بواسطة :
الزيارات : 3٬243 مشاهدة
  • إسم الملف : أسباب الثبات على الدين
  • عدد الزيارات : 3٬243 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد الأحد ، الحي القيوم ، عالم الغيب والشهادة ، الذي يُجير ولا يُجار عليه ، هو الفتاح يفتح على عباده ، وهو الجبار يَجْبُر كَسْرهم ويجبر ضعفهم، وهو أَهْل التقوى وأهل المغفرة ، أهلٌ لأن يتقِّيَه العباد أعظمَ تقوى ، وأن يخافوه وأن يرهبوه ، كما أنه سبحانه هو أهل المغفرة يَمُنُّ بها على من يشاء من عباده،  ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ ([1]).

أحمد الله حمدًا كثيرا وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدا .

أما بعد :

فأسأل الله جل وعلا أن يجعلني وإياكم ممن استعمله في طاعته ، وفتح لهم وعلى أيديهم أبواب الخيرات ، وغَلَّق لهم وعلى أيديهم أبواب الشرور والمنكرات ، كما أسأله سبحانه أن يجعلنا من المتعاونين على البر والتقوى ، والمتحابين فيه ، والمتناصحين فيه ، إنه جواد كريم .

المقدمة :

الثبات على الدين أمر مطلوب في كل حال ، وفي كل أوان ، وفي كل زمان ومكان ، لأن القلب يتقلب ، لهذا كان من مِنَّةِ الله – جل وعلا – على عبده محمد ابن عبد الله – عليه الصلاة والسلام – أن قال الله – سبحانه وتعالى – له : ] {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا [ ([2])، وقال – جل وعلا – لنبيه – صلى الله عليه وسلم – : ] {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا [ ([3])، وقال أيضًا لنبيه : ] فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [ ([4]) ، وقال أيضًا له : ]فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ [ ([5]).

ولأجل أهمية الثبات على الدين وأنه مطلب من أعظم المطالب الدينية والشرعية كان من دعاء النبي – صلى الله عليه وسلم – : « اللهم يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك » ([6]) ، وقال – صلى الله عليه وسلم – : « اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك » ([7]) .

وفي كل زمن – كما ذكرت – يحتاج المرء إلى أن ينظر في أمر دينه وكيف يُحَصِّل أسباب الثبات عليه وفي أزمنة الفتن والتقلبات والأحوال التي قد لا يعرف جُلُّ الناس مُبْتَدأها ولا مُنْتَهاها ولا عِلَّتَها الأولى ولا علتها الغَائِيَّة فإنه يعظم أن يحرص العبد على البعد عن أسباب الفتن ليكون ثابتًا على دينه .

وموضوعنا اليوم في الحقيقة مُهِمٌّ لكل وقت ولهذا الزمن بخصوصه والثبات على الدين يَظهر عند مَن عَظَّم الدين وعرف أثره ، فتعظيم الله جل وعلا دِين وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم بما يناسب مقام الرسالة دِين وتعظيم القرآن والسنة دين والبعد عن أسباب الهوى دين وهذه كلها مأمور بها في القرآن والسنة ، لهذا كان الثبات على الدين مطلبًا شرعيا غاية في الأهمية .

والعبد الذي يُعظم شأن هذه الأشياء يعرف أثر ذلك على النفس ، يعرف أنه من أهم المهمات ، ولهذا كان من تلاعب بدينه على خطر عظيم ، من ظن أن الدين والشرع مسرح لكل أحد ، أو ميدان لا خطر على مَنْ دخله ، فمن تعدى الحدود خُشِيَ عليه .

الثبات على الدين ثبات على الكتاب والسنة ثبات على الحق القديم ، ثبات على سبيل من شهد الله جل وعلا لهم بالرضوان والمغفرة والنجاة . والدين يختلف ، فهناك دين الفِرقة الناجية وهناك دين أهل الأهواء ولكن الحقيقة أن الدين الحق هو الذي نسعى إلى الثبات عليه وهذا يتطلب معرفة وعلما به ، لذا صار عندنا أصلان عظيمان لأساب الثبات على الدين نجعلهما توطئة لما بعدهما :

أساب الثبات على الدين :

أما الأول : فهو الاعتصام بالكتاب والسنة والحق القديم .

وأما الثاني : فهو العناية بالعلم النافع من أهله الذين تحققوا بفهم طريقة الفرقة الناجية والطائفة المنصورة .

أما الاعتصام بالكتاب والسنة فهو مطلب عظيم ، ولهذا بوب البخاري ، أو كتب البخاري في صحيحه كتابًا سماه الاعتصام بالكتاب والسنة .

وكثير من أهل العلم صنفوا مصنفات خاصة في هذا المعنى ، أعني الاعتصام ، أو الاعتصام بالكتاب والسنة ، وذلك لأن الاعتصام بالكتب والسنة له أثران :

الأثر الأول : الثبات على الدين .

والأثر الثاني : رد الأهواء وأسباب الفتن التي ترد على القلب .

الاعتصام بالكتاب والسنة :

والاعتصام بالكتاب والسنة هو الاعتصام بالله والاعتصام بشرعه الذي هو الكتاب والسنة ، لهذا قال جل وعلا : ] واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا [ ، اختلف أهل العلم بالتفسير في معنى حبل الله – هنا – على أقوال : منها أن حبل الله هو الإخلاص له جل وعلا ومنها أن حبل الله هو القرآن ومنها أن حبل الله هو السنة المبينة للقرآن ومنها أن حبل الله هو الجماعة وهذا هو المروي عن ابن مسعود – رضي الله عنه – .

وقد قال جماعة من المفسرين منهم القرطبي : إن هذه الأقوال متقاربة – وهي من اختلاف التنوع هذه العبارة مني – هذه الأقوال متقاربة كلها صحيح وبعضها يدل على بعض ، فمن أخذ بالقرآن أخذ بالسنة ومن لزم القرآن والسنة هُدي إلى الإخلاص ومن التزم بذلك فهو من جماعة المسلمين .

أما الجماعة التي فسر بها ابن مسعود معنى الاعتصام بالكتاب والسنة ، فهي جامعة لما تفرع من هذه التفاسير ، وذلك أنه جل وعلا جعل الحبل مقابل للفرقة ، قال : ] واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا [ والكتاب والسنة يدعوان إلى الاجتماع وينهيان عن الفرقة ، قال جل وعلا في سورة الشورى لما ذكر الرسل : ] شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحًا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه [ وقال هنا : ] واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا [ وقال : ] وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم [ وهذا ظاهر بَيِّن في الملازمة ما بين لزوم الجماعة والنهي عن الفرقة .

قال العلماء – علماء أهل السنة – : إن الجماعة في الكتاب والسنة لها معنيان وإن الفرقة المنهي عنها لها معنيان :

 أما الجماعة بالمعنى الأول : فهي جماعة الدين وهو الاجتماع على الدين الحق الذي هو مُبَيَّن في الكتاب وفي السنة وفَهِمَه سلف هذه الأمة .

وأما الجماعة بالمعنى الثاني : فهي جماعة الأبدان وهي الاجتماع على من وَلَّاه الله الأمر ، لهذا جاء في الحديث الصحيح : (( إن الله يرضى لكم ثلاثًا ، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بالله جميعًا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ويكره لكم ثلاثًا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال )) .

فالاعتصام بالكتاب والسنة أعظم أسباب الثبات على الدين ، بل هو أُسُّها وركنها الوثيق وخلاصة ما ذكرت أن لزوم الجماعة لزوم الدين الحق وعدم التفرق فيه وهناك ملازمة ظاهرة ما بين التفرق في الدين والتفرق بين الناس في أبدانهم ، أو من جهة لزوم الإمام أو ولي الأمر ، وذلك أنهم إذا تفرقوا في الدين وكانوا شيعًا وأحزابًا فإن ذلك سيؤدي إلى التفرق الآخر وإذا تفرقوا في أمر الدين ولم يؤمنوا بالكتاب كله واتبعوا أهواءهم فإنهم سيتلاعنون ويتفرقون في أبدانهم كذلك .

ولهذا نجد أن كل الفتن التي حدثت في تاريخ المسلمين إنما حصلت من جراء الأهواء وعدم لزوم الجماعة في الدين والجماعة لفظها يدل على التكثير وقد لا يكون الآخذ بها كثيرا ، قد يكون أكثر الناس على غير الجماعة ولهذا قال بعض السلف : الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك ، فهذا إبراهيم الخليل – عليه السلام – كان أُمَّةً ، لقوله تعالى : ] إن إبراهيم كان أمة [ والأمة : هي الجماعة العظيمة وهو مع كونه واحدًا ، لكن الله جعله أمة لئلا يستوحش سالك الطريق مِنْ قِلَّة السالكين .

فعند ظهور الفتن أو التقلبات يحصل اضطراب ، فالمخرج في الثبات على الدين والبعد عن أسباب الفرقة ، إنما يكون بلزوم جماعة الدين وجماعة الأبدان ولابد أن يكون هناك اختلاف في زمن الفتن أو زمن التقلبات ، ، لأن شيئا ما حدث ، أو لأنه حدث شيء وأعظم ذلك ما حصل بين أبي بكر الصديق وبين عمر بن الخطاب – رضي الله عنهما – لما عزم الصديق على قتال مانِعِي الزكاة ، فعزم الصديق على ذلك فناظره عمر ، أو سأله عمر : كيف تقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ؟ فقال أبو بكر – رضي الله عنه – : لأُقاتِلَنَّ مَن فَرَّق بين الصلاة والزكاة . فهذا الأمر التبس على عمر – رضي الله عنه – ثم بعد ذلك لزم طريق أبي بكر فقال – كما في الصحيح – : فلما رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال علمت أنه الحق .

لم يتبين عمر – رضي الله عنه – الأمر من جميع جوانبه ، لكنه لما رأى انشراح صدر أبي بكر لذلك قال : علمت أنه الحق . لأنه رجع إلى أصل الجماعة والالتزام بالجماعة هو الحق ، لأن المسألة إذا لم تكن ظاهرة عند صاحبها بدليل ظاهر بَيِّن قاطِع فإن لزومه للجماعة حينئذ هو المخرج له من زيغه في دينه أو بُعده عن الصواب .

فالاعتصام بالكتاب والسنة يشمل لزوم نصوص الكتاب والسنة التي تحث على لزوم الدين وعدم التفرق فيه وتحث على البحث عن الحق والتحري في ذلك وتحث على لزوم الجماعة وتحث على حفظ اللسان والبعد عن أسباب الرَّدَى ، مما سيأتي بيانه فيما نستقبل إن شاء الله .

التحلي بالعلم النافع :

أما الأصل الثاني – فيما ذكرنا – فهو العلم النافع الذي يجعل المرء متحققًا بمفاهيم الكتاب والسنة ومعاني الأدلة عن أهله المتحققين بفهم طريقة السلف وأهل الحق القديم .

الحق موجود ، الحق ليس يخلو منه زمان ، فلابد من وجود الحق والأمة لا يغيب عنها الحق في أي وقت من الأوقات ، بل لابد أن يكون ثَمَّ حق وأن يكون ثمَّ قائم لله بحجته في بيان هذا الحق ، لأن الله قد حفظ هذا الدين ولأنه لابد أن يبقى الحق – كما قال الأصوليون – إلى قيام الساعة .

وهذا هو معنى وجود الفرقة الناجية التي هي الطائفة المنصورة ، هي منصورة بالسيف والسنان عند وجود مقتضى الجهاد الشرعي ومنصورة دائمًا بالحجة والبيان ، لأنها على الحق القديم .

وقد قال بعض السلف : الحق قديم ولكن الشأن فيمن يتكلم به وهذا أمرٌ بَيِّن ظاهر في أن الحق ليس خفيًّا ولكن قد يشتبه على بعض الناس ، فإذا اشتبه الأمر – خاصة في زمن الفتن – كان من أسباب الثبات على الدين أن يؤخذ الحق من أهل العلم المتحققين به .

قد يكون الكلام أحيانًا فيه خير وقد يكون السكوت أفضل وربما يكون البيان محمودًا وربما يكون السكوت محمودًا .

ولهذا قال الخليفة عمر بن عبد العزيز – رحمه الله تعالى – قال عن السلف في وصف حالتهم – يعني من الصحابة وكبار التابعين – في وصف حالتهم وشأنهم وخلالهم ، قال : قِفْ حَيْثُ وَقَفَ القوم ، فَإِنَّهُم عَنْ عِلْم وَقَفوا ، وببَصر نافذ كَفُّوا . وقد ذكرها ابن قدامة في كتابه “لُمْعة الاعتقاد” وهي مخرجة في الكتب المسندة وصفهم بقوله : إنهم عن علم وقفوا وببصر نافذ كفوا .

فمن أسباب الثبات على الدين أن يقف المرء على علم صحيح وأن يَكُفَّ ببصر نافذ ، أما إذا لم يقف على عِلم صحيح ولم يَكُفَّ ببصر نافذ ، بل خاض بغير علم ولم يكف لعدم بصيرته ، فلابد أن يحدث منه الخلط والهوى .

لهذا فإن العلم النافع مهم جدًّا ، لكن هل من مقتضى الزمن الذي تتغير فيه الأحوال أن يكون العلم ظاهرًا لكل أحد ، أم أنه قد يظهر لبعض الناس ويخفى على بعضهم ؟

الجواب : أن العلم قد يكون ظاهرًا لكل أحد وقد يكون في بعض المسائل مبنيا على مقدمات شرعية من الأدلة أو من قواعد الشريعة ، أو من فهم الواقع ، لا يفقهها كل أحد ، لذلك فليس من شرط السلامة من الفتنة أو الثبات على الدين أن يفقه كل أحد كل الحق في زمن الاختلاف ، وقد ذكرت لكم قصة عمر – رضي الله عنه – مع أبي بكر وهي ظاهرة في هذا المجال وكذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقع صلح الحديبية وما حصل فيه من مراجعة عمر – رضي الله عنه – للنبي صلى الله عليه وسلم حينما قال له : يا نبي الله ألَسْنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال : (( بلى )). قال : فعلام نقبل الدنية في ديننا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إني رسول الله وإن الله ناصر رسوله )) أو كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام .

كذلك في وقت قتل عثمان – رضي الله عنه – حصل الخلاف بين معاوية ، وبين علي – رضي الله عنهما – فعلي – رضي الله عنه – رأى أن الفتنة أقبلت فأراد أن يجمع الناس قبل البحث في مسألة دم عثمان والبحث عن قتلته ، يريد أن يجمع الناس فإذا تمكن من ذلك بحث عن القتلة ، لأن مصلحة الاجتماع أعظم ، أما معاوية – رضي الله عنه – فرأى أن المطالبة بدم عثمان هو المتعين أولًا ، فحصل الخلاف بينهما ووقعت منه ما وقعت وكان عند أهل السنة والجماعة – كما هو مدون في عقائد السلف – أن الصواب مع علي – رضي الله عنه .

كذلك لما حدثت فتنة عبد الرحمن بن الأشعث ، المشهورة وخرج فيها معه من خرج ، التبس الأمر على جمع من الفقهاء ، لكن آل الأمر إلى أن اتضح الأمر للشَّعْبي ولعدد ممن كان قد ذهب مع ابن الأشعث .

وفي زمن الإمام أحمد ، في فتنة خلق القرآن ، التبس الأمر حتى على بعض العلماء ، فمنهم من كَنَّ ومنهم من ظهر ، فصار كلام الإمام أحمد هو الحجة في ذلك ، لأنه تمسك بالحق القديم في هذا .

الأمر يعود إلى أنه في زمن الاختلاف قد لا يكون الحق ظاهرًا عند كل الفئات ، فلابد حينئذ من التسليم لأهل العلم ، لأنه لا يمكن في الفتنة أو في الاختلاف أن يعلم كل أحد كل شيء ، أو أن يُدرك الأمور الشرعية بتفاصيلها والمصالح والمفاسد وكيف ترعى .. إلى آخره . حفظت شيئًا وغابت عنك أشياء .

وهذا من أسباب الثبات على الدين ، لا في حق الفرد في نفسه بل في حق مجموع الأمة ، الثبات على دينها العام أن يُراعى الأخذ من أهل العلم المتحققين به .

النظر إلى عواقب الأمور :

الثالث : أنه عند الاختلاف تشتبه البدايات والمآلات ، فإذا نظر المسلم في شأنه وجب حينئذ أن ينظر – في حال الاختلاف – في مآلات الأشياء لا في مبتدئها ، لأن مبتدأها لا يعني الصواب فيها ، بل الصواب هو غاياتها ومنتهاها ، ولهذا عرَّف بعض العلماء الحِكْمة بأنها وضع الأمور في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها .

والمعرفة بالمآلات أصل شرعي ولهذا جاءت قواعد شرعية تُأصل ذلك المبدأ دائمًا في الشريعة وتحتاجه للثبات على الدين في زمن الفتن .

ومن تلك القواعد : درء المفاسد مقدم على جلب المصالح . نظر فيها العلماء إلى المآلات .

وقاعدة ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما . فيمكن أن يكون عندي مفسدتان لابد أن أرتكب واحدة منهما ، فأختار المفسدة الصغرى وأترك المفسدة الكبرى ، هذا هو المتعيَّن .

ومن القواعد المتصلة بذلك قاعدة سد الذرائع ، فالذرائع الموصلة أو الموسعة أو الْمُفْضِيَة إلى الفتن يجب أن تُسَدّ ، حتى لا يكون الناس في ريب من دينهم .

ضرب ابن القيم – رحمه الله – في “معالم الموقعين عن رب العالمين” أو “إعلام الموقعين عن رب العالمين” ضرب أمثلة كثيرة لذلك أذكر منها مثالين ، منها مثال يتعلق بالمشركين وصنيع النبي صلى الله عليه وسلم معهم في مكة ومثال يتعلق بالمنافقين وصنيع النبي صلى الله عليه وسلم معهم في المدينة ، قال : إن المشركين آذوا النبي صلى الله عليه وسلم وآذوا الصحابة في مكة وحاصروهم في العام المعروف سنة عشر المسمى عام الشِّعْب ، حاصروهم في الشعب وضيقوا عليهم ، سأله طائفة من الصحابة ، سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في منى ، قالوا : يا رسول الله ، لو شئت لملنا على أهل منى بأسيافنا ،فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا )) أو قال : (( لَم نؤمر بعد )) .

قال ابن القيم : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة الدين مقدمة على القتال ، لأن مآل القتال ليس في مصلحة الدين .

والمثال الثاني : صنيع النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين ، فالمنافقون كانوا يكيدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعملوا مسجدًا ضرارًا وقالوا ما قالوا وتخلفوا عن الجهاد وكانوا يُثَبِّطون المؤمنين وسعوا بالفساد ، فلم يعاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم ، بل أجراهم على الظاهر ، فظاهِرُهم الإسلام وباطنهم النفاق ، فلما طُلِب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتلهم قال : (( لا ، لا يُتحدث أن محمدًا يقتل أصحابه )) .

قال ابن القيم : فجعل مفسدة ترك العقوبة لهم محتملة لأجل المفسدة الكبرى وهي ألا يُقال : إن محمدا يقتل أصحابه .

وهذان مثالان مهمان في هذا الصدد .

فمن أسباب الثبات على الدين ، في زمن الاختلاف وفي كل حال أن تنظر في الأمور ، تنظر إلى مآلاتها وألا تكتفي بالنظر إلى مقدماتها ، فالناس يشتركون جميعًا في معرفة المقدمات ، في معرفة البدايات ، لكن من يعرف المآل وما هي المصلحة التي تتخذ تجاه هذه المآلات ؟ يعرفها أهل الرسوخ في العلم ، أهل العقل ، أهل الإدراك ولاة الأمر .. ونحو ذلك .

ولهذا قال جل وعلا في سورة النساء : ] وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [ فهنا قال : ] إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به [ ، لأن الجميع يشترك في معرفة هذا الخبر وفي معرفة بداياته ، لكن هنا نبه الله جل وعلا إلى أن الرد إلى الرسول وإلى أولي الأمر يُحدث استنباط مآلات هذا الأمر ، قال : ] لعلمه الذين يستنبطونه [ هو خبر ، لكن ماذا يستنبطون ؟ يستنبطون هنا المآلات منه وما هي المصلحة تجاه ذلك .

لهذا ذم السلف الدخول في الفتن وامتدحوا الحرص على الدين وكف اللسان ، لأن المآلات تخفى وإذا نظرت إلى ما حدث في التاريخ من حوادث وجدتها ناتجة عن معرفة بالبدايات وجهل بالنهايات .

وقد ذكر البخاري – رحمه الله – أنهم كانوا ينشدون إذا ابتلوا بالحرب : الْحَرْبُ أَوَّلَ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ

حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا وَلَّتْ عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ

شَمْطَاءَ يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ        مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ

بداياتها فتية ، نقول لنا الغلبة ، نضربهم .. إلى آخره ، تسعى بزينتها لكل جهول ، هل تسعى بزينتها لأهل النظر ؟ لا ، قال : لكل جهول . يقول : كان السلف يحبون أن يذكروا هذا البيت إذا بدأت الحروب وهذا ظاهر بيِّن في فقههم في النهي عن ذلك .

كف اللسان :

الرابع : أن يَكُفَّ العبد لسانه ، فاللسان هو ميدان الابتلاء ، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ، فَقَالَ : (( ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ – أو قال على وجوههم – إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) . قد يعاقب الله العبد بكلامه بأنه يصرفه عن رؤية الحق ، لأنه تسرع فيما لا علم له به ولأنه نسب للشريعة ما لا علم له به ، ولهذا كان كف اللسان من منهج السلف .

ومن أسباب الثبات على الدين في كل حال وفي زمن الاختلاف والفتن بخصوصه ، أن يكف العبد عليه لسانه . نرى أنه في زمن الاختلاف تتكلم الألسنة بما شاءت ، يقول الناس : هذا مذموم وهذا مقدوح وهذا على الصواب وهذا على الباطل وهذا فيه وهذا فيه ، ما بين قادح وهذا يؤيد هذا وهذا يؤيد هذا .

والواجب أن يُكَف اللسان أولًا وأن يقول العبد خيرًا أو ليصمت ، لأن باللسان تكون الفرقة وقد يؤدي ذلك إلى وقوع العداوة والبغضاء بين الناس ولك أن تتأمل التاريخ كله لتجد أنه ما حدثت فتنة إلا وقع بعدها فُرقة ، لأن الناس أكثرهم لا يدركون معنى كَفِّ اللسان ومعرفة القواعد ، بل يخوضون غيرةً ، أو يخوضون حماسًا ، أو يخوضون رغبة في الانتصار لهذا أو هذا ولكن كَفٌّ اللسان مدعاة للتقليل من أثر الفتن والتغيرات على المسلمين . فالله جل وعلا قال لعباده : ] وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزَغ بينهم [ .

فمن أسباب ثباتك على الدين ألا تَشْغَلَ لسانك في زمن الفتن بالأحكام التي تُلقى ، أحكام التكفير أو التضليل ، أو نحو ذلك ، لأن هذه الأحكام لها ما بعدها من التصرفات وليسعك ما وسع السلف من أنهم يركنون إلى أهل العلم وأنهم يكفون عليهم ألسنتهم .

فمثلًا عند الاختلاف تبدأ الأحكام : هذا كافر ، هذه ردة ، هذه بدعة ، هذا ضال ، هذا مداهن ، هذا فاجر ، هذا .. إلى آخره . والناس إذا ضعف عندهم العمل للإسلام والسعي فيما فيه الخير صاروا أهل حكم وهم على الأرائك ، يجلس على أريكته ويبدأ يُصدر من الأحكام والأقوال .. إلى آخره وهو لا يعمل في الحقيقة للإسلام ، بل غَرَّه الشيطان من أن عمله للدين يكون بإصدار هذه الأحكام والأقوال . والواجب على المسلمين العمل ، نعم من قال كلامًا على وجه الغيرة فإنه يُعامل بحسبه ولا يؤاخذ كما يؤاخذ من قاله عن هوى ، كما فعل عمر – رضي الله عنه – حينما قال لحاطب : يا رسول الله دعني أضرب عُنق هذا المنافق . سماه منافقًا مع أنه بَدْرِيٌّ ، لأجل الغيرة ، فلم يؤاخذ عمر – رضي الله عنه – بذلك لأجل الغيرة ، لكن الواجب أن نكف الألسنة وأن نترك الأحكام لأهل العلم ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما )) ، فمن الخطر العظيم أن نُصدر الأحكام دون الرجوع إلى أهل العلم المتحققين فيها .

الإقلال أو الامتناع عن رؤية الفضائيات :

الخامس : الإقلال أو الامتناع عن رؤية الفضائيات المختلفة ، حتى في الأمور الإخبارية ، لأن عدو الأمة يعلم أن مصدر الاضطراب عند الناس إنما يكون بالمعلومات ، سواء الصادقة أو الكاذبة ولهذا من طالع هذه الفضائيات – كما ترون اليوم – وما فيها من أخبار بعضها صحيح وبعضها غير صحيح ومن الحوارت التي تؤدي إلى تفشي الجهل .

وقد جاء في الصحيح – صحيح البخاري – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال – وتأملوا هذا الحديث وهو من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام – قال : (( لا تقوم الساعة حتى يَقِلَّ العلم ويُبث الجهل )) . فإذا كان المسلم الذي يجالس عالمًا في اليوم ساعة أو ساعتين يكتسب منه علمًا ويؤثر ذلك في نفسه ، فكيف إذا جالس جاهلًا أو فاسقًا أو منحرفًا ساعات طويلة أمام هذه القنوات الفضائية ؟

فأولًا : الحذر منها من جهة الشبهات ، لأنها تُعطي شبهات وقد يشك المرء ممن يدمن النظر أو يعتني بها ، قد يشك في دينه .

والثاني : فليحذر منها من جهة الشهوات ، لأنها سبيل أيضًا إلى تغيير تدين العبد ، قد يحتاج بعض الناس لأسباب شرعية أن ينظر بعضها مما فيه مصلحة للدين ، لكن العامة – عامة الناس – لا يناسبهم ذلك ولهذا يجب الحذر من هذه القنوات الفضائية ومن نظر فيها فليميز وإذا وجد نفسه أنها تتأثر ولا تُميز بل يُصدِّق ما جاء فيها ، أو تُستثار النفوس بما فيها فإنه ينبغي أن يحذر على دينه من ذلك وعلى ألا يقع في تلك البراثن التي تفسد على الناس دينهم .

لذلك ينبغي التنبه إلى هذا وقد أبلغني بعض الإخوة أن هناك الكثير من الناس من أدمن النظر في مثل هذه القنوات الفضائية وهذا مذموم من جهة كثرة الشبهات الواردة فيها ومن جهة تسلط الشهوات وأصحاب الشهوات على هذه القنوات والله جل وعلا يقول : ] ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا [ وهذا ظاهر بيِّن .

الإكثار من العبادة :

السادس : كثرة العبادة ، من أسباب الثبات على الدين أن يعلم الله جل وعلا منك أنك مُعَظِّم له مُحِبٌّ لقُرْبِه وللتقرب منه جل وعلا وخاصة عند زمن الاضطراب والفتن .

تُعَظِّم العبادة بتوحيد الله جل وعلا وتعظم طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم بمداومة الصلاة فَرْضِها ونَفْلِها وقراءة القرآن وذكر الله ، ولا تنشغل بكلام الخلق عن كلام الخالق ، لا تهجر القرآن .

فهذا هو الإمام أحمد – رحمه الله – كان لا يمر عليه يوم إلا نشر المصحف وقرأ فيه مع أنه كان حافظًا ، لأن النظر في المصحف له شأنه ، وذلك مع كثرة ما هو عليه من أمور أهل العلم وهو العالم الجليل الذي كان الناس يفزعون إليه في العلم والفتوى .

وإذا أردت أن تقيس نفسك وتعرف عند الله قدْرك فانظر شأن الصلاة والقرآن عندك ، فإذا كنت تجد أُنسًا في الصلاة وأنسًا في قراءة القرآن فيُرجى أن تكون على خير ، أما إذا كنت تجد قسوة في القلب فاحذر وحاذر ، لأن الله جل وعلا يعاقب ومن عقوبته أن يجعل قلب العصاة قاسيا وهذا خطر عظيم مع إنه ميزان مهم .

العبادة من أعظم أسباب الثبات على الدين ولهذا قال جل وعلا : ] ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا وإذًا لآتيناهم من لدنا أجرًا عظيمًا ولهديناهم صراطًا مستقيمًا ومن يُطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا [ .

قال في أولها : ] ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم [ فأقبِل على ربك واسأله الثبات ، اسأله البصيرة في أوقات الإجابة وفي آخر الليل ، فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم ، الذي تكفل له ربه بالحق وهو الذي يهدي إلى الحق وبه يقضي – عليه الصلاة والسلام – كان يقول في دعائه في ليله : (( اللهم اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) .

والاغترار بالنفس وترك العبادة وعدم اللجوء إلى الله جل وعلا من أسباب الوقوع في الأهواء وهذا مدخل من مداخل الشيطان .

الخاتمة :

ختامًا : أسباب الثبات على الدين كثيرة متنوعة ، لكن يجمعها ما ذكرنا من الاعتصام بالكتاب والسنة ولزوم الجماعة وأخذ العلم عن أهله المتحققين به والبعد عن الأهواء والنظر في المآلات والاعتبار بالعلل الغائِيَّة للأشياء ولزوم كف اللسان ولزوم العبادة والحذر مما يلقيه أعداء الإسلام إلينا في وسائلهم المختلفة عبر نَقَلةٍ إما قاصدين أو غير قاصدين .

كما أني أُنبه إلى أن المسألة عظيمة اليوم والواجب تحري العلم بدليله وتحري الحكم في المسائل والنظر فيها بدليلها الشرعي وفق القواعد الشرعية ، لأن الشريعة جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد ، جاءت بالحفاظ على أهل الإسلام وعلى بيضتهم ولو ارتكبت بعض المفاسد ، فإن ارتكاب بعض المفاسد الصغرى للحفاظ على المطالب الكبرى أمر مطلوب في الشرع والقواعد والنصوص تقتضيه .

ومما يجب على طالب العلم عند الاختلاف أن ينظر في القواعد الفقهية ، لأن القواعد الفقهية فيها رؤية لتعليلات الأحكام ومقاصد الشريعة ومن نظر في الشريعة بدون معرفة المقاصد وعلل الأحكام والقواعد الشرعية الفقهية التي نص عليها أهل العلم ، فإنه قد لا يدلك على الصواب فيما ينظر فيه من الأحكام .

أختم بهذا وأسأل الله جل وعلا لي ولكم التوفيق والسداد وأن يجعلنا وإياكم ممن مَنَّ عليهم بالثبات على الدين وأشكر في الختام أخي الشيخ عبد الله بن سليمان المهنا ، على تقدمته وعلى عنايته بالأسئلة وعلى جهده الدائم معنا في الوزارة فيما فيه النفع العام . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

شكر الله لمعالي الشيخ هذه الكلمة الطيبة ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه وأن يكتب لمعالي الشيخ الأجر والمثوبة . وفيما بين الأذانين نعرض على معالي الشيخ بعض الأسئلة التي وردت ، ننتقي منها ما يناسب المقام :

الأسئلة :

سؤال : بعض الأخوة استشكل قول معاليكم في وصف الحق بأنه قديم ، يريد إيضاحًا لهذه الكلمة .

الجواب : هذه الكلمة قالها طائفة من السلف ويعنون بها أن الحق موجود في الكتاب والسنة وعند السلف من الصحابة والتابعين وعند أئمة الإسلام ، فلا يمكن لأحد أن يأتي في زمن ويقول : أنا وصلت إلى مسألة عرفت فيها الحق مع أن المتقدمين وأئمة الإسلام لا يعرفونه . ولهذا قال الإمام أحمد – رحمه الله – : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام . لماذا ؟ لأن هذه المسائل الشرعية الكبرى موجودة وما تفرقت الفرق وظهرت الأهواء إلا لعدم تسليمهم لمن سبقهم بالإيمان والعلم ، فالخوارج ظهروا لأنهم لم يسلموا للصحابة والحق قديم مع الصحابة .

والرافضة رأوا أن الحق ليس مع السنة وإنما معهم فيما أحدثوا وكذلك القدرية والمعتزلة وغيرهم من الفرق ، فغلاة الفرق يقولون : نحن أحدثنا هذه الأشياء لكذا . لكن الحق قديم ، الحق ليس محدثًا ، الحق لا يزال في الأمة .

سؤال : بارك الله فيكم ، يقول : معالي الشيخ ، في أوقات الفتن – أعازنا الله منها – يكاد يزيغ قلب المسلم لكثرة الرءوس الجهال الذين يَضلون ويُضلون ويتورع العلماء الربانيون عن الخوض في هذه الفتن والسلامة لا يعدلها شيء . ما توجيه معاليكم للشباب المسلم ، خصوصًا من كان حريصا على طلب العلم وجزاكم الله خيرًا ؟

الجواب : وصيتي هي الأخذ بما دلت عليه آي القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وقواعد السلف في هذا المضمار وقد ذكرت لك في هذه المحاضرة طرَفا منها ، فأرجو لمن أخذ بها لوضوح أدلتها أن يكون ممن حافظ على دينه ولم يعرض دينه للأهواء والعلماء لا شك أنهم يسكتون في موضع السكوت ويبينون في موضع البيان وهذا أمر ظاهر بين ، فحسن الظن بهم وتوقيرهم والثقة بمقالهم واجب ، لأنه هو الذي يقتضيه قول الله جل وعلا : ] فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون [ إذا اشتبهت الأمور ، فإذا سألت أو أخذت بكلام جماعة أهل العلم ، فإنك على خير وهدى .

سؤال : بارك الله فيكم ، يقول : معالي الشيخ ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، قرأنا لمعاليكم فتوى في مجلة الدعوة بعدم الدعاء على اليهود والنصارى بالهلاك ، فأشكل علينا قول نوح عليه السلام : ] رَبِّ لا تَذَر على الأرض من الكافرين دَيَّارا [ فنأمل من معاليكم توضيح هذه الفتوى ، مع ذكر الأدلة .

الجواب : هذا على إثر سؤال جاء حين قمت بزيارة لمؤسسة الدعوة الصحفية التي تُصدر مجلة الدعوة وقد نبهت مرارًا من قديم على هذه المسألة لعدم موافقتها لأصول الاعتقاد وذلك أن الدعاء بالهلاك بعامة على الكفار هذا كان لنوح عليه السلام والرسل بعده لم تدعوا بالهلاك العام ، قال جل وعلا : ] وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا [ إلخ .. الآيات والنبي صلى الله عليه وسلم قال له الملَك : (( لو شئت لأطبقت على أهل مكة الأخشبين )) . فقال : (( لا لعل الله أن يُظهر من أصلابهم من يعبد الله وحده لا شريك له )) . ولعن النبي صلى الله عليه وسلم بعض صناديد الكفر ، فنزل عليه – كما في كتاب التوحيد – فنزل عليه قول الله تعالى : ] ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون [ . وهدي النبي صلى الله عليه وسلم وهدي الصحابة في دعائهم على الكفار أن يكون دعاءً خاصًّا على المعتدي أو على الظالم ، على من حارب الإسلام وأهله ، كما في دعاء عمر في القنوت : اللهم عليك بِكَفَرَةِ أهل الكتاب الذين يصُدُّون عن دينك ويقاتلون أولياءك .

أما الدعاء على اليهود والنصارى جميعًا بالاستئصال فإنه لا يجوز شرعًا وهو من الاعتداء في الدعاء وذلك لأن الله جل وعلا أخبرنا أن اليهود والنصارى سيبقون إلى زمن خروج المسيح الدجال ، فإذا دعا أحد بأن يستأصلهم الله جل وعلا الآن قبل نزول المسيح الدجال فهو اعتراض على ما أجرى الله حكمته وقدره الكوني ببقائهم إلى آخر الزمان .

ولهذا لم يؤثر عن أحد من السلف ولا من أئمة الإسلام أنه دعا بهذا الدعاء العام على اليهود والنصارى وإنما يُدعى بالدعاء الخاص لمن قاتل ، لمن حارب ، لمن آذى المؤمنين ونحو ذلك .

الأمر الثاني أن الله جل وعلا له الأسماء الحسنى والصفات العُلَى ومن المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن للأسماء الحسنى والصفات العلى آثارًا على خلق الله جل وعلا ، فمنها أسماء وصفات ترجع إلى عموم الخلق ومنها أسماء وصفات يرجع أثرها إلى خاصة المؤمنين ، فمما يرجع إلى عموم الخلق : الخالق ، الرازق ، المحيي ، المميت ، الخافض ، الرافع ، القابض ، الباسط وبعض أنواع الرحمة . فأسماء الله جل وعلا وصفاته لها أثر على جميع خلقه ، مؤمنهم وكافرهم ، ولهذا نبه الله جل وعلا إبراهيم الخليل على هذا الأصل وفي تنبيه إبراهيم الخليل عليه السلام على ذلك تنبيه لجميع الحنيفيين ، قال إبراهيم الخليل : ] وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر [ ، قال الله جل وعلا : ] قال ومن كفر [ .

يعني أن مسألة الرزق هذه من آثار ربوبية الله لعباده ، فرزق العباد وسلامتهم من الأمراض وإعطاؤهم الصحة والأرزاق والإفاضة عليهم ، أو ابتلاؤهم ، هذه من آثار الربوبية ، فليست خاصة بالمؤمن دون الكافر ، ولهذا الدعاء – مع عدم وروده عن أحد من الأئمة ولا من السلف ولا ثبتت به سنة ولا قول صحابة – أيضًا هو مخالف – كما ذكرنا – لسبب نزول قول الله تعالى : ] ليس لك من الأمر شيء أو يتوبَ عليهم أو يعذبَهم فإنهم ظالمون [ .

ومنافاة حكمة الله جل وعلا اعتداء في الدعاء ، مثلًا يدعو بدعاء مستحيل في دعائه ، يقول : اللهم أخرج نبيًّا يهدي الناس . فالنبوة خُتمت وهذا دعاء باطل لمنافاته لما أخبر الله جل وعلا به .

أو دعا فقال : اللهم أخرج المهدي الآن ، اللهم أنزل المسيح عيسى بن مريم الآن . فهذا دعاء باطل ، لأنه قد أخبر الله جل وعلا وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم أن وقت خروج المهدي أو نزول عيسى عليه السلام لم تأتِ علاماته الآن .

أو يدعو بدعاء ممتنع من جهة الخلق ، هذا كله من الاعتداء في الدعاء ، هذا مأخذ الكلمة التي نُشرت في مجلة الدعوة .

سؤال : هذا سؤال ورد من الإمارات عبر الإنترنت : امرأة مصرية مقيمة في الإمارات وأمها مريضة في مصر وتريد زيارتها ، لكن الأم أقسمت ألا تزورها ابنتها ، فهل يجوز أن تزورها وتُكفر عن يمين أمها ؟

الجواب : لا ، تطيع والدتها ، يجب عليها أن تُطيع أمها ، لأن زيارة المريض ، زيارة الأم المريضة حق لها وبر بها ، فإذا أسقطت عن نفسها هذا الحق لسبب تعلمه ، أو لرفق بولدها أو بابنتها ، فإن هذا الحق لها ، فليس لها أن تخالف أمها في ذلك ، بل البر أن تُطيع أمها في البقاء .

سؤال : ألا يرى معاليكم في ظل كثرة القنوات الفضائية واحتوائها على كثير من الباطل ضرورة إنشاء قناة إسلامية ذات عقيدة صحيحة ومنهج سليم ، تُبَثُّ من أرض الحرمين الشريفين ؟

الجواب : وهذا واجب وإن شاء الله الوسائل الآن المساعدة لوجود هذه القناة الفضائية قائمة وستخرج إن شاء الله في السنة القادمة ، نسأل الله التيسير .

سؤال : هذا سائل يقترح أن يكون لوزارة الشئون الإسلامية صفحات في الجرائد اليومية ، تُبيِّن وتُبرز أنشطة الوزارة بمحاضراتها ودروسها وكلماتها .

الجواب : هذا أمر طيب ومطلوب ، لكن ما يُنشر في الصحف – كما تعلمون – على نوعين شيء تختاره الصحيفة وهذا متروك لهم ، تُعطيهم الخبر والمحاضرة والمقال وهُم يختارون النشر أو عدم النشر والقسم الثاني أن تدفع الثمن ، يعني يُمكن أنه نأخذ صفحتين لكن بثمن وثمن ذلك مرتفع جدًا إذا كانت الصحيفة يومية ، لهذا أخذنا في بعض الصحف صفحتين أو ثلاث أو أربع بحسب الإمكانات ولبعض المناسبات وأظن أنه يوجد الآن في بعض الجرائد أظنها الجزيرة ، صفحة أو صفحتان للوزارة وصفحتان لهيئات الأمر بالمعروف في ذلك وعلى العموم التواصي بالحق في هذا الأمر مطلوب ونرجو أن يتحقق ما ذكره السائل بهذا الشكل أو بغيره .

سؤال : يقول : هل توصونني في ظل هذه الأحداث أن أدخل مع الناس في نقاش وأُبَيِّن الحق أو أعتزل وأترك الخوض في ذلك ؟

الجواب : هذا يختلف بحسب المَلكة ، إذا كان عند الإنسان مَلكة قوية وطلب للعلم وقوة في الحُجَّة على إظهار موقف أهل العلم بالبرهان والدليل ويستطيع أن يُبين فليُبين وهذا إن شاء الله من الجهاد المأجور عليه ، أما إذا كان يخشى على نفسه لضعف ملكته ، أو عدم قدرته على الجدال وعلى مناقشة من يكون أَلْحَن بحُجَّته ، فإن الأفضل له أن يُبَيِّن السُّنَّة ويبين كلام أهل العلم ، ثم يسكت ، لهذا قال الإمام مالك لمن سأله : الرجل عنده السُّنَّة أيجادل عليها ؟ فقال الإمام مالك : لا ، يُخبر بالسنة فإن قُبلت منه وإلا سكت .

لأنه أحيانًا يأتي من يُجادل ويُقنع الآخر لضعف علمه بخلاف السنة وقد قال بعض السلف : لا تُصغي إلى ذي هوى بأذنيك فإنك لا تدري ما يُلقي إليك . المسألة في مثل هذه الأزمنة ترجع إلى الملكة والقدرة والثبات على ذلك .

في ختام هذا البيان الطيب لا يسعنا إلا أن نشكر معالي الشيخ على هذا البيان والإيضاح ونشكر لكم حضوركم واستماعكم ونسأل الله تعالى أن يكتب ذلك في ميزان الجميع والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد .



([1] )    سورة البقرة : الآية 284 .

([2] )    سورة الإسراء : الآية 74 .

([3] )    سورة النساء : الآية 66.

([4] )    سورة  هود : الآية 112.

([5] )    سورة الشورى : الآية 15.

([6] )    أخرجه مسلم (4/2045 ، رقم 2654) .

([7] )

شاركها مع أصدقاءك