بواسطة :
الزيارات : 1٬503 مشاهدة
  • إسم الملف : التعليق على سورة الطور - الجزء الثاني
  • عدد الزيارات : 1٬503 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ

هذه الآيات فيها تقرير رسالة النبي – صلى الله عليه وسلم – وأنه مرسل من ربه ، لا مرية في ذلك ولا شبهة ، وفيها دلائل النبوة ، وذلك أن المتقرر أن أدلة نبوّة نبينا – صلى الله عليه وسلم – عدة أنواع :

 النوع الأول : أن ما أتى به النبي – صلى الله عليه وسلم – من القرآن ليس هو بكلام الشعراء ، ولا كلام الكهنة ، ولا كلام البشر ، وهذا ظاهر في الآيات في آخرها : ﴿ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ[ الطور : 34 ] ، وفيهم الخطباء ، وفيهم الشعراء ، وفيهم الكهنة ، فإنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بحديث مثله ، وهذا نوع من أنواع الأدلة .

النوع الثاني : أن الله – جل وعلا – أمر نبيه – عليه الصلاة والسلام – أن يتحداهم ، وأن يقول لهم هذا الكلام ، ثم هم على اجتهادهم في دحض الرسالة وعلى ردها ، والسعي في جمع ما يظنون به أنه مبطل للرسالة ، ومع تحديهم لم يأتوا بشيء من ذلك ، بل عجزوا ورجعوا القهقرى ، وهذا دليل آخر لأنهم لو كانوا عندهم شيء لبذلوه .

وقولنا : لو كان عندهم شيء ، يعنى عند الجن والإنس جميعًا ؛ لأن من الإنس كهنة ، والكهنة متصلون بالجن ، ولهذا قال جل وعلا : ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا[ الإسراء : 88 ] .

النوع الثالث : أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كِيد به بأنواع من الكيد لقتله ولإيذائه ، والله – جل وعلا – جعل له من كل ضيق مخرجًا ، وهذا تأييد خاص له عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه مرسل لإبلاغ رسالة ربه ، وقد قال – جل وعلا – لنبيه عليه الصلاة والسلام : ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[ المائدة : 67 ] ، وهذه الآية مدنية كما هو معلوم في سبب نزولها ، لكن هذه عامة ، إن المشركين فعلوا ما فعلوا لقتله عليه الصلاة والسلام ، ولكن لم يفلحوا ، حتى إنه – عليه الصلاة والسلام – ذر عليهم شيئًا من رمل في عيونهم فغشيت أبصارهم فلم يبصروا شيئًا كما قال – جل وعلا – في سورة يس : ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ[ يس : 9 ] .

والعلماء تكلموا كثيرًا في دلائل النبوّة وأنواع براهين النبوة في كتبهم ، المقصود أن هذه الآيات اشتملت على هذه الأنواع الثلاثة بوضوح من دلائل النبوة .

قال جل وعلا : ﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ﴾ قوله : ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ الباء هنا للمصاحبة ، وهذه لها فائدة من جهة البلاغة ؛ أن نعمة ربك عليك قد أصبحت لصيقة بك فلا انفكاك لها عنك ، ولا انفكاك لك عنها ؛ لأن الأصل في الباء في اللغة أن تكون للإلصاق ، فإلصاق الذوات بالقرب ، وإلصاق المعاني بالملابسة .

وإذا كان كذلك فمعنى الآية : فما أنت بكاهن ولا مجنون لأجل ملابسة النعمة لك وإلصاقها بك وعدم انفكاكها عنك ولا انفكاكك عنها ، وإذا كانت نعمة الله – جل وعلا – موصولة بهذا ، فهذا يعني أنه لن يضره شيء ، وهذا استئناس له عليه الصلاة والسلام وتثبيت ؛ لأنه أمر بالتذكير ، ومعلوم ما أصاب النبي – عليه الصلاة والسلام – في مكة من الشدة من المشركين وأشياعهم .

قوله : ﴿ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ ﴾ فيه بحث من جهة أن النعمة أخص من الرحمة ، فنعمة الله – جل وعلا – فرع من فروع رحمته سبحانه وتعالى ، ورحمة الله – جل وعلا – فيها العموم للجميع ، وأما النعمة ففيها خصوص ، والنعمة هي من الله دائمًا ، ولكن هنا أضافها إلى الربوبية لتأكيد عظمها ، وأنها من المتصرِّف المدبِّر لكل شيء .

قال تعالى : ﴿ فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ ﴾ المقصود بالمجنون هنا نوعان :

الأول : مَن به مس من جنون ، فينطق الجني على لسان الإنس .

الثاني : من به جنون في عقله ، والمجنون في عقله قد يقول كلامًا حسنًا وقد يقول كلامًا مرتبًا فيه حكمة ، كما قالت العرب : ” خذ الحكمة من أفواه المجانين ” .

والأول أظهر ، يعني أن المقصود مَن به مس جن ؛ لأن أكثر المفسرين على هذا .

***

قوله تعالى : ﴿ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ﴾ الريب يُطلَق على معانٍ في القرآن ، ومنها أصل معنى الريب وهو الشك ؛ كما في قوله : ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ[ البقرة : 2 ] ، ويطلق الريب بمعنى الحاجة ؛ تقول : لي ريب في كذا ؛ يعني : لي حاجة فيه ؛ كما قال الشاعر :

قَضَيْنَا مِن تِهَامَةَ كلَّ رَيْبٍ

 

وخَيْبَرَ ثم أَجْمَعْنَا السُّيُوفَا

يعني : قضينا من تهامة كل حاجة .

وفي هذا الموطن فسر ” ريب المنون ” بمعنى حاجة المنون ؛ إذ هم محتاجون إليه .

والوجه الثاني أن الريب هنا بمعنى الشك ؛ لأن من عاين الموت أصابه الشك وأصابه القلق .

قال تعالى : ﴿ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ﴾ وهذا تهديد وعدم مبالاة ، إلى أن قال جل وعلا : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ ﴾ والمقصود هنا هو القرآن .

وقد جاء التحدي في الإتيان بمثل القرآن على ثلاث مراحل : تحدى الله – تعالى – أن يأتوا بمثل القرآن كما في هذه الآية ، وهذا في العهد المكي ، وتحدى بأن يأتوا بمثل عشر سور ، وذلك في أواخر العهد المكي ؛ كما في سورة هود ﴿ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ[ هود : 13 ] ، ومعلوم أن سورة هود في آخر العهد المكي ، وتحدى أيضًا بأن يؤتى بسورة ، سواء سورة قصيرة أو سورة طويلة ، وهذا كله لم يقدر المشركون عليه .

***

إعجاز القرآن :

إذا تبين ذلك فهاهنا بحث في مسألة إعجاز القرآن ، والبحث فيها يطول ؛ لأنه قد صُنفت فيها مصنفات تكلم العلماء فيها كثيرًا ، لكن ننبه إلى أن أهل السنة والجماعة يقررون أن إعجاز القرآن – بمعنى وجه كون القرآن آيةً وقرآنًا من الله – جل وعلا – ومعجزًا للخلق – راجع إلى ثلاثة أشياء :

أولًا : أنه كلام الله ، وكلام الله – جل وعلا – لا يمكن أن يصوغ البشر مثله البتة ؛ لأن كلام الله – سبحانه وتعالى – غير كلام الناس ، كما أن الناس متفاوتون في كلامهم ؛ فلا يمكن أن يأتي العامي بمثل كلام العالم ، ولا أن يأتي الجاهل بمثل كلام الأديب ، فهذا لسانه يختلف عن لسان هذا ، ولن يستطيع العوام – ولو اجتمعوا – أن يأتوا بمثل كلام العلماء ، فهذا بين البشر ، فكلام الله – جل وعلا – له خواصه وله ما يتصف به ، له صفاته وله خصائصه .

فإذن الوجه الأول من الإعجاز أن هذا كلام الله جل وعلا ، وكلام الله لا يشتبه بكلام المخلوق ، ولا يمكن أن يشتبه ، فلو أنشأ المخلوق كلامًا فلا يمكن أن يكون ككلام الله جل وعلا ، بل كلام الله – سبحانه وتعالى – صفته ، يعني هذا القرآن ، ومعلوم أن القرآن كتاب هداية ، ولهذا فالله – جل وعلا – حين تكلم به وجعل ما تكلم به من الوحي قرآنا فإنه جعله على ما يقدر عليه المكلفين من الجن والإنس من حيث الاستيعاب والفهم ، وإلا فكلام الله – جل وعلا – لا تحده حدود ، لكن هذا أعلى ما يستوعبونه ، ولا يمكن أن يستوعبوا أكثر من ذلك ، ولهذا لا زال العلماء يخرجون من كلام الله – جل وعلا – الدرر والعجائب في التفسير والمعاني ، تنقضي أجيال وأمم وتفنى ولم يفطنوا لبعض ما في القرآن ، ثم يأتي من يفطن لذلك ، وهذا راجع إلى جهات كثيرة ؛ جهات علمية وعملية وكونية وشرعية ؛ الأقسام المعروفة في إعجاز القرآن .

ثانيًا : أن إعجازه جاء باللفظ والمعنى جميعًا ، وليس إعجازه بألفاظ دون معانٍ ، ولا بمعانٍ دون ألفاظ ، فاتصال اللفظ باللفظ معجز ، وتركيب المعنى مع المعنى معجز ، ولا يستطيع البشر ذلك .

ثالثًا : ما يسمى بنظم القرآن ، وهو اتصال الألفاظ بالألفاظ ، والمعاني بالمعاني ، والآيات بالآيات . وأهل السنة يقررون ذلك .

***

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

وهذه الآيات في أنواع التوحيد الثلاثة :

1 ـ توحيد الربوبية .

2 ـ توحيد الألوهية .

3 ـ توحيد الأسماء والصفات .

من المعلوم أن رسالة الأنبياء إنما هي في تقرير حق الله – جل وعلا – بعبادته وحده دونما سواه ، وذكر أفراد الربوبية وذكر الصفات لتقرير أن الله – جل وعلا – هو المستحق للعبادة دونما سواه ، وأن الشرك باطل ؛ لأن الذي يعبد هو المتصف بالأسماء الحسنى وبالصفات العلا .

وإن من وحد الله في الإلهية فإن توحيده ذاك متضمن – ولو لم يذكر – إقراره بأن الله هو الرب وحده دون ما سواه ؛ لأنه إذا عبد العبدُ اللهَ وحده دون ما سواه فمعنى ذلك أنه موقن بأن النفع له والضر عليه إنما هو بيد الواحد الأحد الذي عبده ، وأن مصيره ومرجعه إلى هذا الذي عبده .

وهذا كثير في القرآن ، ومنه هذه الآيات ، فذكر بعض أفراد الربوبية بقوله : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ ﴾ فهذه صفة الخلق ، وكذلك في صفة الرزق قال : ﴿ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ ﴾ .

 وكذلك ذكر صفة القهر والملك ، فهو مَلِك الملكوت والتدبير ، قال : ﴿ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ﴾ ، ثم ذكر صفة من صفاته وهي صفة العلو ؛ قال : ﴿ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ ﴾ ، والسلم هو المِعراج الذي يُرقى إلى السماء به .

ثم ذكر أيضًا صفاتٍ له تنزيهية فقال : ﴿ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ ﴾ ، وهذا مما يُنفى عن الله جل وعلا ؛ لكمال غناه وكمال قيوميته سبحانه .

فإذن اشتملت الآيات على نوعي التوحيد : الربوبية ، والأسماء والصفات ، فلهذا قال في آخرها : ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ؛ لأن نوعي التوحيد يستلزمان هذه النتيجة : ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ والجواب : أنه لا إله لهم غير الله ؛ كما قال في سورة النمل : ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ[ النمل : 60 ] ، ﴿ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[ النمل : 63 ] .

إذا تقرر هذا ففي هذه الآيات حث على التفكر في أفراد الربوبية ؛ فقال جل وعلا : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ ، والاستفهام هنا إما أن يكون للإنكار أو يكون للتقرير ؛ فإذا كان للإنكار فهو إنكار ظن طائفة أنهم خلقوا من غير شيء ، وإذا كان للتقرير فهو تقرير ضد ما ذكر هنا ، وهو المعروف في الجواب . . ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ ﴾ ؟ لا ، لم يخلقوا من غير شيء ، ﴿ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ ؟ لا ، لم يخلقوا أنفسهم ؛ ففيه تقرير للقسم الثالث .

إن الأقسام بالسبر والتقسيم ثلاثة :

1 – أن يكونوا جاءوا من غير شيء .

2 – أن يكونوا خلقوا أنفسهم .

3 – أن يكون الله – جل وعلا – هو الذي خلق .

ومعلوم أنهم إذا قالوا : جئنا من غير شيء فهذا ينافي الواقع ؛ فهم جاءوا من ماء مَهين تَخَلَّق في رَحِم الأم . أما الثاني وهو أنهم هم الخالقون ؛ فهذا لا يدّعونه لأنفسهم . فبقي الاحتمال الثالث .

وهذا نوع من الأدلة القرآنية ، وهو إيثار المسائل بالسبر والتقسيم ، ومعلوم أن السبر والتقسيم – وهو ما يسميه بعض العلماء بدليل الترديد – يصلح أن يكون دليلًا مستقلًّا ؛ لأن إبطال الاحتمالات غير الواقعة وإلقاء الاحتمال الأرجح هو نوع من البرهان .

ولهذا تجد في الفقه الذي هو من الظنيّات نأتي للأدلة ونقول : هذا كذا وهذا كذا وهذا كذا ، فنقول : هذا الدليل يرد عليه كذا وكذا فلا يصلح ، والثالث هو الذي يصلح لقلة الإيراد عليه .

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيميَّة – رحمه الله – أن معرفة الصواب المحض من الخطأ المحض . وأما معرفة أقوى الدليلين وأقرب القولين للصواب مما يُتنازع فيه من المسائل الاجتهادية إنما هو حظ العلماء ؛ لأنهم هم الذين يرجحون هذا الدليل على غيره ، وهذا الاستدلال على غيره ؛ من جهة قوته وضعف مخالفه .

ومن هنا لا يتصور أن مسألة من المسائل الفقهية العلمية لا دليل عليها البتة ، وكذلك كثير من المسائل العلمية في العقائد وفي غيرها ، لكن إذا كان الإيراد عليها كثيرًا ، والإيراد على غيرها قليلًا ، فما كان الإيراد عليه كثيرًا فهو ضعيف ؛ لأنك لا تتصور في العلم أن هناك مسألة القول فيها هو كذا لأجل عدم الدليل للقول المخالف البتة ، فهذا غير موجود ، إلا في مسائل نادرة وقليلة مما أحدث من البدع أو الأقوال التي لا أصل لها ، فقد يكون دليل من القرآن أو من السنة ، قد يكون هناك دليل من القواعد ، قد يكون هناك دليل من القياس . . . . . إلى آخره .

فشأن العالِم أن يرجح أقوى الدليلين من الجهة الشرعية ، وأن يرجح أقوى الاستدلالات من الجهة الأصولية ، وأن يرجح أقوى الحكمين من الجهة الاجتهادية ، فإذا نظر نظرًا شرعيًّا فرجح فهذا هو العلم .

ولهذا نقول : في المسائل العلمية سواء كانت في الصفات أو في الربوبية أو في الألوهية ، أو في كثير من المسائل المتصلة قد تجد على ما يقوله أهل السنة اعتراضًا ، ولكن الاعتراض على غيرهم أكثر بكثير جدًّا ، بل لا نسبة بين هذا وهذا ، فقد يكون هناك اعتراض من المبتدعة على بعض المسائل في تقريرات أهل السنة على مسائلهم ، وقد تأنس بعض العقول بهذا الاعتراض ، ولهذا راجت كثير من الاعتراضات على بعض العلماء الكبار ، سواء في مسائل توحيد العبادة والوسائل إليها أو في الصفات ، أو في دلائل النبوة ، أو في مسائل الإيمان ؛ القدر وغيره . ما السبب ؟

السبب أن لهم شبهة دليل ، ولكن هذا الدليل ليس هو الدليل الصحيح الراجح في نفس الأمر ، ولهذا من أعظم الأمور التي يجب الاهتمام بها أن يُفهم كيف يرجح بين الأدلة وكيف يرجح بين الاستدلالات ، وإلا فلا يُتصور أن قولًا من الأقوال لا دليل عليه البتة ؛ لا من النقل ، ولا من العقل ؛ لأن الناس لا بد أنهم نشئوا عن برهان ، يعني لا يفترض فيهم أنهم نشئوا عن هوى في مسائل الصفات ، وفي مسائل الإيمان ، كالمعتزلة والجهمية فعندهم أدلة عقلية .

لكن هل الدليل في نفسه هو الصحيح أم لا ؟

فلهذا نقول : إن من أحسن الاستدلالات استدلال القرآن في المسائل العلمية والمسائل العملية ، بل أحسن الأدلة هو القرآن ، وأحسن أوجه الاستدلال هو القرآن, كما قال جل وعلا : ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا[ النساء : 87 ] سبحانه وتعالى ، ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا[ الزمر : 23 ] ، سبحان من تكلم به! ومن الأدلة العظيمة في القرآن السبر والتقسيم ، فتحصر الأوجه ثم تقول : هذا كذا ، وهذا كذا ، فيبقى الوجه الثاني ، فلو لم تكن الأدلة عليه كاملة يبقى هو لأنه يقيني .

لهذا تجد أن بعض الذين تشككوا في خلقهم والخالق ، وهل خلقهم الله جل وعلا ، لو تفكروا لوجدوا أن الاحتمالات لا بد أن تُلغى ويبقى هذا الاحتمال ، يعني بالسبر والتقسيم ؛ كما قال جل وعلا هنا : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ ﴾ يعني إمّا السماوات والأرض جاءتا بلا خالق ، أو أنهم خلقوهما ، أو أن الله خلقهما ، ولو قلنا : إن السماوات والأرض جاءتا هكذا بلا خالق فهل يعقل ؟ هل يعقل أن السماوات والأرض على هذا النظام البديع هكذا جاءا بلا موجد بما في الأرض من خصائص ، وما يحصل لأهل الأرض من تسخير الشمس والقمر والنجوم والأفلاك ، وبشكل السماء وهذا الجمال الذي فيها ، وهذه الألوان وهذه الخصائص ؟ هذا باطل ؛ لأنه لا أحد يدعيه ، لا شك أنه يبقى أن الذي خلق هو الله جل وعلا .

وهذا كثير في القرآن ، يدعو الله – جل وعلا – إلى التفكر في هذا ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا[ سبأ : 46 ] . وقوله : ﴿ مَثْنَى وَفُرَادَى ﴾ هذا فيه تنبيه إلى أن الدلائل النظرية التي تحتاج إلى طريق النظر والاستبصار في الملكوت ، بل وفي ما فيه برهان ، هذه إذا اجتمع الناس فيها انحرفوا فيها عن الصواب ، وإذا رجع الواحد إلى نفسه أدرك الصواب ؛ لأنه كما أقر علماء السلوك والنفس : العقلية الجماعية غير العقلية الفردية ؛ فإن الإنسان قد يكون له عقل في جماعة من الناس أو في مجلس أو في فئة أو في مدرسة ، قد يكون له عقل في الجماعة من جهة الحماس لها ، لكنه إذا انفرد بنفسه وتأمل وجد أن البرهان ليس على هذا .

ولهذا دعا الله – جل وعلا – المشركين إلى أن يكون برهانهم عن طريق التفكر ؛ إمّا اثنان يتناجيان بالبرهان الصحيح ، وإما فرادى ، وأما العقلية الجماعية فإنها تصرف عن الحق في كثير من الأشياء ؛ لأنه يصبح المرء لا يفكر بعقله ، بل يفكر بعقل غيره ، وغيره أيضًا لا يفكر بعقله ، بل بعقل الغير ، ثم يتحكم في المجموع آراء ليس لها خُطُم ولا أزمَّة ، وهذا ما حصل مع أعداء الرسل ، فإنهم إذا اجتمعوا صار لهم كلام ، وإذا تفرقوا كان غير ذلك . . .

مثلما حصل في قصة الثلاثة الذين سمعوا تلاوة النبي – صلى الله عليه وسلم – في مكة ، كل يُقرّ أن هذا الحق بمفرده ، لكن لما اجتمعوا أنكروا ذلك ، وهذا أيضًا مما يحصل به معرفة البرهان ، وهو ألا يكون البحث بحثًا بعقلية تعددية ، بل بعقلية فردية ، وهذا من فوائد هذه الآية ، والفوائد كثيرة في القرآن في المسائل العلمية والعملية والشرعية والقدرية وأنواع ذلك ، فالقرآن لا تنفذ خزائنه ، ولا يبلى على كثرة الرد .

***

﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ

هذه طائفة من الآيات خُتمت بها سورة الطور ، وسورة الطور مشتملة على حال المعاد ، ومصير الكفار فيه ومصير المؤمنين ، وحال الكفار في هذه الدنيا ، وكيف أنهم لم يؤمنوا بآيات الله – جل وعلا – مع ظهور البرهان والدليل على وحدانيته سبحانه وتعالى ؛ كما في قوله : ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ ﴾ إلى قوله : ﴿ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ ﴾ ، ثم قال سبحانه بعد ذلك : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ﴾ .

الكفار الذين عاندوا الرسالات ولم يؤمنوا بما أنزل الله – جل وعلا – يطلبون دائمًا الحجة ، ويتظاهرون بأنهم لم يؤمنوا لأنه لم يقم البرهان الواضح ، ولو جاءتهم آية لآمنوا ، وهذا في القرآن كثير . والكفار تارة يطلبون أن تنزل الآية على الرسول ، وتارة يطلبون أن تكون الآية نازلة عليهم ؛ كما في قوله : ﴿ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[ الأنعام : 124 ] ، وتارة يطلبون الآية أن تكون مع الرسول مصاحبة له كإنزال ملك يمشي معه .

وهم ليسوا صادقين في أنهم سيؤمنون إذا جاءتهم الآية ، بل كلما جاءتهم آية لم يؤمنوا ، وإلا فآيات الله – جل وعلا – ظاهرة بينة كثيرة .

وقد جاء في القرآن بيان أن الكفار كذبوا بما جاء من الآيات وتمنوا آياتٍ هي أقل مما جاءهم ، وهذه الآيات التي تمنوها هي على قسمين :

آيات كونية : وهذا مثاله ما جاء في هذه الآية : ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ ﴾ ، وكقوله : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ[ الحجر 14 ، 15 ] .

والنوع الثاني : أنهم طلبوا الآية تحديًا ، يعني أن تكون الرسالة لهم أو أن يكون الرسول منهم ؛ كما في قوله : ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ[ الزخرف : 31 ] .

فهم تحكموا في المرسَل إليه وتحكموا أيضًا في آيات الرسول ، فطلبوا هذا وطلبوا هذا ، مع أن الآيات الكونية جاءتهم بأعظم مما طلبوا ، فقد جاءهم انشقاق القمر الذي هو أعظم من سقوط كسف من السماء أو فتح السماء ؛ كما قال سبحانه : ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ ؛ رأوا القمر فِلقتين ؛ فلقة ذات اليمين وفلقة ذات الشمال ، وما صدقوا ، قالوا : سُحِرنا .

وقد أجاب الله – جل وعلا – طلبهم في قولهم : افتح لنا بابًا من السماء بقوله : ﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ[ الحجر : 14 ، 15 ] فإذن أعظم من فتح الباب لهم أن يُقسَم شيء لهم في السماء ، فهذه آية عظيمة .

إذن فالقرآن كله حِجاج مع المشركين لإقامة الحجة عليهم ، والله – جل وعلا – لم يجبهم فيما طلبوا ، لكن جعل هناك أمثلة آتاها الرسول – عليه الصلاة والسلام – لتكون حُجة له . وهذا يفيد أهل الحق في نزاعهم مع أهل الباطل ، في ألا ينساقوا معهم في كل ما يطلبونه ، بل يكفي أن يقيموا الحق بدليله وبرهانه في مسائل مما يفترضه أهل الباطل أو مما يطلبون ، ثم لا ينساقوا معهم بعد ذلك .

وهذا يظهر لك في ضعف طائفة من المسلمين – وخاصة في هذا الزمن – في الجواب عن شبهات المشركين وشبهات الكفار من النصارى واليهود ، وأذنابهم من المستشرقين وغيرهم ، فإنهم أكثروا من إيراد الشُّبَه على القرآن وعلى الرسالة وعلى وحدانية الله جل وعلا ، وعلى صحة التدين بدين الإسلام ، إلى آخر ما أوردوه ، فضعفت طائفة فأرادوا أن يجيبوا عن كل ما أوردوه من الشبه ، وهذا ليس منهجًا صحيحًا ، بل المنهج الصحيح أن تقيم الحق بدليله ، وأن تفهمه الناس ، أما ما يطلبه أولئك من جواب الشبه فيكفي أن ترد بعضها لدحض قولهم وافتراءاتهم ، أما الانسياق معهم في كل ما يريدون فهذا خلاف مع ما نعلمه من منهج الحِجاج مع المشركين والكفار في كتاب الله جل وعلا .

فالمؤمن يجب عليه أن يستعلي بإعلاء كلمة الله – جلا وعلا – له بـ ” لا إله إلا الله ” ، وألا يضعف أمام أهل الباطل فيما يوردون ، والله سبحانه وتعالى بين ذلك أتم بيان في كتابه .

فلهذا قال بعد هذه الآية : ﴿ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ لأن المسألة إنما هي اتباع للأهواء . ومعنى ذرهم : اتركهم . وفي آية الزخرف : ﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ[ الزخرف : 83 ] يعني في الدنيا أو في الآخرة ، إما في الدنيا بالموت أو في الآخرة حين تأتي الصعقة التي لا يسلم منها أحد ، حيث قال عليه الصلاة والسلام : « إِنَّ الناسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ . . . » ([1]) الحديثَ .

 قال تعالى : ﴿ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ هذا تهديد ووعيد لهم ، والتهديد يفيد القلوب العاتية ، كما أن الترغيب يفيد القلوب المطمئنة أو القريبة ، والجمع بينهما يفيد القلب الذي فيه هذا وهذا .

وفي هذه الآية إثبات لصفتين من الصفات التي تلازم الكفار ، وهما :

 1 – ظنهم أنهم أغنياء بأبدانهم وأموالهم .

 2 – ظنهم أنهم سيُنصرون من أوليائهم .

وفي القرآن تجد نفيًا لهذا ونفيًا لذاك في آيات كثيرة ، مجتمعين ومنفصلين ، فغناهم بالأموال والأولاد وما عندهم كما قال سبحانه : ﴿ وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ﴾ [ سبأ : 37 ] الآيات . والنصرة بالآلهة التي اتخذوها أولياء كما في قوله : ﴿ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً[ الأحقاف : 28 ] .

***

قال سبحانه بعد ذلك : ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ المراد عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة . والظلم هنا المراد به الشرك ؛ لأن أهل الشرك ظلموا أعظم الظلم في حق الله – جل وعلا – إذ ادعوا أن معه آلهة أخرى .

قال : ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ونفي العلم هنا راجع إلى شيئين :

الأول : عدم العلم بالحق ، وهنا تكون الواو استئنافية .

الثاني : عدم العلم بوقت مجيء هذا العذاب ، أو أنه سيأتيهم لا محالة ، وهنا تكون الواو عاطفة على ما قبلها عطف الجمل ، قال : ﴿ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ، وكلتا الصفتين – عدم العلم بالحق وعدم العلم بمتى يجيء العذاب – جاءتا في القرآن في مواضع كثيرة .

***

ثم قال سبحانه : ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ هذا الأمر بالصبر أمر للوجوب ، وحقيقة الصبر كما هو معلوم أن يصبر الصابر على ما حكم الله – جل وعلا – به شرعًا ، وما حكم الله – جل وعلا – به قدرًا ؛ لأن الحكم في القرآن ينقسم إلى حكم ديني شرعي ، وإلى حكم كوني قدري كالإرادة والأمر والقضاء وأشباه ذلك ، فالصبر هنا للحكم الشرعي الديني بألا يلتفت الصابر إلى ما يشبه به المبطلون ، ولا إلى ما يوردونه ، ولا إلى ما يعارضون به الرسالة ، فلتصبر على هذا الحق حتى يأتي وعد الله جل وعلا ، وهذا مكلف وصعب ، وهو أصعب النوعين .

أما الصبر لحكم الله الكوني القدري فهذا يمكن للكثيرين أن يكونوا من أهله ، ولكن الصبر الصعب الذي يشق على النفس هو الصبر على حكم الله الشرعي ، ولهذا في آيات كثيرة نهى الله – جل وعلا – نبيه عن الاستعجال كما قال سبحانه : ﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ﴾ الآية [ الأحقاف : 35 ] .

فإذن الصبر هنا المأمور به هو : الصبر على حكم الله الشرعي ، والصبر على حكم الله الكوني القدري ؛ أما الصبر على حكم الله الشرعي فبأن يستمسك المرء بالتوحيد وبما أنزل الله جل وعلا ، ولا يميل إلى أولئك الكفرة وإلى أولئك المشركين ، والله – سبحانه – عصم نبيه وثبته ، وأما غيره فيجب عليه أن يخاف كثيرًا من الميل عن الصبر على حكم الله الشرعي ؛ كما قال سبحانه لنبيه : ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ[ الإسراء : 74 ، 75 ] كاد يركن إليهم شيئًا قليلًا يعني : في الأمور الدينية ، ولولا أن ثبته الله لما صبر ولوقع في ذلك .

 وهذا يوجب على كل مؤمن – وخاصة من كان يخالط أولئك أو يجاهدهم باللسان أو بالسنان – أن يخاف أشد الخوف من أن يركن إليهم وأن يترك الصبر على دين الله والصبر على ما جاءت به الشريعة ، والصبر على الأحكام ، والصبر على الحق الذي علمه .

ومنه تعلم أن الذين تنازلوا عن الحق ودخلوا في مصالحات مع أهل الباطل بأنواع من المصالحات إما الفكرية أو الدينية وظنّوا أن هذا فيه مصلحة ، أن هذا ترك للصبر الواجب الذي أمر الله – جل وعلا – به ، ليس المهم عندنا أن يصلح الناس وإنما المهم أن نوافق الحكم الشرعي في صلاح الناس ؛ لأن الزمن الحكم فيه ليس لنا ، وإنما هذا قدر الله – جل وعلا – يمضي في خلقه ، فنوح – عليه السلام – مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ، ومع ذلك فهو صابر على حكم الله – جل وعلا – الكوني ، وعلى حكمه الشرعي ، وما مال إلى القوم وما صالحهم .

والنبي – عليه الصلاة والسلام – لما عرض عليه قومه المصالحة أنزل الله جل وعلا سورة البراءة العظيمة : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ ، فإذن لا مداهنة مع أهل الباطل في الحق الواضح الذي أنزله الله – جل وعلا – في كتابه ، وهم يودون أن لو نترك بعض الحق حتى ينتصروا ؛ لهذا قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[ القلم : 9 ] .

فيجب على أهل الإيمان أن يصبروا على الحق الذي معهم ، وأن يصبروا على ما جاءت به الشريعة ، وألا يلتفتوا إلى غير ذلك ، كما أنه واجب عليهم أن يصبروا على حكم الله الكوني بتأخر النصر ، أو بما يحصل لأهل الإيمان من الابتلاء أو ما أشبه ذلك ، فهذا الأمر لله – جل وعلا – من قبل ومن بعد ، وفيه ذكر لمعنى الربوبية الذي فيه التصرف في الكون والتصرف في الملكوت والقدر ، فكلمة ” حكم ربك ” فيها رجوع المؤمن إلى معاني توحيد الربوبية ، والصبر والحكم متعلقان باستحضار معاني الربوبية ، ثم الصبر يكون عبادة راجعة إلى توحيد الإلهية .

***

قال تعالى : ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ ، والأعين هنا المراد بها : فإنك بكلاءتنا ورعايتنا وفي مرأى منا ومسمع ، وهذا من التفسير باللازم ؛ لأن الأعين هنا لما أضافها الله – جل وعلا – إلى نفسه فإن المراد منها إثبات صفة العينين لله جل وعلا .

وفي قوله : ﴿ بِأَعْيُنِنَا ﴾ هذه الباء أفادت أن المراد لازم الأعين ، لازم النظر ، وهو الكلأ والرعاية ؛ كما في قوله سبحانه في الآية الأخرى : ﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا[ هود : 37 ] ، يعني بمرأى منا وبكلاءة ورعاية .

والأعين هنا جُمعت ، وجمع الأعين لله – جل وعلا – لا يعني أن له أكثر من عينين ، بل صفة الله سبحانه وتعالى أن له عينين سبحانه وتعالى ؛ كما ثبت في الحديث « إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ » ([2]) ، يعني أن له سبحانه وتعالى عينين جل جلاله .

والجمع في ” بأعيننا ” يتبع قاعدة لغوية ، وهي أن المثنى إذا أضيف إلى ضمير جمع أو ضمير تثنية فإن الأفصح أن يجعل جمعًا ، وهذا هو الذي جاء في القرآن ، كما في قوله سبحانه : ﴿ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ[ ص : 75 ] فهذا مثنى ، ثم قال في آية سورة يس : ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ[ يس : 71 ] ، ويتضح لك ذلك بقوله سبحانه في سورة التحريم : ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا[ التحريم : 4 ] ، والمخاطب امرأتان ، ولكل امرأةٍ قلبٌ ، ومع ذلك لما أضاف القلبين إلى ضمير تثنية جمع ؛ لأن ذلك هو الأفصح ، وإلا فالأصل : فقد صغى قلباكما ، لكن هذا ليس الأفصح .

المقصود أن من استدل بهذه الآية على أن الله – جل وعلا – يوصف بالأعين دون العينين ، فإن هذا غلط في الاعتقاد ، وغلط في الاستدلال ؛ لأن هذا الجمع ليس المراد منه الجمع ، وإنما المراد منه التثنية ؛ لأن الإضافة تدل على ذلك ؛ بدليل حديث « إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ » ، وفي اللغة أن الأعور هو فاقد إحدى العينين .

***

قال سبحانه وتعالى : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ هناك اختلاف للسلف هنا في القيام ؛ هل هو القيام من المجلس ، أو القيام من الليل في الصلاة ، أو القيام إلى الصلاة ويكون التسبيح في أول الصلاة وهو دعاء الاستفتاح .

وهذا كله راجع إلى فهم قاعدة ، وهي أن الألفاظ المجملة في القرآن التي لا يستبين المراد منها وجاءت بأمر أو نهي ، فإنه يستوضح أو يستبان الإجماع بالرجوع إلى السنة ؛ لأن السنة مبينة لمجمل القرآن ، فرجعت طائفة إلى السنة فوجدوا أنه حين يقوم المرء للصلاة فإنه يدعو بدعاء الاستفتاح بعد التكبير : « سُبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ ، تَبَارَكَ اسْمُكَ ، وتعالَى جَدُّكَ ، ولا إلهَ غَيْرُكَ » ، فقالوا المراد بقوله : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾ أي إلى الصلاة ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان إذا قام في الصلاة دعا بهذا الدعاء في أول الصلاة([3]) .

وقالت طائفة : المراد كفارة المجلس ، وحديث كفارة المجلس أعلَّه طائفة من أهل العلم كالبخاري ، وحصلت فيه المناظرة المعروفة ما بين البخاري وما بين مسلم ؛ إذ عارض البخاري مسلمًا في استدلاله بهذا الحديث ، فقال مسلم : إنه صحيح ، فقال البخاري : ليس كذلك ، بل له علة ، فجثا مسلم بين يدي البخاري وقال : يا أستاذ الأستاذين ، ويا طبيب الحديث في عِلَله ، أفدني . فذكر له علته بما هو معروف ، وليس هذا مكان إيضاح .

 وهناك من قال : ﴿ حِينَ تَقُومُ ﴾ يعني حين تقوم من الليل ، واستدلوا له بحديث « مَن تَعَارَّ مِنَ اللَّيلِ فقالَ : لا إلهَ إلَّا اللهُ ، وحدَهُ لا شَريكَ له ، له المُلكُ وله الحمدُ . . . » ([4]) الحديثَ .

 المقصود هو التعرف على قاعدة أن اللفظ المجمل في القرآن إذا جاءت السنة فيه بأوجه ؛ فإن الخلاف فيه سائغ ، وهذا له أمثلة كثيرة في اختلاف السلف في التفسير ، فمن علم السنة علم وجه اختلاف السلف ؛ لأن اختلافهم في التفسير إما أن يرجع لدلالات في القرآن مختلفة وإما أن يرجع لدلالات في السنة مختلفة ، وإما أن يرجع إلى دلالات في اللغة مختلفة ، نحو : ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ[ التكوير : 17 ، 18 ] هنا ” عسعس ” هل هو الإقبال أو الإدبار ؟ اختلفوا فيه ؛ وهذا من جهة دلالات اللغة .

وهذه المسألة الأخيرة ذكرها شيخ الإسلام في أصول التفسير في المقدمة المعروفة .

فإذن حين يختلف السلف في تفسير الآيات فيما يتعلق بلفظ الآية ودلالتها ، فإما أن ترجع هذا الاختلاف إلى اختلاف في السنة ، وإما أن ترجع إلى الاختلاف في اللغة ، وبهذا يحصل لك تقرير اختلاف أقوال السلف في التفسير .

قال سبحانه : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾ وتسبيح الله – جل وعلا – معناه التنزيه والإبعاد عن النقائص ، فإذا اجتمع التسبيح والحمد صار أعظم كمالا في الثناء ؛ لأن التسبيح تنزيه عن النقائص في الذات ، وفي الصفات ، وفي الربوبية ، والألوهية ، والأفعال ، وفي الشرع ، وفي القدر ، والحمد ثناء بإثبات للكمالات ؛ كمال الذات وكمال الصفات وكمال الأفعال ، كمال الشرع والقدر جميعًا . ولهذا صار أعظم الكلام : ” سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ” ، فهذا أحب الكلام إلى الله ، فقول القائل : ” سبحان الله وبحمده ” أعظم ثناءً من ” سبحان الله ” ، وحدها وأعظم ثناءً من ” الحمد لله ” وحدها ، وإذا قال : ” سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ” فهذا أعظم الكلام وأحب الكلام إلى الله جلا جلاله ، فإن زاد : ” لا حول ولا قوة إلا بالله ” صارت هذه الكلمات هي الباقيات الصالحات التي يتنافس فيها المتنافسون ، كما جاء في تفسير قوله : ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا[ الكهف : 46 ] .

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا ممن خفَّ على لسانه ذكر الحق – جل وعلا – فسبحه وحمده في كل حال من الليل ومن النهار ، وفي كل تقلباتنا وأحوالنا .

 

( [1] ) أخرجه البخاري ( 3 / 121 ، رقم 2411 ) ، ومسلم ( 4 / 1843 ، رقم 2373 ) .

( [2] ) أخرجه البخاري ( 5 / 176 ، رقم 4402 ) ، ومسلم ( 1 / 154 ، رقم 169 ) .

( [3] ) أخرجه أبو داود ( 1 / 265 ، رقم 775 ) ، والترمذي ( 2 / 9 ، رقم 242 ) والنسائي ( 2 / 132 ، رقم 899 ) وابن ماجه ( 1 / 264 ، رقم 804 ) وأحمد ( 3 / 50 ، رقم 11473 ) .

( [4] ) أخرجه البخاري ( 2 / 54 ، رقم 1154 ) .

شاركها مع أصدقاءك