بواسطة :
الزيارات : 1٬664 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

أسئلة في المنهج

سؤال : كيف تكون النصيحة لولاة الأمور ؟

جواب : جاء في النصوص لفظ النصيحة ، وجاء فيها لفظ الإنكار ، وفرق بين النصيحة والإنكار ، وقد أخرج ابن أبي عاصم وغيره قوله عليه الصلاة والسلام : « مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً » ([1]) ، وروى أبو سعيد الخُدْرِي – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ » ([2]) ففي حديث أبي سعيد جعل مراتب الإنكار ثلاثة ، وقيد الإنكار برؤية المنكر ، وجعل الإنكار على المنكر نفسه .

والذي درج عليه سلفنا الصالح من الصحابة ومن بعدهم أن الواقع في المنكر إذا كان مظهِرًا له أمام الناس فإنه ينكر عليه ، فإذا وقع أي مسلم في منكر وأظهره فإنه ينكر عليه علنًا باليد ، إن كان المنكِر من أهل اليد ، أو باللسان إن لم يكن من أهل اليد ، أو بالقلب إن لم يستطع المرتبتين الأوليين ، وقد قيد النبي – صلى الله عليه وسلم – الإنكار بقوله : « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا » ، وهذا الوصف مقصود بالحكم ؛ إذ الرؤية مختلفة عن السمع ، فلا يصح أن يقال : من سمع منكم منكرًا فليغيره بيده أو بلسانه .

فتحرر بهذا أن المنكر إذا ما ظهر يُنكَر على ما جاء في حديث أبي سعيد ، أما إذا لم يظهر أو لم يُرَ صاحبُه يواقعه أو كان المنكر فاشيًا ولم يكن الواقع فيه معينًا فإن بابه يكون باب النصيحة ، فمثلًا رأيت فلانًا من الناس يواقع منكرًا في الشارع ، أو كنا حضورًا عند أمير وذكر مخالفة شرعية ظاهرة سمعناها منه ورأيناها ، فإننا ننكر عليه ما لم يترتب على هذا الإنكار مفسدة ، وأما إذا كان الأمر خفيًّا أو كان مما يتعلق بولايته ولم يكن هو الواقع فيه ، وإنما الأمر واقع فيما تحت ولايته ، فإننا نقول : إن المنكر وقع منه ورأيناه منه ، فلا يكون حديث أبي سعيد الخدري على هذه الحال ، وإنما يكون الباب باب نصيحة ؛ لأن الأمر لم يقع فيه هو علانية ، وإنما هو منتشر ، ويراد من الوالي أن يصلح هذا ، فيكون الأمر بنصيحته سرًّا وليس بالعلن .

وقد روى البخاري – رحمه الله – في صحيحه عن أسامة بن زيد – رضي الله عنه – أنه خوطب بقوله : ألا تنصح لعثمان ؟ حينما وقع منه بعض ما وقع في أواخر خلافته ، قال أسامة : ” قد كلمتُه ما دونَ أن أفتحَ بابًا أكونُ أوَّل مَن يفتحه ” ([3]) .

 وقد علق الحافظ ابن حجر على هذا الأثر فذكر أن النصيحة للوالي إذا خرجت إلى العلن صار مبلغها ومؤداها إلى الخروج على الولاة ، وأمر الخروج على الولاة جاءت الشريعة بوصده ، بل كان مما يميز أهل السنة والجماعة أنهم يرون الطاعة ، ولا ينزعون يدًا من طاعة ولاة الأمر ، وأنهم يبذلون لهم الدعاء في السر والعلن ، أما النصيحة العلنية فهي نوع من التشهير الذي يوغر الصدور ويخرج الناس عن الطاعة ، ويؤدي بهم إلى الخروج على ولاة الأمور .

وهذا ملخص كلام الحافظ ابن حجر على أثر أسامة ، وهذا الأثر حقيق بأن يُراجع في البخاري ويُحفظ لفظه ، ومَن كان خطيبًا أو مدرسًا أو يلتقي بالشباب فليذكرهم به ، فإن كان في القلوب حياة ولزوم للسنة التي صحت عنه عليه الصلاة والسلام من قوله : « مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَحَ لِذِي سُلْطَانٍ فَلا يُبْدِهِ عَلانِيَةً » وكان لنا شغف بلزوم هدي الصحابة رضوان الله عليهم وما أخبر به أسامة من هديه ؛ إن كان في القلوب حياة فيجب عليها أن تلزم ذلك .

أما إن كان في القلوب غير ذلك من الأهواء المضلة ، ومما هو مشابه لطرق غير أهل السنة والجماعة من الخوارج والمعتزِلة ، فإن أولئك لن يرفعوا رأسًا بالسنة ، ولا بهدي الصحابة .

إذن تحصل أن هناك فرقًا بين الإنكار والنصيحة ، كما دلت النصوص ، فالإنكار له مقامه ، والنصيحة لها مقامها ، والخلط بين المقامين هو سبيل أهل الأهواء .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد .

***

سؤال : ماذا تقولون – جزاكم الله خيرًا – في أُناس ظهروا علينا يقولون : أنتم تنكرون على التُّرابي والتِّلمساني والغزالي والقَرَضَاوِي وتبدِّعونهم وتغتابونهم وتتركون ذكر محاسنهم ، مع أن هناك أئمةً وقعوا في بدعة أمثال ابن حَجَر والنَّوَوِي ، فكيف تذكرون المتقدمين بخير وتتكلمون في حق المتأخرين ؟

جواب : نقول : أولًا هذا التمثيل من هذا القائل يدل على جهله ، كيف يقارَن الحافظ ابن حَجَر والنووي بأمثال الترابي والغزالي والقرضاوي ، أين الثَّرَى من الثُّرَيَّا ؟! وأين البَعْرَة من البَعير ؟! فأولئك محبون للسنة ، شارحون لها ، مبينون لها ، وما تأولوه ووقعوا فيه قليل بالنسبة إلى ما بينوه من أمور الإسلام ، فلم يزل أهل العلم ينتفعون بكلامهم ، بل ويفهمون نصوص الكتاب والسنة على ما بينوه ؛ لأنهم كانوا أهل علم بحق ، أما هؤلاء المعاصرون من أمثال الترابي والغزالي والقرضاوي والتلمساني وأمثالهم فهؤلاء رءوس دعوا الناس إلى عدم الالتزام بالسنة وإلى نبذها ، فالحال مختلف ؛ حال مَن يخطئ ويجانب الصواب في مسألة أو في فرع من الفروع ، أو في مسألة عقدية أو اثنتين ، وحال من يخالف في الأصل .

 فهؤلاء لا يقيمون للتوحيد مقامًا ، ولا يرفعون به رأسًا ، بل قد نال أهل التوحيد منهم أكبر الأذية كما هو مُشاهَد ، فالترابي حاله معروف يرى أنه يلزم تجديد أصول الإسلام وتجديد أصول الفقه ، ويذكر أن أصول الفقه اصطلح العلماء على أن تُفهَم النصوص عليها ، وهذا لا يعني أننا ملزمون بها! فيقول : يجب أن نضع في هذا العصر أصولًا جديدة للفقه نفهم بها الكتاب والسنة بما يناسب هذا العصر!

والغزالي يرد السنة إذا خالفت عقله وإذا خالفت فهمه .

والقرضاوي على نفس المنهاج يسير ، وإن لم يُظهِر ذلك إظهارَ الغزالي .

والتلمساني لا يعرف توحيد العبادة ولا يعرف السنة ، وإنما هو يخلط في هذا أكبر الخلط ولا عجب .

فهؤلاء الأربعة ومَن على شاكلتهم متخرجون من مدرسة واحدة ، ألا وهي مدرسة الإخوان المسلمين ، والمدرسة معروفة في أصولها وفي مناهجها ، فلا عجب أن تخرج أمثال هؤلاء في المستقبل ، ولا عجب أن يكون أمثال هؤلاء موجودين في مثل هذا الزمان ما دام أنهم تربوا على أصول تلك المدرسة .

فالإنكار عليهم وعلى ما هم فيه من تأصيل متعين لأنهم يضلون الشباب باسم الدعوة ، والشباب يعظمونهم باسم أنهم دعاة إلى الإسلام .

وأما الحافظ ابن حجر والنووي فما سمعنا يومًا من الأيام أن أحدًا صار ينافح عن قضية من القضايا العقدية التي أخطأا فيها بحجة أن الحافظ ابن حجر قال أو النووي قال ، وإنما مضت أخطاؤهما في وقتها وبقي انتفاع الناس بعلومهما الغزيرة وأفهامهما المستنيرة ، وأما أولئك فلا يقارنون ولا يجوز أن يجعلوا في مصاف هؤلاء ولا أن يقاس الثَّرَى على الثُّرَيَّا .

***

سؤال : ما الفرق بين الجماعة والفِرقة ، وهل يدخل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم « تَفْتَرِقُ أُمَّتِي على ثَلاثٍ وسَبعينَ فِرْقَةً » ([4]) الجماعات الموجودة الآن ، ومنها جماعة التبليغ وجماعة الإخوان المسلمين وغيرهما ؟

جواب : نقول : إن هناك فَرقًا بين الجماعة والفِرقة ؛ فأصل الفِرَق ناتج عن الخلاف في الدين ، فسميت فرقة لأنها افترقت عن أهل السنة والجماعة وخرجت عما دلَّ عليه الكتاب والسنة في أبواب الدين ، فمن خالف في باب من أبواب الدين واحدًا كان أو جماعة صار فِرقة ؛ لأنه فرق ، ويصدق عليه قول الله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[ الأنعام : 159 ] .

وأما إذا كان التجمع لا على أصل عقدي وإنما هو لأجل دعوة ونحوها ، فإنه لا يوصف ذلك التجمع بأنه فرقة ؛ لأنه لم يقصد به الاجتماع على عقيدة ، وإنما قصد به اجتماع لدعوة ، ولكن أتت العقائد تبعًا ، فيكون على هذا الحال بعض الجماعات الموجودة إذا كان تجمعها في الأصل ليس عقديًّا فلا تدخل في اسم الفرقة ، وكل واحد من المنتمين إليها يعامل بحسب ما يعتقد ، فإن كان يعتقد معتقد الأشاعرة فيقال : هو من فرقة الأشاعرة ، وإن كان معتقدًا اعتقاد المعتزلة فيقال : هذا من فرقة المعتزلة ، وإن كان يعتقد معتقد أهل السنة والجماعة ، ولكنه ينتمي إلى بعض هذه الأحزاب ، فيقال : هذا خالف منهج أهل السنة والجماعة حيث دخل في الحزبيات ونحوها .

وهذا ليس عامًّا في كل جماعة ، فالجماعات تختلف ، فالذي يظهر لي – والله اعلم – أن جماعة الإخوان المسلمين في الأصل لم تكن تجمعًا عقديًّا ، ولهذا لا يحكم عليها بأنها فرقة من الفرق الضالة ، وإنما يقال : جماعة ضالة ، مخالفة للهدي ومخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة ، ويحكم على كل فرد بحسب حاله . أما ما يجري من أمور محدثة ودعوة الناس إلى بيعات صوفية فهذا داخل في مسمى ذلك ، بحسب ما يظهر من هذا التأصيل .

لكن لا يعني أننا لا ندخل مثل جماعة الإخوان في الفرق أنه لا يحكم عليهم بحكم الفرق ، فكوننا نعدها فرقة هذا شيء ، وكوننا نحكم على أفرادها وعلى من رفع بعض أفكار الفرقة بحكم أهل الفرقة هذا شيء آخر ، فيجب الإنكار عليهم كل بحسب نِحلته ، وما يرفعه من أفكار الفرق التي يتبناها ، هم ليس عندهم أصل عقدي يرجعون إليه ، وإنما عندهم ميوعة في العقيدة ، كل بحسب حاله ، ففي نجد لهم حال ، وفي الشام لهم حال ، وفي مصر لهم حال ، وفي الهند لهم حال ، يتشكلون بحسب الموقع الذي هم فيه ، فيعامل أفرادهم بحسب ما هم عليه ، وينكَر عليهم مخالفة أهل السنة والجماعة في الإجمال ، وأما عدهم من الفرق فلا يظهر لي ذلك .

والذي يجب علينا أن نعلم أن قول النبي عليه الصلاة والسلام : « افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلَى إِحْدَى أَوِ ثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَتَفَرَّقَتِ النَّصَارَى عَلَى إِحْدَى أَوْ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً » . قالوا : ومن هي يا رسول الله ؟ قال : « الْجَمَاعَةُ » ([5]) . أو نحو هذا اللفظ من الألفاظ التي وردت في هذا الحديث .

يجب أن نعلم أن هذا من أحاديث الوعيد ، ولا يعني ذلك أن هذه الفرق مخلدة في النار ، فهي متوعدة بالنار ، وأما الفرق المخلدة في النار فهي ليست داخلة في الثنتين وسبعين فرقة ؛ من مثل فرقة الجهمية ومن مثل الرافضة الغلاة ونحو ذلك .

فهؤلاء ليسوا داخلين أصلًا في الثنتين وسبعين فرقة ، أما من دخل في هذه الثنتين وسبعين فرقة فهو متوعد بالنار ، ولا يقتضي ذلك أن يحكم على الفرقة عامة بأنها خالدة في النار ؛ لأننا إذا حكمنا عليها بأنها خالدة في النار كان ذلك متفرعًا عن تكفيرها ، والسلف لم يكفروا هذه الفرق بإجمال ، لكن قد يكفر بعض من في هذه الفرق بحسب حاله ، فبعضهم يقول : هذه فرق نارية ، وهذا يوهم أن يكون المراد أنها فرق مخلدة في النار ، وهذا لا يقتضيه الحديث كما نبه على ذلك أئمة أهل السنة . والله أعلم .

***

سؤال : نرى أقوامًا من الدعاة والوعاظ لا يربطون الناس بالمذهب السلفي في تلقي العلم ، أرجو توضيح النص حول ذلك ؟

جواب : نقول : الإمام مالك – رحمه الله تعالى – بين بكلمة غالية ما يجب اتخاذه والعمل به ، فقال : ” لن يصلح آخر هذه الأمة إلا الذي أصلح أولها ” ، وهذه الكلمة منهاج واضح ، فمن أراد صلاح آخر هذه الأمة فليأخذ بما أصلح أولها ، ولم يصلح أول هذه الأمة إلا الإقبال على الكتاب والسنة ، فالصحابة – رضوان الله عليهم – أخذوا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – العلم الذي من أخذه أخذ بحظ وافر ، وقد علمهم النبي – عليه الصلاة والسلام – التوحيد في مكة سنين عددًا قبل أن يُفرض كثير من الفرائض وقبل أن يحرم كثير من المحرمات ، فأمرهم بالتوحيد وعلمهم إياه ، ونهاهم عن الشرك وعلمهم أفراده ونهاهم عنه ، ولما فهموا هذا صارت قلوبهم قلوبًا صالحة تحمل هذا الدين وتلين لله جل وعلا ، وتخضع وتحب أمره وتحب ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت خاضعة مستسلمة منقادة للأمر والنهي .

فإذا صلحت القلوب – وصلاحها إنما يكون بالاعتقاد الصحيح بالتوحيد لا غيره – صلحت الأعمال وصلح الجسد كله ؛ كما جاء في الصحيح عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : « أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ » ([6]) .

فالقلب إذا صلح صلح الجسد كله ، وصلاحه بصلاح قوله وعمله ؛ فإن القلب له قول وله عمل ، فصلاح قول القلب بصلاح النية ، وصلاح عمل القلب بصلاح اعتقاده ، فإذن إذا رُبي الشباب على غير ما يصلح به القلب ، وعلى أن تفهم العقول ما يجري حولها والقلب ليس بصالح في نيته ولا في عقيدته ؛ فإننا والحال هذه لا نرجو صلاح آخر هذه الأمة .

ولهذا يحب على الشباب أن يقبلوا على العلم النافع ، وأعلى العلم النافع هو علم الاعتقاد ، ثم علم الحلال والحرام ، هذان العلمان هما اللذان بهما ينفع الله – جل وعلا – العباد ، والشباب خاصة ، ويجعل الله بهما الشباب والعباد لينة قلوبهم ، مستقيمة أعمالهم ، فيرجى لهم الصلاح بعد ذلك إذا استقاموا على هذا المنهج وعلى هذا الطريق ، فسبيل الإصلاح هو العلم ، العلم لا غير .

ونحن بحاجة اليوم إلى من ينشر العلم ، فالنبي – صلى الله عليه وسلم – توفي ولم يورث إلا شيئًا واحدًا ؛ ورث العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، قال عليه الصلاة والسلام : « الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ » ([7]) ، فالأنبياء في حياتهم هم الذين ينشرون الحق والهدى ، ويردون الباطل والردي ، وبعد وفاتهم من الذي يحمل الراية من بعدهم ؟

العلماء لا غير ، بنص قوله عليه الصلاة والسلام : « الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ » فتعين أن طريق التربية الصحيحة هو على ما به صلاح القلوب وصلاح الجوارح ، وذلك إنما يكون عن طريق العلم النافع .

***

سؤال : ما هي الأصول التي تنبني عليها جماعة الإخوان المسلمين ؟

جواب : إن من أبرز مظاهر الدعوة عندهم التكتم والخفاء والتلون ، والتقرب إلى من يظنون أنه سينفعهم ، وعدم إظهار حقيقة أمرهم ، يعني أنهم نوع من أنواع الباطنية ، ومنهم من خالط بعض العلماء والمشايخ زمانًا طويلًا وهو لا يعرف حقيقتها .

ومن مظاهر الجماعة وأصولها أنهم يغلقون عقول أتباعهم عن سماع القول الذي خالف منهجهم ، ولهم في هذا الإغلاق طرق شتى متنوعة ؛ منها إشغال وقت الشاب جميعه من صبحه إلى ليله حتى لا يسمع قولًا آخر ، ومنها أنهم يحذرون ممن ينقدهم ، فإذا رأوا واحدًا من الناس يعرف منهجهم وطريقتهم وبدأ في نقدهم وفي تحذير الشباب من الانخراط في الحزبية البغيضة أخذوا يحذرون منه بطرق شتى ؛ تارة باتهامه وتارة بالكذب عليه ، وتارة بقذفه في أمور هو منها براء ، وهم يعلمون أن ذلك كذب ، وتارة يقفون منه على غلط فيشنعون به عليه ويضخمون ذلك حتى يصدوا الناس عن اتباع الحق والهدى .

وهم في ذلك شبيهون بالمشركين في خصلة من خصالهم ؛ حيث كانوا ينادون على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجامع بأن هذا صابئ وأن فيه كذا وفيه كذا ؛ حتى يصدوا الناس عن اتباعه .

أيضًا مما يميز الإخوان عن غيرهم أنهم لا يحترمون السنة ولا يحبون أهلها ، وإن كانوا في الجملة لا يظهرون ذلك ، لكنهم في حقيقة الأمر لا يحبون السنة ولا يدعون لأهلها ، وقد جربنا ذلك في بعض من كان منتميًا لهم أو يخالط بعضهم ، فتجد أنه لما بدأ يقرأ كتب السنة مثل صحيح البخاري أو الحضور عند بعض المشايخ في قراءة بعض الكتب حذروه وقالوا : هذا لا ينفعك . يعني أنهم لا يقرون فيما بينهم تدريس السنة ولا محبة أهلها ، فضلًا عن أصل الأصول ألا وهو الاعتقاد بعامة .

من مظاهرهم أيضًا أنهم يرومون الوصول إلى السلطة ؛ وذلك بأنهم يتخذون من رءوسهم أدوات يجعلونها تصل ، وتارة تكون تلك الرءوس ثقافية ، وتارة تكون تلك الرءوس تنظيمية ، يعني أنهم يبذلون أنفسهم ويعينون بعضًا حتى يصلوا بطريقة أو بأخرى إلى السلطة ؛ يعني إلى سلطة جزئية ؛ حتى ينفذوا من خلالها إلى التأثير . وهذا يتبعه أن يكون هناك تحزُّب ؛ يعني يقربون مَن هم في الجماعة ، ويبعدون من لم يكونوا في الجماعة ، فيقال مثلا : فلان ينبغي إبعاده ، ولا يمكَّن من التدريس ، لماذا ؟ لأن عليه ملاحظات ، ما هي هذه الملاحظات ؟ ليس من الإخوان .

يعني صار عندهم حب وبغض في الحزب أو في الجماعة ، وهذا كما جاء في حديث الحارث الأشعري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : « مَن دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جُثَا جَهَنَّمَ » . قالوا : يا رسول الله ، وإن صام وإن صلى ؟ قال : « وإنْ صامَ وإنْ صَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ ، فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ بِأَسْمَائِهِمْ ، بِمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ عِبَادَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ » ([8]) . حديث صحيح .

ولهذا ينبغي للشباب أن يُنبهوا على هذا الأمر بالطريقة الحسنى المثلى حتى يكون هناك اهتداء إلى طريق أهل السنة والجماعة وإلى منهج السلف الصالح ، كما أمر الله – عز وجل – بقوله : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ النحل : 125 ] .

أيضًا من مظاهرهم ، بل مما يميزهم عن غيرهم أن الغاية عندهم من الدعوة هي الوصول إلى الدولة ، وهذا أمر ظاهر بيّن في منهج الإخوان ، بل في دعوتهم ، الغاية من دعوتهم هي الوصول إلى الدولة ، أما كيف ينجو الناس من عذاب الله – جل وعلا – وأن تبعث لهم الرحمة في هدايتهم إلى ما ينجيهم من عذاب القبر ومن عذاب النار وما يدخلهم الجنة وما يقربهم إليها ؛ فليس ذلك عندهم كبير أمر ولا كبير شأن ولا يهتمون بذلك ؛ لأن الغاية عندهم هي الدولة .

ولهذا يقولون : الكلام في الحكام يجمع الناس ، والكلام في أخطاء الناس ومعاصيهم يفرق الناس ، فابذلوا ما به تجتمع عليكم القلوب ، وهذا لا شك أنه خطأ تأصيلي ونية فاسدة ؛ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – بين أن مسائل القبر ثلاثة ؛ يُسأل العبد عن ربه ، يعني عن معبوده ، وعن دينه ، وعن نبيه صلى الله عليه وسلم ، فمن صحب أولئك زمنًا طويلًا ؛ عشر سنين أو عشرين سنة أو أكثر أو أقل ، وهو لم يُعلَّم ما ينجيه إذا أُدخل في القبر فهل نُصِحَ له وهل أُحب له الخير ؟ فلو أحبوا المسلمين حق المحبة لبذلوا النصيحة فيما ينجيهم من عذاب القبر وفيما ينجيهم من عذاب الله ، ولعلموهم التوحيد ، وهو أول مسئول عنه من ربك ، أي من معبودك .



( [1] ) أخرجه الإمام أحمد ( 3 / 403 ، رقم 15333 ) ، وابن أبي عاصم في السنة ( 2 / 521 ، رقم 1096 ) .

( [2] ) أخرجه مسلم ( 1 / 69 ، رقم 49 ) .

( [3] ) أخرجه البخاري ( 9 / 55 ، رقم 7098 ) . ونصه : قيل لأسامة : ألا تكلم هذا ؟ قال : قد كلمتُه ما دون أن أفتح بابًا أكون أول من يفتحه ، وما أنا بالذي أقول لرجل بعد أن يكون أميرًا على رجلين : أنت خير بعد ما سمعت من رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : « يُجاءُ برَجُلٍ فيُطْرَحُ في النارِ فيَطْحَنُ فيها كطَحْنِ الحِمارِ برَحَاهُ ، فيُطِيفُ به أهلُ النارِ فيقولونَ : أيْ فُلانُ ، ألستَ كنتَ تأمُرُ بالمعروفِ وتَنْهَى عن المُنْكَرِ ؟! فيقولُ : إني كنتُ آمُرُ بالمعروفِ ولا أفعلُه ، وأنهى عن المنكرِ وأفعلُه » .

( [4] ) أخرجه أبو داود ( 2 / 608 ، رقم 4596 ) والترمذي ( 5 / 25 ، رقم 2640 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1321 ، رقم 3991 ) وأحمد ( 2 / 332 ، رقم 8396 ) .

( [5] ) أخرجه أبو داود ( 2 / 608 ، رقم 4596 ) والترمذي ( 5 / 25 ، رقم 2640 ) ، وابن ماجه ( 2 / 1321 ، رقم 3991 ) وأحمد ( 2 / 332 ، رقم 8396 ) .

( [6] ) أخرجه البخاري ( 1 / 20 ، رقم 1599 ) ، ومسلم ( 3 / 1219 ، رقم 1599 ) .

( [7] ) أخرجه أبو داود ( 2 / 341 ، رقم 3641 ) والترمذي ( 5/48 ، رقم 2682 ) وابن ماجه ( 1/81 ، رقم 223 ) والإمام أحمد ( 5 / 196 ، رقم 21715 ) .

( [8] ) أخرجه الإمام أحمد ( 4 / 130 ، رقم 17170 ) .

شاركها مع أصدقاءك