – جل وعلا – امتثالًا في الأوامر واجتنابًا في النواهي ، فيُثنى على الله – جل وعلا – بإنزاله الكتاب لهداية الناس بهذه الأوامر التي بها صلاح الناس في جميع ما شَرع في الأحكام ، سواء في أحكام العبادات ، أو في أحكام المعاملات ، سواء فيما يخص الفرد أو ما يخص الجماعة ، سواء في ذلك الأحكام العملية ، أو الأحكام الخبرية ، يعني في أمور العقائد ، كل ذلك يثنى على الله – جل وعلا – به .

ومن يعلم هذه المعاني حين يقرأ : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾ [ الكهف : 1 ] يعلم معنى الثناء على الله – جل وعلا – بإنزاله الكتاب ، وأنه – جل وعلا – مثنى عليه بهذه المِنَّة العظيمة على عباده .

النوع الخامس : أنه –سبحانه – محمودٌ ومثنى عليه بما أمر به وقضى به كونًا ، وما قدره على عباده ، وهذا يدخل فيه النعم ؛ لأنها مما جعله الله – جل وعلا – من أموره وأوامره الكونية ، وهذا هو الذي يستحضره العامة ، أو كثير من الناس ، فحينما يقول : “الحمد لله” فإنه يستحضر معنى الثناء على الله على النعم ، وهذا فرد من أفراد كثيرة ، ونوع من أنواع كثيرة من محامد الله جل وعلا .

 فأنواع محامد الله – جل وعلا – كثيرة لا تحصى ، وقلب المؤمن لا يمكن أن يستحضرها جميعًا ، فحَسَن أن يعوّد العبد المؤمن نفسه أن يستحضر واحدة منها في كل صلاة أو في أدبار الصلاة ، فيستحضر نوعًا منها ويتأمله ، فمثلا في إحدى الصلوات يحمده – سبحانه – على ربوبيته وآثار الربوبية في خلقه ، ومعاني الربوبية ، ثم في الصلاة الأخرى يحمده على المعنى الثاني . . . وهكذا ، حتى يعوّد نفسه وقلبه على أن يثني على الله – جل وعلا– بهذه الأنواع جميعًا .

وقد جاء عن النبي – عليه الصلاة والسلام – في حديث الشفاعة الطويل : « فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي ، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا لَا تَحْضُرُنِي الْآنَ ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا ، فَيَقُولُ : يَا مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ » ([xii]) ، لاحظ « وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا » وهو – عليه الصلاة والسلام – أعلم الخلق بربه ، وأحسنهم ثناءً عليه ، وأبلغهم وصفًا له ، وحمدًا له جل وعلا ، ومع ذلك يفتح عليه أنواع من المحامد لله ؛ لأن حمد الله – جل وعلا – لا يبلغه الحامدون مهما أوتوا ، وهذا – لا شك – مما يجعل قلب المؤمن يلين تعظيمًا لله ، وثناءً على الله ، ومحبة وإجلالا له .

﴿ لِلَّهِ ﴾ :

هذه أنواع المحامد الخمسة ، يعني كل أنواع المحامد وكل أجناس المحامد لله ، فما معنى “لله”؟ يعني مستحقة لله ، ذلك أن اللام في قوله : ﴿ لِلَّهِ ﴾ هي لام الاستحقاق ، ومع الاستحقاق هاهنا معنى الملك ، الله – جل وعلا – هو مالك المحامد ، وكذلك هو مستحقها جل وعلا ، لا يستحقها على هذا الوجه إلا هو جل وعلا .

وأما المخلوق فقد يستحق نوعًا من أنواع المحامد ، قد يستحق فردًا من أفراد نوع من هذه الأنواع ، لكنها على هذا الوجه العظيم مستحقة لله – جل وعلا – وحده .

واللام غالبًا إذا أتى قبلها عين تكون لام الملك ، وإذا أتى قبلها معنًى فتكون لام الاستحقاق ، مثلًا تقول : الكتاب لفلان ، فهذه لام الملك ؛ لأن ما قبلها عين ، فإذا كان ما قبلها معنًى صارت لام الاستحقاق ؛ فـ “الحمد لله” تعني الحمد المستحق لله ، نحو : “الفخر لفلان” ، “الكبرياء لله” ، وهكذا .

﴿ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ :

لاحظ هنا أن هناك فرقًا بين الربوبية والألوهية ، فقد نُعت المعبود بحق بأنه رب العالمين ، وفي هذا أعظم الدليل على أن الربوبية ليست هي الألوهية ، وأن الربوبية لها معنى ، وأن الألوهية لها معنى ، وهذا بمتقضى اللغة ، فما معنى الرب بمقتضى اللغة؟

الرب في اللغة : هو المتصرف في الملكوت ، والمتصرف في ملكه ، والسيد المطاع في أمره . وربوبية الله – جل وعلا – للعالمين ظاهرة ؛ ذلك أنه – جل وعلا – هو المتصرف في هذا الملكوت ، وهو المدبر له ، وهو الذي ينفذ أمره . . ولا معقب لحكمه ، ولا راد لقضائه ، ولا يراجع – جل وعلا – في أمره وكونه .

وبهذا نعلم غلط المبتدِعة من الأشاعرة ونحوهم الذين فسروا الألوهية بأنها الربوبية ، كما قال المتكلمة ، يقولون : إن الإله هو القادر على الاختراع ، وإن الله علم على القادر على الاختراع .

القدرة على الاختراع هذه من معاني الربوبية ، ليست من معاني الألوهية ، لا باللغة ولا بالعرف الخاص بالعرب ، ولهذا قال قائل منهم ، وهو السنوسي ، وعقيدته هي المعروفة بأم البراهين – أبعدنا الله جل وعلا عنهم وعن بدعهم وأقوالهم ومخالفتهم وضلالاتهم – يقول في تفسير الإله : الإله هو المستغني عما سواه ، المفتقر إليه كل ما عداه . يقول : فمعنى لا إله إلا الله : لا مستغني عما سواه ، ولا مفتقر إليه كل ما عداه إلا الله .

فمعنى هذا أنه فسر الربوبية بالألوهية ، وهذه الآية ردّ عليهم .

وتفسير الألوهية بالربوبية أعظم ما يدخل منه إلى أن المشركين ليسوا بكفار ؛ لأنهم لم ينكروا الربوبية ، هم يقرون بأن الله هو القادر على الاختراع ، هو المستغني عما سواه ، هو المفتقِر إليه كلُّ ما عداه ، فكيف يكونون كفارًا؟! فتفسير الإلاهية بمعنى العبادة ينقض هذا الأصل من أساسه ؛ ولهذا في هذه الآية دليل ظاهر على التفريق بين الألوهية والربوبية .

***

﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ : “رب” نعت للفظ الجلالة ، و”العالمين” جمع تصحيح للعالم ، والعالم جمع أيضًا لا واحد له من لفظه ، والعالم جنس تحته أنواع مختلفة ، كما قال الشيخ محمد بن عبد الوهّاب – رحمه الله تعالى – في (الأصول الثلاثة) ، يقول : “وكل مَن سوى الله عالم ، وأنا واحد من ذلك العالم” . فالعوالم كثيرة ؛ عالم الإنس ، عالم الجن ، عالم الملائكة ، عالم الطير ، عالم الدوابّ ، عالم النبات ، عالم الهواء ، وسميت عالمًا لأن بها علم أحقية من أوجدها بالربوبية الكاملة ، وأنه المعبود بالحق .

فإذن معنى ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ أجناس هذه العوالم المختلفة ؛ ما علمتَ منه وما لم تعلم ، فكل ما سوى الله عالم ، فيدخل في هذا كل ما سوى الله – جل وعلا – من العرش فما دونه .

فهذا هو معنى هذه الآية ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، فصار إذن معناها : كل أنواع المحامد ، وكل أجناس الثناء مستحقة لله ، المعبود بحق ، الذي له التصرف ، والذي أمره نافذ في جميع العوالم كلها ، وهي كل ما سوى الله جل وعلا .

وقد لاحظ بعض العلماء هنا في معنى ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ معنى التربية ، والله – جل وعلا – هو الذي ربى العالمين بنعمه ، ربى العالمين بتدرجهم في الخلق . وأصل التربية هي التدريج ، فمعنى رباه : درجه في مراقي الكمال المناسب له . والرب هو السيد المطاع المتصرف ، فهو يرقي من تحته أو يدرجهم فيما يصلحون له ، وذلك لحاجته إلى ذلك ، أما الله – جل وعلا – فليس محتاجًا إلى أحد ، بل الخلق جميعًا محتاجون إليه في كل أمورهم ، ولو استغنى مستنغنٍ عن الله طرفة عين لهلك من ساعته .

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا من العالمين بكتابه .

***

قال العلماء في هذه الآية ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ : إنها تفتح باب المحبة لله جل وعلا . لاحظ أن الاستعاذة فتحت باب الخوف ، والبسملة فتحت باب الرجاء ، و”الحمد لله” هنا فتحت باب المحبة لله جل وعلا ؛ لأن الذي هذا وصفه ألا يُحَب! فهو رب العالمين ، وهو صاحب هذا الملكوت كله ، الذي بيده كل شيء ، يُفيض الخير على مَن يشاء ، ويحبس عمَّن يشاء ، يُعِز من يشاء ، ويذل من يشاء . . فهذا القوي العزيز الذي له هذه الصفات وهذه النعوت ، وهذا الجلال ، ألا يستحق أن يُحَبَّ؟ بلى . . ولا شك .

وفي الآية بعدها قال : ﴿ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ وهذه تفتح باب الرجاء . . لاحظ : رجع الرجاء من جديد ، ثم في الآية بعدها : ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ تفتح باب الخوف ، ويوم الدين هو يوم الجزاء – كما سيأتي تفصيله – فرجع الخوف من جديد ، فتنقَّلَ التالي بقوله : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ من خوف إلى رجاء إلى محبة ، ثم تنقَّل من المحبة إلى الرجاء إلى الخوف ، ثم أتى بقوله : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ – كما سنفصله إن شاء الله تعالى – وذلك أن العبادة مبناها على هذه الأركان الثلاثة : المحبة ، والخوف ، والرجاء ، وذلك أن المحبة تحرِّك ، فمحبتك للشيء تحركك إليه ، ومحبتك لله تجعلك تتحرك إليه ، ومحبة أهل الدنيا للملوك تجعلهم يتحركون لهم ، وهكذا . فمحبة المؤمن لله تجعله يتحرك في طاعة الله ، لكن هذه الحركة قد تنقطع ، فلا بد له من أن يكون راجيًا لرحمة الله جل وعلا ، ورجاؤه لرحمة الله – جل وعلا – لا ينقطع عنه ما دام حيًّا ، ولذلك سبقت البسملة التي فيها الرحمة وفيها الرجاء ، وبعدها : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾ التي فيها الرجاء ، ثم كان السابق هو الاستعاذة ، والخاتم أيضًا هو ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾ وهو الخوف ، ذلك أن المحب لله – جل وعلا – الذي يرجوه ويتحرك في مرضاته ، لا يمكن أن يثبت على هذه الحركة في طاعة الله ، ولا يثبت على هذا السير دون أن يلتفت يمينًا وشمالًا ، ودون أن يأخذ السبل ، إلا أن يكون خائفًا .

فاجتمعت هذه الآيات في إعمار القلب بأعظم الإيمان ، وهو أركان العبادة ، التي من قام بها على وجه الكمال فقد قامت به العبادة الحقة على وجه الكمال .



( [i] ) أخرجه البخاري ( 6 / 17، رقم 4474 ) .

( [ii] ) أخرجه مسلم ( 1 / 296، رقم 395 ) .

( [iii] ) السابق.

( [iv] ) أخرجه الترمذي ( 2 / 9، رقم 242 )، وأبو داود ( 1 / 262، رقم 764 )، وابن ماجه ( 1 / 265، رقم 807 ) .

( [v] ) عكاه في الحديد والوثاق: شده شدا وثيقا . والأكبال: جمع كبل، وهو القيد من الحديد .

( [vi] ) ( 1 / 365، رقم 510 ) .

( [vii] ) أخرجه أبو داود ( 2 / 703، رقم 4940 )، وابن ماجه ( 2 / 1238، رقم 3764 ) .

( [viii] ) البرذون: يُطلق على غير العربي من الخيل والبغال .

( [ix] ) أخرجه ابن شبه في تاريخ المدينة ( 3 / 823 ) .

( [x] ) أخرجه مسلم ( 1 / 296، رقم 395 ) .

( [xi] ) أخرجه البخاري ( 9 / 162، رقم 7563 )، ومسلم ( 4 / 2072، رقم 2694 ) .

( [xii] ) أخرجه البخاري ( 9 / 146، رقم 7510 )، ومسلم ( 1 / 180، رقم 193 ) .

شاركها مع أصدقاءك