بواسطة :
الزيارات : 6٬270 مشاهدة
  • إسم الملف : الإيمان وأثره في حياة المسلم
  • عدد الزيارات : 6٬270 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ([1])، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ([2]).

أحمد ربي خير حمد وأوفاه، على ما أولانا إياه من النعم الظاهرة والباطنة، وأعظمها وأجلها نعمة إنزال القرآن، وبعثة محمد عليه الصلاة والسلام.

فالحمد له حمدًا كثيرًا كما أنعم كثيرًا، ونسأله جل وعلا المزيد من فضله ونعمه، والثبات على دينه ونصرة الحق والدعوة إليه، إنه سبحانه جواد كريم؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

فأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، وهذه الثلاث – كما قال إمام هذه الدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله – عنوان السعادة:

من إذا أعطي شكر، باعتقاده وقلبه وبلسانه وبعمله.

ومن إذا ابتلي صبر، صبر على مصائب الله، النقص والبلاء.

ومن إذا أذنب استغفر، وكلنا لا يخلو من ذنب.

فهذه الثلاث عنوان السعادة لدلالاتها على إيمان صاحبها، وأنه منيب إلى ربه، قريب منه – جل جلاله – وتقدست أسماؤه.

ذكر الله – سبحانه وتعالى – للإيمان في الكتاب:

قد ذكره الله – سبحانه وتعالى – في مواضع كثيرة جدًا من كتابه الكريم، من عدة جهات:

1- تعريفه: كقوله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه([3])، وكقوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا([4]).

2- أن الإيمان منَّة من الله جل وعلا، منَّ به على رسوله محمد عليه الصلاة والسلام، الذي هو خليله المصطفى، ونبيه المجتبى؛ فقال – سبحانه وتعالى – لنبيه – صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا([5])، فالكتاب نورٌ في قلوب أهله، وكذلك الإيمان نور في قلوب أهله.

3- كما ذكر الله جل وعلا في كتابه الإيمان تعريفًا بجزاء أهله في الدنيا، كقوله – سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا([6]).

وذكر جزاء أهله في الآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ([7]).

وكقوله – سبحانه وتعالى -: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ([8]).

والإيمان والقرآن دلالة كل منهما على الآخر متلازمة، فالقرآن فيه الإيمان، ولا إيمان إلا بالقرآن، فالمصدر الذي نستقي منه أصول الإيمان، وأركانه، وأثر الإيمان في حياة الفرد والمجتمع إنما هو النص من الكتاب والسنة، لأنهما المصدر الذي لا يلتبس فيه الحق على طالبه.

الإيمان أحد مراتب الدين:

جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – الإيمان ثلاث مراتب، كما في حديث جبريل – عليه السلام -، حين جاء في صورة رجل لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه من الصحابة أحد، فسأل النبي – عليه الصلاة والسلام – فقال له : يا محمد! أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله  – صلى الله عليه وسلم – : أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت فتعجب الصحابه له يسأل النبي – صلى الله عليه وسلم –  ويصدقه، ثم قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك…. إلى آخر الحديث … ثم قال – صلى الله عليه وسلم – في آخره : “هذا جبريل جاءكم أو أتاكم يعلمكم دينكم([9]).

فدل هذا على أن الدين هو: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ولهذا فإن الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في كتابه الأصول الثلاثة التي يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها ذكر منها: (معرفة العبد دينه)، والأصول الثلاثة: معرفة العبد ربه، ومعرفة العبد دينه، ومعرف العبد نبيه عليه الصلاة والسلام؛ ومن الحديث عرفنا أن الدين ثلاث مراتب، هي الإسلام، والإيمان، والإحسان، فما هو الفرق بين الإسلام والإيمان.

الفرق بين الإسلام والإيمان:

كما في الحديث: فإن الإسلام مُعلَّقٌ بالعمل الظاهر، والإيمان مُعلَّقٌ بالتصديق الباطن؛ كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أنه عليه الصلاة والسلام قال: “الإسلام علانية والإيمان في القلب([10])، أي أن الإسلام يدل عليه الأعمال الظاهرة، أما حقيقة الإيمان فيدل عليها تصديق القلب؛ وفي الأصل أنه لا إسلام إلا بإيمان، ولا إيمان إلا بإسلام، فكما أن المسلم لا يُسمى مسلمًا حتى يصدق بالله جل وعلا ويوحّده، ويؤمن بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، كذلك لا يكون المرء مؤمنًا حتى يكون معه قدر من الإسلام يصح معه إيمانه، وهو الشهادتان: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، باتفاق أهل العلم، وإقام الصلاة، في قول جمهور أهل العلم.

وهذه الأركان الستة المذكورة في الحديث جاءت في القرآن الكريم في آيات كثيرة، مر بنا بعضها، ومنها:

قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ([11]).

وقوله – سبحانه وتعالى – في القدر : ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ([12])، وقال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا([13]).

معنى الإيمان بالأركان الستة:

حتى نعرف أثر الإيمان على حياة المسلم وعلى حياة المجتمع المسلم، يجب أن نعرف معنى الإيمان بهذه الأركان الستة؟

أولا: الإيمان بالله: وهو أعظم أركان الإيمان، وهو التصديق الجازم الذي لا ريب معه، ويتبعه عمل فيما فيه عمل، ونطق فيما فيه نطق، بأن الله جل وعلا واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته.

توحيد الربوبية:

 واحد في ربوبيته: أي أنه سبحانه هو رب هذا الملكوت على عظمه، لا شريك له في تدبيره، لا يصرفه ولا يدبره إلا هو – سبحانه وتعالى -، إلا من أمره سبحانه بذلك من الملائكة؛ وهو أول مراتب الإيمان بالله – سبحانه وتعالى -.

وهو الإيمان بأن الله – سبحانه وتعالى – هو مالك الملك، وهو الذي يصرف القلوب، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي يشفي الأمراض، وهو الذي يعطي من يشاء ويفتح رحمته على من يشاء بغير حساب: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ([14])، وهو الذي يَمَسَ بالضر ويمس بالخير: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ([15])، وقال جل وعلا في الآية الأخرى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ([16]).

وهذا التوحيد أمر مركوز في فِطر أكثر الخلق، بل مركوز في فطر جميع الخلق، ولهذا احتج به نبينا عليه الصلاة والسلام على المشركين لما أنكروا توحيد الألوهية وعبادة الله وحده جل وعلا، قال له – سبحانه وتعالى -: ﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ([17])، فذكر الله – سبحانه وتعالى – هنا من أمور من الربوبية: أنه الرازق، وأنه يحيي ويميت، وأنه المدبر للأمر؟

ثم قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ فَقُلْ ﴾ والحظ أن الفاء هنا ترتيبية، أي: التي ترتب القول على جوابهم: ﴿ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾، أي: أتعتقدون هذا الاعتقاد بأن الله هو الذي يدبر وحده فلا تتقون الشرك بالله جل وعلا؟ ولا تتقون عبادة غير الله – سبحانه وتعالى -، ولا تتقون فتصدقون بما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – الذي هو مرسل من عند الله – سبحانه وتعالى -؟

﴿ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ([18]).

أثر تحقيق توحيد الربوبية:

هذا الإيمان بربوبية الله – سبحانه وتعالى – إذا قام في قلب المؤمن يقينا وكلما قوي في قلب العبد كان توكُّلُه على الله جل وعلا أعظم، وكان رَغبُه في الله جل وعلا أعظم، والعبد إنما يؤتى من قِبَل فعله إذا نظر إلى الدنيا وركن إلى أسبابها وإلى الخلق، والله جل وعلا يسلب العبد توفيقه وإعانته إذا التفت إلى غيره، وخاصة إذا كان يعرف ربه جل وعلا، أما إيمان العبد بالربوبية فتجعل العبد يعتمد على الله جل وعلا وحده، وتجعله في داخله يعلم أن الله – سبحانه وتعالى – هو وليه وناصره، وهو الذي ييسر أمره، فإذا احتاج إلى عبد من العباد في علاج أو واسطة أو في أي أمر من الأمور فهو يحتاج إليه ظاهرًا؛ لكن قلبه متوكل على الله – سبحانه وتعالى – ومطمئن بالله.

هذا هو الفرق ما بين شخص وآخر في فعل الأسباب الظاهرة، كلاهما يفعل السبب لكن هذا يفعل السبب مع الركون والنظر إليه، ولسان حاله كالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ يعني المال ﴿ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا([19])، وإنسان آخر مؤمن بالله جل وعلا، يعلم أنه مطلوب منه أن يفعل الأسباب لكن قلبه متعلق بمسبب الأسباب، الذي يجعل السبب نافعًا، ويعطف قلوب الخلق على فلان، أو يجعل يده صائبة، فالطبيب  – مثلاً – عاجز في نفسه عن أن يملك لنفسه نفعًا أو ضرًّا.

قل للطبيب تخطفته يد الردى

 

 

يا شافي الأمراض من أرداك

إذا نظر إلى فعله فإن هذا سبب من الأسباب، لكن من الذي يُيسر للطبيب الفهم؟ ومن الذي يقوي تركيزه؟ ومن الذي يسدده؟ إنه رب العالمين.

لهذا عظم التوكل على الله جل وعلا وتفويض الأمر إليه بعد فعل السبب، وهذا هو حقيقة الإيمان بتوحيد الربوبية، فكما في قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ([20])، هذا أسلوب حصر ([21])، ﴿ لاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾، يعني لا أحد يكشفه، وما يفعله الناس هو أخذ بالأسباب.

وإن احتجت من أحدٍ شيئًا، فمن الذي يصرف قلبه وعقله أن ييسر لك أمرك، وأن يتبنى موضوعك ويهتم به؟ إنما هو رب العالمين؛ إن شاء فتح وإن شاء أمسك : ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ([22]).

والإيمان بالربوبية فيه راحة للعبد، فلو كادته السماوات والأرض جعل الله له من بينها مخرجًا، قال جل وعلا : ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ([23])، وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾.

العبد المؤمن يعلم أن الله جل وعلا هو ربه، لكن كثيرًا منا لا يحس بقوة هذا الإيمان أو بأثره، أو لا يحس أحيانا بعدم التيقن منه، فيقول أنا أريد أن أكون قويًّا في إيماني، وقويًّا في معرفتي  أفراد ربوبية الله جل وعلا؛ فكيف يكون ذلك؟ وما السبيل إلى تقوية الإيمان؟

ونقول: السبيل لتحقيق الربوبية، والإلمام بأفراده، والإحساس بأثره هو التفكر، وخاصة في هذا الزمن، لأن الدنيا بملذاتها مالها وجاهها والانشغال طيلة اليوم في أمور كثيرة تُفقد العبدَ القدرة على التأمل والتدبر في تصرفات الرب جل وعلا، وتدبيره لهذا الملكوت، وعجائب خلقه، وبديع صنعه.

والله – سبحانه وتعالى – أمر عباده بالتفكر، وهذه عباده عظيمة، قالت أم الدرداء عن أبى الدرداء – رضي الله عنهما – قالت: كانت أكثر عبادة أبى الدرداء التفكر ([24]).

وفي حديث بدء الوحي المعروف في أول البخاري قالت عائشة – رضي الله عنها –: “أول ما بدئ به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه التحنث، وهو التعبد الليالي ذوات العدد، حتى فجأه الملك …….إلى آخر الحديث” ([25]).

“حبب إليه التحنث” والتعبد ليس معناه أنه – صلى الله عليه وسلم – يقضي طول الأيام والليالي التي يمكث فيها في غار قائمًا أو راكعًا أو ساجدًا؛ فالصلوات حينها لم تكن قد فرضت بعد، ولا كان أتاه وحيٌ بذلك، لكن كان – صلى الله عليه وسلم – يتأمل في ملكوت الله جل وعلا وينظر إلى عظيم حق الله جل وعلا؛ وإذا كانت النفس علمت أن الله – سبحانه وتعالى – هو المتفرد في هذا الملكوت، فسيكون لذلك أثر على النفس والقلب في قوة اليقين بالله جل وعلا؛ ولكن الناس تركوا التفكر نظرًا لزخم الحياة الحديثة، وكثرة انشغال المرء فيها.

مجالات التفكُّر والتأمل:

يتفكر أولا في خلق السماوات والأرض، قال – سبحانه وتعالى – في وصف خاصة عباده: ﴿ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ([26])، فينظر المرء إلى السماء والأرض، كيف أبدع الله – سبحانه وتعالى – في خلقهما، وما فيهما من عجائب، كيف سخر السحاب بين السماء والأرض، وقسم الأرزاق، وكيف زيّن هذا الملكوت بالجمال، فهل هذا كله سهل؟! إنما يعجب من خلق الله المتفكرون؛ لذا فبعض الناس قد ينتبه إلى أشياء مما يراه في الملكوت فتعجبه، وإن لم يتفكر فيها، يعجبه جمال السماء وإن لم يتفكر في خلقها، والله – سبحانه وتعالى – “جميل يحب الجمال([27])، وخلق الجمال لأنه هو الجميل، فكل جمال يراه العبد هو من آثار جماله – سبحانه وتعالى – في ذاته، وفي أسمائه وصفاته، وفي أفعاله، كما قال ابن القيم – رحمه الله –([28]):

………………………..

 

 

وجمال سائر هذه الأكوان

 

من بعض آثار الجميل فربها

 

 

أولى وأجدر عند ذي العرفان

 

 

 

فجماله بالذات والأوصاف والـ

 

أفعال والأسماء بالبرهان

 

 

 

العاقل يعلم أن هذا الجمال الذي يراه في الخلق في المناظر الطبيعية، في تنوع ما في البحار، في تنوع الطير، وهذا التناسق الذي يتنافس فيه المتنافسون من أهل الطبيعة، وما يجتهدون في تفسيره في مباحث علم الجمال، كله من صنع الله – سبحانه وتعالى- وتقدست أسماؤه.

فكل ما حولنا في الكون من مظاهر الجمال يفتح للعقل باب التفكير في أن الله – سبحانه وتعالى – هو الأحق بذلك، فيعظم في العبد الإيمان الحق بربوبية الله – سبحانه وتعالى -.

ولما للتفكر والتأمل من أثر في تحقيق الربوبية، فقد دعا إليه الله ، كما في قوله –سبحانه وتعالى – : ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ([29])، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ([30]).

إذن: التأمل في خلق الله جل وعلا وفي آياته مما يفيد القلب اليقين أن الله سبحانه وتعالى هو المدبر وحده، وحين يتحقق فلا يكون في قلب العبد إلا الرب – سبحانه وتعالى -، ويعالج في الدنيا أسبابها، لكن قلبه معلق بربَّه – سبحانه وتعالى -، يحتكم بشريعته، ويقصده جل وعلا ويتوجه إليه، ويخلص له، ولا يرضى إلا بمتابعة أمره جل جلاله، وهذا يعطي المرء الأُنس بالله – سبحانه وتعالى -، والتلذذ بطاعة الرب – سبحانه وتعالى -.

توحيد الألوهية:

الإيمان بأن الله جل وعلا واحد في ألوهيته معناه الإيمان بأنه – سبحانه وتعالى – واحد في استحقاقه العبادة، فلا أحد يستحق العبادة إلا هو جل وعلا، فعبادة غير الله باطلة، لأنه لم يعبد غير الله إلا بالظلم والبغي والطغيان من العباد، قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ([31])، وفي آية الأخرى قال: ﴿  ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ([32]).

معنى ذلك أن لا نعبد إلا الله جل وعلا، وبذلك يكون توجيه العبادة لأي مخلوق سواء كان ملكًا أو نبيًا أو وليًا أو جنيًا أو صالحًا أو طالحًا أو شجرًا أو حجرًا هو شرك، ومن صرف العبادة لغير الله فهو مشرك، لم يوحد الله جل وعلا توحيد العبادة، ومن عبد غير الله كأن يتوجه إلى الجن بالذبح والاستجارة والاستعاذة.

من مظاهر الشرك في العبادة:

ومن مظاهر الشرك في العبادة ما قد يحصل من بعض الناس أنهم إذا أرادوا أن ينزلوا منزلاً يأتي أمام البيت ويذبح ويريق الدم خوفًا من الجن، أو يأتي إذا صبوا عتبة الدار ذبحوا عليها اتقاء للجن – كل هذا شرك بالله جل وعلا؛ لأنه تقرب إلى الجن بأن لا يؤذوا صاحب هذا البيت، ولا يصيب هذا البيت ضرر، فهذا من اعتقادات أهل الجاهلية.

ومن مظاهر الشرك في العبادة أيضًا عبادة الأموات، والتوجه للأولياء في قبورهم بالدعاء، فيدعونهم من دون الله، أو يستغيثون بهم، أو يستشفعون بهم؛ كل هذا من أصناف الإشراك، ومَن فعلَه لم يؤمن بالله جل وعلا في ألوهيته.

قال جل وعلا : ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ([33])، ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام قال لقومه: “قولوا لا إله إلا الله([34])، وقال لهم كما في أول سورة هود : ﴿ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ([35])، وتوحيد الألوهية هو نوع التوحيد الذي من أجله بُعثت الرسل، وهو أعظم أنواع التوحيد، ومن يحقق توحيد الربوبية دون توحيد الألوهية كأن لم يوحد، وهو المقصد الأسمى من كلمة التوحيد، (لا إله إلا الله)، فمعناها: (لا معبود بحق إلا الله).

لا معبود بحق: أي أن يعتقد العبد بقلبه وينطق ويشهد بلسانه، ويعلن للناس أن كل معبود غير الله فإن عبادته بالباطل وغير الحق، والله جل وعلا هو الحق وحده – سبحانه وتعالى -، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل.

أثر تحقيق توحيد الألوهية:

الإيمان بتوحيد الألوهية يجعل القلب لا يتوجه بعبادته إلا إلى الله – سبحانه وتعالى –، وعبادات القلب كثيرة، منها: رجاء العبادة، ومحبة العبادة، وخوف السر، والاستغاثة التي هي تعلق القلب، والتوكل على الله جل وعلا وحده؛ هذه كلها عبادات لا تصلح إلا لله جل وعلا.

وكذلك توحيد الأوهية يخلص العمل الظاهر: مثل الدعاء، والصلاة، والطواف، والذبح، والنذر، فهذه الأعمال كلها لا تصلح إلا لله جل وعلا.

ومن كان قلبه وتوجهه لغير الله – سبحانه وتعالى – خُذل في نفسه، وفي مجتمعه، ولهذا فإن من أعظم ما وصف به الله – سبحانه وتعالى – عبادَه المؤمنين، أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ([36]).

وما هو أعلى المعروف؟ التوحيد.

وما هو أقبح المنكر، وأرذله وأبشعه؟ الشرك بالله جل وعلا.

فمدح الله – سبحانه وتعالى – عباده أنه إذا مكنهم في الأرض فإنهم يأمرون بتوحيده، وينهون عن الشرك به – سبحانه وتعالى -، وبالتالي فإن من مكنه الله في الأرض ولم يأمر بتوحيده ولم ينه عن الشرك به – سبحانه وتعالى -، فإنه لم يؤمن بالله جل وعلا حقًّا، ولم يشكر الله جل وعلا على نعمة التمكين.

توحيد الأسماء والصفات:

الثالث من أركان الإيمان بالله هو الإيمان بأن الله واحد في أسمائه وصفاته، أي أن الله – سبحانه وتعالى – لا مثل ولا ند له في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير([37]).

فالله – سبحانه وتعالى – هو الرب الذي له الاتصاف بكمال الربوبية، وهو الملك الذي له الاتصاف بكمال الملك، سمى الله بعض عباده ملِكًا وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ([38])، لكن هذا الملك ليس كملك الله – سبحانه وتعالى -.

حقيقة الإيمان بالأسماء والصفات:

قال العلماء: الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات معناه أن يُثبت لله جل وعلا ما أثبت لنفسه من الأسماء والصفات، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، على قاعدة: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير ﴾.

وفي هذه الآية قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ ثم قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير﴾، لماذا خص هذين الاسمين بالذكر السميع البصير، بعد قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾؟

الجواب: لأن صفة السمع والبصر مشتركة بين أكثر المخلوقات الحية بالروح والنفس؛ لأن حياة المخلوقات قسمان:

1 ـ منها ما حياتها بالنماء، وهي النباتات.

2 ـ ومنها ما حياتها بالنفس بحلول النفس فيها، وهي الحيوانات والطيور.

فالسمع والبصر أمر مشترك بين المخلوقات الحية، فالبعوضة لها سمع ولها بصر، والنملة لها سمع ولها بصر، قال الله – سبحانه وتعالى -: ﴿ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا([39])، والطير له سمع وبصر، كذلك بقية الحيوانات مما هو أكبر من البعوض والنمل والطير له سمع وبصر، ومن بين هذه المخلوقات الإنسان، لكن ليس السمع والبصر في أحد هذه المخلوقات كما هو في الآخر، بل يختلف على اختلاف طبقاتها وأنواعها.

فسمع الإنسان ليس كسمع الحيوان، وبصر الإنسان ليس كبصر الحيوان، وسمع البعوضة ليس كسمع الإنسان … وهكذا؛ فمهما اشتركوا في أصل الصفة من سمع وبصر إلا أن مجال الصفة وقوتها ليس واحدًا، لهذا نبه الله – سبحانه وتعالى – على عدم مماثلة أحد من مخلوقاته له – جل جلاله – في صفتي السمع والبصر، فالله سبحانه هو السميع البصير، وكثير من مخلوقاته سميع بصير، لكن السمع ليس كالسمع، والبصر ليس كالبصر.

وإثباتنا للأسماء الحسنى والصفات العلا إثبات لها على ظاهرها، بما دلت عليه، لكن مع قطع الطمع في إدراك الكيفيات، ومع اليقين بأن الله – سبحانه وتعالى – لا مماثل له – جل جلاله -، ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير ﴾.

هناك من تأول الصفات، فإذا تعرض لصفة الرحمة يقول: لا الله جل وعلا ليس برحيم، كقول بعض أهل البدع من الأشاعرة والمعتزلة وغيرهم، وحجتهم في ذلك أن الرحمة انكسار في القلب وضعف، والله جل وعلا أعظم من أن يكون كذلك.

وهؤلاء إنما عرفوا الرحمة بأنها انكسار في القلب وضعف بالنظر إلى المخلوق، فأضافوا  الرحمة إلى الله – سبحانه وتعالى – كما هي في المخلوق؛ لكن الرحمة كصفة لله – سبحانه وتعالى – وسعت كل شيء كما يليق بجلال ذاته وعظيم سلطانه.

أثر تحقيق التوحيد في الأسماء والصفات:

بعض الناس يعرض لها مسائل الأسماء والصفات – خاصة في بعض الدراسات الجامعية أو في المدارس – على أنها مباحث عقلية، نثبت وننفي، وعرض الرأي والرد عليه وتفنيده، وهذا ليس بجيد، فالقصد من دراسة مسائل الإيمان بالأسماء والصفات حصول اليقين في القلب، ومن هذا اليقين ينتج العمل، ومراقبة الله – جل جلاله -.

أسماء وصفات الجلال:

وتنقسم أسماء الله – سبحانه وتعالى – إلى أسماء جلال، فهو – سبحانه وتعالى – الجليل، وهو الملك، وهو مدبر الأمر، وهو الذي يجير ولا يجار عليه، وهو الجبار، وهو القهار؛ فإذا آمن العبد بهذه الأسماء والصفات، ورأى أثرها في الملكوت وفي أحوال الناس، يعظم تعلُّقه بربه، وذلته لله جل وعلا.

أسماء وصفات الجمال:

ومنها أسماء الجمال، فهو – سبحانه وتعالى – الغفور، وهو الودود، وهو الرحيم، وهو الرءوف، وهو الجميل، وهو النور؛ ونحو ذلك من الأسماء والصفات جل وعلا: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ([40])، وصفات الجمال تبعث في قلب العبد محبة الرب – جل جلاله -، وتحث العبد على التعرض لفضله – سبحانه وتعالى – إذا أذنب.

أسماء وصفات المراقبة:

ثم تأتي صفات أُخر لله جل وعلا إذا أيقن بها العبد وآمن بها إيمانًا حقًّا فإنه يعظم إجلاله لربه، وتعظم مراقبته له – سبحانه وتعالى -، هي صفات وأسماء المراقبة، فهو – سبحانه وتعالى – هو الرقيب، وهو الحفيظ، وهو السميع، وهو البصير.

ومن أثر هذه الصفات قال جل وعلا لعباده: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ([41])، وقال جل وعلا آية أخرى: ﴿ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ([42]).

حتى من اختان نفسه لا تجادل عنه، بل ادع له بالهدى والمغفرة، لكن التبرير والمجادلات من عدم مراقبة الله جل وعلا، فكيف بفعل المعصية؟! وكيف بالمداومة عليها؟! العبد الصالح يُعظم الذنب، ولا يتساهل بذنب من الذنوب، كما قال هرم بن حيان لأويس القرني: “لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت”([43])، لا تقل هذا أمر سهل هذا بسيط، بل قس نفسك ومعصيتك بعظمة الله – سبحانه وتعالى -، لا بحجم المعصية نفسها، فكم من محقرة أهلكت فاعلها؟!

فالشيطان يأتي العبد تدريجيًّا شيئًا فشيئًا، يبدأ معه بالصغائر حتى يوقعه في الكبائر، فهناك من تخلفوا شيئًا فشيئًا عن الصلاة، أولا يتأخرون عن الوقت، ثم يفوتون فرضًا، ثم ترك الجماعة وصار لا يصلي في المسجد، ثم صار يفوت الصلاة بالكلية، وكذلك في مسائل المحرمات في المال، والنظر فهناك من يتساهل بالنظر، ثم يتساهل بالخلوة، ثم يتساهل بلين الكلام – في الهاتف أو غيره -، ثم يتساهل في اللقاء، ثم تقع المصائب.

ولكن من راقب الله جل وعلا وعلم أنه – سبحانه وتعالى – رقيب على قلب كل عبد وقوله ولسانه، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ([44])، ومن يستحضر هذا يخف من الله، وهكذا يعمل الإيمان على استقامة العبد على دين الله، والخوف منه، والإقبال عليه – سبحانه وتعالى -.

وأكثر الآيات في القرآن يأتي بعدها أو في خواتيمها ذكر أسماء لله جل وعلا، وذكر صفاته – سبحانه وتعالى -، مثلاً في قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا([45])، وقوله – سبحانه وتعالى -: ﴿  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا([46])، وقوله – سبحانه وتعالى -: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ([47])، ومناسبة الأسماء والصفات المذكورة بعد موضوع الآية يحتاج من المرء أن يتأمل، ومن يتأمله هذا التناسب ويتدبره فإنه يفتح لقلبه أنواع من الأُنس بالله      – سبحانه وتعالى- واليقين والعمل الصالح.

ثانيا: الإيمان بالملائكة:

والملائكة هم الملأ الأعلى، وهم أهل السماوات الذين عمروها بالعبادة، قال جل وعلا في ذكر الملائكة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ([48])، وقال – جل وعلا – أيضًا في وصف الملائكة : ﴿  يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ([49])، وقال – جل وعلا -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ([50])، والملأ الأعلى هم الملائكة، وهم يختصمون في أفضل الأعمال، ويختصمون في الكفارات … إلى آخره ([51]).

صفة الملائكة:

الملائكة خلق من خلق الله، خلقهم من نور، صفاتهم مختلفة، وحياتهم مختلفة، وطبائعهم مختلفة، وقد جاء في الحديث الصحيح أنه – عليه الصلاة والسلام – قال: “خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم([52]).

معنى الإيمان بالملائكة:

أن يؤمن العبد بأن الله – جل وعلا – خلق خلقًا جعلهم لعبادته في السماء هم الملائكة، وهذا من مفردات الإيمان بالغيب، فمن أنكر، أو شك في الملائكة هل هم موجودون أم ليسوا بموجودين؟ فهذا كفر، إلا إذا كان حديث الإسلام ويجهل هذا الركن، فإنه يُعرَّف بذلك.

وهناك قدر زائد على مجرد التصديق بوجود الملائكة، وهو الإيمان التفصيلي بهم، وهو أن كل ملك أخبر الله – جل وعلا – عنه في القرآن أو أخبر عنه نبينا – صلى الله عليه وسلم – في السنة فإنه يجب الإيمان به، لأن التصديق بالقرآن واجب، ولا طريق إلى العلم بالغيب إلا من الله – جل وعلا – أو من رسوله – صلى الله عليه وسلم -.

كما نُصّ في القرآن على جبريل، وميكائيل، وملك الموت ([53])، وكما نُص في السنة على إسرافيل، ونُص على عددٍ من الملائكة.

وهؤلاء الملائكة خلقهم الله – جل وعلا – لعبادته، وجعلهم مطهرين من الذنوب، ولم يجرِ عليهم التكليف، وهم يسبحون الله في الليل والنهار لا يفترون، والتسبيح في الملائكة مثل النفس عند بني آدم، فكما أن الإنسان يمشي ويذهب ويجيء وهو يتنفس لا يقطعه العمل عن التنفس، الملائكة أيضًا يسبحون في الليل والنهار لا يفترون، ولا يقطعهم التسبيح عن أعمالهم التي وكلوا بها، وأعمال الملائكة متنوعة، فكل ملَك أو مجموعة من الملائكة موكلة بعمل غير ما وكل به الآخرون.

قد يقول قائل: كيف نقول: وكله الله – جل وعلا – يوكل ؟

والجواب: أن هذا هو قول الله – جل وعلا -: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم([54]). فالملائكة موكلون بأعمالهم لا لحاجة الموكِّل – جل وعلا ، ولكن لتشريف الموكَّل في أن يعبد الله، وأن يمتثل أمره – جل وعلا -.

وجعل الله – جل وعلا – سادات الملائكة ثلاثة، هم:

1 ـ جبريل.

2 ـ وميكائيل.

3 ـ وإسرافيل.

وهؤلاء الثلاثة موكلون بثلاثة أمور عظيمة:

الأول: جبريل، وقد وكله الله – جل وعلا – بالوحي، فهو مُناطٌ به أن يسمع الوحي من الله – جل وعلا -، فينزل به على من شاء من رسل الله – جل وعلا – وأنبيائه، فجبريل أمين الوحي، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا([55])، وروح القدس: هو جبريل – عليه السلام –  هو الذي ينزل بالوحي، وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ([56])، أي: جبريل – عليه السلام -.

الثاني: ميكائيل، جعل الله – جل وعلا – له القطر، وتوزيع الأمطار، والسحاب، وإنبات النبات، ونحو ذلك، فميكائيل – عليه السلام – ، وهو في كل ممتثل لأمر الله – سبحانه وتعالى -.

الثالث: إسرافيل، وهو موكل بالنفخ في الصور إذا أراد الله – جل وعلا – ذلك، ليُصعق الناس، ثم يبعثوا إلى يوم القيامة.

فائدة: وقف بعض العلماء عند المناسبة بين أن هؤلاء الثلاثة جبرائيل ميكائيل إسرافيل يكونون سادات الملائكة ورؤوسهم؟

قالوا: لأن المهمات التي يقوم بها هؤلاء الثلاثة بينها مناسبة:

أما الأول: وهو جبريل، فموكل بالوحي، والوحي به حياة القلوب وتعلقها بربها – جل وعلا -، وهذه أعظم حياة، ولا حياة للقلوب إلا بالوحي، تأمل قوله – جل وعلا – في سورة الحديد: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُون ﴾، ثم قال في الآية بعدها: ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا([57])، فقد أتى ذكر التنزيل ثم الحديث عن إحياء الأرض بعد موتها، لأن الأرض هنا تعني القلوب، فالقلب يحييه الله – جل وعلا – بالوحي الذي قد وكل الله – سبحانه وتعالى – به جبريل – عليه السلام -، وأما ميكائيل فهو موكل بالماء والنبات الذي به حياة الأبدان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي فيه إعادة الحياة ليوم الفزع الأكبر؛ فكلهم مُوكَّلون بنوعٍ من أنواع الحياة، ولهم مهمات كثيرة، ومَلَك الموت معه أعوان كثير كما جاء في القرآن الكريم، فهو ورسله يقبضون الأرواح من أمر الله – جل وعلا -، فقوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُم([58])، هذا في ذكر ملك الموت وحده، أما إن ذكر الملائكة فهو يعني رسل ملك الموت، قال – جل وعلا -: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ([59])، منهم من هو موكَّلٌ بابنِ آدم في حفظ بني آدم، فكل إنسان معه أربعة ملائكة لحفظه، ويسمون الحفظة؛ وهم الذين ذكرهم الله – سبحانه وتعالى – في سورة الرعد: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّه([60])، وقد وقف ابن عباس – رضي الله عنهما – وغيره على لفظ الجلالة، أي: يحفظونه فإذا جاء قدر الله خلوا بينه وبين أمر الله، فالأعراض وأقدار الله كثيرة، ولو تُرك الإنسان وكل هذه الأعراض لأصابت الجميع ولم تترك منهم أحدًا، لكن الله – جل وعلا – جعل للإنسان حفظة يحفظونه، فإذا قدَّر الله – سبحانه وتعالى – على العبد ما قدر، فإن هؤلاء الملائكة يخلون ما بين الإنسان وبين ما قدره  الله – جل وعلا -.

وكذلك عليه كتبه، كما ﴿ كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُون([61])، ومنهم حملة العرش الذين خصهم الله – جل وعلا – بهذا الشرف، والقرب منه – سبحانه وتعالى -، إلى آخر أصناف الملائكة.

أثر الإيمان بالملائكة:

يجب أن نعلم أن الملائكة يحبون العبد المؤمن، ويدعون له، قال الله – جل وعلا – في وصف الملائكة: ﴿ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾([62])،  وقال – جل وعلا –  في الآية الأخرى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ([63])،أي لأهل الإيمان.

فالمؤمن يحب الملائكة ويوقرهم، يكرمهم بما يأنسون له من العمل الصالح، ومنهم الكتبة الحفظة الذين لا يفارقون العبد، ويستغفرون للذين آمنوا، ويحبون عباد الله المؤمنين.

ولهذا قال بعض السلف: “استحيوا ممن لا يفارقكم وأنتم لا ترونه “، وهذا الاستحياء من ثمرات الإيمان بالملائكة، فيعلم العبد أن الملائكة بريئون من إشراك من أشرك، فهناك سحرة وكهنة يُظهرون كرامات ويدعون علم الغيب بما تأتيهم به الجن والشيطان، فإذا قيل لههم في ذلك، قالوا: هذا من الملائكة، والملائكة برآء منهم ومما يأتون، فلا جوز للملائكة أن يتجاوزوا أمر الله – جل وعلا -، ولا يخبرون العبد بالمغيبات إلا أن يكون رسولاً، قال – جل وعلا -: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا([64])، يعني يرسل له ملكا.

إذن العبد إذا حقق الإيمان بالملائكة فإنه يعلم خطأ مَن نسب إلى الملك أمرا أو عملا يضاد الشرع، وأنه يجب التبرؤ منه حماية وولاية ونصرة لملائكة الرحمن – جل وعلا -.

ومن آمن بالملائكة به يعلم بطلان عبادة غير الله – جل وعلا -، فمثلا مشركو العرب حين عبدوا غير الله – سبحانه وتعالى – كان لهم شبهة، كانوا يقولون أن الأرواح الخيرة – أي: الملائكة – تحل عند روح هذا العبد الصالح المقبور، أو عند الصنم المصور، أو على صورة النبي، أو على صورة العبد الصالح، فيسألونهم قائلين أنهم يسألون هذا الملَكَ الحاضر أو هذه الروح الخيرة، لترفع إلى الله – جل وعلا – الحاجات، ولذا أبطل الله – سبحانه وتعالى – هذا الإدعاء بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ ﴾، يعني: هل كانوا يدعونكم؟ وأنتم الأرواح التي زعموا أنهم يدعونكم وأنكم تسمعونهم؟ فتجيب الملائكة ﴿ قَالُوا سُبْحَانَك ﴾، أي: تنزيها لك وتعظيمًا وإجلالاً أن يكونوا عبدونا، ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُون([65]).

ثالثا: الإيمان بالكتب:

فنؤمن بكل كتاب أنزله الله – جل وعلا -، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ([66]).

فالعبد يؤمن أن الله جل وعلا أنزل كتبًا على عباده المرسلين، وخصهم بذلك، وكتب الله – جل وعلا – مختلفة في موضوعاتها، ومختلفة في ترتيبها، ومختلفة في هيئاتها، والله جل وعلا يختص من شاء من عباده بما شاء من كلامه، فأنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود؛ فنؤمن بذلك على وجه الإجمال، وعلى وجه التفصيل، ونؤمن بالقرآن الكريم وأنه هو الكتاب الخاتم.

ما معنى الإيمان بالقرآن؟

الإيمان بالقرآن الكريم هو أن تعلم أن كلام الله – جل وعلا – أنزله على عبده، وأنه خاتم الكتب، وأن اتباعه واجب، وأن كل هدى إنما هو فيه، وأن الله – جل وعلا – جعل فيه الشريعة التي  يجب أن تحكم الناس إلى قيام الساعة.

أثر الإيمان بالقرآن:

إذا آمن الناس بالقرآن حقًّا احتفوا به، فالناس يحتفون بكلام العظماء من البشر وهم لا يقدرون على شيء، فكيف بكلام الرب الجليل – سبحانه وتعالى -، وهو له الملك، وإليه المآب، وهو الذي يحاسب العباد، وهو الذي بيده الأمر كله، قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُون([67])، هذا النبأ هو القرآن، كما فسره بذلك – سبحانه وتعالى – في قوله: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ([68]).

فالقرآن نبأ لكنه عظيم، عظيم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، واحتفاء العبد بالقرآن أي أن يتعلق به تلاوة، وعملاً، ودرسًا، ولا يهجر القرآن، فقد شكا نبينا – صلى الله عليه وسلم – إلى ربه – جل وعلا – هجر المشركين للقرآن بعدم اتباعه، فقال – جل وعلا -: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا([69])، وكان هجرهم إياه هو هجر الاتباع، وهجر التصديق بخبره، وهجر العمل بأوامره ونواهيه.

وإيمانك بالقرآن يوجب عليك أن تعظم القرآن في نفسك، وأن تجله لأنه كلام الله – جل وعلا -، ومن إجلالك له أن تحفظه في مكان موقر في منزلك، فلا تجعل القرآن كأي كتاب، تراه على الطاولة أو على الأرض أو مع الأطفال، أو تجده بين الكتب، فوقه أوراق وتحته أوراق، هذا كله من عدم تعظيمه.

والواجب على العباد أن يعظموا شعائر الله قال – سبحانه وتعالى -، كما قال:  ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب([70])، وقال – سبحانه وتعالى :  ﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّه([71]).

ومن آثار الإيمان بالقرآن العظيم أن يعمل العبد بهذا القرآن، فالقرآن ما أنزل ليتخذ مزامير، وما أنزل ليتلذذ بأصوات القراء، بل أنزل ليُتدّبر، ثم يُعمل به، كما قال – سبحانه وتعالى – في بيان علة إنزال القرآن في سورة ص: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَاب([72])، فالقرآن مبارك: أي فيه الخير الكثير في الدنيا والآخرة، وأنزله الله – جل وعلا – لغايتين: التدبر، والتذكر.

الأولى: التدبُّر: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا([73])، والقرآن تُحرك به القلوب، يقول ابن مسعود – رضي الله عنه -: “لا تهذوه هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل،  قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب”([74])، فحرك قلبك بالقرآن، رتل الآيات وتدبر فيها، فالإيمان ينبع من القرآن، قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَان([75])، ولا إيمان إلا بالقرآن، وبالتوجه إليه تلذذًا بسماعه، وعملا بما جاء فيه من الأوامر والنواهي، وتصديق خبره، واعتقاد ما أخبر الله – جل وعلا – به في كتابه.

الثانية: العمل به: فمن ثمرات الإيمان أن نعمل به، وأن لا نتقدم بين يدي القرآن، فلا نعارضه بالعقل، كالذين يقرأون القرآن ثم يعارضونه بآرائهم، فالقرآن يقول شيئا وهم يتخذون عقولهم أو عقول بعض البشر حكما على كلام الله – سبحانه وتعالى -.

كذلك إذا حكم الله – جل وعلا – علينا بحكم نرضاه مطمئنين، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ﴾، يعني: في القرآن ﴿ وَرَسُولُهُ ﴾، يعني: في سنته ﴿ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ([76])، فالقرآن والسنة هما مصدر التلقي في الإسلام، لا عقولنا ولا آراؤنا، ولا نحكم الهوى على كتاب الله – جل وعلا -، وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ([77])، حتى الحرج تطهر منه صدرك، فلا يكون في نفسك ضيق ولا حرج من القرآن ومن حكمه.

ومن إيمانك بكتاب الله – جل وعلا – أن تحل حلاله، وأن تحرم حرامه، وتعمل به، وهذا فيه رفعة لك، لأنه يؤتى يوم القيامة بأهل القرآن الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنهما، يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “ يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران كأنها غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق أو كأنها فرقان من طير صاف يحاجان عن صاحبهما([78]).

رابعا: الإيمان بالرسل:

والإيمان بالرسل هو أن نؤمن بكل رسول أرسله الله – جل وعلا -، والرسل غير الأنبياء، لأن كل رسول نبي، ولكن ليس كل نبي رسولا.

الفرق بين الرسول والنبي:

الرسول: هو من أُوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه إلى قوم مخالفين.

والنبي: هو من أُوحي إليه، وأمر بتبليغه إلى قوم موافقين، أو لم يؤمر بالتبليغ.

هذا هو الفرق بين الرسول والنبي.

فنؤمن بكل رسول، ولا نفرق بين أحد من رسله – سبحانه وتعالى -، وأولهم الرسول نوحٌ – عليه السلام -، وآخرهم محمد – عليه الصلاة والسلام -، أيدهم الله – جل وعلا – بالآيات والبراهين.

أما آدم – عليه السلام – فهو نبي، لأن الله كلّمه، وأوحى إليه، لكنه ليس رسولاً، فأول الرسل كما سبق هو نوح – عليه السلام -، وكل الرسل دينهم واحد، لكن الشرائع مختلفة.

الفرق بين الدين والشريعة:

الدين واحد وهو التوحيد، فكل الرسل دينهم الإسلام، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَام([79])، وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين([80])، وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّه([81])، وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْل([82])، فكل رسول دينه الإسلام.

ما الإسلام؟

حقيقة الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، بحسب ما جاء به الرسول – صلى الله عليه وسلم -، والبراءة من الشرك وأهله، هذا الإسلام الذي جاء به كل نبي، كذلك في الإيمان بالأركان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، والبراءة من الشرك وأهله، والكفر بالطاغوت.

وقال – سبحانه وتعالى -: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا([83])، وفي الحديث الصحيح: ” الأنبياء أولاد علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد([84])، الدين واحد مثل الأب، والشرائع مثل الأمهات المختلفة، وهو تشبيه بليغ منه – عليه الصلاة والسلام -، فمن قال : أن رسولاً جاء بعبادة غير الله، أو بأن يقال: فلان ابن الله – جل وعلا -، أو أنه هو ابن لله، أو عزير ابن الله، أو عيسى ابن الله، فليس هو رسول الله – جل وعلا -، وإنما هو شيء أحدثه الناس من بعدهم، وانتخبوه في أذهانهم.

وقد يقول قائل: اليهود يقولون أنهم يتبعون موسى، وهم في الواقع لا يتبعونه، والنصارى يقولون أنهم يتبعون عيسى، وهم في الواقع لا يتبعونه، وهم جميعا ليسوا أولياء لموسى ولا لعيسى عليهما السلام؛ لأن موسى الذي يتبعونه ليس هو موسى – عليه السلام – الذي ذكر الله جل وعلا خبره، بل هم صوروا صورة لموسى – عليه السلام – في أذهانهم وفي أوامره وفي نواهيه، فموسى – عليه السلام – لم يأمر باتخاذ العزير ولدًا، ولم يأمر بأن يُتخذ العجل، ولم يأمر بالشرائع المحرفة التي يتبعونها الآن، فإذن: موسى الذي ارتضوا قوله هو غير موسى – عليه السلام – الذي أرسله الله – جل وعلا -، ولهذا نبينا e يقول: “المرء مع من أحب([85]).

فهل كل الذين يحبون موسى عيسى – عليهما السلام – سيحشرون معهما؟

الجواب: لا، فهؤلاء كالذين أحبوا عليَّ بن أبي طالب – رضي الله عنه – من الرافضة وغيرهم يكونون معه، لأنهم لم يحبوا موسى على صفاته، ولا على ما جاء به، وإنما أحبوا رجلاً بحسب ما عندهم من الأهواء والصفات، وكذلك الذين أحبوا عيسى؛ وهو – عليه السلام – لا يرضى بأن يكون ابنًا لله – جل وعلا -، ولا يرضى أن يُتخذ الصليب رمزا لأتباعه، علاوة على زعمهم أنه – عليه السلام – قد صلب، والله – سبحانه وتعالى – يقول: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ([86]).

فقول النبي – صلى الله عليه وسلم – “المرء مع من أحب” يعني مع من أحب حقيقة، وكذلك الذين أحبوا علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – من الرافضة والشيعة وغيرهم، فهؤلاء أحبوا عليًّا الذي صفاته في أذهانهم، أحبوا عليًّا الذي يتبرأ من أبى بكر – رضي الله عنه -، ويتبرأ من عمر – رضي الله عنه -، ويتبرأ من عثمان – رضي الله عنه -، والذي يقول: أنا أحق بالخلافة، وهذا ليس علي بن أبى طالب، إنما هو عليٌّ آخر في أدمغتهم.

والمسلمون هم أحق الناس بالأنبياء والمرسلين، الذين لا يفرقون بين أحد من رسله، ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا([87])، ولهذا قال النبي – عليه الصلاة والسلام –  في قصة صوم عاشوراء: “نحن أحق بموسى منكم([88])، لأنه إذا صام موسى شكرًا يوم عاشوراء فنحن نصومه شكرًا.

فالمؤمنون الذين أهل الإسلام يختلفون عن اليهود وعن النصارى وعن أصحاب الملل في إيمانهم بالرسل، لأننا نؤمن بكل رسول، ونؤمن بما جاء به من عند الله – سبحانه وتعالى -، أما غيرنا فلا يؤمنون بكل رسول، فاليهود لا يؤمنون بعيسى – عليه السلام -، والنصارى لا يؤمنون بمحمد – عليه الصلاة والسلام -، قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون  ([89]).

أثر الإيمان بالرسل:

الإيمان بالرسل له ثمرات كثيرة يضيق المقام هنا عن ذكرها، لكن خاصة الإيمان بالرسل هو الإيمان بمحمد – صلى الله عليه وسلم -، ومقتضاه: (أن يُصدق فيما أخبر، وأن يُطاع فيما أمر، وأن يُجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع)، وهذه الأربع دليلها آيتان من كتاب الله – جل وعلا -، الأولى: قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا([90])، والثانية قوله – سبحانه وتعالى -: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ([91])، إذًا محبة النبي e في طاعته .

فمن ادعى محبتة النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم يتبعه وخالف سنته، فأقاموا الموالد بدعوى حبه – صلى الله عليه وسلم -، وأقاموا احتفالات الإسراء والمعراج، والنبي – صلى الله عليه وسلم – لم يقم لنفسه ذكرى مولد، ولا احتفل بالإسراء والمعراج رغم علمه بهما، إذن فمقتضى قوله – جل وعلا -: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾، ألا نفعل شيئا لم يفعله النبي – صلى الله عليه وسلم -.

كما أن هذا الدين توقيف، والله – جل وعلا – يقول:  ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي([92])، أي أن الدين كامل، ليس فيه نقص حتى يأتي أي أحد ويزيد أشياء ويقول هي من الخير.

ومن الإيمان به – صلى الله عليه وسلم – أن تكون سنته هي مصدر التلقي مع الكتاب، فمن يعارض السنة بعقله هو  على خطر عظيم، وسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا صحت وكانت دلالتها قطعيةً وجب الإيمان بها، ولا يجوز لأحد أن يعترض عليها بعقله وبرأيه.

هذه هي أربعة أركان من أركان الإيمان الستة، ويتبقى ركنان هما: الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، وهذان نرجئ الكلام عنهما على موضع آخر بإذن الله – سبحانه وتعالى -.

أثر الإيمان على المجتمع:

تكلمنا فيما سبق عن آثار الإيمان في حياة الفرد، لكن ما أثر الإيمان على المجتمع، المؤمنون يشكلون مجتمع أهل الإيمان ودولة الإسلام، فالإيمان له أثر على الجميع.

الله – جل وعلا – جعل أعظم آثار الإيمان على العباد أنه يجعل حياتهم طيبة، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾، الرجال والنساء هم المجتمع، ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً([93]).

وقال – جل وعلا -: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ﴾، أي: آمنوا وخافوا اليوم الآخر، ﴿ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ([94]).

وإيمان المجتمع هو أن يحقق التوحيد، ويدل الناس عليه، وينصره وينصر أهله، ويحقق الحكم بشريعة الإسلام، فالواجب في مجتمع أهل الإسلام ودولة الإسلام أن يُحقق هذان الأصلان:

1-             توحيد الله – جل وعلا -: الذي هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله.

2-             تحكيم شريعة محمد – عليه السلام -: الذي هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله.

فكلما زاد الإيمان، وزاد اليقين بأركان الإيمان كانت قوة المجتمع وقوة الدولة وقوة الناس في تحقيق هذا قوية، وإذا ضعف الإيمان ضعفت هذه الأمور، ويخشى المرء أن تصيبه الدوائر، ولكن من توكل على الله – جل وعلا – كفاه.

والنبي – صلى الله عليه وسلم – لما بدأ بالإسلام بدأ به غريبًا، بدأ بأشخاص كما كانت بداية الدعاة دائما في أزمنة كثيرة، وكذلك كانت أيضًا دعوة الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – في هذه البلاد المباركة، بدأها والناس كلهم يعارضونه حتى هيأ الله له الإمام الصالح الأمير محمد بن سعود – رحمهم الله تعالى جميعًا – فنصر دعوته، وكتب الله – جل وعلا – هذا الخير العظيم الذي ترونه في هذه البلاد، الذي هو من آثار الإيمان، وإنما هو فضل من الله – جل وعلا -، وكان سببه أن العباد أيقنوا بما عند الله – جل وعلا -، وجاهدوا في سبيل الله حقًّا، وحققوا التوحيد، وحكموا بشريعة الله – جل وعلا -.

والله – سبحانه وتعالى – ليس بينه وبين عباده نسب، فالفضل لله – جل وعلا – وحده،كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا([95])، فالله – سبحانه وتعالى – هو الذي أنعم على الناس وألف قلوبهم.

ويقول – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ([96])، فالله هو الذي آوى، وهو الذي أيد ونصر، وهذا كله من فضل الله – جل وعلا -، ومن ثمار عمل عباد الله وعلى رأسهم الولاة من الأئمة والملوك في هذه البلاد في تحقيق هذا الأمر، وفي تحقيق شرع الله – جل وعلا – بحسب ما استطاعوا من ذلك.

فبالتوحيد وتحكيم شرع الله تقوى البلاد، ويقوى المجتمع والناس، وإذا ضعف الإيمان ضعف المجتمع كله، وتتسلط الدنيا عليهم، وإذا تسلطت الدنيا تفرق الناس وظهرت بينهم الشحناء والبغضاء، فلا يأتلفون بعد ذلك على مبدأ، ولا يأتلفون على ولاية؛ فأساس الاجتماع هو الإيمان، وأساس الافتراق هو الاختلاف في الدين، والتفرق عن حبل الله – جل وعلا -، ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا([97])، وحبل الله هو الدين، وهو القرآن والسنة.

ومن أهم آثار الإيمان أمن المجتمع، فهل الأمن يتحقق جراء السلطات، وقوات الأمن؟ لا، ليس كذلك، هم فعلوا سببًا لكن هذا السبب نفع الله – جل وعلا – به، والذي أعطى الأمن هو رب العالمين، ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُون([98])، أمنٌ في الدنيا وأمنٌ في الآخرة .

وقال النبي – عليه الصلاة والسلام -: ” والله ليتمن الله هذا الأمر ” يعني: أمر الدين، ” حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه([99])، وعند أحمد والطبراني: “ لينصرنكم الله وليعطينكم أو ليفتحن لكم حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب إن أخوف ما تخاف على ظعينتها السرق”([100]).

الظعينة: المرأة المسافرة في الهودج، وقد يطلق على المرأة المسافرة مطلقًا (ظعينة) أو غيرها، وهنا يقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: أن المرأة ستركب دابتها إلى مكة الأشهر الطويلة ولا تخاف شيئا، ويعترضها أحد لانتشار الأمن في الناس، وهذا مبني على قوله – صلى الله عليه وسلم -: ” والله ليتمن الله هذا الأمر “.

إذن: فالدعوة إلى الإيمان، والدعوة إلى الله – جل وعلا -، وحث الناس على الخير، وترابط العباد، فثمرة كل ما سبق لا ترجع على الفرد فقط، وإنما ترجع على المجتمع كله، لذا كان من واجبات الولاية وواجبات الناس أن يتعاونوا على البر والتقوى، كما قال – سبحانه وتعالى -: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ([101]).

أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلني وإياكم من المؤمنين به حقًّا، ومن المصدقين بما أنزل، والمتعبدين له ذلاًّ ورِقًّا، إنه سبحانه جواد كريم، كما أسأل المولى – جل وعلا – أن يوفق ولاة أمورنا إلى كل خير، وأن يجزيهم خيرًا على ما قدموا، وأن يوفقهم، ويدلهم على الرشاد، وأن يباعد بينهم وبين سبل أهل الغي والفساد، إنه سبحانه كريم جواد، كما أسأل المولى – جل وعلا – أن يوفق علماءنا إلى كل خير، وأن يقويهم في العلم والعمل، وأن يغفر لنا جميعًا، وأن يغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأن يغفر لذرارينا، وأن يجعلنا وإياكم ممن لقيه وهو عنهم راضٍ اللهم آمين.

 

([1] )    سورة الكهف: الآية 1.

([2] )    سورة الفرقان: الآية 1.

([3] )    سورة البقرة: الآية 285.

([4] )    سورة النساء: الآية 136.

([5] )    سورة الشورى: الآية 52.

([6] )    سورة مريم: الآية 96 .

([7] )    سورة العنكبوت: الآية 7.

([8] )    سورة العنكبوت: الآيتان 58، 59.

([9] )    أخرجه البخاري (1/27 ، رقم 50) ، ومسلم (1/39 ، رقم 9).

([10] )  أخرجه أحمد (3/134 ، رقم 12404)؛ قال الهيثمي (1/52) : رواه أحمد ، وأبو يعلى ، والبزار ، ورجاله رجال الصحيح ما خلا على بن مسعدة ، وقد وثقه ابن حبان ، وأبو داود الطيالسي ، وأبو حاتم ، وابن معين ، وضعفه آخرون.

([11] )  سورة البقرة: الآية 285.

([12] )  سورة القمر: الآية 49.

([13] )  سورة الفرقان: الآية 2.

([14] )  سورة فاطر: الآية 2.

([15] )  سورة الأنعام: الآية 17.

([16] )  سورة يونس: الآية 107.

([17] )  سورة يونس: الآية 31.

([18] )  سورة يونس: الآية 31، و32.

([19] )  سورة القصص: الآية 78.

([20] )  سورة الأنعام: الآية 17.

([21] )  انظر: الطراز لأسرار البلاغة و حقائق علوم الإعجاز (1 /425).

([22] )  سورة فاطر: الآية 2.

([23] )  سورة فصلت: الآيتان 17، و18.

([24] )  حلية الأولياء (1/208).

([25] )  أخرجه البخاري (1/5، رقم 3).

([26] )  سورة آل عمران: الآية 191.

([27] )  أخرجه مسلم (1/93 ، رقم 91).

([28] )  متن القصيدة النونية (2 /200).

([29] )  سورة يونس: الآية 101.

([30] )  سورة يوسف: الآيتان 105، و106.

([31] )  سورة الحج: الآية 62.

([32] )  سورة لقمان: الآية 30.

([33] )  سورة الأعراف: الآية 59.

([34] )  أخرجه الحاكم (1/ 62، رقم 39).

([35] )  سورة هود: الآية 26.

([36] )  سورة الحج: الآية 41.

([37] )  سورة الشورى: الآية 11.

([38] )  سورة يوسف: الآية 43.

([39] )  سورة النمل: الآيتان 18، و19.

([40] )  سورة الشورى: الآيتان 25، و26.

([41] )  سورة يونس: الآيتان61.

([42] )  سورة النساء: الآيات 107 110.

([43] )  صفة الصفوة (3/55).

([44] )  سورة ق: الآية 18.

([45] )  سورة النساء: الآية 108.

([46] )  سورة النساء: الآية 58.

([47] )  سورة المائدة: الآية 38.

([48] )  سورة الأعراف: الآية 206.

([49] )  سورة النحل: الآية 50.

([50] )  سورة ص: الآيات 67-69.

([51] )  روي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أتاني الليلة ربي في أحسن صورة – أَحْسِبُه قال: في المنام -، فقال: يا محمد أتدرى فِيمَ يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات وما في الأرض، فقال: يا محمد هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، في الكفاراتِ، والدرجاتِ؛ والكفارات: المُكْث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعاتِ، وإسباغ الوضوء في المكاره، قال: صدقتَ يا محمد ….” الحديث، أخرجه أحمد (1/368 ، رقم 3484) وعبد بن حميد (ص 228 ، رقم 682) والترمذى (5/367، رقم 3234) ، وقال حسن غريب . وبنحوه من حديث معاذ بن جبل – رضي الله عنه -، أخرجه الترمذى (5/368 ، رقم 3235) وقال : حسن صحيح . والطبرانى (20/109 ، رقم 216) ، والحاكم (1/702 ، رقم 1913) . وأخرجه أيضًا : أحمد (5/243 ، رقم 22162) .

([52] )  أخرجه مسلم (4/2294 ، رقم 2996).

([53] )  ملك الموت يسميه العامة (عزرائيل) وهذه التسمية لم تثبت في السنة، وإنما هي من أخبار بني إسرائيل، والذي جاء في القرآن والسنة أنه ملك الموت.

([54] )  سورة السجدة: الآية 11.

([55] )  سورة النحل: الآية 102.

([56] )  سورة الشعراء: الآيتان 192، و193.

([57] )  سورة الحديد: الآيتان 16، و17.

([58] )  سورة السجدة: الآية 11.

([59] )  سورة الأنعام: الآيتان 61، و62.

([60] )  سورة الرعد: الآية 11.

([61] )  سورة الانفطار: الآيتان 11، و12.

([62] )  سورة غافر: الآيات 7-9.

([63] )  سورة الشورى: الآية 5.

([64] )  سورة الجن: الآيتان 26، و27.

([65] )  سورة سبأ: الآيتان 40، و41.

([66] )  سورة الشورى: الآية 15.

([67] )  سورة ص: الآيتان 67، و68.

([68] )  سورة النبأ: الآيات 1-3.

([69] )  سورة الفرقان: الآية 30.

([70] )  سورة الحج: الآية 32.

([71] )  سورة الحج: الآية 30.

([72] )  سورة ص: الآية 29.

([73] )  سورة محمد: الآية 24.

([74] )  أخرجه البغوي في تفسيره (4/ 407) ، وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (8/ 277)، وعزا إخراجه إلى البغوي، ورواه البيهقي في شعب الإيمان (1/ 344)، وفي سنن أبي داود (2/ 77)، أتى ابنَ مسعود رجلٌ فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة، فقال: أهذًّا كهذِّ الشعر، ونثرًا كنثر الدقل؟ قال أبو سليمان الخطابي في معالم السنن (1/ 283): “الهذُّ سرعة القراءة، وإنما عاب عليه ذلك؛ لأنه إذا أسرع القراءة ولم يرتلها فاته فهم القرآن وإدراك معانيه”.

 

([75] )  سورة الشورى: الآية 52.

([76] )  سورة الأحزاب: الآية 36.

([77] )  سورة النساء: الآية 65.

([78] )  أخرجه مسلم (1/554 ، رقم 805) .

([79] )  سورة آل عمران: الآية 19.

([80] )  سورة آل عمران: الآية 85.

([81] )  سورة البقرة: الآية 112.

([82] )  سورة الحج: الآية 78.

([83] )  سورة المائدة: الآية 48.

([84] )  أخرجه البخاري (3/1270 ، رقم 3258) ، ومسلم (4/1837 ، رقم 2365).

([85] )  أخرجه البخاري (5/2283 ، رقم 5819) ، ومسلم (4/2032 ، رقم 2639).

([86] )  سورة النساء: الآية 157.

([87] )  سورة البقرة: الآية 285.

([88] )  أخرجه البخاري (2/704 ، رقم 1900) .

([89] )  سورة الأنبياء: الآية 92.

([90] )  سورة الحشر: الآية 7.

([91] )  سورة آل عمران: الآية 31.

([92] )  سورة المائدة: الآية 3.

([93] )  سورة النحل: الآية 97 .

([94] )  سورة الأعراف: الآية 96.

([95] )  سورة آل عمران: الآية 103.

([96] )  سورة الأنفال: الآية 26.

([97] )  سورة آل عمران: الآية 103.

([98] )  سورة الأنعام: الآية 82.

([99] )  أخرجه البخاري (3/1322 ، رقم 3416).

([100] )   أخرجه أحمد (4/378 ، رقم 19400) ، والطبراني (17/99 ، رقم 237) قال الهيثمي (6/208) : رجاله رجال الصحيح غير عماد بن حبيش ، وهو ثقة .

([101] )   سورة المائدة: الآية 2.

شاركها مع أصدقاءك