بواسطة :
الزيارات : 1٬909 مشاهدة
  • إسم الملف : الاعتصام بالكتاب والسنة
  • عدد الزيارات : 1٬909 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

المقدمة :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله الذي برحمته اهتدى المهتدون ، وبِعَدْله ضل الضالون ، لا يُسأل عما يفعل ، وهم يُسألون ، الحمد لله الذي أضلَّ وهدى ، وأسعد وأشقى ، وأمات وأحيا ، وأغْنَى وأقْنَى([1]) ، سبحانه من إله حكيم عليم قادر ، أجرى حكمته البالغة في كونه ، وفي شرعه بما حارت معه الألباب ، فسبحان الله وبحمده ، سبحان الله العظيم .

وأشهد أن لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله ، وصفيّه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين ، أما بعد:

فإن تحية الإسلام هي السلام ، والسلام كالعهد بين المسلم والمسلم ، أن لا يأتيه منه إلا ما فيه السلام له ، في ذاته وماله وعرضه ، فمن ألقى السلام فقد عاهد أخاه ألا يأتيه منه إلا ما فيه السلامة له ، ومن خالف ذلك ، في عرض ، أو مال ، أو ذات ، أو نحو ذلك ، فقد خالف مُقتضى هذا السلام ، الذي هو من علامات المؤمنين الفارقة بينهم وبين الكافرين في الدنيا ، وهو تحية أهل الجنة يوم القيامة .

ثم إني أسأل الله  – جل وعلا –  أن يجعلنا من المنيبين إليه حقا ، ومِمن اجتهدوا في النجاة من الغفلة ، والنجاة من الفتن والابتلاء ، فالله  – جل وعلا –  قد أقام الحياة على الابتلاء ، بل أقام الموت أيضا على الابتلاء ، قال  – تعالى –  ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  ﴾ [ الملك: 2 ] ، وقال: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ  ﴾ [ الأنبياء: 35 ] .

فهذه الحياة عصيبة ، وليست بالسهلة اليسيرة ، فبعدها إما نعيم سرمدي أبدي ، وإما إلى عذاب سرمدي أبدي .

فأهل الإيمان والإسلام ، مصيرهم إلى الجنة ، وأهل النفاق والكفر والشقاق ، مصيرهم إلى النار ، والعياذ بالله .

لا نجاة فيها إلا بالاعتصام بحبل الله

ولأجل عظمة هذا الابتلاء ، بعث الله  – جل وعلا –  رسله ، مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة ، فجاءت الرسل ، وبينوا للناس أنه لا نجاة إلا بالاعتصام بحبل الله المتين ، وصراطه المستقيم ، الذي هو دين الإسلام العام .

فالمسألة عظيمة ، ولهذا أجمعت الرسل بوحي الله  – جل وعلا –  لهم أن هذه الحياة فيها الابتلاء والفتنة ، ولا نجاة فيها إلا بالاعتصام بحبل الله  – جل وعلا –  فكل رسول أمر بالاعتصام بحبل الله  – جل وعلا –  وحبل الله: هو كتابه المنزل ، ورسوله الذي أمر باتباعه ، وحبل الله: هو صراطه المستقيم الذي يكون في كل زمان ، وفي كل مكان ، قال  –  تعالى –  ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ [ آل عمران: 101 ] .

كيف نبتعد عن الاختلاف في الدين

وقد اخترت الكلام عن هذا الأمر ، لأنه جواب عن سؤال ، وهو: ما المخرج من الفتنة ؟ ما المخرج من التفرق ؟ ما المخرج من الاختلاف في الدين ، وبين الناس ؟ ما المخرج من كل ما يسوء الناس ؟

والجواب: أن المخرج من هذا كله هو الاعتصام بالكتاب والسنة ، ولهذا لو كرر هذا الموضوع في كل مجلس ، وفي كل منتدًى ، وفي كل جريدة ، أو مجلة ، لم يكن كثيرا ، لأنه به تحصل البصيرة ، ويحصل الثبات ، ولهذا أمر الله  – جل وعلا –  عباده بالاعتصام بحبله  – جل وعلا –  فقال  – سبحانه –  ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا  ﴾ [ آل عمران: 103 ] .

وفي هذه الآية  – التي هي الأصل في هذا الباب –  أمَر الله  – جل وعلا –  أن يعتصم المسلمون بحبله ، وحبل الله هو الطريق الموصل إليه  – سبحانه –  وهذا من جهة التمثيل ، فإن الحبل هو ما يكون متدليا ، يوصل بين شيئين . والله  – سبحانه –  أمرنا بالاعتصام بحبْله ، يعني أن نستمسك بهذا الحبل ، كما يستمسك الغريق إذا وجد ذلك الحبل ، وهو يخشى الغرق .

الاعتصام في الكتاب والسنة

ولفظة الاعتصام في الكتاب والسنة ، جاءت على الحقيقة اللغوية ، فهي غير منقولة من الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة الشرعية ، وهي أن لفظ الاعتصام راجع إلى ما تحصل لك به العصمة ، إلى ما يحصل لك به النجاة ، ودفع الشر عنك ، ولهذا قال  – سبحانه –  ﴿ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ  ﴾ [ هود: 43 ] ، وقال سبحانه ﴿ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً  ﴾ [ الأحزاب: 17 ] .

وهذه الآيات وغيرها مما فيه لفظ  ” الاعتصام والعصمة ”  ، ينبغي أن تُتأمل من جهة أن لفظ الاعتصام فيه تحقيق ما به العصمة ، ولاحظ في الآية أن الله  – جل وعلا –  أمر بالاعتصام بحبله ، وأضاف الحبل إلى نفسه الجليلة  – جل وعلا –  فقال ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ ، وحبل الله هو صراطه المستقيم ، وهو القرآن ، وهو السنة ، يعني أحاديث النبي  – عليه الصلاة والسلام –  وهو طريق المؤمنين ، لأن هذا من الألفاظ التي تختلف عند اجتماعها ، وتجتمع عند افتراقها ، كلفظ  ” البِرّ ”  في القرآن ، ولفظ  ” التقوى ”  ، ولفظ  ” الصراط المستقيم ”  ، و ” حبل الله ”  ، وأشباه ذلك ، ومعناها: السير على كتاب الله  – جل وعلا –  وسنة رسوله الله  – صلى الله عليه وسلم –  .

فرجع ذلك إلى قوله  – جل وعلا –  ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ  ﴾ [ الفاتحة: 6 ] الذي هو القرآن ، وسنة النبي  – عليه الصلاة والسلام –  ولأجل أن الاعتصام تعظُم الحاجة إليه عند حصول الفرقة ، قرن الله  – جل وعلا –  في آية آل عمران ما بين الأمر بالاعتصام بحبله ، والنهي عن التفرق ، فقال  – سبحانه –  ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا  ﴾ [ آل عمران: 103 ] .

والتفرق الذي نُهيَ عنه هنا عامّ ، لأنه من المتقرر في علم الأصول: أن النكِرة في سياق النَّهْي تَعُمّ ، والفعل المضارع ﴿ تَفَرَّقُوا ﴾ مُنْسَبِك مِن حَدَث وزمن ، والحدث نَكِرة ، فصار الفعل المضارع في سياق النهي ، فتَعُمّ أنواع التفرق .

أنواع التفرق

فنهى الله  – جل وعلا –  بعد الأمر بالاعتصام بحبله ، عن التفرق ، والتفرق في الكتاب والسنة نوعان: تفرق في الدين ، وتفرق في الأبدان ، ولهذا فسر أهل العلم  ” الجماعة ”  في قولهم:  ” أهل السنة والجماعة ”  ، أو الجماعة التي أُمروا بها ، فسروها بعكس التفرق ، ففُسّرت الجماعة بأنها الاجتماع في الدين ، والاجتماع في الأبدان ، لأن التفرق الذي نُهي عنه في الكتاب والسنة ، تَفَرّق في الدين ، وتفرق في الأبدان ، قال  – جل وعلا –  في هذه الآية ﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ ، فبهذا التمثيل ظهر أحد نوعي التفرق ، وهو التفرق بالأبدان ، تفرق النفوس ، تفرق المعاداة بين أهل الملة الواحدة ، إذ قال ﴿ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ﴾ .

والنوع الثاني من التفرق لم يُذكر في هذه الآية تنصيصًا ، وإن كان داخلًا في عموم قوله ﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾ إلا أنه ذُكر في آيات أُخَر ، كقول الله  – جل وعلا –  ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ [ الشورى: 13 ] .

فإذًا الاعتصام بالكتاب والسنة مُخرج من التفرق في الدين ، ومَخرج ومَنجاة من التفرق في الأبدان ، يعني أن الاعتصام بالكتاب والسنة هو الذي شرعه الله  – جل وعلا –  لجميع الأنبياء ، سُنة كل نبي في أمته ، لأنه قال ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ  ﴾ [ الشورى: 13 ] .

ومن المتقرر عند أهل العلم من أهل السنة والجماعة أن الذي أُوحي إلى النبي  – عليه الصلاة والسلام –  نوعان: القرآن ، والسنة ، فالقرآن وحي الله  – جل جلاله –  والسنة وحي أيضا ، أُنزل على محمد  – عليه الصلاة والسلام –  في أحوال مختلفة .

الاعتصام بالكتاب والسنة هو الدين

قال الله بعدها ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ﴾ ، يعني الذي أوحي إليك ، وأُحي إلى من قبلك ﴿ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ ، فحصل من ذلك قاعدة عظيمة ، وهي أن الاعتصام بالكتاب والسنة هو الدين ، والاعتصام بالكتاب والسنة أعظم فرائض الإسلام ، وأعظم أركان الإسلام ، لأن حقيقته تحقيق الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وقد قال  – جل وعلا –  ﴿ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ﴾ ، فالتفرق في الدين ، والتفرق في الأبدان يُضادهما الاجتماع ، يعني الاجتماع في الدين ، والاجتماع في الأبدان .

ومن العجائب الكونية ، التي أجراها الله  – جل وعلا –  في كونه بحكمته ، أن هناك تلازما بين الاجتماع في الدين ، والاجتماع في الأبدان ، وأن ثَم تلازما بين التفرق في الدين ، والتفرق في الأبدان ، فإذا حقق العباد الأول ، وهو الاجتماع في الدين ، حُقق لهم التوفيق في الاجتماع في الأبدان ، والله  – جل وعلا –  هو الذي يؤلف بين القلوب ، كما قال  – سبحانه –  ﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ  ﴾ [ الأنفال: 63 ] .

فإذا استمسك العباد بالاجتماع في الدين ، وعدم التفرق فيه ، منَّ الله عليهم ووفقهم وسدّدهم إلى الاجتماع في الأبدان ، بألا يكون للشيطان إليهم مدخل .

ولهذا عوقب النصارى بعقاب عظيم ، وهو أنهم ضربت بينهم الفرقة والخلاف ، كما قال  – سبحانه –  في سورة المائدة ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ  ﴾ [ المائدة: 14 ] يعني بالاعتصام بما أنزل الله  – جل وعلا –  وبما جاءهم به عيسى  – عليه السلام –  ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ  ﴾ [ المائدة: 14 ] ، و ” نَسوا ”  يعني تركوا ، فالنسيان هنا بمعنى الترك ، يعني تركوا نصيبا مما ذُكِّروا به مع علمهم ، فهم يعلمون ، ولكنهم تركوا وفرطوا ، فعاقبهم الله بما قال في كتابه ﴿ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ  ﴾ [ المائدة: 14 ] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية([2]): فأخبر أن نِسيانهم حظًّا مما ذكروا به  – وهو ترك العمل ببعض ما أمروا به –  كان سببا لإغراء العداوة والبغضاء بينهم ، وهكذا هو الواقع في أهل ملتنا ، مثلما نجده بين الطوائف المتنازعة في أصول دينها ، وكثير من فروعه ، من أهل الأصول والفروع ، ومثلما نجده بين العلماء وبين العباد ، ممن يغلب عليه الموسوية ، أو العيسوية ، حتى يبقى فيهم شبه من الأمتين اللتين قالت كل واحدة: ليست الأخرى على شيء . كما نجد المتفقه المتمسك من الدين بالأعمال الظاهرة ، والمتصوف المتمسك منه بأعمال باطنة ، كل منهما ينفي طريقة الآخر ، ويدعي أنه ليس من أهل الدين ، أو يعرض عنه إعراض مَن لا يعده من الدين ، فتقع بينهما العداوة والبغضاء ، وذلك أن الله أمر بطهارة القلب ، وأمر بطهارة البدن ، وكلا الطهارتين من الدين الذي أمر الله به وأوجبه .

والإمام مالك  – رحمه الله –  كان ذات مرة في المسجد ، يروي أحاديث النبي  – عليه الصلاة والسلام –  وكان عنده يحيى بن يحيى الليثي ، راوي الموطإ عنه ، وقد رحل إلى مالك وهو صغير ، وسمع منه ، وتفقه بالمدنيين والمصريين ، من أكابر أصحاب مالك ، وكان مالك يعجبه سمته وعقله ، كان يومًا عند مالك في جملة أصحابه ، إذ قال قائل: قد حضر الفيل . فخرج أصحاب مالك لينظروا إليه غيره ، فقال له مالك: ما لك لم تخرج فترى الفيل ؟ لأنه لا يكون بالأندلس ، فقال له يحيى: إنما جئت من بلدي لأنظر إليك ، وأتعلم من هديك وعلمك ، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل . فأُعجب به مالك ، وسماه عاقل أهل الأندلس ، وانتهت إليه الرياسة في العلم بالأندلس([3]) .

وبهذا أثابه الله  – جل وعلا –  بأن الرواية المعتمدة التي تروى الآن  – في شرق الأرض وغربها –  من موطإ الإمام مالك ، هي رواية يحيى بن يحيى الليثي ، مع أنه من صغار طلبته ، وهناك رواياتٌ لمن هو أكبر منه لم يُكتب لها القبول .

وهذا الإمام مسلم  –  رحمه الله –  يروي في الصحيح من طريق يحيى بن يحيى الليثي .

وبهذا يمكن أن نستنتج قاعدة مهمة ، وهي: أنه لا تحصل فُرقة في الأبدان بعد الاجتماع إلا إذا فرَّق العباد الدين ، وتركوا بعض أوامر الله  – جل وعلا –  فلم يجتمعوا عليه ، ولو اجتمعوا عليه ، واعتصموا بحبل الله جميعا ، ولم يتفرقوا ، فإن الشيطان لن يجد إليهم سبيلا .

متى بدأ الخلاف في الأمة

ولهذا حدثت الفُرقة في عهد الصحابة  – رضوان الله عليهم –  لما ظهرت الخوارج في عهد عثمان ، وأدى في النهاية إلى مقتل عثمان  – رضي الله عنه –  وبدأت الفتن في الأمة ، لأن أناسًا كثيرين قد أتوا إلى المدينة ، وناصروا الخوارج ، إلى غير ذلك .

وهذا عبد الرَّحْمَن بن ملجم الْمرَادِي قَاتل عَليّ بن أبي طالب  – رضي الله عنه –  كان قَرَأَ الْقُرْآن على معاذ بن جبل ، وَكَانَ من العبَّاد ، وَقيل: إن عمر بن الخطاب  – رضي الله عنه –  كتب إلى عمرو بن العاص: أن قَرِّب إلي دار عبد الرحمن بن ملجم ليُعلم الناس الْقُرْآن وَالْفِقْه . فَوسَّعَ لَهُ مَكَان دَاره ، ثمَّ كَانَ من شيعَة عَليّ بن أبي طالب بِالْكُوفَةِ ، وشهد معه صفّين ، ثمَّ فعل ما فعل ، وهو عند الخوارج من أفضل الأمة([4]) .

فقد حصلت الفتنة ، لأنه لم يعتصم بنصوص الكتاب والسنة ، ولو اعتصم الناس بنصوص الكتاب والسنة عند الاختلاف ، فأخذوا بمحكم هذه النصوص ، لرجعوا إلى أمر بيّن واضح ، ولرجعوا إلى صراط مستقيم .

والله  – جل وعلا –  تركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها ، لا يزيغ عنها بعد النبي  – عليه الصلاة والسلام –  إلا هالك .

الاعتصام بالكتاب والسنة يؤدي إلى الاجتماع

فالاعتصام بالكتاب والسنة يؤدي إلى الاجتماع ، وعدم التفرق في الدين ، فلا نعتد بقول هؤلاء الذين فرقوا دينهم ، وكانوا شيعًا ، كل حزب بما لديهم فرحون ، بل نسعى إلى الاعتصام بالائتلاف ، والجماعة الواحدة .

إذا تبين ذلك فعلينا أن نرجع إلى تاريخ الأمة الطويل العجيب ، الذي بدأ فيه الانحراف ، وترك الاعتصام بالكتاب والسنة ، من ظهور الخوارج ، فأول ظهور للخوارج كان في عهد النبي  – عليه الصلاة والسلام –  فعن أبي سعيد الخدري  – رضي الله عنه –  قال: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  – صلى الله عليه وسلم –  وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ  – وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ –  فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  – صلى الله عليه وسلم – : « وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ » . فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ  – رضى الله عنه – : يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ  –  صلى الله عليه وسلم – : « دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا ، يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ »([5]) .

فقد حصل الافتراق في الأمة بترك الاعتصام بالكتاب والسنة ، فالخوارج يقولون: ما في القرآن نقبله ، وما جاء من الأحاديث عن هؤلاء الصحابة الذين نقاتلهم لا نقبله . ففرقوا دينهم ، إذ قبلوا بعضًا ، وتركوا بعضًا ، حتى فيما قبلوه من القرآن ، استدلوا بالمتشابه ، وتركوا المحكمات .

وخرجت المرجئة ، بالطريقة نفسها ، لم يعتصموا بالكتاب والسنة ، وخرجت القدرية ، وخرجت المعتزلة ، وخرج الجهمية ، وخرج غلاة الصوفية ، وخرج المتكلمون ، إلى آخر هذه الفرق ، فلما ظهرت هذه الفرق ، كان شعارهم: تحكيم العقل ، وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة .

من الأصول ترك العقل عند ورود النص

فإذًا من أصول الاعتصام بالكتاب والسنة ، وقواعده العظيمة: أن يُترك العقل عند وُرود النص ، فالعقل تابع للنص ، مُفسر له ، وذلك فيما يسوغ فيه الاجتهاد .

وأما أن يكون العقل حاكما على النص ، فهذا أول طرق الضلال ، كما هو الحال عند المتكلمين ، إذ يقولون: الدليل العقلي قاطع ، والدليل النقلي ظنيّ ، فلا نقدم الظني على القطعي .

وهذا باب من أبواب الضلال ، به قدموا العقليات  – بحسب أهوائهم –  على ما جاءت به النصوص ، من كلام الله  – جل وعلا –  وكلام نبيه  – صلى الله عليه وسلم –  .

فأهل الأهواء يقولون: المصلحة في كذا . وهم ليسوا من فقهاء الكتاب والسنة ، فيعارضون النصوص بالمصالح المتوَهَّمة ، كما قال قائلهم: حيثما وُجدت المصلحة ، فثَمّ شرع الله . يعني انظر أين توجد المصلحة ، فحيث وجدت المصلحة فثم الشريعة .

فجعل الشريعة تابعة للمصلحة التي يتوهمها هو ، مع أن الاعتصام الصحيح بالكتاب والسنة ، يقضي بأنه حيث وُجد النص من الكتاب والسنة ، أو حيث وجد الحكم الشرعي ، فثَم المصلحة ، وليس العكس .

وهذا من أصول الاعتصام بالكتاب والسنة أن المصالح تبع للنصوص ، لأن النصوص من الله  – جل وعلا –  ومن رسوله  – صلى الله عليه وسلم –  ولا أحد أعلم بالله وبخلقه من الله  – جل وعلا –  فهو  – سبحانه وتعالى –  العليم بالناس ، وبأدواء النفوس .

إذا تبين لك ذلك ، فتاريخ الأمة الطويل حصل فيه افتراق ، في أبواب كثيرة من أبواب الاعتقاد ، وهذا الافتراق في كل مسألة من مسائله راجع إلى ترك نص من النصوص ، لأن أمور العقيدة والتوحيد ، لا يجوز أن يظن ظانّ أن هذه الأمة قد تُركت من غير بيان ، في العقيدة والتوحيد ، بل هذا أصل الأصول ، فهذا العلم بالله  – جل وعلا –  هو أعظم العلوم وأنفعها ، هو العلم بكتاب الله  – جل وعلا –  وما جاء فيه ، من وصف الله  – سبحانه وتعالى –  وذكر الأحكام الشرعية ، وأمور الغيب ، إلى آخره .

ولهذا فقد ذكر ابن القيم  – رحمه الله –  أنفع أنواع العلوم ، فقال في نونيته المشهورة([6]):

والجهل داء قاتل وشفاؤه

 

أمران في التركيب متفقان

نصّ من القرآن ، أو من سُنةٍ

 

وطبيب ذاك العالم الربّاني

 

يعني لا يحل لأحد أن يعمل بالنصوص دون الرجوع إلى العلماء ، كمن يذهب إلى الصيدلية ، ويقول: أنا والله مريض بمرض كذا ، أعطني هذا النوع من الدواء . فهذا لا يصلح إلا لعالم ، كما قال ابن القيم ، ثم قال  – رحمه الله – :

والعلم أقسام ثلاث ما لها

 

مِن رابع والحق ذو تبيان

علم بأوصاف الإله وفعله

 

وكذلك الأسماء للرحمن

والأمر والنهي الذي هو دينه

 

وجزاؤه يوم المعاد الثاني

والكل في القرآن والسنن التي

 

جاءت عن المبعوث بالفرقان

والله ما قال امرؤ مُتَحَذْلِق

 

بسواهما إلا من الهذيان

وهذا حق ، لأن حصول أي اختلاف ، وحصول أي ضلال ، إنما سببه ترك الاعتصام بالكتاب والسنة ، فإذا جاءت مشكلة ، أو معضلة ، أتى كل واحد بفهمه ، مع أن المسألة فيها نص صريح ، فيه آية ، أو حديث عن النبي  – عليه الصلاة والسلام –  فيأتي هؤلاء بأهوائهم ، ليقدموها على هذه النصوص ، ولا شك أن أفهام الناس متفاوته ، وعقولهم مختلفة ، فيأتي هذا برأي ، وهذا برأي آخر ، فيختلف الناس ، كلُّ حزب معجب برأيه ، مسفّهٌ لرأي غيره .

فلا تظنن أنك إذا قدمت رأيا قبل الرجوع إلى الكتاب والسنة ، أنه لا يؤثر ، لأن هذا من التقدم بين يدي الله ورسوله ، والواجب أن تمنع لسانك عن الكلام إلا فيما تعلم أنه صواب ، كما قال  – جل وعلا –  ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ  ﴾ [ النساء: 114 ] .

فبسبب كلام من لا علم عنده ، تفرقت الأمة في توحيد الإلهية ، يعني في معنى كلمة التوحيد  ” لا إله إلا الله ”  ، وجاء التفرق من جهة أعداء هذه الأمة من الباطنية والإسماعيلية والرافضة ، فجاءوا بظنهم أن التقرب إلى الله  – جل وعلا –  بأرواح الصالحين ، أمر سائغ ، مع أن النصوص من الكتاب والسنة تنهى عن ذلك .

زعموا أن إرشاد الناس إلى التعلق بالأموات ، والتعلق بالقبور ، وبناء المشاهد عليها ، يقوي إيمانهم ، وزعموا أن هذا يُقوّي صلتهم بالله ، فعارضوا النص بعقل وقياس ، والنبي  – عليه الصلاة والسلام –  في مرضه الأخير في وصيته ، التي لو كانت وصية لوالد واحد منا لنفذها حرفيًّا ، فكيف برسول الله  – عليه الصلاة والسلام –  قال في مرض موته  – عليه الصلاة والسلام – : « لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ » . يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا([7]) .

فتفرقت الأمة افتراقا عظيما ، بسبب الوقوع في هذه الشركيات ، ولم يزل هذا الأمر يزداد باتباع الأهواء ، وبترك الاعتصام بالكتاب والسنة ، في مقابل الاستمساك بالعقول والآراء في هذه المسألة ، وتساهل الناس في هذا الأمر ، حتى صار في القرون المتأخرة ، في كثير من بلاد المسلمين ، وتعلق كثير من الجهال بذلك ، بسبب كثرته وانتشاره ، وسكوت أهل العلم عن بيان الحق في ذلك .

إن الاعتصام بالكتاب والسنة ، لا بد أن يكون في كل أمر من أمور الدين ، فإذا أردت أن تجعل نصوص الاعتصام بالكتاب والسنة دليلا على رد قول الخرافيين بعامة ، فهذا واضح في رد قول نفاة الصفات ، من المعتزلة وأشباههم ، وإذا أردت أن تستدل بنصوص الكتاب والسنة ، في الرد على مَن قدّم العقل على النص ، فكل هذا داخل في الاعتصام بالكتاب والسنة .

فكل شبهة جاء بها إبليس ، ومن تبعه ، أساسها راجع إلى القدح في الكتاب ، والقدح في الاستدلال بسنة النبي  – عليه الصلاة والسلام –  .

مخالفة ولاة الأمور

وهناك نوع ثانٍ من أنواع التفرق ، نهى عنه النبي  – صلى الله عليه وسلم –  في أحاديث كثيرة ، فقال  – عليه الصلاة والسلام –  في حديث العرباض بن سارية ، المشهور الذي في السنن: « أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة ، وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي ، فإنه من يَعِش منكم بعدي ، فسيرى اختلافًا كثيرًا ، فعليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها ، وَعَضُّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة »([8]) .

وقال  – عليه الصلاة والسلام –  في التشديد في البيعة ، والأمر بالطاعة لولي الأمر المسلم الذي بايعه أهل الحل والعقد من المؤمنين: « مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لاَ حُجَّةَ لَهُ ، وَمَنْ مَاتَ ، وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً([9]) »([10]) .

وقال: « مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ ، فَاقْتُلُوهُ »([11]) .

إذًا فالأمر بالاجتماع ، نهيٌ عن التفرق ، والأمر بالاجتماع ، والنهي عن التفرق ، معناه الدعوة إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ، فالذي يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ، ولم يدرك أن كل ما حصل فيه الافتراق في الأمة ، راجعٌ إلى ترك الاعتصام بالكتاب والسنة ، لم يفهم معنى الاعتصام بالكتاب والسنة .

فأي افتراق حدث عن طريقة الصحابة ، وعما قرره أئمة أهل السنة والجماعة في كتبهم ، فإن سببه راجع إلى عدم الاعتصام بالكتاب والسنة .

فلهذا نقول: كل مسألة يجب أن يُستدل عليها أولًا بنصوص الاجتماع ، ونصوص الاعتصام بالكتاب والسنة ، لأنه ما من مسألة إلا ولها أصل في الكتاب والسنة ، والله  – سبحانه وتعالى –  بين أن من صفات المنافقين ، أنهم إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم تولوا ، قال  – تعالى –  ﴿ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ  ﴾ [ النور: 48 ] ، وقال  – جل وعلا –  ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ  ﴾ [ النساء: 65 ] ، يعني في الأمور الاجتهادية ، والأمور العملية ، والأمور الاعتقادية ، لا بد في كل هذا من تحكيم الكتاب والسنة .

فبهذا يتبين لك العلاقة بين الاجتماع والافتراق ، والاعتصام بالكتاب والسنة .

الحكم بغير ما أنزل الله

وهناك افتراق جديد ، لم يُعهد مثله في الأزمنة الماضية ، ألا وهو ترك تحكيم شريعة الله  – جل وعلا –  في الحكم والتحاكم ، والفصل بين المتخاصمين ، وتطبيقها في جميع مناحي الحياة ، لا شك أن هذا نوع من أنواع التفرق في دين الله ، وهذا يدخل في قول الله  – جل وعلا –  ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ  ﴾ [ المائدة: 14 ] .

فما ترى من الافتراق ، بين هذه الأمم والدول ، وعدم الاجتماع والائتلاف ، داخل ضِمْن أنهم فرّقوا دينهم ، ولم يقبلوا شريعة الله كاملة ، فعاقبهم الله  – جل وعلا –  بالتفرق والاختلاف ، حتى لا يكاد الناس يجتمعون على قول .

فلو اجتمعت مع عشرة من بلاد مختلفة ، وجدت أن لكل واحد منهم رأيًا مختلفًا ، وهذا لأجل الأهواء ، وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة .

وهذه المسألة العظيمة نوع من التفرق الحادث الجديد ، ولا شك أن الواجب على الناس ، والواجب على العباد ، أن يعتصموا بالقرآن وبالسنة ، وأن يُحَكّموا شرع الله  – جل وعلا –  في الأمور كبيرها وصغيرها ، لأن الله  – سبحانه –  قد أمر عباده بذلك ، فقال لنبيه  – عليه الصلاة والسلام –  ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ  ﴾ [ المائدة: 49 ] ، وقال  – جل وعلا –  لنبيه أيضًا ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ  ﴾ [ المائدة: 44 ] ، وقال أيضًا  – جل وعلا –  ﴿ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  ﴾ [ المائدة: 50 ] ، وقال أيضا ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا  ﴾ [ النساء: 60 ] .

فهذه المسألة من المسائل الحادثة ، التي يجب تنبيه الناس إليها ، كل مسلم يجب عليه أن ينبه عليها ، حتى لا يستقر في النفوس ، أنها شيء لا إشكال فيه  – كما يُروّج لذلك كثير من أهل الضلال –  بل الواجب على العباد جميعًا أن يتواصوا بالحق ، وأن يتواصوا بالصبر ، وأن يبينوا أن معنى الشهادتين راجع إلى تحقيق التوحيد ، توحيد العبادة ، وإلى الحكم بشرع الله  – جل وعلا –  وأن الأمة إذا أرادت أن تجتمع في أبدانها ، وأن تجتمع على أعدائها ، فلتبدأ بالاجتماع على دين الله  – جل وعلا –  لأنه هذا هو الأساس .

الواجب أن يجتمع الناس على نهج واحد واضح ، واعتصام بالكتاب والسنة ، ثم بعد ذلك تأتي القضايا الأخرى ، فإنما يقوم بالجهاد من كان صفّه واحدًا ، أما إذا كانت الصفوف مختلفة ، فأنَّى يقام الجهاد ؟ لا شك أنه سيحصل فرقة ، وسيحصل خلاف ، والشيطان يَنْزَغ بين العباد .

هذه المسألة منهج سلفي واضح بيّن ، وهي أن كل مسألة يدعى إليها ، يجب أن يُرجع فيها إلى الكتاب والسنة ، في الأمور العامة للناس جميعًا ، وفي الأمور الخاصة ، في أمور الدول ، وفي أمور الجماعات العاملة في الإسلام ، وفي أمور الأفراد المتعاونين على الدعوة ، لا بد أن يُرجع إلى النص من الكتاب والسنة ، وإلا فلن نكون قد فعلنا شيئًا ، ستكون مجرد محاولات ، يعود أصحابها من حيث بدءوا ، والشواهد على ذلك كثيرة .

من هنا نصل إلى كلمة للدعاة إلى الله  – جل وعلا –  وهي أن الاعتصام بالكتاب والسنة ، لا بد أن يكون شعارا لهم ، فهذا ميدان زلت فيه أقدام ، والتفرق الحاصل بين الدعاة في بلاد كثيرة ، راجع إلى تجاهل هذا الأصل الأصيل ، وهو الاعتصام بالكتاب والسنة .

فقد ذهبنا إلى أمريكا ، وإلى بعض البلاد في الشرق ، فوجدنا أن المسلمين في مسجد واحد لهم عدة آراء ، ربما يصلي خمسة ، كل واحد له وجهة في تفكيره ، حتى في الأمور الحادثة ، ولا شك أن هذا شيء يؤسف له .

إذا دخلت أنت مسجدا من المساجد ، في صلاة الفجر  – مثلًا –  وجدت سبعة ، أو ثمانية ، أو عشرة ، أو صفا ، أو نحو ذلك ، رأيت الخاصة منهم ، كل واحد له رأي ، وهذا ناتج عن عدم التمسك بالمنهج المبني على الاعتصام بالكتاب والسنة .

الاعتصام بالكتاب والسنة يُوحّد المنهج في الرؤية

فالاعتصام بالكتاب والسنة يُوحّد المنهج في الرؤية لما حولك من الأمور ، لأن من حولك إما أن يكونوا مسلمين ، فحق المسلمين معروف من خلال النصوص في الكتاب والسنة ، وإما أن يكونوا كفارًا ، والكفار معروف حكمهم ، وكيف التعامل معهم في الكتاب والسنة ، بتفصيل الكافر المحارب ، والكافر المستأمَن ، والمعادي ، إلى آخره مما هو واضح في القرآن ، وفي سنة النبي  – عليه الصلاة والسلام –  .

وكيف يُعامل العاصي ، و كيف يعامل المبتدع ، وكيف يعامل الجاهل ، كل هذا ونحوه  موجود في النصوص .

والحاصل أن كثيرا ممن يريدون الخير  – من الدعاة –  لا يرجعون إلى الاعتصام بالكتاب والسنة في نهج الدعوة ، والدعوة إذا لم نَسِرْ فيها على منهج الكتاب والسنة ، فإن الأقوال والآراء ستختلف ، وهذا الاختلاف في الآراء والأقوال ، إنما جاء من جهة ترك نصيب مما ذُكّر به العباد ، كما مر بنا عند قوله  – تعالى –  ﴿ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ  ﴾ [ المائدة: 14 ] .

فعلى جميع المسلمين أن يدعوا إلى الاعتصام بالكتاب والسنة ، فيوصَى به الخاصة ، ويوصَى به الدعاة ، ويوصَى به الشباب ، الذين يدعون إلى الله  – جل وعلا –  يوصى به المعلمون ، يوصَى به أهل البلاد ، في شرقها وغربها وشمالها وجنوبها .

إذا رجعنا إلى شيء واحد ، ائتلفنا واجتمعنا ، وكنا قوة على أعداء الإسلام ، أما إذا اختلفنا ، وجاء الشيطان لينزغ بيننا ، في أمور مختلفة ، لا شك أن هذا سوف يكون تفرقا في الدين ، وتفرقا في الأبدان .

مسائل مهمة في منهج الدعوة

إن منهج الدعوة إلى الله  – جل وعلا –  هو أعظم ما يحتاج إليه المسلمون ، ولا بد أن يراعى في ذلك عدة مسائل:

ترتيب الأولويات:

المسألة الأولى: هي مسألة ترتيب الأولويات في الدعوة ، فمن أهم أسباب اختلاف الدعاة ، عدم تحديد أولويات الدعوة ، ما الذي ندعوا الناس إليه أولا ؟ ما الذي يُبَثّ في الناس ؟ وعلى أي شيء يجتمع الناس ؟ وما الهدف من وراء ذلك ؟ وما وسائله ؟

وهذه قضية يختلف فيها الدعاة كثيرًا ، وبسبب اختلافهم نشأ العديد من الجماعات المختلفة التي تنتمي للإسلام ، في عدد من بلاد المسلمين .

والأدلة في هذه المسألة واضحة لمن شرح الله صدره لفهم مقاصد الشريعة ، فهناك مقاصد ، وهناك وسائل ، ولا شك أن هذه المقاصد إذا كانت شرعية ، فالوسائل لها أحكام الغايات ، والنبي  – عليه الصلاة والسلام –  بيّن لنا كيف نرتب الدعوة في قوله  – عليه الصلاة والسلام –  لمعاذ بن جبل  – حين بعثه إلى اليمن – : « إنك ستأتي قوما أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة ، تؤخذ من أغنيائهم ، فتُردّ على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياك وكَرَائِم ([12])أموالهم ، واتّق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينه وبين الله حجاب »([13]) .

فهذا الترتيب في الدعوة متعلق بأهل الكتاب ، والمسلم إذا جهل ، أو نسي ، أو غفل ، أو صارت عنده شبهة في معنى الشهادتين ، أو في التوحيد ، أو في تحكيم شرع الله  – جل وعلا –  فلا بد أن يكون الكلام في هذا الباب له الأولوية الأولى ، لأن معنى الشهادتين هو توحيد الله  – جل وعلا –  في عبادته ، والحكم بما جاء به النبي  – عليه الصلاة والسلام .

فالأولويات تختلف من حيث الترتيب من بلد إلى أخرى ، فيما يُنشر فيها ، وفيما يدعى أهل البلد إليه ، فإذا كان البلد يغلب عليه الجهل بالتوحيد ، فهنا تكون الدعوة إلى التوحيد لها الأولوية ، حتى يُنقذ الناس من النار .

فإذا كان التوحيد عندهم واضحا ، لكن عندهم تهاون في الشهوات ، فهنا تكون من الأولويات أن تُصد هذه الشهوات ، وأن يُنبه عليها ، مع بقاء الدعوة إلى التوحيد بقدْر ما ، حتى يثبت في القلوب ، وهكذا .

وهناك بعض الناس يقولون : ندعو إلى إنشاء دولة أولا ، ثم ندعو إلى التوحيد بعد ذلك ، فإذا قامت دولة الإسلام ، تمكنا من إلزام الناس بذلك .

وهذا طرح غير صحيح ، لأن الناس حتى يصلوا إلى إنشاء دولة يعلوها الإسلام ، سيكون قد مات فيها أعداد كثيرة ، وهم على جهل بالتوحيد ، وإذا مات شخص على غير عقيدة سليمة ، كان على خطر عظيم ، إذا مات على الشرك ، كان من أهل النار ، قال  – تعالى –  ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ  ﴾ [ المائدة: 72 ] .

ولهذا كان من أخّر الدعوة إلى توحيد الله ، وإنقاذ الناس من الجهل بحق الله  – جل وعلا –  وبالتوحيد ، ومن الوقوع في الشركيات ، حتى تقوم الدولة ، هذا لم يعتصم بالكتاب والسنة حقيقة ، في ترتيب أولويات الدعوة ، وجنى على الناس ، حيث ترك أعدادا كثيرة من الناس يموتون وهم جهلة بهذا الأمر .

لقد أصبح عند كثير من الناس فقه سياسي ، لأنهم يقرءون كثيرا من المجلات والجرائد ، وكتابات إسلامية ، وتحليلات إسلامية سياسية ، وغيرها ، وذلك بشكل يومي ، لكنهم لم يتعلموا أمور العقيدة والتوحيد ، ومات كثير منهم على هذه الحالة من الجهل بهذا الأصل الذي هو من آكد العلوم التي يجب على كل مسلم أن يتعلمه .

لا شك أن من لم يدعُ الناس إلى ما يجعلهم من أهل الجنة ، برحمة الله  – جل وعلا –  ويقيهم عذاب النار ، فقد خانهم ، ولهذا كان كل من دعا إلى غير ما رتب النبي  – عليه الصلاة والسلام –  الأولويات عليه  – كما في حديث معاذ –  فإنه لم يعتصم بالكتاب والسنة ، كما أمر الله  – جل وعلا –  بل فرّق الدين ، وجعل الوسائل مقدمة على الغايات .

والوسيلة لا تعدو كونها طريقة لتحقيق الغاية ، أما أن تنقلب الوسيلة إلى غاية ، فيموت مئات وآلاف ، وعشرات الآلاف ، وأمم وأجيال ، ونحن نرجئ الدعوة إلى ما فيه الفوز في الدارين ، فإن هذا ليس إلا مجرد أمانيّ ، يلقيها الشيطان في قلوب أتباع هذا المنهج ، قال  – تعالى –  ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا  ﴾ [ النساء: 120 ] .

ترك المصالح التي تعارض الأدلة:

المسألة الثانية: أن الداعية يجب عليه ألا ينظر إلى المصالح التي تعارض ما دلت عليه الأدلة ، فالدين مبني على فقه بالنصوص ، والأمناء على الشريعة هم الفقهاء بالكتاب والسنة ، والله  – جل وعلا –  جعل لنا مَثَلين عظيمين ببعثة أول الرسل ، وهو نوح  – عليه السلام –  وببعثة خاتم الرسل محمد  – عليه الصلاة والسلام –  فنوح  – عليه السلام –  مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا ، والحصيلة  – كما قال الله  – جل وعلا –  ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ  ﴾ [ هود: 40 ] ، فأكثر ما جاء في روايات المفسرين أنهم كانوا قريبا من سبعين ، أو ثمانين ، وهذا حصيلة ألف سنة إلا خمسين عامًا ، وذلك في الدعوة إلى أصل واحد ، وبيان واحد .

والمثل الثاني: هو محمد  – عليه الصلاة والسلام –  حيث مكث في مكة ثلاثة عشر عامًا ، يدعو إلى توحيد الله ، وفي المدينة عشر سنين بعد ذلك ، وكانت النتيجة أنه في حجة الوداع ، حج معه أكثر من مائة ألف مسلم ، وهؤلاء قد دخلوا في الإسلام خلال ثلاث وعشرين سنة .

ونوح وهو أول الرسل ، ومن أولي العزم من الرسل ، قد بذل كل ما في وسعه في مجال الدعوة ، لكن النتيجة ما علمنا في كتاب ربنا  – جل وعلا –  ﴿  قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا  ﴾ [ نوح: 5 – 9 ] .

ففي هذين المثلين يظهر لنا أن الدعوة يجب أن تكون في إطار اعتصام الداعي بالكتاب والسنة ، فعليه أن ينظر إلى دعوته ، وإلى أي شيء يدعو ، أما هداية الناس ، فهذا لله  – سبحانه –  الذي يقول ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  ﴾ [ البقرة: 272 ] .

ولهذا كان من أصول أهل العلم ، أن الاغترار بالكثرة من وسائل الشيطان ، فلا يغتر العالم ، أو الداعية بكثرة أتباعه ، أو بكثرة من يمدحه ، فقد تكون هذه الكثرة على باطل ، وإنما العبرة بالاتباع لمنهج النبي  – صلى الله عليه وسلم –  .

كما أن تحصيل الكثرة بدون تأسيس الدعوة على الكتاب والسنة ، وبالاعتصام بهما ، وبما جاء فيهما ، وترتيب أولوياتها ، يجعل الناس يهتمون بأمر الوسيلة ، ويذهبون إليها ، ويتركون الغاية .

وانظر في سورة يوسف  – عليه السلام –  وهي سورة تسمى سورة الدعوة والداعية ، لما اشتملت عليه من قصة دعوة يوسف  – عليه السلام –  قال  – جل وعلا –  في آخرها ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ  ﴾ [ يوسف: 103 ] ، مع أنه نبي  – عليه الصلاة والسلام –  لأن هذه حكمة الله  – جل وعلا –  .

وقال أيضا في آخر هذه السورة ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ  ﴾ [ يوسف: 106 ] .

ونهى عن الاغترار بالكثرة ، فقال  – جل وعلا –  ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي  ﴾ [ يوسف: 108 ] يعني المذكورة في السورة ، فسبيل محمد  – عليه الصلاة والسلام –  في الدعوة هي سبيل الأنبياء والمرسلين جميعا .

كما قال  – جل وعلا –  في أثناء السورة ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ  ﴾ [ يوسف: 40 ] هذه هي الدعوة التي دعا إليها يوسف وهو في السجن ، ودعا إليها عندما قابل الملك ، ودعا إليها عندما أتى إخوته ، وهكذا حتى دعا الله  – جل وعلا –  بالدعاء الأخير ﴿ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ  ﴾ [ يوسف: 101 ] .

وقال  –  تعالى –  ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي  ﴾ [ يوسف: 108 ] يعني المذكور في السورة ﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ  ﴾ [ يوسف: 108 ] والبصيرة هي الاعتصام بالكتاب والسنة ، فمن كان فقيها بالكتاب والسنة ، فهو على بصيرة من دعوته ﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ  ﴾ [ يوسف: 108 ] .

وفي السورة نفسها ، بعد هذه الآية ، قال  – جل وعلا –  ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا  ﴾ [ يوسف: 110 ] لأن الداعي إلى الله  – سبحانه وتعالى –  يرغب ويميل ، بل ويسأل الله  – جل وعلا –  أن يأتي نصره الذي وعده الله به ، وذلك بظهور الحق على الباطل ، وظهور التوحيد على الشرك ، وظهور الشريعة على غيرها .

ثم قال  – جل وعلا –  ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ [ يوسف: 111 ] .

نأخذ من ذلك أن الداعية إلى الله  – جل وعلا –  في أموره كلها ، يجب عليه أن يعتصم بالكتاب والسنة ، سواء أقَبِل الناس ، أو لم يقبلوا ، فلا يستعجل ، وعليه أن يتحلى بالصبر ، والاستمساك بالكتاب والسنة ، ولا ييأس لأجل عدم قبول الناس ، لأن أكثر الناس لا يُوقنون ، والله  – جل وعلا –  نهى نبيه ، وهو المصطفى  – عليه الصلاة والسلام –  بقوله ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ  ﴾ [ الروم: 60 ] .

فالذين لا يوقنون ، يستخفون ، يقولون لو عملت كذا لكان أحسن . وهذا الفعل الذي يستحسنونه من الأمور المخالفة للشريعة ، فما يقولونه إنما هو أوهام ، سرعان ما يتكشف للناس خطؤها .

وهنا يجب أن ننظر: إذا كان هذا الأمر أحسن ، مع تأييد من الكتاب والسنة ، فإن هذا مبارك ، وإذا كنا نظن أنه أحسن ، وهو مضاد للكتاب والسنة ، فلا نقبله .

الاعتصام بالكتاب والسنة في كل أنواع التعامل:

المسألة الثالثة: أن الاعتصام بالكتاب والسنة يأتي معك في كل أنواع التعامل ، ولهذا يجب علينا أن نضع منهجا واضحا في أنواع التعامل ، ويجب علينا أن نعلم أن البشر مختلفون ، كل شخص له نصوص تحكم التعامل معه ، فإذا تعاملت مع شخص دون هذا الفهم ، فربما تكون قد أفسدت ، وصددت عن دين الله ، وأنت لا تشعر .

ولهذا كان مَن حَمَل على نفسه ، وألزمها الصبر ، والالتزام بالكتاب والسنة ، فإنه قد هُدي إلى صراط مستقيم ، كما قال  – سبحانه –  ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  ﴾ [ آل عمران: 101 ] .

لا بد أن تفقه كيف تعامل الناس ، فقد يأتي الشيطان للإنسان ، فيجعله يغلّب جانبا مأمورا به في الجملة ، على جهة أخرى مأمورا بها أيضا في الجملة ، لكن في غير هذا الموضع ، فمثلا يأتيه بعزة المسلم ، فيعامل الكافر بغير المعاملة الشرعية ، ويظن أن العزة هنا ، ويكون في هذا الفعل مخطئا .

والكفار  – كما هو معلوم –  في ديار الإسلام ، على قسمين: كفار معاهدين ، وكفار مستأمنين ، فالكافر المظهر للعداوة للمسلمين ، له حكم ، والكافر الذي لم يظهر العداوة للإسلام وأهله ، وإنما أتى لطلب الرزق ، أو يريد أن يعيش ، ونحو ذلك ، له حكم آخر ، فقد كَانَ هُنَاكَ غُلاَمٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ  – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  فَمَرِضَ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ  – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  يَعُودُهُ ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ ، فَقَالَ لَهُ: « أَسْلِمْ » . فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ  – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  فَأَسْلَمَ ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ  – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ –  وَهُوَ يَقُولُ: « الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ »([14]) .

وكان عبد الله بن عمرو  – رضي الله عنه –  يتعاهد جيرانه ، حتى جيرانه من غير المسلمين ، ففي ذات مرة ذُبِحَتْ لَهُ شَاةٌ ، فَجَعَلَ يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهوي ؟ أَهْدَيْتَ لِجَارِنَا اليَهُودِيِّ ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  – صلى الله عليه وسلم –  يَقُولُ: « مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالجار ، حتى ظننت أنه سيُورّثه »([15]) .

فقد يأتي الشيطان لأحدنا فيقول في هذا الموطن: أظهِر عزتك ، اغضب ، أو انْهَ عن المنكر . ويكون الموطن ليس موطن نهي عن المنكر ، وإنما هو موطن دعوة ، فيغلط من جهة جهله ، بما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة .

فأوصي نفسي والمسلمين ، بالفقه في الشريعة ، بالفقه في الكتاب والسنة ، لأنه بالفقه يحصل الاعتصام بالكتاب والسنة ، اعتصام إجمالي ، بما تُقِرّ به وتعتقده ، وهناك اعتصام تفصيلي ، وهذا لا يكون إلا بالعلم ، ولذلك كان أحرص الناس على العمل بالكتاب والسنة ، هم أهل العلم بالكتاب والسنة .

أسأل الله  – جل وعلا –  أن يجعلنا من المؤمنين حقا ، وأن يجعلنا ممن اعتصموا بكتاب الله  – جل وعلا –  وبسنة رسوله  – صلى الله عليه وسلم –  .

كما أسأله  – سبحانه –  أن يعفو عنا ، وأن يجعل عاقبتنا إلى خير ، وأن يرحمنا ويرحم آباءنا وأمهاتنا ، وأن يرفع درجاتنا في الجنة ، اللهم صلّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك محمد .

الأسئلة

السؤال الأول: يقول السائل: نحن مجموعة من طلبة العلم ، أشكل علينا الفرق بين الاختلاف في العقائد ، والاختلاف في المذاهب ، وما هو معنى الأصول والفروع ؟ وهل هذا في الإسلام ؟

الجواب: الاختلاف الذي وقع في الأمة ، نوعان:

1 –  اختلاف مذموم .

2 –  اختلاف معذور أصحابه فيه .

والاختلاف المذموم هو كل اختلاف ليس لصاحبه مستند من النص ، فهو يعارض النص برأيه ، فكل اختلاف مبني على رأي يعارض النصوص  – سواء أكان في العقائد ، أم في الشرائع ، أم في الشريعة ، أم في الأحكام –  فإن هذا اختلاف مذموم .

والنوع الثاني من الاختلاف ، وهو الاختلاف الذي يعذر أصحابه فيه ، هو ما يسوغ فيه الاجتهاد ، وقد ثبت في الصحيح أن النبي  – عليه الصلاة والسلام –  قال: « إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ، ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ »([16]) . يعني له أجر اجتهاده ، لأن الاجتهاد طلب حكم الله  – جل وعلا –  في المسألة ، وهذا الطلب عبادة ، فكونه يجتهد ويتعب ، لكي يُحصّل أمر الله  – جل وعلا –  في هذه المسألة ، فهذا عبادة ، ولذلك كان له أجر واحد ، والمصيب له أجران: أجر على اجتهاده ، وأجر على أصابته .

فما ساغ فيه الاجتهاد ، وهو ما لم يأتِ فيه نص ، أو كان النص محتملا ، والنص نعني به الدليل ، وليس النص عند الأصوليين ، لأن النص ليس محتملا ، وإنما النص بمعنى الدليل ، فإذا كان الدليل محتملا ، فاجتهد المجتهد فأخطأ في فهمه للدليل ، كان معذورا ، ولهذا فإنا نعذر الأئمة في اختلافهم .

وقد ألّف ابن تيمية  – رحمه الله تعالى –  رسالة سماها  ” رفع الملام عن الأئمة الأعلام([17]) ”  وعلماء المذاهب في وقته ، رضوا منه هذه الرسالة ، لثنائه فيها على العلماء ، وعذره لهم ، وتبيين سبب اختلافهم في المسائل الفقهية .

إذا تقرر ذلك ، فإن مسائل العقيدة ، من الإيمان والتوحيد ، والعقائد بعامة ، ليس في المسألة نص واحد ، أو دليل واحد فقط ، بل في كل مسألة أدلة متكاثرة ، إما عامة ، وإما خاصة ، إما إجمالية ، وإما تفصيلية ، ولهذا فلا مجال للاجتهاد في مسائل الغيبيات البتة ، ولا مجال للاجتهاد في أمور العقائد والتوحيد ، لأن هذه المسائل ، فيها نصوص كثيرة ، والاجتهاد ، أو الرأي فيها ، معناه مخالفة الدليل ، من الكتاب والسنة ، فلا نستطيع أن نقول: نزع فلان فيه إلى كذا ، وفلان نزع فيه إلى كذا .

بل نفهم هذه المسائل على ما فهمه الصحابة ، فنحن نعلم قطعيا أن الصحابة  – رضوان الله عليهم –  ما اختلفوا في مسائل العقيدة والتوحيد ، وإنما اتفقوا على ذلك ، وما ينقل أنهم اختلفوا في مسألة ، أو مسألتين ، فهذا الأمر له تخريجه عند المحققين من أهل العلم ، ونقصد بها المسائل الأصلية .

أما الوسائل فقد يكون فيها اجتهادات ، أو بعض تطبيقات السنن على فعل معين ، كالخلاف الذي يقع بين الصحابة في بعض المسائل المعروفة ، التي هي ليست من أمور التوحيد والعقيدة ، وإنما هي من المتممات ، أو من الوسائل .

وكذلك الحال في المسائل الفقهية ، التي سماها بعض أهل العلم  ” الفروع ”  .

أما عن تقسيم الشريعة  – يعني الدين –  إلى أصول وفروع ، فإن هذا يكون صوابا باعتبار ، ويكون خطأً باعتبار .

فهو صواب ، إذا كان التقسيم فنّيا ، بأن يكون الأصول ما عليه المعتمد والرجوع ، من المسائل العقيدية والعملية ، أو من المسائل الكبار العامة ، فالعقيدة كلها أصول ، وكذلك المسائل العملية الكبار ، المجمع عليها ، كلها أصول أيضا .

وتكون المسائل الأخرى فروعا باعتبار أنها فروع للأصول ، كالتقسيم لكي نفرق بين مسائل العقيدة ، ومسائل في الأحكام .

فإذا كان هذا هو المراد ، فإن هذا تقسيم لا بأس به ، ولهذا ألّف عدد من علماء السنة ، وأتباع المذاهب ، كُتبا أسْمَوْها  ” الفروع ”  ، كـ ” فروع ابن مفلح([18]) ”  ، وغيره ، يريدون منها الأحكام الفقهية .

والتقسيم الثاني: أن تقسم إلى أصول وفروع ، فيقال: الأصول يَكفُر المخالف فيها ، والفروع لا يَكْفر المخالف فيها . وهذا باطل ، لأن الفروع منقسمة إلى ما يكفر المخالف فيها أيضا ، وما لا يكفر ، وهذا تقسيم المعتزلة ، أو يقال: الأصول قطعية ، والفروع ظنية . وهذا أيضا ليس بصحيح ، فقد أخذوا من ذلك أن أحاديث الآحاد ، لا تثبت بها الأصول والعقائد ، وهذا باطل .

ولهذا تجد في كلام بعض الأئمة ، إنكار هذا التقسيم ، وأن تقسيم الدين إلى أصول وفروع باطل ، وهذا ليس على إطلاقه ، بل هو كما ذكرت لك ، فيُقَرّ هذا التقسيم باعتبار ، ولا يقر باعتبار آخر .

فتحصل لك من الجواب: أن كل خلاف في العقيدة ، عما كان عليه السلف الصالح ، فهو افتراق في الدين ، وخطأ ، واختلاف لا يُعذر أصحابه به ، وهو تَعَدٍّ على الشريعة ، وأن الاختلاف في الفروع التي يسع فيها الاجتهاد ، هذا لا بأس به ، وللمجتهد أجره إذا اجتهد ، فيما يسوغ فيه الاجتهاد .

السؤال الثاني: يقول السائل: كيف يمكن لطالب العلم أن يتوصل إلى قضية ما أنها من منهج السلف ، مع تشعب الأقوال وكثرتها ؟

الجواب: أن منهج السلف يُعرف من كتب السلف ، وهذه المسألة في تأصيلها واضح ، فهناك أصول عامة ، وقواعد عظيمة ، قررها أهل السنة والجماعة في كتبهم ، من أئمة الإسلام كسُفْيَانَ الثوري والأوْزَاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن خُزَيْمة ، وسائر الأئمة ، فيما دونوه في كتبهم ، ونقلوا عن الصحابة والتابعين فهمهم للدين ، ودونوا ذلك على ما دلت عليه النصوص ، من الكتاب والسنة .

فعليك أن تأخذ منهج السلف الصالح من كتب أهل السنة والجماعة ، أتباع السلف الصالح ، أهل الحديث والأثر ، فهذه الكتب فيها صفاء العقيدة ، وصفاء المشرب ، واعتمادهم على أمور واضحة ، لا لبس فيها ، يعني من حيث الاستدلال ، هذا من حيث الإطار العام .

أما تفصيلات منهج السلف ، فهذه مسألة انقسم الناس فيها إلى طرفين ووسط  – كما يقال في غيرها من المسائل –  فمنهم من يغلو ، ويجعل منهج السلف محددا في كل قضية ، وهذا غير صحيح ، فإن السلف في بعض المسائل قد اختلفوا في تنزيل بعض الأمور على الواقع .

ومنهم من يجفو عن فهم الصحابة ، فيُعمل عقله في النصوص ، ويعمل بما يراه صوابا ، حتى لو كان مخالفا لهدي الصحابة الكرام ، وهذا هو حال كثير من الطوائف والفرق ، وهذا لا شك أنه جفاء ، لأن الواجب اتباع النصوص على هدي ونهج السلف الصالح  – رضوان الله عليهم –  .

والوسط ينظر إلى المسائل المختلَف فيها: هل هي من منهج السلف ، أم لا ؟ يجب ردها إلى أهل العلم الراسخين فيه ، لأنها تكون من النوازل التي تحتاج إلى تحقيق المنَاط فيها ، والله  – جل وعلا –  أمر عباده أن يرجعوا إلى أهل العلم ، فقال ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  ﴾ [ النحل: 43 ] ، فإذا لم تعلم فعليك أن تسأل أهل الذكر .

ومنهج السلف  – كما ذكرت –  قد تجد فيه بعض المسائل المشكلة ، في بعض المواقف ، وهذا راجع إلى أن كلام السلف قام على بساط حال عاشوه ، والفقيه لا بد أن يُنزل مَنهجهم على بساط حالهم ، فإذا أنزل منهجهم على غير بساط حالهم ، فإنه لم يفقه منهج السلف .

تجد أن بعض الأئمة له كلام ، اجتهد فيه ، ربما يعارض بعض كلام السلف ، لكن في الحقيقة هو يتفق معهم ، فالناظر نظرة متعجلة ، يقول: هذا الكلام يخالف طريقة السلف ، أو يخالف منهج السلف . وفي الواقع إذا تأمله الفقيه الراسخ في العلم ، وجد أن هذا وهذا يخرج من مشكاة واحدة ، لأن السلف في بعض المسائل قد اجتهدوا ، واختلفوا فيها ، وفي بعض المسائل يصير الصواب مع أحد الفريقين على الآخر ، وفي بعضها تكون المسألة مورد اجتهاد ، أما في مسائل العقيدة ، والمنهج العام ، والتأصيل العام ، فلم يختلفوا في ذلك ، ولله الحمد .

فالمسألة مهمة ، إذا جهل الشباب شيئا ، فلا بد أن يرجعوا إلى أهل العلم الراسخين فيه ، حتى يأتلف الناس ، وتجتمع الكلمة ، ولا يتفرق أهل الملة والواحدة .

السؤال الثالث: ما الفرق بين العلم والمعرفة ؟

الجواب: الفرق بين العلم والمعرفة ، يوجد في شروح الكتب والحواشي ، وفي كتب التفسير أيضا ، فالعلم والمعرفة ليسا بمترادفين ، لأنه  – على التحقيق –  لا ترادف في اللغة العربية البتة ، فهناك اختلاف بين الألفاظ ، فهي تشترك في أصل المعنى ، لكن يزيد لفظ على لفظ في بعض المعنى .

فالمعرفة والعلم لفظان يجتمعان في إدراك المعلومة ، ويفترقان في أن العلم قد لا يسبقه جهل ، أما المعرفة فقد يسبقها جهل ، ولهذا أُطلق لفظ العلم في صفات الله  – جل وعلا –  ولم يطلق لفظ المعرفة .

والجهة الثانية: أن العلم والمعرفة يتفقان في أن كلا منهما يُدْرَك به الشيء ، بطريقة من طرق الإدراك ، لأنهما يُدرَك بهما الشيء بطريقة من طرق الإدراك ، فقد يدرك بالحواس ، أو بالكتابة ، أو بالتعلم ، أو نحو ذلك .

فهذا وهذا يشتركان في أن وسيلة إدراك العلم ، ووسيلة إدراك المعرفة واحدة ، أقول هذا تَبعًا لما قاله أهل العلم في ذلك ، لأن الفلاسفة يُسَمّون إدراك المعلومات بنظرية المعرفة ، ونظرية المعرفة هذه عندهم ، يعنون بها تلقي المعلومات ، قال  – جل وعلا –  ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا  ﴾ [ النحل: 78 ] .

الجهة الثالثة: أن العلم في القرآن محمود ، وأما المعرفة ، فإنما وُصف بها أهل الإنكار ، من أهل الكتاب ، وأهل الكفر والإشراك ، فقال  – جل وعلا –  ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ [ البقرة: 146 ] وقال  – سبحانه وتعالى –  ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا  ﴾ [ النحل: 83 ] .

فجاءت لفظة المعرفة في الكتاب ، في معرض الذمّ ، إذ نسبت لحال قوم مذمومين ، فكانت المعرفة في القرآن علما أُدرك ثم أُنكر ، ولهذا قال  – تعالى –  ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ﴾ ، وأما العلم فهو محمود في القرآن .

وفي السُّنة جاءت المعرفة في بعض الأحاديث ، كما مر بنا في حديث معاذ ، لكن بلفظ: « إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ  – تَعَالَى –  فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِم »([19]) . يعني أدركوا ذلك ، لهذا قلنا: إن المعرفة قد يسبقها جهل ، والعلم قد لا يسبقه جهل .

وعلى أية حال ، فإن المقارنة بين العلم والمعرفة يطول الكلام عليه ، ومن أراد الزيادة فعليه أن يرجع إلى كتب الشروح المطولة .

السؤال الرابع: يقول السائل: ما دورنا تجاه الاختلاف عن الكتاب والسنة ؟ وكيف نجمع بين حديثين: الأول: « عليكم بسنتي ، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها ، وَعَضُّوا عليها بالنواجذ » ([20]) . والحديث الثاني: « تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ، ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض » ([21]) .

الجواب: أن معنى الحديثين واحد ، فسُنّة النبي  – عليه الصلاة والسلام –  بيان للقرآن ، فالله  – جل وعلا –  هو الدال ، والنبي  – عليه الصلاة والسلام –  هو الدليل ، دلّنا الله  – جل وعلا –  عليه ، والدليل هو النبي  – عليه الصلاة والسلام –  فمصدر القرآن والسنة واحد ، فقوله :« فعليكم بسنتي » . يعني عليكم بكتاب الله  – جل وعلا –  وسنة النبي  – صلى الله عليه وسلم –  لأن السنة بيان للقرآن .

أما دورنا تجاه الاختلاف عن الكتاب والسنة ، فإن دورنا هو الاعتصام بالكتاب والسنة ، والتعلق بأهل العلم ، وسؤالهم عما يشكل .

السؤال الخامس: كيف نَرُدّ من خلال نصوص الكتاب والسنة الواردة في الاعتصام على الخرافيين ، والمعطلة ، وغيرهم ؟

الجواب: أن النصوص الواردة في الكتاب والسنة في مسائل التوحيد ، يعني توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات ، كثيرة جدا ، وقد صُنّفت كتب التوحيد والعقائد لبيان ذلك .

وبيان النصوص عند المحاجّة مع المخالف ، ينبغي أن يكون بالتي هي أحسن ، لا سيما إذا لم يكن المخالف ظالما ، وقد قال  – جل وعلا –  ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ  ﴾ [ العنكبوت: 46 ] .

وهناك شيء مهم ينفع في الِحجاج بعامة ، وهو أنه كلما كنت حين المحاجّة مستمسكا بدلالة النص ، غير غضوب ، أو رافعا للصوت ، فستكون العاقبة لك .

فاستمسك بدلالة النص ، فلن يستطع خصمك أن يغلبك ، لأن كلام الله  – جل وعلا –  وكلام رسوله  – صلى الله عليه وسلم –  يعلو ولا يُعلى عليه ، فلا تتدخل برأيك ، أو بشيء تفهمه ، بل عليك أن تستمسك بدلالة النص .

فإذا رجعت في المحاجة إلى شيء يُقرّ الجميع بأنه حجة ، فإن الحجة ستكون معك ، فقد يكون الخلاف في أنك تقدّم أحيانا قول عالم على الدليل ، فتقول: قال الإمام الفلاني كذا . والخصم أو المجادل ، لا يقتنع بإمامته ، فإذا فعلت هذا كنت تقيم الحُجّة بما ليس بحجة ، وتستدل عليه بما ليس بدليل عنده .

فإذًا أول درجات المجادلة النافعة ، التي يكون أهلها معهم النصرة  – إن شاء الله –  أن يستدل بالدليل ، بلفظه ، لا يخرج عن لفظ الدليل ، ولو حاول خصمك أن يخرجك عن هذا ، فلا تخرج ، فتقول: قال الله  – جل وعلا –  كذا ؟ وقال النبي  – صلى الله عليه وسلم –  كذا فارجع إليه .

ولا يستَخِفّنَك فيبعدك عن محل النقاش ، إلى ميدان آخر فتتركوا أصل المسألة ، وتذهبوا إلى مسائلَ أخرى ، فتكون المسألة ليست محاجّة ، ومجادلة بالتي هي أحسن .

والمسألة الثانية في المجادلة: ألا تغضب ، مهما كان المجادل ، فالنبي  – عليه الصلاة والسلام –  جادله المشركون في عبادة الأصنام ، وقالوا له: نعبد إلهك سَنَة ، وتعبد إلهنا سَنة ، وسبّوه ووضعوا سَلَى([22]) الجَزُور عليه ، ومع ذلك كان  – عليه الصلاة والسلام –  لا ينطق إلا بحق .

وهنا مسألة في غاية الخطورة ، وهي أنه قد يجني الشخص على الدعوة ، إذا انتصر لنفسه ، أو إذا لم يصبر ، والمجادلة لا تصلح لكل شخص ، فعليك دائما أن تكون رءوفا رحيما بمن تجادله ، تريد أن تهديه ، ولو كان عنده شبهات عظيمة ، فأهل الكتاب قال الله  – جل وعلا –  لنا في حقهم ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ  ﴾ [ العنكبوت: 46 ] ، صحيح أن الله  – سبحانه وتعالى –  أذن لنا بالجهر بالسوء من القول لمن ظُلم ، فقال ﴿ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ  ﴾ [ النساء: 148 ] ، لكن ترك الجهر بالسوء من القول أفضل .

فبالهدوء وقت النقاش ، تستطيع أن تستخرج من كلام خصمك تناقُضه ، لأن اعتماده على الأدلة العقلية ، مع ترك النصوص ، لا بد أن يوقعه في تناقض ، وحينئذ تقول له: أنت الآن تناقضت . وهذا مما يُضعف الخصم كثيرا ، فيستبين بذلك خطؤه .

وهذا قد جربته عدة مرات ، ووجدته نافعا ، ولله الحمد .

نخلص من هذا أنك عليك أن تلتزم بأمرين:

أولا: الاستمساك بدلالة النص .

الثاني: الهدوء ، وعدم الغضب ، وعدم رفع الصوت ، فرفع الصوت دليل على الضعف ، لأنه لولا الضعف لما رفعت صوتك ، فالشخص القوي متمكن ، يدلي بالحجة ، بطريقة تقطع معاذير خصمه ، فلا يجد أمامه بُدًّا من قبول هذه الحجة ، ولهذا قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله ، الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها ؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة ، فإن قُبلت منه وإلا سكت([23]) .

والله  – جل وعلا –  يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .

السؤال السادس: سائل يقول: نرجو أن تذكروا لنا بعض كتبكم المطبوعة ؟

الجواب: لا يحسن مثل هذا السؤال ، لكن بما أنه  – ولله الحمد –  أكثر هذه الكتب التي نطبعها هي وقف لله  – جل وعلا –  وليس لنا من غلتها شيء ، فنذكرها من باب التعاون على البر والتقوى ، وهي:  ” هذه مفاهيمنا ”  ، و ” المعيار ”  ، و ” المنظار ”  ، و ” الضوابط الشرعية لموقف المسلم في الفتن ”  ، و ” التكميل بما فات تخريجه من إرواء الغليل ”  ، وهناك  – إن شاء الله –  عدد من الكتب التي ستأتي .

نسأل الله  – جل وعلا –  أن يتقبل منا أعمالنا الصالحة ، وأن يعفو عنا زللنا وخطأنا ، وأن يثيبنا خيرا ، وأن يجعل كلامنا هذا في موازين أعمالنا ، وأن يرفعنا به يوم لقائه .

وأختم دعائي بسؤال الملك العلام  – جل وعلا –  أن يميتنا على الفطرة والإسلام ، ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا  ﴾ [ آل عمران: 8 ] .

اللهم إنا نسألك أن لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ، اللهم اسلُل سخيمة قلوبنا ، ونوّر بصائرنا ، ودُلّنا على الرشد والسداد ، نعوذ بك من الشبهات ، ونعوذ بك من تأثير الشهوات ونستغفرك .

اللهم ربنا اجعلنا من عبادك الذين إذا أذنبوا استغفروا ، اللهم إنا ضعفاء فارحمنا ، مكسورون فاجْبُرنا ، اللهم أنت الرحيم الذي وَسِعَت رحمتك كل شيء ، فلا تؤاخذنا بذنوبنا ، ولا بما فعل السفهاء منا ، اللهم أصلحنا ، وأصلح ولاة أمورنا ، وأصلح ذَرَارِيَّنا وأحبابنا ، واجعلنا جميعا على ما تحب وترضى ، وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد .

 

 ( [1] ) أي: مَلَّك عِبَادَهُ الْمَالَ ، وجعله لهم قُنْيَة مقيما عندهم ، لا يحتاجون إلى بيعه ، فهذا تمام النعمة عليهم . وعلى هذا يدور كلام كثير من المفسرين ، منهم أبو صالح ، وابن جرير ، وغيرهما . انظر تفسير ابن كثير 7 / 467 .

 ( [2] ) مجموع الفتاوى 1 / 15 .

 ( [3] ) طبقات الفقهاء لأبي إسحاق الشيرازي 1 / 153 .

 ( [4] ) انظر الوافي بالوفيات للصفدي 18 / 172 .

 ( [5] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1321 ، رقم 3414 ) ، ومسلم ( 2 / 744 ، رقم 1064 ) .

 ( [6] ) انظر متن القصيدة النونية لابن القيم صـ 265 .

 ( [7] ) أخرجه البخاري ( 1 / 168 ، رقم 425 ) ، ومسلم ( 1 / 377 ، رقم 531 ) .

 ( [8] ) أخرجه أحمد ( 4 / 126 ، رقم 17184 ) ، وأبو داود ( 4 / 200 ، رقم 4607 ) ، والترمذي ( 5 / 44 ، رقم 2676 ) وقال: حسن صحيح . وابن ماجه ( 1 / 15 ، رقم 42 ) . وصححه الألباني في المشكاة 165 .

 ( [9] ) أي على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم . شرح النووي على مسلم 12 / 238 .

 ( [10] ) أخرجه مسلم ( 3 / 1478 ، رقم 1851 ) .

 ( [11] ) أخرجه مسلم ( 6 / 23 ، رقم 4826 ) .

 ( [12] ) أي نَفَائسَها التي تتعلَّق بها نَفْسُ مالِكها ، ويَخْتَصُّها لها ، حيث هي جامِعَةٌ لِلْكَمال المُمْكِن في حَقِّها . وواحِدتُها: كريمة . النهاية: كرم .

 ( [13] ) أخرجه البخاري ( 1 / 352 ، رقم 1425 ) ، ومسلم ( 1 / 37 ، رقم 30 ) .

 ( [14] ) أخرجه البخاري ( 1 / 455 ، رقم 1356 ) .

 ( [15] ) أخرجه البخاري ( 5 / 2239 ، رقم 5669 ) ، ومسلم ( 4 / 2025 ، رقم 2625 ) .

 ( [16] ) أخرجه البخاري ( 6 / 2676 ، رقم 6919 ) ، ومسلم ( 3 / 1342 ، رقم 1716 )

 ( [17] ) وهي مطبوعة ، قام بطبعها ونشرها: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ، الرياض – المملكة العربية السعودية ، سنة 1403هـ .

 ( [18] ) وقد طبع ، ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي ، بتحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي ، نشرته: مؤسسة الرسالة عام 1424ه ، في أحد عشر جزءا .

 ( [19] ) تقدم تخريجه .

 ( [20] ) أخرجه أحمد ( 4 / 126 ، رقم 17184 ) ، وأبو داود ( 4 / 200 ، رقم 4607 ) ، والترمذي ( 5 / 44 ، رقم 2676 ) وقال: حسن صحيح . وابن ماجه ( 1 / 15 ، رقم 42 ) . وصححه الألباني في المشكاة 165 .

 ( [21] ) أخرجه الحاكم ( 1 / 172 ، رقم 319 ) ، والدارقطني ( 4 / 245 ) . وصححه الألباني في صحيح الجامع 2937 .

 ( [22] ) السَّلَى: الْجِلْدُ الرَّقيق الَّذِي يَخْرُج فِيهِ الوَلدُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَلْفوفا فِيهِ . وَقِيلَ هُوَ فِي المَاشِية السَّلَى ، وَفِي النَّاس المَشِيمة ، والأوّلُ أشبهُ ، لِأَنَّ المَشِيمة تَخْرُجُ بعدَ الْوَلَدِ ، وَلَا يكونُ الولدُ فِيهَا حِينَ يخرجُ . النهاية: سلا .

 ( [23] ) جامع بيان العلم وفضله 2 / 935 .

شاركها مع أصدقاءك