بواسطة :
الزيارات : 1٬641 مشاهدة
  • إسم الملف : الإمام محمد بن عبد الوهاب
  • عدد الزيارات : 1٬641 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة :

الحمد لله القائل في محكم كتابه : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذاريات : 56 ] . والقائل : ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [ الإسراء : 23 ] . والقائل : ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [ النساء : 36 ] . والقائل : ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [ الأنعام : 151 ] .

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، نشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وجاهد في الله حق الجهاد حتى تركنا على بيضاء نقية ، ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعده – صلى الله عليه وسلم – إلا هالك ، اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد كلما صلى عليه المصلون ، وصلِّ اللهم عليه كلما غفل عن الصلاة عليه الغافلون ، وسلم اللهم تسليمًا مزيدًا .

لا شك أن الدعوة إلى الله – جل وعلا – والإرشاد مهمة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه ، وهي مهمة مَن أَحَبَّهُ رسولُنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – ؛ لأن الله – جل وعلا – يقول : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ يوسف : 108 ] .

إن الحديث عن أئمة الإسلام مهم في هذا الزمن ، فهم الذين أثَّروا في الأمة بالدعوة إلى التمسك بما كان عليه السلف الصالح ، ودَعَوْا إلى ذلك وأَلَّفُوا وجاهدوا وأرشدوا ؛ ولأن تقديم مثل هذه النماذج من أهل العلم والدين ممن أثَّر ودعا وعَلَّم وصَبَر حتى كان لدعوته الأثر البالغ في هذه الأمة يؤثر في النفوس من جهات عديدة ، فمن خلالهم يعلم المرء أن التمسك بالإسلام والدعوة إليه والجهاد في سبيله لم يكن خَاصًّا بالرعيل الأول من صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، فكما خاطب الله بدينه الأولين فقد خاطب به المتوسطين والآخرين ، فدين الله واحد ، والناس مخاطبون به في كل زمان ومكان ، وقد جعل الله – جل وعلا – في كل زمان من أهل العلم والدين من يجدد لهذه الأمة أمر دينها ، وذلك كما جاء في الحديث أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لهذه الأُمَّةِ على رَأْسِ كلِّ مائةِ سَنَةٍ مَن يُجَدِّدُ لها أَمْرَ دِينِهَا » .( [1] )

 وهذا أيضًا مهم ليعلم كل واحد أن هذه الأمة لا بد أن تَبْقَى فيها طائفةٌ ظاهرة على الحق قائلةٌ به ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلهم ، ولا مَن خَالَفَهم ، فأئمة الإسلام وأعلام الدين منهم مَن بَلَّغ وأدَّى الأمانة ، ونصح وجاهد ، لكنه لم يعش حتى يرى نتيجة دعوته ، أو يُكْتَب له التمكين ، ومنهم من دعا ومَكَّن الله له .

 وإذا تأمل المرء النصوص الدالة على ذلك أيقن – بلا شك – أن ظهور هذه الطائفة في الأمة حاصل ، وذلك كما وعد الله الكريم ووعد رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، قال – عليه الصلاة والسلام – : « لاَ تَزَالُ طائِفةٌ مِنْ أُمّتِى ظاهِرِين على الْحقِّ ، لا يضُرُّهُمْ منْ خذلهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهُمْ كَذَلِكَ »( [2] ) . وفي رواية : « حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ » .

وهؤلاء ظاهرون بالعلم واللسان والبيان ، وظاهرون تارة بالسيف والسنان ، ولا بد أن تكون هذه الطائفة موجودةً في الأرض ، ولا بد أن يكون نصيبها الظهور دائمًا ، سواء بالبيان والحجة واللسان ، أو بالجهاد في سبيل الله جهاد اليد .

 إن تقديم سيرة أئمة السلف الصالح وأئمة دعوة الإسلام ينعش النفوس ويصل الشباب الحاضر بأئمتهم السالفين حتى يعلموا أن العلم لا يُنال براحة الإنسان ، وأن الدعوة ليست كلمةً تقال ، وأنه لا بد فيها من العلم ، كما أمر الله جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام بقوله : ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [ محمد : 19 ] وقال أيضًا : ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ [ طـه : 114 ] .

فالعلم والعمل بهما الصلاح والفلاح في الحاضر والمستقبل ؛ ولا بد أن يكون للعلم والعمل أثرهما في الحياة .

لقد وقع اختيارنا على نموذج من هؤلاء الأئمة وهو الإمام المصلح المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي المشرفي الوهابي التميمي ، وسيرته معروفة لدى الأكثرين ، ولن نتطرق إلى تفاصيل سيرته وما كان عليه في أول حياته وطلبه للعلم حتى وفاته ، فهذه شأنها المؤلفات التي أُلِّفَت عنه رحمه الله تعالى ، ولكن نأخذ نُبْذة من سيرته وحياته ، ثم نتطرق إلى أثر حياته ودعوته في الناس في زمنه وفي حاضرنا الذي نعيشه .

نبذة عن حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب :

ولد الشيخ محمد بن عبد الوهاب سنة 1115 هـ ، وتوفي سنة 1206 هـ ، وكانت حياته منذ العقد الأول من عمره في العلم والعمل إلى أن توفاه الله جل وعلا ، فقد حَفِظ القرآن صغيرًا ، وأم الناس وحج بيت الله الحرام وهو لم يبلغ سن الخامسة عشر ، فقد حج سنة ألف ومائة وسبعة وعشرين .

 وهذه الحصيلة المبكرة من حفظ القرآن والرغبة في الحج مع بعد المسافات إذ ذاك وتعب الراحل إلى مكة المكرمة لا شك أنها تُنْبِئ عن قُوَّةٍ علمية وقُوَّةٍ في العمل ورغبةٍ في عبادة الله تعالى منذ ذلك السن المبكر .

 رعاه والده أحسن رعاية ، وكانت له عدة رحلات ، أولها حج بيت الله الحرام ، فقد حج البيت ومكث في مكة مُدَّةً ، ثم ذهب إلى المدينة ، ثم رجع إلى العيينة إلى نجد ، وبعد ذلك حج مَرَّةً أخرى نحو سنة ألف ومائة وخمسة وثلاثين -يعني وهو ابن عشرين سنة- وكانت هذه هي الرحلة الثانية ، قصد فيها بعد أداء العبادة أن يتصل بعلماء الحرمين ؛ علماء مكة والمدينة ، ليأخذ عنهم العلم كما قال طائفة ممن ترجموا له : إنه بعد رحلته الأولى وقع في نفسه أن يأخذ من علماء مكة وعلماء المدينة وعلماء الشام . فرحل رحلته الثانية هذه ، واتصل بعدد من العلماء في مكة والمدينة ، ولازمهم طويلاً ، وكان من أبرز مَن لازَمَ في تلك الفترة : الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف ، من أهالي نجد ، ولكنه سكن المدينة . والشيخ محمد حياة السندي في المدينة . وممن أجازه في حَجَّته الأولى مُسْنِدُ مكة وعالِمُها الذي جمع مسند الإمام أحمد بعد تَفَرُّقه الشيخ العالم عبد الله بن سالم البصري ، الذي أجازه في كتاب : ( القرى لقاصد أم القرى ) ، ويُروى من طريق عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، عن أبيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب . وهذه الإجازة نازع فيها بعضُهم ، ومنهم – وهم الأكثر – مَن أثبتها ، وتحقيقها محل نظر ، لكنه معروف في الإجازات أنه أخذ ذلك عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري ، كما ذكر ذلك الكتاني في كتابه ( فهرس الفهارس والأثبات ) نقلاً عن الشيخ محمد عابد السندي .

 وقد رحل إلى البصرة عدة مرات وأخذ عن عدد من علمائها ، ثم رجع إلى الأحساء وأخذ عن علمائها ، وكانت له في هذه الرحلات العلمية مواقف مع العلماء الذين أخذ عنهم ودَرَس عليهم ، وكان بعد حفظه للقرآن في صغره مهتمًا بالتفسير ، وقد تأثر في دعوته وفي أسلوبه وفي كلامه عن أنواع التوحيد بإمام المفسرين محمد بن جرير الطبري رحمه الله تعالى ، فالإمام محمد بن جرير الطبري من أوائل العلماء الذين تكلموا بالتفصيل فيما كان عليه أهل الجاهلية من عبادة الأوثان وعبادة الآلهة المختلفة ، وكذلك من أوائل الذين قاموا بتقسيم التوحيد إلى توحيد ربوبية وأُلوهية ، وتوحيد الأسماء والصفات .

 لقد تأثر الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – كثيرًا بمدرسه الإمام محمد بن جرير في التفسير ، فأخذ بالتفسير بالمأثور ، ثم إنه حَصَّل كثيرًا بعد ذلك من كتب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية وتلميذه العلامة شمس الدين ابن القيم – رحمهما الله تعالى – ، واستفاد منها كثيرًا ، وقرأ كتب الحديث ، وأُجيز في كثير منها ، وكان كما وصفه ابن بدران في المدخل : قد ملأ وِطَابه ( [3] ) من السُّنَّة ، والحديث وشروحِه ، ومن عِلْم الفقه على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل – رحمه الله تعالى – .

وحصيلته العلمية المتمثلة في الأخذ عن العلماء وشدة الحرص على طلب العلم والحفظ والتدوين واقتناء الكتب مَكَّنته من معرفة المخالفات الشرعية التي كان عليها أهل بلده إذ ذاك ، وكان ينكر في نفسه تلك المخالفات ، وربما حاور أباه الشيخ عبد الوهاب قاضي العيينة في بعض ما يصنعه الجهلة في نجد من عبادة بعض الأشجار واعتقادهم فيها ، أو الاعتقاد في بعض الموتى والأولياء وأن لهم تصرفاتٍ في ملكوت الله جل وعلا .

 وزار – رحمه الله – بلاد الحرمين ، وحاور عددًا من المشايخ في بعض ما يراه ، وكلهم أنكر ما يفعله الجهال من الاعتقاد في بعض الأماكن الأثرية أو بعض الأشجار أو بعض القبور أو نحو ذلك وأن ذلك ليس موافقًا للشرع ، بل هو من الشرك المحقق ، كما قال ذلك له عدد من علماء مكة والمدينة .

وأخذ في رحلته إلى البصرة عن عدد من العلماء ، قَوَّى من خلالها جانبه في العلم وقام بتحصيل الكتب ، والنظر فيما عليه المسلمون في عدد من أماكن العالم الإسلامي .

ولقد غلط من قال : إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – رحل إلى الشام ، أو رحل إلى بغداد ، أو إلى الموصل ، بل هو لم يتعد البصرة ، قد كان ينوي الذهاب من البصرة إلى الشام ، وقد كان ينوي الذهاب من المدينة إلى الشام ، ولكن منعته بعض الأمور من إكمال المسير .

سمات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب :

لقد اتصل الشيخ – رحمه الله – بعلماء الأحساء ونجد ، وأخذ ما عندهم من العلم حتى تمكن من معرفة الأمرين المهمين ، وهما :

معرفة العلم الشرعي والنصوص ووجه الاستدلال منها ، ومعرفة ما عليه الناس وتطبيق تلك النصوص على واقعهم ، وهذه مسألة يحتاج إليها العلماء دائمًا ، فهم  يحاولون تطبيق نصوص الشريعة على واقع الأمة وأحوال الناس ، فمن أهل العلم مَن يأخذ العلم النظري ويترك الجانب التطبيقي فلا يستخدم العلم في إصلاح شأن الأمة ، لكن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – لم يأخذ العلم على أنه صنعة ، بل تعلم العلم ليدعو به ، ويجهر بتلك الدعوة ويجاهد في الله حق جهاده بقدر ما أعطاه الله وآتاه ، وبهذا تَمَيَّز – رحمه الله – مبكرًا ، فكان يسأل ويناظر ، ويبحث في تلك المظاهر الشركية والمظاهر البدعية التي كانت في بلده وغيرها من البلاد الإسلامية وينكرها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً ، وكان العلماء يوافقونه على ذلك ويؤيدونه .

قال – رحمه الله – : وعرضت ما عندي على عدد من علماء مكة والمدينة والشام وعلماء نجد والأمصار فوافقوني على ما ذكرته في التوحيد .

 وهذا صحيح ؛ لأن أكثر العلماء في ذلك الزمن وما قبلَه يتفقون على معنى التوحيد إجمالاً ، وعلى بعض التفصيلات فيه ، وكذلك على إنكار الشرك ، وعلى بعض أفراد الشرك .

ولهذا لما نظر في الأدلة وربطها بالواقع ، كان ذلك له الأثر في نجاح دعوته – رحمه الله تعالى – إلى التوحيد الخالص والنهي عن الشرك بالله – جل وعلا – .

لقد مكث يقرأ ويتعلم إلى أن توفي والدُه الشيخ عبدُ الوهاب – رحمه الله تعالى – ، ولَمَّا تُوفِّي كان الشيخ قد أصبح يافعًا وقويًّا ، وأصبح يُعْلِن بعض ما عنده من الفهم بنصوص الكتاب والسنة والإنكار للمنكرات التي في زمنه ، وهذا كان في حريملاء وفي العيينة أولاً ، ثم في بعض البلاد من القرى التي حولها ، كالجبيلة ونحوها ، حتى تم لقاؤه بأمير الدرعية محمد بن سعود بن مقرن سنة 1157 هـ ، ومن ثَمَّ تكونت الدولة السعودية الأولى بعد ذلك العهد .

لم يكن الشيخ – رحمه الله – مقتصرًا في تلك الفترة على تعلمه ، بل كان يجمع ما بين العلم وما بين الدعوة ، وبين الإنكار وكتابة الرسائل ، وكان لطيفًا للغاية فيما يُنْكِر وفيما يَنْصَح به ، حتى إنه كان ينصح ويوجه ويرشد من يأتون إلى قبة الصحابي الجليل زيد بن الخطاب الذي قُتل في بلدة تسمى الجبيلة ، وهي بلدة قريبة من الرياض ، في موقعة اليمامة المعروفة ، حيث كان يأتيه الجهال معتقدين فيه النفع والضر وكانوا يطلبون منه أشياء لا تجوز أن تطلب إلا من الله – جل وعلا – مثل شفاء المرضى وجلب الخيرات ودفع الشرور عن الإنسان ونحو ذلك ، فكان يأتيهم بالقرب من القبر ، فإذا سمعهم يقولون : يا زيد بن الخطاب افعل كذا ، أو أعطنا ، أو اشف مرضانا ، أو زوج بناتنا ، أو اشفع لنا في كذا . كان يقول لهم بعبارة هادئة : الله خير من زيد . وكان يرشدهم إلى التوجه إلى الله – جل وعلا – وحده لا شريك له .

واقتنع به أمير البلدة وبدعوته فأمر بهدم تلك القبة ، وكانت تلك أول مظاهر دعوته إلى التوحيد ونهيه عن الشرك ، ولقد خَشِي أهل البلد أن يفعلوا ذلك وخشي الأمير في بادئ الأمر أن يهدم تلك القبة لِمَا يعتقدون في صاحبها من السر والولاية الخاصة ونحو ذلك ، حتى قال له الشيخ محمد – رحمه الله – : أنا أبدأ بذلك . فأخذ يهدم القبة ، فلما رأوه لم يصبه شيء أقدم الناس على هدمها .

 لقد انتشر الخبر حتى صارت هناك أرضية صالحة لهذه الدعوة ، وعلمت أكثر القرى بتلك الدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك .

 وقد طُرد – رحمه الله – من العيينة بسبب سياسي ، وارتحل إلى الدرعية ، ثم نصر دعوته الإمام المجاهد محمدُ بنُ سعود – رحمه الله تعالى – ، وتكونت الدولة السعودية الأولى التي كانت ممثلة بِحَقٍّ لِمَا كان يذهب إليه الإمام المصلح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى .

دعوة الشيخ محمد دعوة إلى توحيد الله :

إذا تأملنا السيرة الوجيزة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب يمكن أن يتبين لنا شيء من ملامح تلك الدعوة في الفترة الأولى ، فأول ما تميزت به – بل هو لبُّها وروحها – أنها دعوة إلى توحيد الله جل وعلا في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته .

 كان أكثر ما يقع فيه الناس إذ ذاك – سواء في نجد أو في بلاد الحرمين أو في عدد من بلاد المسلمين في الجزيرة وغيرها – المخالفات الشركية المختلفة ، سواء كان الشرك الأكبر أم الشرك الأصغر ، جهلاً منهم ، ولعدم وجود من يبين لهم هذه المخالفات ، فقام رحمه الله تعالى بالدعوة إلى تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، وأَلَّف عددًا من الكتب المختلفة التي وضحت مقصود تلك الدعوة ؛ ككتاب : “التوحيد الذي هو حق الله على العبيد” ، وككتاب : “ثلاثة الأصول” ، وكتاب : “كشف الشبهات والقواعد الأربع” ونحو ذلك من الكتب والرسائل التي تُبَيِّن هذا الأصل العظيم وهو الدعوة إلى التوحيد بأنواعه الثلاثة ، فكانت هذه الكتب سمةً لِمَا دعا إليه الشيخ رحمه الله تعالى ، ركز فيها على توحيد العبادة بألا يعبد إلا الله جل وعلا ، فنبه الناس إلى أنواع الشرك التي وقع فيها الجاهليون في زمن النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وبَيَّن أنها يمكن أن تتكرر ويقع فيها الناس بعد ذلك ، فقد كان الناس في نجد وبعض البلاد الأخرى في الجزيرة يعتقدون في بعض الأشجار وفي بعض الأحجار وفي بعض الجبال وفي بعض الآثار ، وكانوا يتمسحون بها ويقولون : هذه البقعة حَلَّ فيها الرجل الصالح ، وهذه مات فيها الرجل الصالح ، وهذه فيها الولي الفلاني ، وهذا قبر فلان ونحو ذلك . وتعلقت القلوب تعلقًا خَفِيًّا بهؤلاء الأولياء وتلك البقع والأماكن ، فأعلن دعوته بأن تُجعل العبادة لله وحده سبحانه وتعالى ، فهو ذو الأُلوهية والعبودية على خلقه أجمعين ، وهو الذي يستحق العبادة وحده سبحانه وتعالى ، وبَيَّن لهم معنى العبادة ، وأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، وبَيَّن لهم أن الدعاء لا يكون إلا لله فكما ينبغي ألا تصلي للولي فُلان وتجعل صلاتك له ، فكذلك الدعاء لا ينبغي أن يصرف إلى غير الله جلا وعلا ، وإنما يدعو العبد ربه وحده لا شريك له ، فكما أن الصلاة لا تقبل إلا بمفتاح ، وهو الطهارة ، فكذلك العبادة لا تقبل إلا بمفتاح وهو التوحيد والإخلاص ، فإذا أقام العبد شكل الصلاة ولم يتطهر قال الناس : هو قد صلى . ولكنه عند الله جل وعلا لم يُصَلِّ ؛ لأنه لا تقبل صلاة إلا بطهور ، وكذلك أنواع العبادة ، يتعبد المرء لكنه ليس بمخلص ، يعني ليس بموحد لله جل وعلا في العبادة ، فإذا كان الأمر كذلك فإنه لم يأت بمفتاح قبول العبادة الذي أمر الله جل وعلا به في قوله : ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾ [ الزمر : 14 ] .

 وفي قوله : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ يوسف : 108 ] .

 لقد دعا – رحمه الله – إلى توحيد العبادة وأغلظ في ذلك حتى إنه إذا أتى على أي مكان يُتوجَّه فيه إلى غير الله جل وعلا هدمه إنكارًا للمنكر ، وتحقيقًا لما يحبه الله جل وعلا ويرضاه ، وإفرادًا لله جل وعلا بالعبادة ، فقد قطع عددًا من الأشجار وهدم عددًا من القباب التي على القبور ونحو ذلك ، لأجل ألا يتعلق الجهال بها .

كان – رحمه الله – في دعوته يجعل توحيد العبادة هو الأصل ؛ لأن مَن وَحَّد الله بالعبادة فقد وحد الله فى الربوبية .

يعني من عبد الله وحده دونما سواه ولم يتجه إلى أحد بالعبادة ، فلم يستغث بغير الله ، ولم يتوكل على غير الله ، ولم يخف خوف السر من غير الله ، ولم يعتقد اعتقاد السر في بعض الأولياء والأنبياء ، فهو في داخله مقر بأن الله وحده هو ربه ، بخلاف غلاة المتصوفة في ذلك الزمان إلى زماننا هذا ، فإن منهم من يعتقد أن الأرض فوض الله جل وعلا أمرها إلى أربعة من الأولياء ، أو إلى سبعة من الأولياء ، وفي بعض البلاد إلى أربعين من الأبدال ، يُصرِّفونها كيف شاءوا ، فيتوجه الناس إلى هؤلاء الأقطاب لطلب النفع أو دفع الضر ، فطهر الله جل وعلا به البلاد من تلك المعتقدات الفاسدة ، ولقد دعا – رحمه الله – إلى توحيد الأسماء والصفات كذلك ، وهذا داخل في مبحث أركان الإيمان بالله .

دعوة الشيخ محمد يكتنفها الرفق واللين

لقد كان رحمه الله محاورًا ، فمن صفاته العامة أنه كان يحاور ، ولم يكن متصفًا بالحكم على الناس دون محاورتهم ، بلغه مرة عن أحد علماء الأحساء -وهو الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الأحسائي- أنه ينكر عليه بعض ما قاله في دعوته ، فكتب إليه رسالة طويلة فيها فوائد كثيرة ، وهذه الرسالة موجودة في الدُرر السنية ، وفي تاريخ ابن غنام وغيره ، تعرض فيها لعدة مباحث ، ثم قال له في آخر رسالته : وإني لما زرتك في الأحساء رأيتك كتبت على أول كتاب البخاري فيما قرره من أن الإيمان قول وعمل : هذا هو الحق . وسرني هذا منك جدًّا ؛ لأجل مخالفته للعلماء الذين أخذتَ عنهم . فقد كان الأشعرية في ذلك الوقت في الأحساء لا يقولون بهذا الأصل ؛ لأنهم من المرجئة ، فسَرَّه مخالفته لهم ، ففي هذا دليل على أنه يبحث عن الحق ، وما دام علق على أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – التي تدل على أن الإيمان قول وعمل بأن هذا هو الحق ، دل ذلك على رغبته في الخير ، ثم قال له : وإني لأدعو لك في صلاتي وأسأل الله لك أن يجعلك فاروقًا لهذه الأمة في آخر الزمان كما جُعِلَ عُمر بن الخطاب فاروقًا لهذه الأمة في أولها .

 وهذا لين وتواضع ومحبة ، وكل داعية إلى الله جل وعلا إذا كانت دعوته يرافقها اللين والمحبة والرغبة في نفع الخلق وعدم التعالي عليهم فإنها يكون لها الأثر الطيب ، لا أن تكون الدعوة بالجدال والعناد ، فإن حق الله جل وعلا أعظم من حق المخلوق كما هو معلوم .

وكانت له مراسلات كثيرة في تقرير هذا الأصل وهو توحيد الله جل وعلا ، وله كتابات في ذلك متنوعة .

ومن الأصول العامة التي ركز عليها ودعا إليها العقيدة العامة في الدعوة إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره على ما كان عليه السلف الصالح ؛ لأنه كان بالجزيرة العربية في ذلك الوقت عدة مذاهب في مسائل الاعتقاد ، وكان مذهب السلف لا يكاد يُذكر فيها ، وإنما كان الأكثرون على مذاهب المتكلمين ، كمذهب الأشعرية ، أو الماتريدية ، أو الزيدية ، أو نحوها من المذاهب ، فقرر الإمام رحمه الله تعالى مذهب السلف الصالح ، ودلل عليه ، وناظر في ذلك حتى انتشر ، ورأى العلماء وطلبة العلم في مذهب السلف الصالح البساطة والوضوح ، وأنه هو المذهب النقي الذي لا يُدْخِل طالب علم العقيدة في مباحث كلامية ولا في مناظرات لاهوتية ، أو يُدْخِله في فلسفة غير محمودة .

لقد دعا إلى – رحمه الله – ببساطة وقال : إن الأصل الشرعي ألا يُتجاوز القرآن والحديث ، فما جاء في كتاب الله قلنا به ، وما جاء في سنة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قلنا به ، وما عدا ذلك فإنه يُعرض على الكتاب والسنة ، فإن كان فيهما فالحق قبوله ، وإن لم يكن فيهما فإن الحق رده ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « إِنَّ بَنِي إِسْرائِيل افْتَرَقَتْ على إِحْدَى وسبْعِينَ فِرْقةً ، وإِنَّ أُمّتِى ستفْترِقُ على ثِنْتيْنِ وسبْعِين فِرْقةً كُلُّها فِى النَّارِ إِلاَّ واحِدةً ، وهِي الْجماعةُ » .( [4] )

وقوله : « كُلُّها في النارِ إلا واحدةً » . وعيد لها ، وليس معناه أنها مخلدة في النار ، ولكن مُتوعَّدة بالنار على بدعتها وانحرافها ؛ لأن الفرق الخارجة عن الإسلام لا تدخل في الثنتين والسبعين فرقة هذه ، فقوله : « كلها في النار » . يوجب على المرء الرجوع إلى الحق ، ويوجب عليه الرجوع إلى ما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ، ونحن نعلم يقينًا أنه في مباحث الاعتقاد – كمسائل الإيمان بالغيبيات والأسماء والصفات – لا نأخذ بالتأويل ، لا نأخذ بالتأويل لا في الغيبيات ولا في الأسماء والصفات ولا في الميزان ولا في أخبار الجنة والنار ، ولا ما يتصل بذلك . . . إلى آخره .

فكل ما كان من قبيل الغيب مما لا ندركه إلا بخبر الله – جل جلاله – أو خبر رسوله – صلى الله عليه وسلم – فإنه لا مجال لنا إلا بالتسليم به ، وإذا كان الأمر كذلك فإنه وجب على الجميع أن يستسلموا للنص ، وهذه البساطة التي في العقيدة هي التي كان عليها السلف الصالح ، ومن كلام والد إمام الحرمين الجويني في رسالة له قال : لما تأملت الأقوال المختلفة في الصفات والعقيدة – كمذهب الأشعرية وغيره من المذاهب التي كانت في زمنه – لَمَّا تأملت ذلك ونظرت فيما كان عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وجدت أنه كان يتلو القرآن ويخبر بحديثه عليه الصلاة والسلام فيما يتصل بالغيبيات والخبر عن الله جل وعلا وصفاته وأسمائه ، وكان يحضر مجلسه عليه الصلاة والسلام الأعرابي ومن هو من الحضر ، وكان يحضره الذكي ، وكان يحضره غير الذكي ، كان يحضره العالم ، وكان يحضره غير العالم ، وكان يحضره قوي الملكة والإدراك ، ويحضره من هو على خلاف ذلك ، ومع ذلك كان يخاطبهم خطابًا واحدًا بالكتاب والسنة .

 فلم يأت في مرة من المرات وقال : ليس معنى هذه الآية هو كذا ، أو قال : معناها على خلاف ظاهرها . يعني في نصوص الغيبيات لم يقل لهم مرة : إن الاستواء ليس معناه كذا ، وإن العلو هو علو القهر وعلو القدر ، وإن السمع أو إن القوة لله جل وعلا أو الرحمة تفسر بكذا ، والغضب يفسر بكذا ، مما هو خلاف ظاهره ، بل أطلق ذلك ، ولم يعقبه ببيان .

 فمقتضى هذا أنه أراد ظاهر ما دلت عليه النصوص ، وهذه هي البساطة ، بحيث إنه يمكن أن تلقن العقيدة للصغير والكبير بسهولة دون الدخول في تفصيلات كلامية ، وتفصيلات فلسفية .

وهذا هو الذي دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في تأسيس عقائد السلف إجمالاً وتفصيلاً ، في مسائل الصفات وفي مسائل الغيبيات ، والملائكة والكتب والرسل ، وفي مسائل الإيمان وأنه قول وعمل واعتقاد ، خلافًا لمذاهب المرجئة في أن الإيمان قول ، أو أنه قول واعتقاد ، أو أنه اعتقاد فقط ، على اختلاف مذاهبهم في ذلك ، أو الكلام في الجبر والقدر ، أو القول بأنه لا قدر ، فنهج بالناس ما كان عليه السلف الصالح في القرن الأول الهجري ، وقرر ذلك بما قرره أئمة الإسلام أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل – رحمهم الله تعالى – في هذه المسائل العظام .

ثم بعد ذلك انتقل الشيخ رحمه الله بالناس إلى مرحلة تالية ، وهى تحرير الناس من التقليد ، وأرشد الناس إلى العناية بكتب الحديث والسنة ، حيث لم تكن منتشرة في ذلك الزمن ، فالشيخ رحمه الله تعالى كان مهتمًّا بالسنة والحديث ، فحينما رحل إلى مكة والمدينة أجيز من العلماء في الحديث وكتب السنة ، وكان أول ما أجيز فيه الحديث الذي حدثه به الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف عن شيخه أبي المواهب الشامي الحنبلي المعروف ، وهذا الحديث هو حديث : « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِى السَّمَاءِ » .( [5] )

لقد أدخل الشيخ – رحمه الله – في نجد كتب الحديث ، فصارت تدرس بعد أن لم تكن تدرس ، فكان غاية ما عند الفقيه في ذلك الزمان أنه يفتي على المذاهب الأربعة ، فكان الفقيه يحفظ أربعة متون ، متنًا في المذهب الحنفي ، ومتنًا في المذهب المالكي ، ومتنًا في المذهب الشافعي ، ومتنًا في المذهب الحنبلي ، فإذا أتاه السائل يستفتيه قال له : على أي مذهب أنت ؟ فيقول له : أنا على مذهب كذا . فيقول : الفتوى كذا . على مذهبه ، وكان يُثْنَى على فلان من الناس بأنه كان يفتي على المذاهب الأربعة ، أو كان يقضي بالمذاهب الأربعة . ولا شك أن هذا ليس بالمنهج الصحيح ، فالواجب على العالم أن يُفْتِيَ بما دل عليه الدليل ، فإذا لم يجد الدليل ، أخذ بقول إمام معتبر يقتنع بحجته أو بقوله واجتهاده .

ومما يذكر في هذا المقام أن الشيخ منصور البهوتي الحنبلي المعروف مُصَنِّف عدد من كتب المذهب كالروض المربع ، وشرح زاد المستقنع ، وشرح منتهى الإيرادات ، وشرح كشاف القناع عن متن الإقناع وغيرها من كتب المذهب والحواشي المعروفة ، استفتاه أحد الناس مرة في مكة وقال له في مسألة سأله عنها ، فأجابه ، فقال له أحد تلامذته الذين معه : يا شيخ منصور ، هذه تخالف ما ذكرته في كتابك كذا وكذا . فقال له : نعم ؛ لأن الكتاب أَلَّفْناه على المذهب للتعليم ، وأما الفتوى فهي لِمَا سأُسْأَل عنه يوم القيامة . وهذا الحس هو الذي عند العلماء .

أول ما فعله الشيخ في نجد في الدعوة أنه جعل الناس يهتمون بالدليل ويحرصون عليه .

 ولا بد من التنبيه إلى أن الاجتهاد الذي دعا إليه الشيخ – رحمه الله تعالى – عورض بشدة ، حتى إن بعض الناس كَفَّر الشيخ محمد بن عبد الوهاب لأجل أنه ادعى الاجتهاد .

وحجتهم في ذلك أنهم قالوا : الاجتهاد قد قفل بابه منذ أزمان ؛ لأنه لا وجود لشروط المجتهد . ورد عليهم الشيخ بعبارة قال فيها : هذه الشروط التي جعلوها للمجتهد لعلها لا توجد كاملةً في أبى بكر ولا في عمر رضى الله عنهما . لأنهم اشترطوا في المجتهد أن يحفظ كتاب كذا ، وأن يحفظ من الأصول كذا ، وأن يحفظ من علم البلاغة كذا . . . إلى آخره .

وهذه الأشياء متأخرة ، والاجتهاد إنما هو فقه النصوص ، نصوص الكتاب والسنة ، والاجتهاد مبني على أن يكون العالم عنده آلة الاجتهاد ، وتلك الآلة هي اللغة العربية ، وذلك لفهم النصوص ، وأن يكون مُطَّلعًا على أقوال الأئمة السابقين ، وألا يقول قولاً يخالف ما عليه العلماء والأئمة ، ولهذا لا يعرف لإمام الدعوة – رحمه الله – في مسألة أنه قال فيها بخلاف قول الأئمة الأربعة ، ولا يعرف له أنه أفتى في مسألة لا توافق قول أحد من الأئمة ، بل لا بد أن تكون – أي مسائل الفقه الذي اجتهد فيها وخالف فيها مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله – موافقة لأحد المذاهب الأخرى حرصًا منه على هذه المسألة ، ولهذا لما قيل له رحمه الله : إنك لا تلتزم بالمذهب . قال في رسالة : وأكثر ما في المنتهى والإقناع – يعنى من كتب المذهب الحنبلى – مخالف لمذهب أحمد أو لنص أحمد وقوله .

ولما شنعوا عليه بأنه يخرج عن المذاهب أَلَّف رسالة “آداب المشي إلى الصلاة” انتزعها من كتاب “كشاف القناع عن متن الإقناع” انتزاعًا حَسَنًا ، وجعلها على أصول المذهب ، لأجل التعليم . وهذا من الاجتهاد ودعوة العلماء ، وهو ألا يلتزموا في كلامهم بمذهب معين ، وهذا الأمر أطلق للنفوس وللعلماء البعد عن التقليد والتبعية ، وأول سبيل يكون به الاتباع أن يكون المرء حريصًا على فهم كلام الله جل وعلا وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، أما إذا كان وِطَاب أحد الناس مليئًا بقول فلان وفلان ، وقلبه لا يوجد به إلا القليل من كلام الله جل وعلا وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – ، فهذا مما لا شك فيه مذموم ، فإن طالب العلم يجب عليه أن يحرص أكثر الحرص على حفظ القرآن ، وعلى حفظ السنة قدر الإمكان ، وبعد تحصيله منهما فإنه يطلع على كلام أهل العلم في فقه النصوص فتحصل عنده بعد ذلك المَلَكة .

 وقد بَيَّن الشيخ – رحمه الله – أمرًا مهمًا في مسألة الاجتهاد ، وهو أن الاجتهاد يكون في الفتوى وفي طلب العلم ، ولا يكون في القضاء ، ففي الفتوى تجد أنه لم يلزم الناس بمذهب معين ، لكنه في القضاء أوصى القضاة وأمرهم بأن يكون الحكم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى .

ما السبب التفرقة بين الفتوى و القضاء ؟

إن القضاء خصومة ، والفتوى فيما بين المرء وبين ربه جل وعلا ، والخصومات تقع متشابهة ، فلو قَضَى قاض لفلان من الناس في مسألة بمذهب معين ، وقضى قاض آخر في نفس المسألة في بلد آخر بمذهب آخر وهم تحت ولاية واحدة صار هناك اختلاف في القضاء ، هذا يقضي بحكم ، وهذا بآخر ، فُلانٌ يهدر دمه في مذهب ، ولا يهدر دمه في مذهب آخر ، أو تطلق زوجته منه في مذهب ، ولا تطلق منه زوجته في مذهب آخر ، فيحصل بهذا خلل كبير للناس ، فكان من السياسة الشرعية الحكيمة أن يجعل الناس في القضاء على مذهب الإمام أحمد بن حنبل أخذًا بالقاعدة : إن الاجتهاد لا ينقض باجتهاد . وهذا باتفاق العلماء ، حتى مَن هم على المذاهب الأخرى ، فعندهم أنه إذا حكم قاض من أي مذهب فإن حكمه يكون صحيحًا باعتبار ما حكم به من مذهب ؛ لأن الحكم المبني على الاجتهاد لا ينقض باجتهاد آخر ؛ لأنه حينئذ تكون الأمور فوضى .

ومن مظاهر دعوة الإمام – رحمه الله تعالى – أنه اعتنى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرًا ، فلأول مرة يوجد أهل الحسبة ، وهم النواب ، أو ما يسمونهم بالمطاوعة في ذلك الوقت ، يعنى الذين يأمرون الناس بطاعة الله جل وعلا ، أو في عُرْفنا الحاضر أعضاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

فرتب في كل بلد أهل حسبة يحتسبون وينكرون ، ويأمرون الناس بالمعروف وأداء الصلاة في الجماعات ، وينهون عن المنكر على أصول أهل السنة والجماعة ، وأرسل في ذلك الرسائل بأنه لا يجوز أن يُنْكَر منكر ويحدث بعد ذلك منكر أكبر منه ؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ، ودرء المفاسد وتقليلها . فقد يأتي أحد الناس ويقول : أريد أن أنكر منكرًا ويَحْدُث بإنكاره منكرٌ أكبر منه . فهذا مما لا يجوز ، فبقاء المنكر الأقل خير من أن يفضي إنكاره إلى ما هو أكبر منه .

وهناك قصة تُبَيِّن حكمة الشيخ – رحمه الله – في هذه المسألة قد كان هناك صراع وقتال بين قبيلتين ، فطلبهم الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود – رحمه الله تعالى – فأتوا ، فأصلح بينهم الإمام والشيخ محمد بن عبد الوهاب ، واصطلحوا ، وكفوا عن الغارات وعن القتال الذي بينهم ، وكان أحد شيخي القبيلتين في المسجد يصلي ، فلما أراد أن يسجد سقط من جيبه أنبوب شُرْب الدخان – أنبوب طويل يُحْشَى بمادة التبغ ، ثم بعد ذلك يشعل في أسفله ، أشبه بالغليون – وكان في ذلك الوقت يُعَزَّر من يشرب التبغ ، إذا وجده أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهم يعزرونه ، فسقط من هذا الرجل في المسجد ، والشيخ – رحمه الله – بجانبه يراه ، فلما فرغ من الصلاة أتى بعض الناس وطلاب العلم وبعض أهل الحسبة إلى الشيخ وقالوا : فلان معه كذا وكذا . فقال : ما رأينا شيئًا . فقالوا : كان بجانبك وسقط منه . فقال : ما رأيتُ شيئًا ، اتركوه . ونهرهم حتى تركوه ، فسكتوا عن المسألة وهم مندهشون ، فلما مر الزمان أوضح لهم أنه حدث صلح بين القبيلتين وكفوا عن القتال فإذا أنكرنا عليه مسألة شرب الدخان ربما استشاط غضبًا وعدل عن صلحه ورجع ، فسالت الدماء من جديد ، فهذا ليس من الشريعة .

 هذا من حكمته – رحمه الله – في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وثَمَّ عدة رسائل موجودة تبين أنه كان يوصي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحسبة كما أمر الله جل وعلا ؛ لأن الأمر والنهي من سِمة هذه الأمة ، قال تعالى : ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [ آل عمران : 104 ] . وقال – جل وعلا – : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [ آل عمران : 110 ] . فرتب ذلك ، وبَيَّن لهم درجات الإنكار شيئًا فشيئًا حتى صار لأول مرة ترتيب لأهل الحسبة في ذلك ، هذه سمة مهمة من السمات التي تميزت بها دعوة الإمام المصلح رحمه الله تعالى .

من السمات المهمة التي تميزت بها الدعوة أنه رتب – رحمه الله – ما أمر به إمام وقته الإمام محمد بن سعود ، وبعده الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود والأئمة من آل سعود بعد ذلك ، حيث رتبوا الوضع الإداري للإمارات في نجد ، فلأول مرة تكون الإدارة في الحكم وفي الجهات الشرعية ، وثَمَّ عدة رسائل تُبَيِّن ذلك ، موجودة ومحفوظة في التاريخ وفي كتاب الدرر السنية والرسائل والمسائل وغيرها ، رتبوا أن يكون أهل الحسبة مثلا يرجعون إلى القاضي ، والقاضي يرجع إلى الأمير ، والأمير إذا لم يستطع أن يحل المسألة فإنه يرجع إلى الدرعية – يعنى إلى الإمام – ثم بعد ذلك ينظر فيها الإمام ، ويستشير في ذلك الشيخ محمد بن عبد الوهاب . وهناك رسالة في هذا الأمر يقول لهم فيها : لا تستعجلوا وترفعوا إلينا كل ما يحصل عندكم ، بل راجعوا القاضي ، والقاضي يبحث مع الأمير ، فإن صلح الأمر واستقام ، وإلا فيرفع الأمير إلى الإمام ، وحينئذ ينظر في الأمر إن شاء الله .

وهذا الترتيب الإداري هو نواة لترتيب جديد لم تعهده المنطقة قبل ذلك .

وقد هيأ هذا أن تكون الإدارة إدارة الدولة في ذلك الحين إدارة منظمة وقوية ، ليس فيها خلل ، ولم يكن انهيار الدولة السعودية الأولى بسبب خلل في داخلها ، وإنما كان بظلم من العباد ، فثَمَّ ربط تاريخي ربطه المؤرخ الجبرتي في كتابه في التاريخ ونقله عنه الأستاذ محمود محمد شاكر في كتابه رسالة في الطريق إلى ثقافتنا ، ربط فيه ربطًا حسنًا بين بدء الحملة الفرنسية على مصر وبين الحملة المصرية أو التركية على الدرعية أو على الدولة السعودية الأولى ، استخلص المؤرخ الجبرتي والأستاذ محمود شاكر شيئا وهو أن الغرب علموا أن هذه الحركة تتميز بشيء وهو تخليص الناس من التقليد والتبعية والتصوف البدعي ونحو ذلك ، وأنها حركة تهيئ روح الجهاد عند الناس ، وإذا قامت في المسلمين روح الجهاد ، فإنه لا بد أن يكون توسع ، وبالتالي فإن هذا فيه خطر على مصالحهم .

 وقد قال بعض المستشرقين : لقد زرع ابن تيمية قنابل على طول العالم الإسلامي ، ثم أتى بعده ابن عبد الوهاب ففجرها . وهذه نظرة من مستشرق ؛ لأنهم كانوا يدرسون ويتأملون ، لا يأخذون بالظواهر ، بل يأخذون بالحقيقة ، فقد كانت الدعوة بعيدة عن التقليد ، دعوة مستندها الدليل ، دعوة تدعوا إلى إحقاق الحق ، دعوة إلى توحيد الله – جل جلاله – ، ولا بد من تحكيم الشريعة ولا بد من كذا وكذا ، والأمر بذلك والجهاد فيه ، فعند ذلك لا يكون هناك ولاء ولا موالاة مع الكفار ولا خضوع أو ترك للجهاد في سبيل الله – جل وعلا – ، لهذا تميزت الدعوة بأنها دعوة قامت بالجهاد ، لم يكن جهاد طلب ، وإنما كان جهادًا لأجل دحض المظاهر الشركية ، كانوا يراسلون أهل بلد معين : عندكم من المظاهر الشركية كذا وكذا . يرسل – رحمه الله تعالى – الرسائل ، حتى إنه أرسل رسائل للوالي العثماني ، وأرسل رسائل لملك المغرب في ذلك الوقت ، وأرسل رسائل لعدد من البلاد .

لقد أرسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام عبد العزيز رسائل كثيرة تبين حقيقة الدعوة ، ثم أتى الناس بعد ذلك وجَنَوْا عليها ، ونسبوا إلى الشيخ وإلى الدعوة أشياء تولى الله – جل وعلا – الدفاع عنها .

المقصود من ذلك أن الدعوة تميزت بهذه الميزة وهي أنها حررت المجتمع وأحيت فيه رُوحًا جديدة وقوة ونظرة للأشياء جديدة لم يكونوا يألفونها ، ولذلك حوربت ، وقضي على الدولة السعودية الأولى ، ثم قامت الدولة السعودية الثانية على أساس من الدعوة أيضا ، فكلا الدولتين استمسكتا بأصل دعوة الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – تلك الدعوة لم يأت صاحبها بمذهب يخصه بل قامت على أساس مَن سبقه من السلف الصالح – رضوان الله عليهم – ، ومن اطلع على كلامه رحمه الله في عدد من المسائل سيعلم أنه لم يخالف فيها المذاهب الأربعة وكان – رحمه الله – يقول : ما خالفت أحدًا من الأئمة الأربعة ، وإنما دعوت إلى ما دعا إليه الأئمة مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وغيرُهم من أئمة السلف في أصول الاعتقاد ، وفي الفروع ، فأنا على مذهب الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله – إلا ما خالف الدليل ؛ فإن كلام الله – جل وعلا – وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – أحق أن يطاع .

 وهذا أصل مهم يجب أن يُعلَم ، ومَن يسمون الدعوة بأنها دعوة وَهَّابيَّة أو حركة وهابية علىسبيل السخرية والتنقص منها مغالطون في ذلك ، فهي دعوة إلى توحيد الله أساسها الكتاب والسنة ، وهذه الافتراءات ليست في زمننا هذا فقط ، بل كانت في زمن الشيخ – رحمه الله – ففي كتاب “الدرر السنية في الرد على الوهابية” قالوا عنه – رحمه الله – : إن الظاهر من حاله أنه كان يدعى النبوة . وقيل عنه : إنه كان متزوجا من النساء بأكثر من أربع ، وكان يأمر من اتبعه أن يحلقوا رءوسهم عنده . وقد ذكر بعضهم في كتابٍ له وهو “الرد على الشيخ محمد بن عبد الوهاب” أنه جاء في الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « سيخرج في ثاني عشر قرنا في وادي بني حنيفة رجل كهيئة الثور لا يزال يلعق براطمه ([6]) ، يكثر في زمانه الهرج والمرج، يستحلون أموال المسلمين ويتخذونها بينهم متجراً، ويستحلون دماء المسلمين ويتخذونها بينهم مفخراً، وهي فتنة يغتر فيها الأرذول والسفل، تتجارى بينهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه » ([7]) . كل ذلك والإمام – رحمه الله – صابرٌ محتسبٌ ولا يلتفت إلى هذه الأقوال التي تتعرض إلى شخصه ، بل كان في رسائله مدافعًا عن الدين ، حتى إنه قيل له مرة : إنك تقول لو قدرت على القبة التي على قبر رسول الله – عليه الصلاة والسلام – لهدمتها ؟! فقال : جوابي أن أقول : سبحانك هذا بهتان عظيم .

وهذا يُنْبِئُ لدارس دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه – رحمه الله – كان في دعوته لا يريد إلا الحق ، وهو دعوة الناس إلى ما كان عليه السلف الصالح من عبادة الله وحده لا شريك له ، ومن عدم التعلق بالأموات والاستغاثة بالأولياء ، والاعتقاد فيمن ذهبوا إلى ربهم جل وعلا ، ونرجو لهم عنده المنزلة العليا والزلفى .

لقد كان الناس إلى وقت قريب يعتقدون في الأولياء والأموات وقد رأينا بعض الصور في مكة لها تعلق بهؤلاء الأموات وقد كان الحجاج يذهبون ويمكثون عند قبورهم للتبرك بآثارهم ، فهذا مما لا شك فيه ليس بمرضي شرعًا ، بل هو من الشرك المحقق الذي أخبر الله جل وعلا به ، ونهى عنه عباده ، وأمر المرسلين بالنهي عنه .

إن الحديث عن سيرة الإمام المصلح المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – عليه رحمة الله – يتنوع ويتشعب ، لكن نريد أن نشير إلى سمة مهمة من سمات تلك الدعوة ، وهي أن الدعوة تميزت عن كل الدعوات التي سبقتها بأنها دعوة ناصرتها دولة ، وأنها لم تكن دعوةً نظرية أو علمية فقط ، إنها دعوة استجابت لها دولة فقام لها كيانها الخاص ، ومن ثَمَّ أثرت في الجزيرة ، بل وأثرت في بلاد كثيرة ، حتى إن عددًا من الباحثين سواء من المسلمين أو غير المسلمين أرجعوا كثيرًا من الحركات الإصلاحية التي حدثت في العالم الإسلامي إلى التأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، فقالوا عن الشيخ محمد عبده المصري وجمال الدين الأفغاني : إنهما ممن تأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب . وقالوا : إن السنوسي الليبي ممن تأثر بدعوته أيضًا . وكذلك المهدي في السودان ممن تأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب . . . إلخ .

وإن كانت بعض تلك الحركات الإصلاحية لا يمكن أن توصف بأنها دعوات سلفية تمامًا ، لَكِن الخلاصة أن الإمام محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله تعالى – كان له الأثر في ظهور تلك الحركات الإصلاحية في العالم الإسلامي ، لقد سَنَّ سُنَّةً حسنةً كان لها الخير الكبير في الجزيرة وفي وغيرها من مدن الجزيرة ، ففي مكة في زمن الشريف غالب – رحمه الله – حدث اتفاق معروف أو وثيقة بين علماء الدعوة من الدرعية منهم الشيخ حمد بن معمر وجماعة من العلماء ، وعدد من علماء مكة على المذاهب الأربعة اتفقوا فيها على أُصول التوحيد ، وعلى أصل تلك الوثيقة أختام الجميع ، اتفقوا فيها على أن هذا هو الحق .

 واتفق على هذا عدد من علماء اليمن أيضًا منهم الأمير محمد الصنعاني ، صاحب سبل السلام ، وصاحب رسالة تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد ، وصاحب القصيدة الدالية المشهورة المعروفة في مدح الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وكذلك الشيخ الشوكاني وعدد من العلماء .

 وكذلك اتفق على ذلك عدد من العلماء ممن تأثروا بالدعوة في جنوب الجزيرة في عسير والمخلاف السليماني ، وكذلك في الخليج والشام ومصر وغيرها من البلدان .

إن الدعوة – بلا شك – كان لها الأثر الكبير في بلدان العالم الإسلامي كما أسلفنا وهذا بفضل الله جل وعلا أولاً وآخرًا ، ثم بمساندة الأئمة من آل سعود الذين أيدوا هذه الدعوة .

 إذا نظرنا إلى الدعوات السالفة التي قامت أيدي العلماء السابقين لوجدنا أنها دعوات لم يتم لها التمكين ؛ لأنه لم يكن يساند دعوتهم سيف وسنان ، فمثلا دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية الذي هو أعلم وأفقه وأكثر اجتهادًا من الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يكن لدعوته من التأثير العام والفعلي في بلده كما كان لدعوة الشيخ محمد رحمه الله ، لقد مات الإمام ابن تيمية – رحمه الله – ولا يزال أثر التبرك بالقبور وتلك المظاهر الشركية موجود ، وكذلك أثناء مكوثه في مصر لم يستطع أن يخلص الناس من تلك المعتقدات ؛ لكثرة المناوئين له ولدعوته من أهل الباطل من المتصوفة وغيرهم ؛ ولأن السلطان لم يكن يناصره ، بل كان ضده ، فسجن في الشام ، وسجن في مصر ومات – رحمه الله – في سجن القلعة .

وهناك عدد من العلماء الذين لهم مؤلفات وآثار علمية ولهم معرفة بالسنة وعلم بالتوحيد تجد أثرهم الإصلاحي العام كان قليلاً محصورًا في طلبة العلم الذين تأثروا بهم أو بمصنفاتهم ، أما دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب كان لها الأثر في عدد من البلاد حتى وُجِد منهج تلك الدعوة يدرس في أقصى البلدان وانتشر بها تدريس السنة والتوحيد والدعوة إلى نبذ الشرك والخرافة وأنواع البدع والمحدثات .

ومن السمات البارزة أيضا لهذه الدعوة أن الدعوة طَبَّقت ما كان من سيرة النبي – صلى الله عليه وسلم – ، ومن ذلك أن النبي – صلى الله عليه وسلم – إنما قَوِي لَمَّا هَاجَر إلى المدينة ، وعاهده الأنصار في بيعة العقبة الأولى والثانية بأن ينصروه ويؤيدوه ، وأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لن يستبدل بهم أحدًا ، حيث قالوا : هل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟! فتبسم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ، ثم قال : « بَلِ الدَّمَ الدَّمَ ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ ، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّى ، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ » ( [8] ) . وبقي في المدينة عليه الصلاة والسلام لأنها دار هجرته ولأن أهلها أهل نصرة دعوته .

إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما اتفق مع الإمام محمد بن سعود أمير الدرعية إذ ذاك قال له الأمير محمد : أخشى أن تترك البلد بعد أن يُظهر الله هذه الدعوة . فقال له – وذلك مدون في كتب السير – نفس الكلمة التي قالها إمامه وقدوته محمد بن عبد الله – عليه الصلاة والسلام – ، لقد قال تلك الكلمة في وقتٍ الأمرُ فيه شديد ، قد لا يستحضر المرء تفاصيل السيرة ، لكنه رد عليه قائلا : بل الدم الدم ، والهدم الهدم . ومكث – رحمه الله – في الدرعية حتى توفاه الله – جل وعلا فيها – ، وهذا نأخذ منه درسًا مهمًّا وهو أنه لا بد لكل مصلح ومخلِص لله – جل وعلا – ولهذا الدين أن يضع يده في يد مَن يساند دعوته . وها نحن نجني ثمار تلك الدعوة من الخير الوفير والعلم النافع والعقيدة الصالحة وتحقيق التوحيد ونبذ الخرافة والشرك ، كل ذلك راجع إلى فضل الله ثم بما قام به الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن – رحمه الله – في نشر هذه الدعوة في الداخل والخارج واستقطاب من هم على الدعوة من السلفيين في أماكن مختلفة ما حصل به الخير الكثير .

هذه سمات متفرقة لهذه الدعوة المباركة ، ولا شك أن حديثنا عنها قاصر ، فالكلام عنها يطول لكن ذكرنا ملامح عامة عن سيرته رحمه الله ليكون القارئ على دراية عامة بحياته ودعوته ولكي نفتح الباب لمن أراد أن يتعرف أكثر على سيرة ذلك الإمام المصلح ، وعلى أثر تلك الدعوة والدولة على الناس في هذه البلاد وخارجها .

******************

الأسئلة :

سؤال :

 نرجو إلقاء الضوء على الجانب العلمي من حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – وخاصة في علوم الحديث والفقه وعلوم الآلة والتفسير ؟

جواب :

إن الجانب العلمي للشيخ محمد بن عبد الوهاب يتميز بعدة أمور :

1- الطلب على المشايخ .

2- سلاسل الأسانيد التي أُجيز من خلالها في عدد من الكتب .

3- مؤلفاته المتعلقة بكثير من الموضوعات التي كان عليها المسلمون إذا ذاك .

أما بالنسبة للحديث فإنه أخذ عن علماء الحرمين ، وأجيز بالكتب الستة وغيرها ، وهذا مذكور في الكتب التي ترجمت له ، مثل تاريخ نجد لابن غنام رحمه الله ، أو تاريخ نجد لابن بشر ، أو المقامات للشيخ عبد الرحمن بن حسن وغيرها من كتب التراجم .

لقد كان – رحمه الله – حريصًا على تحصيل كتب السنة ، فحصل كثيرًا منها ودرسها ، وأكثر من الاستدلال بها ، وله عدد من المؤلفات المتعلقة بالسنة ، فله انتخابات من كتب السنة فيما يتعلق بالتوحيد ، وله انتخابات من السنة في الفتن ، وكذلك في الفقه ، له مجموع في الأحكام يقع في أربعة مجلدات مستمد من الأحاديث نقل فيه من السنة ، وهو انتخاب حسن ومتميز هذا من حيث علم الحديث .

أما من جهة الفقه فإن دراسته على أبيه الشيخ عبد الوهاب وعمه الشيخ إبراهيم بن سليمان كانت في الفقه الحنبلي ، فقد درسه دراسة تامة ، ولهذا ألف فيه مؤلفات هي في غاية العناية على اختصارها ، مثل اختصاره للإنصاف والشرح الكبير ، وجعل مختصر الإنصاف والشرح الكبير في باب واحد واختصر الروايات والأقوال المختلفة وأقوال السلف والخلاف العالي والنازل في مكان واحد .

 وفي الفقه الحنبلي له عدة رسائل ، وله كتب في ذلك مثل : “آداب المشي إلى الصلاة” ، وغير ذلك .

 ولقد اهتم – رحمه الله – كثيرًا بالسنة العامة ، فاختصر كتاب ابن القيم “زاد المعاد” ولم تكن كتب السنة متوفرة إذا ذاك كتوفرها في زمننا هذا ، لذلك قام رحمه الله باختصارها لتكون أيسر في نسخها وتوزيعها على الناس في البلاد وعلى طلبة العلم ، وهذا الاختصار يُنْبِئ عن ملكة ، فهو يدل على قوة علمية لصاحبه .

وفتاوى الشيخ – رحمه الله – موجودة تدل على عمقه في علم الحديث وعلى عمقه في علم الفقه ، فمثلاً في أحد الرسائل التي بعث بها إليه بعض العلماء مكتوب فيها : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : « اطلبوا العلم ولو في الصين » ([9]) . فعقب عليه الشيخ – رحمه الله – بقوله : ما ينبغي للمرء أن يتجاسر ويجزم بنسبة كلامٍ إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهو لا يعرف صحته ، وإذا كان لا بد قائلا فليقل : وفي الحديث ، أو يُرْوَى في الحديث . أو نحوه هذه العبارة .

المقصود أن ملكة الشيخ العلمية متنوعة ، فقد أخذ عن علماء مكة والمدينة كما ذكرنا سابقا ، وأخذ كذلك عن علماء البصرة ، وعلماء الأحساء وعلماء نجد وغيرهم حتى أصبح واسع العلم متمكنًا .

سؤال :

ما حكم من يُبْغِضُ هذا الشيخ المجدد – رحمه الله – ويقول : إنه لا يحب الرسول – صلى الله عليه وسلم – ويُنَفِّرُ منه ؛ لأنه يحذر من إقامة الموالد ؟! وما حكم من يتهم أتباع هذا الشيخ بأنهم وهابيون؟

جواب :

مسألة الوهابية ليست تهمة ، فإن كان الذي يتبع النبي محمدا – صلى الله عليه وسلم – يسمى وَهَّابيًّا فأنا أقر بأني وهَّابي .

وكما قال الشافعي ([10]) :

إن كان رفضًا حب آل محمدٍ

 

فليشهد الثقلان أني رافضي

إن محبة الشيخ رحمه الله للنبي – صلى الله عليه وسلم – أعظم ما تكون المحبة ؛ لأنها محبة قوليه واعتقاديه وعملية ، فمحبته القولية : أنه اهتم بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وحفظ الحديث ودرسه ودعا إلى الصلاة عليه – عليه الصلاة والسلام – في كل مكان .

قيل لأحد أتباع الدعوة السلفية : إن محمد بن عبد الوهاب لم يكن يحب آل البيت . فقال له وكان ذكيًّا : ما اسم أولادك ؟ فعدد أسماءً مختلفة ، فقال له : أتدري ما أسماء أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ؟ أسماء أولاده عَلِيّ ، وعبد الله ، والحسن ، والحسين ، وله ابنتان ، واحدة اسمها فاطمة ، والثانية اسمها سارة .

 من شدة محبته وتعلقه بآل البيت يُسمي أولاده بأسمائهم ، فيراهم يتحركون أمامه ويذكرونه بعلي بن أبي طالب والحسن والحسين – رضي الله عنهم – ، فهذا من الحب العملي لم يختر الأسماء الشائعة في نجد إذا ذاك ولم يسم باسم أبيه عبد الوهاب بل سمى أبناءه بأسماء آل البيت وأسماء بعض الأنبياء ، فله ولد اسمه إبراهيم على اسم خليل الله إبراهيم .

 ومن اطلع على كتاباته التي بيده – رحمه الله – ورسائله التي بخطه يرى الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – كلما جاء ذِكْرُه ، فكان يكتبها بخط كبير وواضح ، فلم يكن كسائر المؤلفين يوردها بخط صغير لا تكاد تقرأ ، وهذا مشاهد في رسائله وفي الصكوك والوثائق التي كان يكتبها – رحمه الله تعالى – .

ودليل محبته للرسول أنه دعا الناس إلى سنته – صلى الله عليه وسلم – ، فإذا كان اتباع الحبيب عليه الصلاة والسلام ليس دليلا على محبته ، فكيف يكون دليل المحبة ؟ والله – جل وعلا – يقول : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [ آل عمران : 31 ] فشرط محبة النبي – صلى الله عليه وسلم – اتباعه فيما يأمر وينهى ، وشرط محبته أن تعظم سنته ، وأن يصلى عليه في كل مجلس يذكر اسمه الشريف فيه – عليه الصلاة والسلام – ، لكن ما يحدث من هذه البدع وتلك المحدثات الذي نهى عنها – عليه الصلاة والسلام – حيث قال : « فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي ، فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي ، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ ، تَمَسَّكُوا بِهَا ، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ » ( [11] ) .

فهذه الموالد التي تقام والاحتفالات بها كثير من المحدثات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يفعلها أحد من السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ، بل لم تكن في عهد الأمويين والعباسيين ، وإنما ابتدعها الفاطميون من الدولة العُبيدية الإسماعيلية المعروفة ، ثم انتشر ذلك في الناس منذ ذلك الزمان ، واستحسنه عدد من العلماء ، والعلماء يصيبون ويخطئون ، وما استحسنه هؤلاء العلماء ليس كالذي نراه اليوم في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي من الأدعية الشركية والاستغاثات مما يُجْزَم بأنه من البدع المغلظة في الشريعة ، وقد يصل – كما في بعض الأقوال إذا كان فيه استغاثة بالأموات – إلى الشرك الأكبر عياذًا بالله .

فالواجب علينا محبة ذلك الشيخ الجليل ؛ لأنه أحب الحبيب محمدًا صلى الله عليه وسلم ، ومن يحب النبي – صلى الله عليه وسلم – ويقتدي به في أقواله وأفعاله فنحن نحبه لمحبته رسول الله – صلى الله عليه وسلم – .

وقد قال أحد علماء مصر ممن درس في الرياض في كلية الشريعة : إننا في مصر نحب النبي – صلى الله عليه وسلم – بالقول ، وأنتم تحبونه بالقول والعمل ، فأنتم حريصون على تطبيق سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ، تفعلون ما أمر به النبي – صلى الله عليه وسلم – ، وتتركون ما نهى عنه . وهذا نوع من المحبة العملية والاعتقادية التي تميزت بها هذه الدعوة ، رضي الله عن صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ورحم الله الأئمة المجددين .

سؤال :

 نأمل أن تطبع الوزارة مجموعة الشيخ محمد بن عبد الوهاب المطبوعة سابقًا في جامعة الإمام وتوزعها على نطاق واسع .

جواب :

هذا إن شاء الله رأي حسن ، لكن ينبغي أن يُنتبه إلى أن هناك عدة رسائل ليست للشيخ محمد بن عبد الوهاب وإنما وجدت بخطه ، فنسبت إليه ، وهو رحمه الله كأي طالب علم ربما ينقل أشياء من بعض الكتب ، أو يختصر بعض الكتب لنفسه فليس هذا من قبيل التأليف ، فما أنقله أنا من الكتاب الفلاني لنفسي حتى استحضره في وقت الطلب لا يُعَدُّ تأليفًا ، من هذه الرسائل رسالة تسمى “رسالة أحكام تمني الموت” وأصل هذه الرسالة موجود رأيته بنفسي بخط الشيخ ، موجودة في جامعة لايدن بهولندا ، وهي ورقة واحدة ، كتب الشيخ عليها أحكام تمني الموت ، ونقل الأحكام الفقهية ، وبعد هذه الورقة أوراق فيها ذكر أحاديث نقلها من كتاب للسيوطي اسمه “أحوال القبور” اختصرها ، فلا يعد هذا من قبيل التأليف .

سؤال :

 ما القول في الذين يخوضون في مجالسهم في أعراض العلماء والتنقيص منهم أو الخوض في الأمراء ؟

جواب :

يجب النصيحة لنفسي وللجميع بتقوى الله جل وعلا ؛ لأن كل إنسان سيحاسب على قوله وعمله ، والذي يقع في العلماء الراسخين ومن لهم قدم صدق في الأمة ، فإنه من الظالمين لأنفسهم ، كذلك الذي يقع فيمن هم من أنصار الدعوة وحماتها ، يكون ظالما لنفسه ؛ وهذا من باب الغيبة ، والغيبة محرمة : ﴿ وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [ الحجرات : 12 ]

وقد قال جمع من أهل العلم : إن الغيبة محرمة ويغلظ تحريمها بغلظ شأن المغتاب ، فليست غيبة الصحابة أو التنقص منهم كغيبة التابعين والتنقص منهم ، أو كغيبة الأئمة والتنقص منهم ، فوصيتي للجميع بتقوى الله جل وعلا ، وأنه يجب التعاون على البر والتقوى مع العلماء والأمراء والولاة ، يجب على الجميع أن يحفظوا أنفسهم ويصونوا ألسنتهم عن كل ما يسيء إلى الآخرين ؛ فإن في ذلك مضيعة للحسنات ، وكما جاء في الحديث أنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ : « أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ » . قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ . فَقَالَ : « إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَقَذَفَ هَذَا ، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِى النَّارِ » ( [12] ) .

وعند بعض العلماء تعد الغيبة من الكبائر ؛ لأن الله جل وعلا جعلها كأكل الميت قال : ﴿ وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ﴾ [ الحجرات : 12 ] .

 وأكل لحم الميت من الإنسان كبيرة ، فاستدلوا على أن الغيبة من الكبائر بهذه الآية .

 واعلم أن الغيبة ليست خاصة بذكر مثالب المرء على وجه الخطإ ، فهذا من البهتان ، وإنما الغيبة ذكر أخيك المسلم بما يكره حتى وإن كان على وجه الصواب ، وقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حيث قال : « أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ » . قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : « ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ » . قِيلَ : أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟! قَالَ : « إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ » ( [13] ) .

فنصيحتي لمثل هؤلاء أن ينتهوا عن مثل هذه الأمور ، وأن يسعوا إلى إصلاح عملهم وعلمهم ، وأن يدعوا إلى الله جل وعلا ، فالمرء إذا كان لديه عمل ودعوة ، فإن لديه ما يشغله عن مثل هذه الأمور التي لا طائل منها سوى غضب المولى تبارك وتعالى .

 



( [1] ) أخرجه أبو داود ( 4/109 ، رقم 4291 ) ، والبيهقي فى المعرفة ( 1/208 ، رقم 422 ) . والحاكم ( 4/567 ، رقم 8592 ) ، والخطيب ( 2/61 ) ، والديلمي ( 1/148 ، رقم 532 ) . قال المناوي ( 2/282 ) : قال الزين العراقى وغيره : سنده صحيح .

[2] ) )  أخرجه البخاري ( 6/2667 ، رقم 6881 ) ، ومسلم ( 3/1523 ، رقم 1921 ) .

( [3] ) جمع وَطْب ، وهو سقاء اللبن . والمعنى : ملأ أوعيته من العلم .

( [4] )  أخرجه ابن ماجه ( 2/1322 ، رقم 3993 ) قال البوصيرى ( 4/180 ) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات .

( [5] ) أخرجه أحمد ( 2/160 ، رقم 6494 ) ، وأبو داود ( 4/285 ، رقم 4941 ) ، والترمذى ( 4/323 ، رقم 1924 ) قال : حسن صحيح .

([6])    قال في لسان العرب ( 12 / 47 ):  « البِرْطامُ والبُراطِمُ الرجل الضَّخْم الشَّفَة وشَفةٌ بِرْطامٌ ضخمة » .

([7])    غير محفوظ عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وبعد بحث وتقص يمكننا القول أنه غير موجود في شيء من كتب السنة لا الصحاح ولا السنن ولا المستدركات ولا المسانيد ولا المراسيل ولا المستخرجات.

( [8] )  أخرجه أحمد ( 33/391 ، رقم 16213 ) .

([9])    قال العجلوني في كشف الخفاء (2/ 44): « قال ابن عبد البر أنه يروى عن أنس من وجوه كثيرة كلها معلولة لا حجة في شئ منها عند أهل العلم بالحديث من جهة الإسناد . وقال البزار أنه روي عن أنس بأسانيد واهية ، قال وأحسنها ما رواه إبراهيم بن سلام بسنده عن أنس مرفوعا ، ومع ذلك فإبراهيم بن سلام لا يعلم روي عنه إلا أبو عاصم » .

([10])  ديوان الشافعي ( ص 89 ) .

( [11] ) أخرجه أحمد ( 4/126 ، رقم 17184 ) ، وأبو داود ( 4/200 ، رقم 4607 ) ، والترمذي ( 5/44 ، رقم 2676 ) ، وابن ماجه ( 1/15 ، رقم 42 ) وقال الترمذي : حسن صحيح .

( [12] ) أخرجه مسلم ( 4/1997 ، رقم 2581 ) .

( [13] ) أخرجه مسلم ( 4/2001 ، رقم 2589 ) .

شاركها مع أصدقاءك