• إسم الملف : التحذير من الغلو في الدين
  • عدد الزيارات : 2٬030 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حق الحمد وأوفاه ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ومصطفاه ، صلِّ اللهم عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعد ، فأسأل الله -جل وعلا- لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح ، والقلب الخاشع والدعاء المسموع ، أعوذ بالله أن نَزِلَّ أو نُزَلَّ ، أو نَضِلُّ أو نُضَلَّ ، أو نَجْهَل أو يُجْهل علينا .

 من المعلوم أن الله -جل جلاله- رحيم بعباده عظيم الرحمة ، رؤوف بهم كثير الرأفة عظيمها ، ولهذا جعل هذا الدين يُسرًا ، وما أنزل القرآن ليَشْقَى به العباد ، قال جل وعلا : ﴿ طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقَى [ طه : 1-2 ] . قال المفسرون : قوله : ﴿ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى . يعني : لم يكن إنزال القرآن لعلة أن يشقيك ذلك ، بل لعلة أن يسعدك ؛ لأن القرآن يسر ، ولأن القرآن يدعو لليسرى ، كما قال -جل وعلا- في الآية الأخرى : ﴿ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [ الأعلى : 8 ] .

 قال المفسرون أيضًا : يعني ، نيسرك للطريق والسنة التي هي أيسر وأحب وأبعد عن التكليف بما لا يطاق ، ولهذا قال الله -جل وعلا- في خواتيم سورة البقرة : ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ[ البقرة : 286 ] . ولما دعا المؤمنون بهذا ، قال الله جل وعلا : «قَدْ فَعَلْتُ» .( [1] )

فهذا الدين مبني على التيسير ، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « إن الدين يُسْر ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه » . ( [2] )

 وهذا يعني أن الدين الذي أنزله الله ؛-جل وعلا- ورضيه لعباده وقام به المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قولًا وعملًا ، وظهرت سنته فيه -عليه الصلاة والسلام- يُسْرٌ وسَعَادَةٌ وراحة وطمأنينة ، ولن يشاده أحد إلا غلبه ، وهذا من بشائر الخير ، ومما يجلب غير المسلم للدخول في الدين ؛ لأن الديانات فيما قبل بُنِيت على كثير من التكاليف ، ودين الإسلام -ولله الحمد والْمِنَّة والفضل والرحمة – جاء يسيرًا ، مُيَسَّرًا سهلًا ، وقد جاء في الحديث : «إِنَّ هَذَا الدِّين مَتِينٌ ، فأَوْغِلْ فيه برِفْق ، ولا تُبْغِض إلى نفسِك عبادةَ اللهِ ، فإن الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ ، ولا ظَهْرًا أَبْقَى» ( [3] )حديث جابر بن عبد الله ، وهو حسن بمجموع طرقه .

 وإذا تَبَيَّن هذا وأن ديننا بُنِي على اليسر ، وبُنِي على السماحة ، يعني السماحة التي كان عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تَبَيَّنَ لنا كيف جعل الله -جل وعلا- هذه الأمة عدلًا خِيَارًا ، وكيف جعلها في شهادتها على الأقوام ، وجعلها خيارًا يعني أنها أحسن الأمم كما قال جل وعلا : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا[ البقرة : 143 ] فجعل الله هذه الأمة أمة وسطًا ، ومعني كونها وسطًا ، أي أنها عَدْل خيار ؛ لأن الوسط هو العدل وهو الخيار المصطفى ؛ والعرب كانت تمتدح أمرا امتدحته بكونه واسطة الشيء وبكونه وسطه ؛ لأنه أحسنه وأفضله , فجعل الله هذه الأمة أمةً وسطًا ( لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) [ البقرة : 143 ] .

 وقد جاء في صحيح أبي عبد الله البخاري عند تفسير هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «يَجِيء نُوحٌ وأُمَّتُه ، فيَقولُ اللَّهُ تعالى : هل بَلَّغْتَ ؟ فيقولُ : نعم أَيْ رَبِّ . فيَقُولُ لأُمَّتِه : هل بَلَّغَكُم ؟ فيقولون : لا ، ما جاءنا من نَبِيٍّ . فيَقولُ لنُوحٍ : مَن يَشْهَدُ لكَ ؟ فيقول : محمدٌ -صلى الله عليه و سلم- وأُمَّتُه . فنَشْهَدُ أَنَّه قد بَلَّغ ، وهو قولُه جَلَّ ذِكْرُه : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ» .( [4] )

وهذا فيه بيان أن هذه الأمة بعلمائها وفقهائها ومن عقل الدين عن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- شاهدةٌ على الناس ، ولا يزال في هذه الأمة طائفة ظاهرة بالحق ،كما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : «لا تزالُ طائِفةٌ مِنْ أُمّتِى ظاهِرِينَ على الْحقِّ ، لا يضُرُّهُمْ مَنْ خذلهُمْ حتَّى يأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهُمْ كذلِكَ»( [5] ) .

 قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وغيره من أهل العلم : ظهور هذه الطائفة إما أن يكون ظهورًا بالسيف والسنان ، وإما أن يكون ظهورًا بالحجة والبيان .( [6] )

 فلا بد أن يكون في هذه الأمة طائفة ظاهرة بالحق ، إما أن يكون ظهورها على غيرها من الأمم بالسنان ، وأنها تكون هي القوية وهي الغالبة المنتصرة ، وإما أن يكون ظهورها بما هو أعظم ، بالحجة والبيان ؛ لأن ظهور السيف والسنان كان بعد ظهور الحجة والبيان ، ألم تَرَ أن العهد المدني كان بعد العهد المكي .

 إذا تبين لك ذلك فإن مقتضى كون هذه الأمة وسطًا أن يكون هناك طرفان : طرف يجفوا ، وطرف يغلو ، فلهذا كانت الأقسام -أقسام الناس- ثلاثة : وسط ، وهم الخيار الذين اتبعوا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ، وأهل العلم الراسخين . وطرف يجفوا وهم أهل الجفاء الذين فرطوا في أوامر الله ، فلم يتبعوا ما أمر الله به وارتكبوا منهياته ، ولم يرفعوا رأسًا لأوامر النبي -عليه الصلاة والسلام- وما جاء في القرآن العظيم . والطرف الآخر هو الذي يغلو ، وهم الذين جاوزوا الحدَّ ؛ لأن معنى الغلو : مجاوزة الحد في تحقيق الشيء ، أو فيما يوصل إليه ، فغلا بمعنى : جاوز الحد . تقول : غلا السعر ، يعني جاوز المعقول .

 فهذا الطرف جاوز المعروف في أمره ونهيه تبارك وتعالى ، يعني جاوز الحد الذي أذن له به ، فهؤلاء غلوا في الدين وجاوزوا الحد الذي أذن لهم به ، فلم يكونوا مع الأمة الوسط العدل الخيار ، وإنما زادوا عليهم رغبةً في التعبد ورغبةً في رِضَا الله -جل وعلا- لكن ليس كل من أراد رضا الله -جل وعلا- يحصل عليه حتى يأتي بالبرهان ، وهو اتباع المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في قليل الأمر وكثيره ، ويكون ذلك بترك الهوى ، وما تريده النفس من الشهوات ، قال جل وعلا : ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ[ آل عمران : 31 ] .

 وقد جاء في القرآن النهي عن الغلو ، والنهي عن الطغيان ، فقال -جل وعلا- مخاطبًا أهل الكتاب : ﴿ يا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ إِنَّمَا المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ[ آل عمران : 179 ] الآيةَ .

 وقال -جل وعلا- أيضًا : ﴿ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ[ المائدة : 77 ] .

 وقال جل وعلا : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا[ هود : 112 ] .

 والآيات في هذا المعنى متعددة ، فدلت الآيات على أن الطغيان ومجاوزة الحد والغلو منهي عنه ، قال -جل وعلا- لأهل الكتاب : ﴿ يا أَهْلَ الكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ[ النساء : 171 ] . ومعلوم أن القاعدة المقررة أن النهي لأهل الكتاب في هذا نهي لنا ؛ لأن الغلو في الدين أمر مذموم لكل من اتبع رسالة من رسالات أنبياء الله -عليهم صلوات الله وسلامه ، فدلنا قوله جل وعلا : ﴿ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ﴾ على أن الغلو في الدين محرم ؛ لأن النهي للتحريم ، بل هو من أشد المحرمات ؛ لأنه يبعث على ارتكاب كثير من المحرمات ، وهو وسيلة لآثار ومحرمات كثيرة .

 وقول جل وعلا : ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ . يجعلنا أمام سؤال مهم وهو : بِم غَلا أهلُ الكتاب في دينهم ؟ غلوا بأن جعلوا عيسى -عليه السلام- ابنًا لله ، جعلوا له بعض خصائص الألوهية ، وقد جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «لاَ تُطْرُونِيكَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ ، فَقُولُوا : عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» .( [7] )

 يعني لا تجازوا الحد في مدحي كما تجاوز النصارى الحد في مدحهم لعيسي ، فبلغ بهم ذلك أن عبدوه وألَّهوه ، ولكن قولوا : عبد الله ورسوله . وما أعظمها من مكانةٍ أن يكون رسولًا لله جل جلاله .

 إذا تَبَيَّن ذلك ، فإن هذه الأمة نُهِيت عن الغلو ، وخاف عليها المصطفى -صلى الله عليه وسلم- أن يكون فيهم الغلاة ، فلما كان -عليه الصلاة والسلام- في حجة الوداع أمر مَن يلقط له الحصى ، وقال : «الْقُطْ لِي حَصًى» . فَلَقَطَ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ ، هُنَّ حَصَى الْخَذْفِ ( [8] ) ، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فِي كَفِّهِ وَيَقُولُ : «أَمْثَالَ هَؤُلاَءِ فَارْمُوا» . ثُمَّ قَالَ : «يَا أَيُّهَا ، النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» . ( [9] ) .

 انظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم : «أَمْثَالَ هَؤُلاَءِ فَارْمُوا . . . إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» . حتى في حجم حجر الجمار الذي يُرْمَى به قال : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ» . يعني : لا تظنن أن الخير والتعبد والقربة من الله وكثرة الحسنات يكون في تكبير الحصاة ، وإنما بمثل هذه فارْمِ ، وإياك أن تغلو في دين الله .

 لقد خاف النبي -عليه الصلاة والسلام- على الأمة الغلو ، والسبب قوله : «إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» . فالغلو سبب من أسباب التشتت ، وسبب من أسباب ضرب الأمة بعضها رقاب بعض ، وسبب من أسباب الافتراق ، ومن القواعد المقررة ما قاله عليه الصلاة السلام : «الجماعةُ رَحْمةٌ ، والفُرْقةُ عَذَابٌ» .( [10] )

 ولقد كانت بدايات الغلو في عهده -عليه الصلاة والسلام- حينما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقسم بعض المال فأقبل رجل غائر العينين ناتئ الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس ، فقال : يا محمد ، اتق الله . فقال النبي صلى الله عليه و سلم : «فَمَن يطيع الله إذا عصيتُه ؟! فيأمنني على أهل الأرض ، ولا تأمنوني ؟!» . فسأل رجل من القوم قتله ، فمنعه النبي صلى الله عليه و سلم ، فلما وَلَّى قال النبي صلى الله عليه و سلم : «إِنَّ مِن ضِئْضِئ هذا قومًا يَقْرءُونَ القُرْآنَ ، لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم ، يَمْرُقونَ مِن الإسلامِ مُروقَ السَّهْمِ من الرَّمِيَّةِ ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإسلامِ ويَدَعون أهْلَ الأوثانِ ، لئن أدركتُهم لأقتُلنَّهم قَتْلَ عادٍ»( [11] )

 يعني أن الغلو كان في هذا الرجل ، وكان من آثار غلوه أنه سيتبعه أقوام على غلوه قال : «إِنَّ مِن ضِئْضِئ هذا قومًا» يعني جماعة يتبعونه فيما يقول أو فيما يفهم ، فبَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم صِفتَهم بقوله : «يَقْرءُونَ القُرْآنَ ، لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم» الحديثَ .

 كذلك حكاية الثلاثة من الصحابة الذين أرادوا التعبد ، فسألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم ، فأُخْبِروا أنه يتزوج النساء ، وأنه يقوم بعض الليل وينام بعضه ، وأنه -عليه الصلاة والسلام- يأكل اللحم . فقالوا : أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟!

 قال الراوي : فلَمَّا أخبروا بعبادته كأنهم تقالُّوها ، يعني قالوا : هذه عبادة قليلة ونحن ما خلقنا إلا لعبادة الله . فقال أحدهم : لا أتزوج النساء . وقال الآخر : أنا أصوم ولا أفطر . وقال الثالث : أنا أقوم الليل ولا أنام . فلما أُخْبِرَ النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم غضب عليه الصلاة والسلام وقال : «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ؟ أَمَا وَاللهِ ، إِنِّي لأَخْشَاكُمْ ِللهِ ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . ( [12] )هذا من جهة العبادات .

 لقد حصل بعد وفاة النبي -عليه الصلاة والسلام- بالأمة أنواع من الاضطرابات والخلافات خَاصَّة في أواخر عهد عثمان -رضي الله عنه- ثم في عهد على -رضي الله عنه- حتى بدأت فتنة الخوارج ، وكان سبب بدايتها مسألة التحكيم ، حيث دعا علي -رضي الله عنه- ومعاوية إلى اختيار مَن يحكم في القضية من ذوي العلم والفهم ، فانفصلت فرقة من جيش علي وسموا بالخوارج ، قالوا : كيف يُحَكَّم الرجالُ في دين الله ؟ لِم لا يُحَكَّم القرآن ، والله -جل وعلا- يقول : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ[ المائدة : 44 ] ، فخرجوا على علي -رضي الله عنه- وكفروه ، وكفروا الصحابة معه ، لأجل مسألة التحكيم ، فذهب إليهم ابن عباس -رضي الله عنه- وجادلهم بالتي هي أحسن ، حتى رجع معه ثلث الجيش ، في قصة معروفة ، فكان أول غلو في التكفير في الأمة غلو الخوارج .

 وقد وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- الخوارج بقوله : «يحقِر أَحَدُكم صلاتُه مع صلاتِهم ، وصيامُه مع صيامِهم ، يَقْرءُونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم ، يَمْرُقونَ مِن الدِّينِ كما يَمْرُق السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّة ، فأَيْنَما لَقِيتُموهم فاقْتُلُوهم ، فإِنَّ في قَتْلِهم أجرًا عند الله جل وعلا لِمَن قتلهم» . ( [13] )

 فهذا من الغلو ، الخوارج غلوا في قضية التكفير ، فكفروا الصحابة ؛ لأنهم بزعمهم لم يحكموا القرآن وحكموا الرجال ، والله -جل وعلا- يقول : ﴿ إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ[ الأنعام : 57 ] ، فلا حكم إلا لله -جل وعلا- فهذا مبدأ الغلو ، وكان من أسباب ظهوره اختلاف الوضع ، وحصول القتال بين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما .

 ثم حصل غلو آخر في باب العقيدة ، في إثبات الصفات ، نظر قوم في صفات الله -جل وعلا- وقالوا : القرآن فيه إثبات للصفات ، والسنة كذلك ، فجاوزوا الحد في إثباتها حتى جعلوا صفات الرحمن -جل وعلا- دالة على التجسيم . فقالوا : إن الله -جل وعلا- جسم ، وله وجه كوجه الإنسان ، وله عينان كعيني الإنسان إلى آخره . فغلوا في الإثبات ، والإثبات مشروع لكنهم زادوا فيه حتى جعلوا الإثبات تجسيمًا . والإثبات الحق الذي جاء في الكتاب والسنة على قاعدة ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ[ الشورى : 11 ] . إثبات بلا تجسيم ، وتنزيه للمولى -جل وعلا- عن النقص بلا تعطيل .

 وقابل هؤلاء فرقة أخرى غلت في ذلك ، فجعلت تنزيه الله -جل وعلا- فرض ، وقالوا : لا يصلح أن ننزهه إلا بأن ننفي عنه الصفات . كما قاله الجهمية والمعتزلة ، فغلوا في التنزيه مقابلةً ببدعة المجسمة وغلوهم ، فغلوا حتى قالوا : إنه لا صفة للرحمن -جل وعلا- إلا صفة الوجود ، أو إلا ثلاث صفات . . . إلى آخر ما هنالك . فكان سبب غلوهم أنهم أرادوا تطبيق القرآن في أنه ينزه الله -جل وعلا- عما لا يليق بجلاله وعظمته ، وجعلوا قوله جل وعلا : ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾ . [ الشورى : 11 ] دليلا على أنه ليس له صفة ، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا .

 ونظرت طائفة في القدر ، فوجدوا أن القرآن فيه إثبات للقدر ، فذهبوا إلى الجبر ، وأن الإنسان ليس بمسير أصلاً ، وإنما هو كالريشة في مهب الريح ؛ لأن الله -جل وعلا- هو الذي يخلق الأفعال ، وهو الذي يقدر الأشياء ، ومعني القدر أنه سابق ، ومعنى أنه سابق بحسب قولهم : أن الإنسان مجبور عليه ، والله -جل وعلا- قدر الأشياء وكتبها في اللوح المحفوظ ليظهر علمه في خلقيته ، وأنه -جل وعلا- بكل شيء عليم . أما الإنسان فهو مخير فيما هو مناط في التكليف ، وهذا أمر معروف ، فغلوا في إثبات القدر حتى جعلوا الإنسان مجبورًا لا اختيار له .

 وهناك طائفة أخرى غلت في التعبدات ، فقالوا : لا نَصِل إلى صفاء القلب وإلى تزكيته حتى ننقطع عن الناس بالكلية . فخرجوا من المدن ، وسكنوا بعض الأديرة وبعض الكهوف واعتزلوا الناس ، فظهر بذلك طائفة جديدة وهم الذين سموا بالصوفية أو ما أشبه ذلك ، فلأجل اختلاطهم بالنصارى غلوا في طلب التعبد ، فأتوا بتعبدات جديدة ، أتوا بألبسة جديدة ليس عليها هدي المصطفى -صلى الله عليه سلم- ولا هدي صحابته ، وهم يريدون رِفْعة الدرجات عند الله -جل وعلا- فغلوا في الانقطاع عن الناس والرغبة في الخلوة للتعبد الله -جل وعلا- وغلوا في تسخير القلب لأن يجتمع على ذكر الله -جل وعلا- وعلى التفكر في ملكوته ، فتركوا السنة في ذلك ،وخرجوا عما أذن لهم به ، فبلغ بهم الغلو أن أحدثوا طريقة جديدة في العبادات وفي الأذكار وأنواع التعبدات ، فصاروا أهل فِرَقٍ ، وأهل ضلالات كثيرة توسعت مع الزمن ، كل هذا في قسم العقائد وفي قسم العبادات .

لقد كان منشأ هذا الافتراق ومنشأ هذه الأمور وظهور هذه النحل والفرق الغلو في الدين ، ولو أنهم أخذوا بالسنة ، ولَم يزيدوا عليها لَمَا حصل هذا الافتراق العظيم ، ولَمَا حصل هذا التضليل والتكفير للأمة ، ولبقيت الأمة قلبًا واحدًا ، ولكن هكذا اقتضت حكمة الرحمن الرحيم ، أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين ، وهذا الذي خشي منه المصطفى -صلى الله عليه وسلم- حيث قال : «يَا أَيُّهَا ، النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» .( [14] ) ووقع هذا في هذه الأمة .

 إذا نظرنا إلى أسباب ظهور الغلاة لتجنبنا كل تلك الأمور ، فلا بد أن ننظر إلى أسباب ظهور الغلاة ، حتى لا نقع فيما وقعوا فيه ؛ لأن كلاًّ منا يريد الخير ويريد التقرب إلى الله جل وعلا ، فإذا عرفت أسباب ظهور أهل الغلو ، فأنه تُجْتَنب تلك الأسباب ، وعلينا أن نأخذ بالحزم في دين الله حتى لا نساق إلى نوع من الغلو من حيث لا نشعر .

أسباب ظهور الغلو

 إن أسباب ظهور الغلو متعددة ، لكن نذكر بعضًا منها ، من الأسباب : عدم فهم القرآن على طريقة الصحابة رضوان الله عليهم ، وأخذنا هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في وصف الخوارج ، وهو وصف عام لكل أهل البدع ، قال : « يَقْرءُونَ القُرْآنَ ، لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهم»( [15] ) ، يعني أنه لا يجاوز تلفظهم به ، فإذن هو لا يدخل إلى القلوب على وجهه الصحيح وذلك كما وصفهم الله بقوله تعالى : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ محمد : 24 ] . ولو دخل إلى قلوبهم فإنما يدخل على فهمهم الذي أخطئوا فيه وضلوا فيه ، وهذا لا يعني أن القرآن دخل إلى القلوب ؛ لأن القرآن إذا دخل إلى القلب على حقيقته ، فإنه يهدي كما في قوله تعالى : ﴿ إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ . [ الإسراء : 9 ] ، فحقيقة هذا السبب أن أولئك لم يتدبروا القرآن التدبر الصحيح على فهم الصحابة رضوان الله عليهم ، إن هؤلاء الخوارج قال لهم الصحابة : معنى قوله : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ[ المائدة : 44 ] كذا . فأبوا ، وقالوا لهم : معنى : ﴿ إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ[ الأنعام : 57 ] كذا . فأبوا .

 إذن هؤلاء لم يأخذوا بفهم الصحابة في ذلك ، فأُتوا من جهة عدم تدبرهم للقرآن ، والله -جل وعلا- أمر عباده أن يتدبروا القرآن ، فقال سبحانه : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ محمد : 24 ] . يعني : أن من لم يتدبر القرآن التدبر الصحيح ، فإن على قلبه قُفْلاً- شاء أم أبى- حَجَزَه عن تدبر القرآن التدبر الصحيح ، قال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ[ سورة : 25 ] .

 فهذا هو السبب الأول : وهو ترك تدبر القرآن التدبر الصحيح ، والأخذ بما يَعِنُّ للذهن ، والفهم من غير تأهيل ، لا أن يكون مُفَسِّرًا أو مُسْتَوْعِبًا لمعاني القرآن ، فيترك التدبر الصحيح ، ويأخذ بما يعن لذهنه مع عدم تأهله لذلك ، ولا يسأل أهل العلم عما أشكل عليه .

 فإذًا ترك فهم القرآن الفهم الصحيح هذا من أسباب ظهور الغلو في هذه الأمة ، والله -جل وعلا- ابتلى الأمة بذلك .

 السبب الثاني : وجود المتشابه في الكتاب والسنة ، فإن الله -جل جلاله- قال في أوائل سورة آل عمران : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ﴾ . [ آل عمران : 7 ] .

فقوله جل وعلا : ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ[ آل عمران : 7 ] . يدل على أن القرآن منه محكم ومنه متشابه ، ومعنى المحكم : البين الواضح الذي يفهمه كل أحد . وهناك متشابه يشتبه معناه إلا على الراسخين في العلم ، وخاصة في مسائل الغيبيات وفي مسائل الأحكام ، فهذه يشتبه معناها إلا على مَن رَسَخ في العلم ، فيَرُدُّ المتشابه إلى المحكم ، فيتبين المعنى .

 إن أهل الزيغ الذين وقع في قلوبهم الزيغ ، يذهبون إلى القرآن فيتبعون المتشابه ليخرجوا الحُجَج لهم ، وليس لهم حُجَّة فيما ذهبوا إليه ، فتأمل قول الحق جل جلاله : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ[ آل عمران : 7 ] فجعل وجود الزيغ في القلب أولاً ، ثم جعل هؤلاء الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ، فوجود الزيغ سبق ، ثم بعد ذلك يتتبع أولئك المتشابه ليبحثوا لهم عن حجة ، وهذا خلاف التسليم لأمر الله جل جلاله ، فالتسليم للأمر أن يأتي القرآن وليس في قلبه اعتقاد إلا ما دل عليه القرآن ، أما أن يأتي بشيء في قلبه ثم يبحث في المتشابه من القرآن عن الحجة ، فإنه قد يجد الحجة في القرآن بحسب فهمه على أشياء كثيرة ، فالنصارى احتجوا على خصوص بعثة النبي صلى الله عليه وسلم للعرب بقوله جل وعلا : ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ[ الزخرف : 44 ] . وبقوله جل وعلا : ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ[ الشعراء : 214 ] . فقالوا : هذا دليل على أن الرسالة خاصة ، لكن هل هذا فيه حجة ؟ ليس كذلك ، أين هم من قول الله جل وعلا : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا[ سبأ : 28 ] .

 إذن وجود المتشابه في القرآن ابتلى الله به هذه الأمة ، ومنه تلك الآيات التي فيها الكلام على التكفير ، أو الآيات التي فيها الكلام في الصفات والغيبيات ونحو ذلك ، وبعض الأحكام ، فهذه متشابهة ، بمعنى يشتبه علمها إلا على أهل العلم الراسخين ، فينزلون كل آية منزلتها الصحيحة ، يعني يجعلون لها معناها الذي يجعل القرآن مؤتلفًا غير مختلف .

 فما الواجب علينا أما هذه الأمور ؟ الواجب أنه إذا جاءنا شيء من الحجج من القرآن ونحن لا نعلم معناه ألا نجتهد في تفسيره على ما يَعِنُّ لنا ، بل نسأل فيه أهل العلم الراسخين ؛ لأنه بذلك السؤال نرجعه إلى المحكم ، ونخرج من الزيغ ؛ لأن الله وصف الذين يتبعون المتشابه بأنهم أهل زيغ ، كما في قوله : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ ﴾ . [ آل عمران : 7 ] .

 كذلك السنة فيها متشابه ؛ لأنه كما جعل الله -جل وعلا- من كلامه متشابهًا ، فكذلك جعل من السنة متشابهًا ، فهناك أحاديث لا نعرف معناها ، ولو أخذنا معناها بمفردها لوقعنا في أمر منكر ، فجعل الله -جل وعلا- هذه الأمة مبتلاة بأن يكون هناك أحاديث مشتبهة لا يتضح معناها إلا لأهل العلم ، كقوله صلى الله عليه وسلم : «مَن قال : لا إله إلا الله . وكفر بما يُعبد من دون الله ، حرُم ماله ودمه ، وحسابُه على اللهِ» ( [16] ) .

 هل بكلمة لا إله إلا الله يُكْتَفَى ؟ أم لا بد من الشهادة وتمام الشروط ؟ إلى آخر ذلك .

 فإذن هناك أحاديث متشابهة ، يعني يشتبه معناها ، لكن يتضح المعنى بردها إلى غيرها ، إذا كان كذلك ، فمن باب أولى أن يوجد المتشابه في كلام الصحابة -رضوان الله عليهم- أو في أفعالهم ، وأن يوجد المتشابه في كلام العلماء وفي كتبهم ، وفي تصرفات بعض أهل العلم في التاريخ .

 فإذن ليست الحجة قائمة بوجود نوع احتجاج لمن يذهب أي مذهب من مذاهب الغلو ، لا الذي يكون حجة هو أن تكون الحجة صحيحة في نفسها محكمة ، وأن يكون قول العالم له دليله من الكتاب والسنة ، أو من إجماع أهل العلم ، أو من عقائد أهل السنة والجماعة ، أما أن يذهب المحتج فيحتج بقول عالم ، ويترك أقوال العلماء الآخرين ، أو يحتج بما وجد في الكتاب حسب فهمه ويترك ما وجد في كتب علماء المسلمين المحققين ، فهذا يحدث الغلو ؛ لأن من أسباب ظهور الغلو الذهاب إلى المتشابهات وترك المحكمات ، أو عدم العلم بالمتشابهات من المحكمات .

 إذا نظرنا اليوم وما قبله لأهل الغلو الذين يحتجون بتلك الحجج ، هل هؤلاء ليس عندهم أي مؤلفات ، أو أدلة أو حجة ؟

 لا عندهم كتابات فربما ألف كتابًا أو أكثر ، وعنده نُقُولٌ ، لكن ليس الحجة في وجود النقول ، الحجة في أن تكون هذه النقول صحيحةً يعلمها أهل العلم ، أما وجود النقل من حيث هو فيوجد كثير من الشبهات من المشتبهات في الكتاب والسنة وفي أفعال بعض الصحابة ، وفي أفعال بعض التابعين ، وفي أفعال العلماء وأقوالهم . وهذا ابتلاء عظيم ، إذا لم نلحظ سبب ظهور الغلو .

 إذن الواجب على المسلم إذا أتى بشيء من المتشابهات التي لا يعلمها ، فلا بد أن يردها إلى أهل العلم الراسخين ، ولا بد أن يسلم لهم ؛ لأنهم هم الذين يبينون له المعنى ، ففي وقت الصحابة يُرَدُّ إلى الصحابة ، وفي وقت التابعين يُرَدُّ إلى علماء التابعين ، وفي كل زمن يُرَدُّ ما أُشْكِل إلى علماء ذلك الزمن ؛ لأن هذه الأمة يوجد فيها علماؤها ، ومن القواعد المقررة : “أنه لا يجوز أن يخلو زمان من قائم لله بحجة” ؛ لأن معنى ذلك اندثار الدين ، وهذا ليس في الإمكان ؛ لأنه لا بد أن يكون هناك عالم راسخ في العلم يقوم بحجة الإسلام ، ويرشد إليه ، ويدل عليه ، ويحتج له ، ويبرهن ويدلل عليه .

 من أسباب ظهور الغلو أيضًا ترك الرجوع -كما ذكرنا- للراسخين في العلم ، وهذا بينا معناه .

 إذا أشكل عليك شيء من الأوضاع والأحوال والأحكام والأحاديث وكلام العلماء ، أو ما هو موجود في الكتب ، فلا تدارسه أنت وأصحابك ، ثم تخرجون بأراء ، بل لا بد أن ترجعه إلى أهل العلم ، فيبينون لكم المعنى ، فإذا نصحوك فانتصح ؛ لأنهم أشفق هذه الأمة على الناس ، قال تعالى : ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ . [ آل عمران : 110 ] .

 من الأسباب أيضًا -وهو سبب مهم- ظهور أوضاع وأحوال لا تُرْضِي مَن ذهب إلى الغلو ، ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم قَسَّم المال عليه الصلاة والسلام ، فلم يَرْضَى ذاك الرجل ، فقال : يَا رَسُولَ اللهِ اعدل . يعني ذلك الحال لم يُرْضِ ذاك الرجل ، فَجَرَّه عدم رضاه إلى الغلو .

 كذلك ما حصل في عهد علي -رضي الله عنه- وتسبب في ظهور الخوارج كما ذكرنا ، وهو عدم رضاهم بحكم عليٍّ وبما حصل ، فأداهم إلى الغلو ، كذلك ظهور أوضاع سياسية مختلفة وتغير في الأحوال ، أو فتن ، كل هذا سبب من أسباب الغلو .

 إن بعض الناس يقول : الغلو سببه فساد الأوضاع . وهذا ليس بصحيح مطلقًا ، فلقد ظهر الغلو في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو أعدل الناس عليه الصلاة والسلام ، فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم . وظهر الغلو بسبب أوضاع الصحابة بعضهم مع بعض ، وعلي -رضي الله عنه- محق فيما ذهب إليه . لكن ظهر غلو الخوارج ، لا بسبب فساد في الصحابة ، ولكن بسبب فسادٍ في فهمهم .

 إذن تغير الأوضاع قد يكون صوابًا ، أو الحال والوضع الذي نشأ عنه الغلو قد يكون صوابًا ، لكن نظرة هذا الذي غلا لم تكن النظرة الصحيحة ، فغلا بسبب نظرته الخاطئة .

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى حدث تغير في الأوضاع وفي الأحوال بسبب ذنوب الناس ، إن كثيرًا من الناس خالفوا الشريعة ، وظهرت أوضاع مخالفة للشريعة ، فهذا الذي غلا نظر إليها بغير النظرة الشرعية الصحيحة ، فغلا في الحكم عليها ، فأداه إلى الغلو .

 إذن ننتبه إلى أنه إذا رأينا تَغيُّرًا في الأحوال والأوضاع وظهورًا في الفتن ، أو جاء شيء لا نعلم وجهته فلا بد أن نحذر ؛ لأن هذا أحد أسباب ظهور الغلو في التاريخ كله ، من عهد النبي -عليه الصلاة والسلام – إلى زمننا هذا .

 إذا تغيرت الأحوال والأوضاع لا بد وأن يظهر نوع من أنواع الغلو ؛ لأنه ليس كل أحد يرجع إلى الشريعة ، بل لا بد أن يوجد عصاة ، وأن يوجد خارجون على الشريعة ، فإذن لنحذر عند تغير الأحوال والأوضاع ، فقد يكون سبب الغلو ذلك الأمر ، وليس دائمًا سبب الغلو هو تغير الأوضاع ، فقد يكون التغير صحيحًا في نفسه ، لكن لم يفقهه الذي غلا فأداه إلى الغلو ، أو قد يكون التغير ذنبًا وجرمًا أو كبيرة أو نحو ذلك ، فيجره إلى الغلو ؛ لأنه ما وضعه في الميزان الصحيح للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو لأحكام الشريعة .

وهنا سؤال يطرح نفسه : هل الذي غلا يريد عنادا للشريعة ، ويريد البعد عن الله جل وعلا ؟

 لا ، بل الغالب أن يكون الذي غلا يريد زيادةً في التعبد ، وزيادةً في القرب من الله جل وعلا ، ودليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في وصف الخوارج : «يحقِر أَحَدُكم صلاتُه مع صلاتِهم ، وصيامُه مع صيامِهم ، يَقْرءُونَ القرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهم ، يَمْرُقونَ مِن الدِّينِ كما يَمْرُق السَّهْمُ مِن الرَّمِيَّة ، فأَيْنَما لَقِيتُموهم فاقْتُلُوهم ، فإِنَّ في قَتْلِهم أجرًا عند الله جل وعلا لِمَن قتلهم» . ( [17] ) يعني أنهم عندهم زيادة في التعبد ، فالذين يغلون لا يدل ذلك على أنهم غير متعبدن ، بل إنهم كثيروا التعبد ، لا بل قد يكون صالحًا -يعني في الظاهر- من جهة كثرة العبادات ، والصيام ، والتنفل ، والطاعة ، وملازمة المساجد ، والغيرة على دين الله ، والأمر والنهي إلى آخره ، ولكنه يكون على باطل ؛ لأنه يريد التقرب ، ولكن أراد التقرب بالغلو في دين الله ، كما فعل الخوارج وقتلوا عليًا -رضي الله عنه- عبد الرحمن بن ملجم تقرب إلى الله بقتل أفضل رجل على الأرض في ذلك الزمان ، ولما أُتِيَ به ليقتل قال : قطعوني ولا تقتلوني مرة واحدة ، حتى تطول مدة ذكري لله جل وعلا . وهو مَرَق من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، وهو من كلاب النار ، ومع ذلك انظر هذا الشغف بالعبادة!!

 فإذن كونه يتعبد أو عليه مظاهر الصلاح أو نحو ذلك ، لا يعني أنه ليس بذي غلو ، بل الذي يغلو يريد مزيدًا من التقرب إلى الله -جل وعلا- بل هناك خارجي آخر –وهو عمران بن حطان- مدح عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليًّا بعد عقود من الزمن بقوله( [18] ) :

يا ضربةً مِن تَقِيٍّ ما أراد بها

 

إِلاَّ لِيَبْلُغَ مِن ذِي العَرْشِ رِضْوانًا

إِنِّي لأَذْكُرُه حِينًا فَأَحْسَبُهُ

 

أَوْفَى البَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانًا

فبلغ به الحال إلى أنه اعتقد أن الذي قتل عليًّا أفضل الناس في زمنه ، وهذا -عياذًا بالله- سبب من أسباب الضلال ، وهو أن يكون التقييم على الظاهر ، ليس هذا هو التقييم .

 إنما نقيم الشخص هل هو على السنة أم لا ؟ هل هو على اعتقاد أهل السنة والجماعة أم لا ؟ هل هو على طريقة السلف الصالح أم لا ؟ هذا هو الميزان ، أما الصلاح الظاهري ونحو ذلك ، فهذا يشترك فيه الغالي والوسط ، وهو في حق الغالي مذموم ؛ لأنه لم يؤده إلى الحق .

مظاهر الغلو

 من مظاهر الغلو أنه يكون في بابين عامَّين ، الأول : في العقائد . والثاني : في العبادات . أما فيما يتصل بالعقيدة فالغلو أقسام ، فمنهم من غلا في حُبِّه وتعظيمه لبعض بني آدم ، غلا بعضهم في الأنبياء والمرسلين ، فجعلوا لهم بعض صفات الإلهية كما فعل النصارى في عيسى ، غلا اليهود في عُزَير ، غلا بعض هذه الأمة في محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ، كيف غلو في محمد عليه الصلاة والسلام ؟ قالوا : إنه يملك أن يُغِيث ، فمنهم مَن استغاث به بعد مماته ، وقالوا : يملك أن يجير . منهم من استجار به بعد مماته . فجعلوا النبي -عليه الصلاة والسلام- له علوم مختصة بالله -جل وعلا- كما قال : شاعرهم وهو البوصيري( [19] ) :

فإن من جودك الدنيا وضرتها

 

ومن علومك علم اللوح والقلم

من علومه علم اللوح والقلم ، يعني يعلم ما في اللوح المحفوظ ، هذا غلو في وصفه عليه الصلاة والسلام ، بل بلغ بهم الغلو في المصطفى -عليه الصلاة والسلام- أن قالوا : القرآن في الحقيقة لا يناسب أن يكون معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام ، وقالها أيضًا اليوصيري في مفهوم كلامه في نونيته ، حيث ذكر بعض معجزات النبي صلى الله عليه وسلم فقال :

لَوْ نَاسَبَتْ قَدْرَهُ آيَاتُه عِظَمًا

 

أَحْيَا اسْمُه حِينَ يُدْعَى دَارِسَ الرممِ

 يعني لا يناسبه شيء من الآيات التي أوتيها ، لا القرآن ولا شق القمر . . . إلى آخره ، لو ناسبه شيء لناسبه شيء واحد ، وهو أنه حين تَذْكُر اسمَه -عليه الصلاة والسلام- على ميت دارس الرمم قد صار رَمِيمًا لحيي لك ، وصار يتحرك ، هذا الذي يناسب قدره عليه الصلاة و السلام ، أما غير ذلك فلا يناسبه ، وقاله بعض الشراح لما ساق هذا الكلام ، قال : وهذا هو الواقع ، فإن قدره عليه الصلاة والسلام لا يناسب المعجزات التي أعطيها ، حتى القرآن المتلو .

 هذا نوع من الغلو أداهم هذا الغلو إلى أن يجعلوا النبي -صلى الله عليه وسلم- يعبد ويُطْلَب منه ويُسْتغاث به ، وله صفات الألوهية .

 كذلك غلا طائفة في بعض الأشخاص ، في الأولياء والصالحين ، فجعلوا الأولياء والصالحين ينذر لهم ويذبح لهم ويُدْعَون ويُسْتَشْفع بهم ويُسْتغاث بهم إلى آخر مظاهر الشرك الأكبر ، هذا من جراء الغلو فيهم . كل ذلك بزعمهم وقولهم : هذا له مقام عظيم عند الله جل وعلا . فغلا وجاوز بالعبد الصالح الحَدَّ ، فجعل له بعض صفات الألوهية ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال : « اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا ، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » ( [20] ) .

 وقال عليه الصلاة والسلام : «لاَ تُطْرُونِيكَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ ، فَقُولُوا : عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ » ( [21] ) .

 كذلك غلا طائفة في العلماء وجعلوا قول العالم مُقَدَّمًا على قول النبي صلى الله عليه وسلم ، تقول لهم : قال رسول صلى الله عليه وسلم . يقول : لا أترك قول الإمام فلان ؟! الإمام فلان ربما ما بلغه هذا الحديث أو ما بلغته السنة . فيقول : لا أتركه . ووُجِد في بعض الكتب أن المؤلف قال : وقال إمامنا كذا ، وفي صحيح مسلم : كذا ، فالله أعلم أيهما الصواب .

 هذا غلو ، جعلوا العالم له التشريع ، والعلماء في هذا الدين دين الإسلام إنما هم وسائط لإفهامنا الكتاب والسنة وطريقة سلف هذه الأمة . هذه وظيفة العلماء ، فالعالم لا يستقل ، ولا يشرع شيئًا من عنده ليس له أساس إلا في المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها ، فيجتهد بإلحاق هذه المسألة المجتهد فيها بأصولها من الأدلة أو القواعد . . . إلى آخره مما هو معلوم في أبواب الاجتهاد من أصول الفقه .

 كذلك الغلو في الولاة والأمراء ، مثلما بَوَّب الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- إمام هذه الدعوة بقوله : باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله ، أو تحليل ما حرم الله . فقد اتخذهم أربابًا من دون الله .( [22] )

 الوالي يطاع في غير المعصية ، أما إذا أمر بمعصية فلا يطاع ، فإذا تجاوز به الحَدَّ فجعله يُطَاع في كل شيء ويجعل أمره صراطًا مستقيمًا ، هذا نوع من أنواع الغلو في حقه ، فحقه أن يطاع في غير معصية الله ، فإذا أطيع في الخير وأطيع في المعصية ، وفي كل شيء ، كان المطيع له متجاوزا به الحد . هذه أمثلة في طاعة الأشخاص .

 أيضًا من مظاهر الغلو الغلو في مسائل التكفير ، مثلًا الغلو في الحُكْم بغير ما أنزل الله ، الحكم بغير أنزل قال الله -جل وعلا- في شأن الحاكم : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ﴾ . [ المائدة : 44 ] .

 وقد قال لنا علماء السنة وقال الصحابة فمن بعدهم : إن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله كُفْره كفر أصغر ، إلا إذا اعتقد أن حكمه مساو لحكم الله ، أو أن حكمه بغير ما أنزل الله جائز ، أو أنه أفضل . . . ونحو ذلك . أما إذا حكم وهو يقول : حكم الله أفضل لكن غلبتني شهوتي أو هكذا الزمن أو نحو ذلك . فلا يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله إذا حكم في قضية وأشباه ذلك .

 فهناك مَن جاوز الحد فقال : يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله مطلقًا . بدون أن نستفصل منه ولا نستفسر ، بل إذا حكم فيكفر ، وجعلوا الآية في الكفر الأكبر ، ونصوص الصحابة واضحة كابن عباس وابن مسعود في هذا الأمر ، وهي موجودة في تفسير ابن جرير وفي غيره .

 يقول ذلك الغالي : هؤلاء الذين في البلاد التي تحكم بغير ما أنزل الله ، الذين يتحاكمون إلى غير ما أنزل الله كفار ، حلال الدم . فهذا غلو ومجاوزة في الحد ؛ لأن الله -جل وعلا- جعل لنا الحد الذي يكفر به المتحاكم ابتغاء حكم غير الله والرضا به وإرادته واختياره بهذه الشروط ، قال جل وعلا : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ[ النساء : 60 ] فقوله : ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ جعل الإرادة شرطًا ، فإذا تحاكم وهو كاره ، أو وهو مضطر ، أو وهو مُكْرَه ، أو ما أشبه ذلك فهذا لا يكفر المتحاكم ؛ لأن الآية نصت على الإرادة ، والإرادة هنا قيد ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ[ النساء : 60 ] .

 وهناك مسائل كثيرة تتعلق بالحكم والتحاكم . . .إلى آخره ، فإذن مسائل الحكم بغير ما أنزل الله يجب دَرْءًا للغلو فيها أن تُرَدَّ إلى أهل العلم ؛ لأنها ظاهرة هذا الزمن ، فهم يكفرون بأي صورة من صور الحكم أو التحاكم ، وهذه فيها تفاصيل ولها أحوال ولها شروط ، فلا بد من ردها إلى أهل العلم حتى لا نكون جاوزنا الحد فيما أنزل الله جل وعلا .

 من مظاهر الغلو التي شاعت في هذا الزمن أيضًا عند طائفة التكفيرُ بقاعدة ” من شك في كفر الكافر فهو كافر مثله” . يأتي فيقول : فلان كافر ؛ لأنه تحاكم . ومسألة التحاكم لها قيود وشروط ، فيجعلها أصلاً ، ثم يقول : من لم يكفر فلانًا فإنه كافر مثله ؛ لأن القاعدة “من لم يكفر الكافر فهو كافر مثله” ، و”من شك في كفر الكافر فهو كافر مثله” . القاعدة صحيحة ، لكن الفهم فهم غلو ، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- نص في الفتاوى بقوله : وحيث قال العلماء : من لم يكفر الكافر فهو كافر مثله ، أو من شك في كفر الكافر فهو كافر مثله .( [23] ) فمُرادُهم من نص الله ورسوله على كفره ؛ لأن في عدم تكفيره تكذيبًا لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم في تكفيرهم ، أي في تكفير الله ورسوله لذلك المعين .

 ومن مظاهر الغلو في هذا الزمن جعل المجتمعات الإسلامية جاهلية بعموم . فيقولون : إن المجتمعات اليوم ليست بإسلامية ، وإنما هي جاهلية . ويترتب على ذلك أن الفرد في داخل هذه المجتمعات الأصل فيه أن يكون جاهليًّا ، فيُتَوقف في شأنه حتى ولو كان ظاهرُه الإسلام ويصلي ، يُتوقف في شأنه حتى يُعْلم أنه على اعتقاد صحيح يوافق اعتقاد أولئك الغلاة ، فلا يحكمون بإسلام مَن أظهر الإسلام ، وإنما يقولون : الأصل في الناس الكفر والجاهلية . وهذا -والعياذ بالله- غلط وباطل ؛ لأنه يصح أن نقول : الأصل في الناس اليوم الجهل بالإسلام . والأصل فيمن أظهر الإسلام أنه مسلم . فلا يُنْقَل عن هذا الأصل إلا بشيء بَيِّن واضح ، أم الحكم بالعموم هكذا ؟

 فهذا من مظاهر الغلو ؛ لأنه لا برهان عليه ، والجاهلية العامة لا تعود ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن هذه الأمة لا تزال منها طائفة على الحق ظاهرة ببيان حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم ، فنتج من ذلك أنهم يعتبرون الناس اليوم والتعامل معهم كما يُتعامل مع المشركين في العهد المكي مثلا ، ً فيتعامل الرجل أو المرأة مع الوالد والوالدة كما يتعامل مع الوالد المشرك والمشركة في العهد المكي ، ويجعلون الآن العهد عهدًا مَكِّيًّا ، وأما العهد المدني يعني حيث تكون الأحكام ويكون المجتمع مجتمعًا مسلمًا فلم يأت بعدُ على حَدِّ زعمهم ، وهذا كما ترى غلو في مسألة التكفير غلو جاء من جهة أنهم جعلوا لوازم للأشياء فطبقوها حتى خرجوا بأن المجتمعات جاهلية ، ومن المعلوم أن هناك قواعد عند أهل العلم تضبط حكم المجتمع ، وحكم الفرد فيما إذا أظهر حكم غير المسلم في دار المسلمين . . إلى آخره ، فهذه كلها لها أحكام .

 ينتج من هذه المظاهر أنه يستباح الدم ويستباح المال ، وقد رأيتم فيما سبق وسمعتم في هذه البلاد وفي غيرها ، مظاهر من مظاهر استباحة الدماء واستباحة الأموال ، وهي راجعة إلى مسألة الغلو في التكفير باللوازم ، والتكفير بالحكم في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله وأشباه ذلك ، فلهذا يجب على كل أحد أن يحرص على أن يكون علمه بهذه المسائل عِلْمًا سُنِّيًّا واضحًا سَلَفِيًّا على طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم هذا أولا .

 والثاني أنه من كانت عنده شبهة فليذهب إلى من يُحاوره فيها ليجلو عنه الشبهة ، لأنه لا بد أن يكون ثَمَّ قائم لله بالحجة ، أما أن يكون عامة علماء المسلمين على الضلال ، ويكون هناك من يأتي ويكفرهم ويقول : إنه على الحق . فهذا -لا شك- أنه باطل ؛ لأن ما بُنِي على باطل فهو باطل .

 إذا تَبَيَّن هذا فينبغي لكل مَن عرف مَن عنده مظهرٌ من مظاهر الغلو أن يسعى في مناصحته ، أو أن يدل أهل العلم عليه حتى يحاوروه ويردوه إلى الحق ، ويناصحوه ، ويقيموا عليه الحجة ، ويبينوا له المحجة .

 هذا يتعلق بالقسم الأول وهو ما يتصل بالغلو في العقائد ، أو فيما يتصل بالعقيدة .

 القسم الثاني : الغلو في العبادات ، وقد ذكرنا لكم أمثلة على ذلك ، من جهة الغلو في الأذكار ومجاوزة الحد فيها بالذهاب إلى البدع والمحدثات ، أو الغلو في الصلوات ، أو إحداث أنواع من التعبدات والطقوس وأشباه ذلك مما لم يأت في السنة أو أنواع الغلو في المحبة وإحداث الاحتفالات البدعية وأشباه ذلك ، فهذا كله داخل في أنواع الغلو التي سببها مجاوزة الحد الذي أذن به ، يعني مجازوة المشروع مجاوزةً تؤدي إلى غير المشروع .

 أسال الله -جل وعلا- أن يلهمني وإياكم الرشد والسداد ، أسال الله لي ولكم النور في القلب ، والسداد في القول والعمل ، وأن يُجَنِّبَنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يعيذنا من الزيغ ، وأن يُجَنِّبنا كل ما فيه خروج عن الهداية والصراط المستقيم ، اللهم احفظنا بالإسلام ، اللهم احفظ ولاة أمورنا ودلهم على الرشاد ، وباعد بينهم وبين سبل أهل الفساد ، وألهمهم اللهم الرشد والسداد ، واجعلنا وإياهم من المتعاونين على البر والتقوى ، اللهم وفق علماءنا إلى ما فيه مزيد بيان للحق وإيضاح للحجة والمحجة ، واجعلهم من المجاهدين في سبيلك ، الذين تقبلت سرهم وعلانيتهم ، إنك على كل شيء قدير ، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد .

تعليق صاحب الفضيلة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ عضو هيئة كبار العلماء

الحمد لله رب العلمين ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيد الأولين والآخرين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، نبينا محمد صلِّ ربي عليه وعلى آله وصحابته أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 وبعد ، هذا الموضوع القيم ، وهو “التحذير من الغلو في الدين” يعرفنا بقضايا الغلو ، وأصل الغلو وأساسه ، ومنشئه وأسبابه ، وأسباب الوقاية منه .

إن الله -جل وعلا- بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، وجعل شريعته شريعة اليسر ، قال الله -جل وعلا- لَمَّا فرض الصيام وبين حكم المسافر وغيره : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ[ البقرة : 185 ] فأخبرنا أنه يريد بنا التيسير علينا ، ولا يريد ما فيه عسر علينا .

 وقال جل وعلا : ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ[ الحج : 78 ] .

 وقال -جل وعلا- في حق محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ[ الأعراف : 157 ] فمحمد صلى الله عليه وسلم وضع الله به عنا الآصار والأغلال التي كانت على مَن قبلنا ، إما عقوبةً لهم ، وإما هكذا شَرِيعتُهم ، فالله -جل وعلا- وضع بمحمد عَنَّا الآصار والأغلال التي كانت على مَن قبلنا ، فصارت شريعتنا يسرا وسهولةً ، يقول صلى الله عليه وسلم : «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا ، وَبَشِّرُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا »( [24] ) ويقول : «إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ» .( [25] ) ويقول : «إن الدين يُسْر ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه» ( [26] ) .

 إذا تأمل المسلم شريعة الإسلام ، وجدها بعيدة عن مظاهر الغلو ، ووجد مظهرها مظهر اليسر في كل أحوالها ، سواء في معتقداتها أو في عباداتها ، ولكن هذا لمن وَفَّقه الله وبَصَّر قلبه وشرح صدره للحق ، فعرف الحق على حقيقته ، والباطل على حقيقته ، ولم تلتبس أمامه الأشياء .

 أولًا لننظر إلى قضية الإيمان ، فأهل السنة والجماعة يقولون : الإيمان أقوال وأعمال ، قول اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح يزيد وينقص . يزيد الإيمان وينقص قال تعالى : ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[ التوبة : 124 ] . وقال جل من قائل : ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى[ مريم : 76 ] .

 فالإيمان عندهم يزيد وينقص ، والناس متفاوتون في هذا الإيمان قُوَّة وضَعْفًا . ويرى أهل السنة أيضًا أن الإنسان قد يجتمع فيه إيمان وفسق ، وإيمان طاعة ومعصية ، وصلاح وفساد ، فهو من جهة بعض الأشياء هو مؤمن ، ومن جهة الإخلال ببعض واجبات الإيمان قد يفسق ، ففسقه ومعصيته لا تسلب عنه مسمى الإيمان ؛ فإن الله وصف المؤمنين بالإيمان مع وجود بعض المخالفات ، قال تعالى : ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ[ البقرة : 178 ] ، وهو قاتله ، وقال : ﴿ وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا[ الحجرات : 9 ] . فجعلهم مؤمنين مع وقوع هذا الأمر منهم ، فدل على أن العبد يوجد فيه إيمان ومعصية ، وطاعة ومعصية ، وأنه يكون مؤمنًا ناقص الإيمان ولا يُرْفع عنه مسمى الإيمان إلا الكفر والعياذ بالله .

 لقد جاء الخوارج الذين غلوا في دين الله فقالوا : الإيمان جزء واحد ، إما وأن تعمله كله فتكون مؤمنًا ، وإن أخللت بشيء منه فأنت كافر . فقالوا : كل من خالف الإيمان بأدنى مخالفة ، قلنا له : أنت كافر ، وأنت مخلدٌ في النار . فبَنَوْا على هذا أن مجرد المخالفة يستباح بها الدماء والأموال ، فكفروا الصحابة وحكموا بكفرهم ، فهم يكفرون عثمان وعليّ وطلحة والزبير وبقية العشرة المبشرين بالجنة وسائر أصحاب رسول الله ، يقولون : هؤلاء أذنبوا ، ففسقوا ، فكفروا ، فلا دين لهم . وبنوا على هذا أنهم لا يقبلون السنة ، يقولون : حملة السنة كفار لا دين لهم . هكذا مذهبهم الباطل . ولهذا في عهد عليّ لَمَّا حكم الحكمان ، قالوا : أنتم بين أمرين ؛ إما أنكم كفار ؛ لأنكم حكمتم الرجال في كتاب الله ، فأنتم كفار ، فتوبوا من كفركم ، وإلا قاتلناكم . فناظرهم عليّ فبعث ابن عباس لهم يناظرهم ، فرجع مَن رجع منهم ، وأصَرَّ مَن أصَرَّ منهم ، فقاتلهم عليّ ، وكان الخوارج سيوفهم مسلولة على أهل الإيمان مغمودة عن أهل الكفر والأوثان ، ولهذا في الحديث : «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإسلامِ ، ويَدَعون أهْلَ الأوثانِ ، لئن أدركتُهم لأقتُلنَّهم قَتْلَ عادٍ»( [27] ) فأي معصية عندهم يَحْكُمون بكُفْر صاحبها .

 ويقولون : الإيمان لا يَتجَزَّأ ، ولا يمكن أن يجتمع إيمان ومعصية ، ولا إيمان ومخالفة ، فإما إيمان وإما كفر . وعلى هذا القول الضال رَوَوْا نصوص الكتاب والسنة ، وعَارَضوها بما وقع في قلوبهم من الزيغ والضلال ، وهم عُبَّاد أهلُ صلاةٍ وتلاوة للقرآن وتَعَبُّد ، لكن -والعياذ بالله- زاغت قلوبهم عن فهم الحق ، فلم يستطيعوا ، ولم تنشرح صدورهم لأن يجمعوا بين سعة رحمة الله وفضله وبين قصور الإنسان ومخالفته .

 ثم من هذا الغلو أيضًا -كما أشير إليه- أن بعضهم تشاءموا في الناس ، تشاءموا من كل المجتمعات ، وغلب عليهم هذا التشاؤم ، حتى عَدُّوا الناس جاهلية جهلاء ، وضلالة عمياء ، وحكموا على الناس بما حكموا عليه .

 ومن آثار هذا الغلو الذي استبيحت به الدماء والأموال التأويلات الخاطئة ، والأفهام الزائفة ، حتى استحلوا بها دماء ، أما مسلمين ، أو دماء مُعاهَدين ومستأمَنين ، وغلطوا حيث لم يفهموا نصوص الكتاب والسنة في احترام الدماء والأموال لأهل الإسلام ، وأهل الذمة ومعصوم الدم والمال .

 هذا الغلو ينشأ عن الإنسان حتى في وضوئه ، فكم من موسوس في وضوئه! وكم من مُعْتَدٍ في طهارته! ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم : « إِنَّهُ سَيَكُونُ فِى هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِى الطُّهُورِ وَالدُّعَاءِ » .( [28] )

 ففي الوضوء اعتداء ، بألا يكتفي بثلاث مرات ، بل ربما غسل العضو عشر مرات ، وربما بقي في دورة المياه في إزالة النجاسة ، أو غسل أعضاء الوضوء ساعة كاملة ، كلما توضأ رأى أنه نجس ، وكلما أزال النجاسة رأى أنها باقية ، فغلا في دينه غلوًّا خرج به عن المشروع .

 وبعضهم غلا حتى في صلاته ، ففعل فيها فعلا ربما سبب له الذهول والسهو الكثير والنسيان والغفلة ، وكل هذا من الخطإ ، فالصلاة المعتدلة هي ما كان عليه رسول الله وأصحابه ، فلا نَقْرَ ولا غُلُو ، ولتكن الصلاة باعتدال .

وهناك غلو في الصيام ، ولهذا النبي نهى عن صيام الدهر وقال : «لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ» ( [29] ) ؛ لأن صيام الدهر يجعل الإنسان لا يشعر ، ولا يفرق بين الفطر والصيام ، ولا يذوق حلاوة الصيام ، فقال : «لا صام من صام الدهر» .

 ومن الغلو -كما سبق- التحرز من النجاسة ، التحرز الذي يشابه بعضهم اليهود فيه ، فإن اليهود معروف عندهم التشدد ، فكانوا لا يآكلون الحائض ، ولا يجالسونها ، ولا يضاجعونها ، والنصارى بخلافهم لا يبالوا بالنجاسة ، ودين الإسلام جاء وسط بين طريقة اليهود والنصارى ، وسط في الأمور واعتدال في الأحوال .

كذلك في باب الورع ، فلا بد من الاعتدال ، والتحذير من الغلو في كل الأحوال ، حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه ، يسير على منهج مستقيم ؛ لأن هذه الشريعة شريعة وسط وعدل كما قال : ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ[ الفاتحة : 6 ] . فهي صراط مستقيم في كل الأحوال .

 كذلك -كما أشير إليه- في قضايا التكفير والتفسيق والتبديع والتضليل ، يجب على المسلم أن يتقي الله ويقف عند ما حُدَّ له ، فلا يُفَسِّق ولا يُكَفِّر ولا يُبَدِّع إلا عن عِلْم ويقينٍ ، وعن هُدًى ولا يغره أقوال القائلين ، وإرجافات المرجفين ، ومن لا يبالون بما يقولون ، ولا يحسبون لِمَا يقولون حسابًا ، بل يكون معتدلًا في أموره كلها ، يتبع نصوص الكتاب والسنة ، ويعمل بهما ويحكمها .

إن الخوارج أخذوا آيات الوعيد وأحاديث الوعيد وغلوا فيها ، وتجاهلوا آيات الوعد وأحاديث الوعد ، وأهل السنة وفقوا بينهما وجمعوا بينهما ، فلم يسلكوا مسلك الخوارج ولا مسلك المرجئة ، وإنما كان مسلكهم مسلك الاعتدال في كل الأحوال .

 أسأل الله أن يحفظني وإياكم بالإسلام ، وأن يقينا شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، وأن يرزقنا السير على ما عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وصلى الله على محمد .

أسئلة :

سؤال : صاحب الفضيلة يقول السائل : نرى كثيرًا من الناس يغلو في جانب تكفير المستحل للمعاصي ، كشرب الخمر ، فأرجو توضيح الضوابط في ذلك .

جواب :

المعاصي على العموم فعلها خطأ ومخالفة لشرع الله ، ومَن فعلها مستبيحًا لها ، فهذا كافر . لو قال : الخمر حلال ، أو الربا حلال . لقيل : هذا مُكَذِّب لله ورسوله . لكن لو اقترفها من غير اعتقاد لحلها فهو عاص لله على قدر ما فعل ، ففي عهد عمر -رضي الله عنه- تأول أناس من الصحابة الخمر ، وقالوا : إن الله يقول : ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ[ المائدة : 93 ] . فقالوا : نحن متقون ونشرب الخمر . فلما بلغ عمر أمرهم جمع الصحابة فاستشارهم ، وقال : ما رأيكم في هؤلاء ؟ قالوا له : ناظرهم ، فإن استحلوها كفروا ، وإن اعتقدوا حرمته جُلدوا . فدعاهم عمر وسألهم فقالوا : إن الله يقول : ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ[ المائدة : 93 ] . فقال عمر : هذه الآية في حق أناس شربوها قبل التحريم وماتوا ، فخاف الناس عليهم ، فبين الله أنه ليس عليهم ؛ لأنهم وقت شربهم لها لم تكن محرمة .( [30] )

 هكذا أهل الإيمان ، فناظر الصحابة أولاً ، فلما أقروا بأنها حرام وعلموا خطأهم حدهم عمر حد الشاربين . فهكذا إقناع المخالف وإقامة الحجة عليه وإزالة ما علق عنده من شبهة ، حتى يتضح الأمر له .

سؤال : فضيلة الشيخ يقول السائل : ما هي بدعة الحارث المحاسبي التي جعلت علماء السلف الصالح يحذرون منه ذلك التحذير ؛ لأننا نرى اليوم كثيرًا من أهل البدع يُمَجَّدون ويُمْدَحون ، ويُجْعَل منهم أئمة ومجددون ، فما هو موقف أهل العلم منهم ؟

جواب :

الحارث المحاسبي في زمن الإمام أحمد ذو علم وورع وزهد ، إلا أن أحمد -رحمه الله- بلغه عنه القول في الصفات ، ولعله في عموم علم الله وشمول علم الله ، وأنه ربما ذهب مذهب القدرية القائلين : بأن العلم مستأنف ، وليس علمًا أزليًا كما بَيَّن الله . فعنده نوع من مذهب القدرية ، وعنده شك في تبديع القائلين : بخلق القرآن . فعنده شيء من المخالفات ، ولهذا الإمام أحمد يعني هجره ، وأنكر عليه ما عنده من مخالفات ، وإن كانت مخالفاته لم تبلغ ما عليه الجهمية المعطلة الضُّلال ، لكن عنده شيء من مذهب القدر ، وشيء من التردد في بعض الأمور التي كُفِّر بها الجهمية ، فكان الإمام أحمد يحب أن يسمع كلامه ، فطلب من أحد أصحابه أن يستثير الحارث المحاسبي ، فطلب منه أن يجعله يحدث وأحمد يسمعه من وراء حجاب ، وقال : لا أحب أن يعلم الناس أني أجالسه خَوْفًا من أن يظن أني راضٍ بأقواله وأعماله ، لكن الإمام أحمد يحب مواعظه ورقائقه ، وإن كان يكره ما هو عليه من المخالفات ، ويظهر أن مخالفاته ليست بمنزلة الكبيرة ، لكن عنده تساهل وشيء من الخطإ ، فأحمد هجره على أخطائه ، لكنه كان يسمع رقائقه ومواعظه ليعظ بها قلبه .

 هكذا أهل العلم صدورهم رحبة مع مخالفتهم لخصمهم ، لكنهم لا يتجاهلون جوانب الخير فيهم ، يعني يأخذون من خصمهم الحق الذي عنده ، وإن كانوا يمقتونه على ما عنده من باطل ، هكذا الصدور الرحبة والنفوس الطيبة التي ليس لها غرض ولا هَوًى ، كون الإنسان يخطئ تزل قدمه ، هذا أمر لا ينكر ، لكن كوني أتجاهل كل خير عنده لخطإ وقع فيه ، هذا أمر لا ينبغي .

 فالإمام أحمد وأمثاله من أهل الاعتدال في الأمور كانوا هكذا ، يقبلون الحق ممن جاء به ، ويرفضون الباطل ممن جاء به ، وإذا كرهوا من شخص باطلًا لم يكرهوا ما عليه من الحقِّ ، اللهم إلا الغلاة الضلال أمثال جهم وبشر وأمثالهم دعاة الضلال ، فللأئمة منهم موقف التنفير منهم والتحذير منهم ؛ لأنهم يعلمون أنهم دعاة ضلال ليس للحق عندهم نصيب ، أما من عنده التباس واشتباه وأمور تَخْفَى عليه أحيانًا ، فأئمة الإسلام يكرهون من أولئك باطلهم ، ولا ينكروا ما هم عليه من الحق .

سؤال : يقول السائل : هل المبتدع الذي شرع في دين الله تعالى ما لم يشرعه الله ولا رسوله يكون ممن قال الله فيهم : ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ ﴾ ؟ [ المائدة : 44 ] .

إن كان هذا المشرع معتقدًا صِحَّة قوله وقصده المخالفة ، فهذا من الضلال ، لكن إن كان مبتدعًا بدعةً فيها تأويل ، له تأويل عرض ، وسوء فهم ، فينصح ويُبَيَّن له ، فالإنسان قد تَزِل قَدَمُه ، وكم من صالح وعالمٍ وفاضل خَفِيت عليه أمور ، وخفيت عليه أشياء ، الكمال لله ، إنما المسلم عليه إذا رأى خطأ أن يصلحه ، وإذا رأى مَن قال قولا مخالفًا أن يناظره ، فلعله عذر وأنت تلوم .



( [1] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 221 ، رقم 2992 ) .

( [2] ) أخرجه البخاري ( 1 / 23 ، رقم 39 ) .

( [3] )  أخرجه البيهقي ( 3 / 18 ، رقم 4520 ) ، والحاكم فى معرفة علوم الحديث ( 1 / 95 ) ، قال : غريب الإسناد والمتن . والقضاعى ( 2 / 184 ، رقم 1147 ) .

( [4] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1215 ، رقم 3161 ) .

( [5] ) أخرجه البخارى ( 6 / 2667 ، رقم 6881 ) ، ومسلم ( 3 / 1523 ، رقم 1921 ) .

( [6] )  انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 1 / 87 .

( [7] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1271 ، رقم 3261 ) .

( [8] ) الخذْف : هو رَمْيك حَصَاة ، أو نَوَاةً ، تأخُذُها بين سبَّابَتَيك وتَرْمي بها ، أو تَتَّخذُ مِخْذَفَة من خشب ، ثم ترمي بها الحصاة بين إبْهامك والسبابة . النهاية : حذف .

( [9] ) أخرجه أحمد ( 1 / 347 ، رقم 3248 ) ، والنسائي ( 5 / 268 ، رقم 3057 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1008 ، رقم 3029 ) .

( [10] ) أخرجه أحمد ( 4 / 278 ) ، وابن أبي الدنيا في فضيلة الشكر ( 1 / 62 ، رقم 82 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 4 / 102 ، رقم 4419 ) . وحسنه الألباني في الصحيحة 667 .

( [11] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1219 ، رقم 3166 ) ، ومسلم ( 2 / 741 ، رقم 1064 ) .

( [12] ) أخرجه البخاري ( 5 / 1949 ، رقم 4776 ) ، ومسلم ( 2 / 1020 ، رقم 1401 ) .

( [13] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1321 ، رقم 3414 ) ، ومسلم ( 2 / 744 ، رقم 1064 ) .

( [14] ) سبق تخريجه .

( [15] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1219 ، رقم 3166 ) ، ومسلم ( 2 / 741 ، رقم 1064 ) .

( [16] ) أخرجه أحمد ( 3 / 472 ، رقم 15915 ) ، ومسلم ( 1 / 53 ، رقم 23 ) .

( [17] ) سبق تخريجه .

( [18] ) تاريخ دمشق 43 / 495 ، وسير أعلام النبلاء 4 / 215 .

( [19] ) الصارم المنكي 1 / 216 .

( [20] ) أخرجه الحميدي ( 1025 ) ، وأحمد ( 2 / 246 ، رقم 7352 ) ، وأبو يعلى ( 6681 ) . وصححه الألباني في المشكاة 750 .

( [21] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1271 ، رقم 3261 ) .

( [22] )  كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد 1 / 46 .

( [23] ) انظر مجموع الفتاوى 35 / 162 .

( [24] ) أخرجه البخاري ( 1 / 38 ، رقم 69 ) .

( [25] )  أخرجه البخاري ( 5 / 2270 ، رقم 5777 ) .

( [26] ) أخرجه البخاري ( 1 / 23 ، رقم 39 ) .

( [27] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1219 ، رقم 3166 ) ، ومسلم ( 2 / 741 ، رقم 1064 ) .

( [28] ) أخرجه ابن أبى شيبة ( 6 / 53 ، رقم 29411 ) ، وأبو داود ( 1 / 24 ، رقم 96 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1271 ، رقم 3864 ) ، وأحمد ( 4 / 86 ، رقم 16842 ) .

( [29] )  أخرجه البخاري ( 2 / 698 ، رقم 1878 ) .

( [30] )  أخرجه عبد الرزاق ( 9 / 240 ، رقم 17076 ) ، والبيهقي ( 8 / 315 ، رقم 17293 ) .

شاركها مع أصدقاءك