بواسطة :
الزيارات : 4٬394 مشاهدة
  • إسم الملف : أخلاق الداعية إلى الله
  • عدد الزيارات : 4٬394 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

أخلاق الداعي إلى الله وصفاته

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيُّه وخليله ، نشهد أنه بلغ الرسالة وأدَّى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق الجهاد وتركنا بعده – عليه الصلاة والسلام – على طريق بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده – صلى الله عليه وسلم – إلا هالك . اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد ما تتابع الليل والنهار ، كلما صلى عليه المصلون ، وكلما غفل عن الصلاة عليه الغافلون . . .

أما بعد . .

فأسأل الله – جلَّ جلاله – أن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر ، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا أذنب استغفر . وأسأله –سبحانه – أن يجعلنا من الذين يدعون إلى الله – جل وعلا – على بصيرة ؛ إذ هم أولياء محمد عليه الصلاة والسلام ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ[ سورة يوسف : الآية 108 ] .

مقدمة :

موضوع هذا الكتاب “ أخلاق الداعي إلى الله وصفاته” ، وأخلاق الداعي إلى الله هي دينه ؛ لأن الخلق يطلق في الشريعة إطلاقين :

1-   الإطلاق الأول :

أي المعنى العام ، وهو الدين فالدين كله خلق ، قال – جل وعلا – في وصف نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ[ سورة القلم : الآية 4 ] ، وثبت في صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها – أنها أجابت سعد بن هشام عندما سألها عن خلق رسول الله قائلة له : « أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ » قُلْتُ : بَلَى ، قَالَتْ : « فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ »([1]) ، يعني أنه صلى الله عليه وسلم كان قرآنًا يمشي على الارض ، يمتثل القرآن في عبادته وفي توحيده وفي خلقه وفي تعامله مع نفسه وفي تعامله مع من حوله ، فهو وحيٌ يوحى عليه عليه الصلاة والسلام .

وهذا الإطلاق العام لمعنى الخلق في الشريعة مرده أن الخلق يشمل كل أحكام الشريعة من العقيدة ، ومن امتثال الأمور العبادية والمعاملات والآداب إلى غير ذلك . وأثر هذا الإطلاق ما يسميه الناس بالأخلاق ، فإن الأخلاق التي يُسمي الناسُ من يتحلى بها في قولهم “هذا صاحب خلق” هي من آثار الالتزام بالشريعة ، فمن لم يكن خلقه حسنًا فلا يمكن أن يكون ملتزما بالشريعة ، ولهذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام – مدح ذوي الخلق الحسن فقال : « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا ، المُوَطَّئون أَكْنَافًا([2]) ، الذين يَأْلَفُون ويُؤْلفون ، ولا خير فيمن لا يَأْلَف ، ولا يُؤْلف » ([3]) .

فإذًا ما يسميه الناس حسن الخُلُق وصاحب أخلاق لا يكون إلا إذا حكّم صاحبه القرآن والسنة على نفسه قولًا وعملًا .

وتحكيم الكتاب السنة على النفس ليس في الأمور الظاهرة فقط أي في أمور الملبس والمأكل والمشرب وأمور الشكل العام ، وهي من الأمور المهمة ، بل يشمل كافة مناحي الحياة ، وكل ما له صلة بالتعامل مع الآخرين . إذن فصاحب الخلق الحسن هو من يلتزم بآداب الشريعة ظاهرا وباطنا مع نفسه ومع الآخرين وفي كل تعاملاته مع أفراد المجتمع .

 

2-   الإطلاق الثاني :

وهو أن صاحب الخلق الحسن من أُعطى ملكة تحلَّى فيها بما يمدح في تعامله مع الناس ، فيما يأتي وفيما يذر . وفي هذا قال عليه الصلاة والسلام : « اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ » ([4]) . فالخلق الحسن هذا إطلاق خاص في التعامل مع الناس في أن يكون رؤوفًا بهم رحميا عليهم ، يأتي إليهم بما يحب أن يأتوا إليه به . وهذا – كما ذكرنا في النوع الأول – هو ما يفهمه الناس من إطلاق لفظ الأخلاق الحسنة .

والبحث في أخلاق الداعي إلى الله – جل وعلا – وصفاته بحث في الخلق وما يتحلى به المؤمن صاحب السنَّة من أخلاق تتوافق مع عقيدة أهل السنة والجماعة التي تشمل ثلاثة أقسام :

1 – القسم الأول : يشمل بيان أركان الإيمان الستة وما يتصل بذلك من الإيمان بالله وتوحيده في ربوبيته ، وإلهيته ، وأسمائه وصفاته ، والإيمان بالملائكة ، وبالكتب ، وبالرسل ، وباليوم الآخر ، وبأن القدر خيره وشره من الله تعالى وما يتعلق بذلك .

2 – القسم الثاني : يشمل صحة النهج في أنواع التعامل ، ومخالفة الفرق الضالة ، ولهذا بحث أهل السنة في العقيدة مسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وطاعة الولاة وعدم الخروج عليهم في غير المعصية ، وكذلك بحثوا مسائل الصحابة وأمهات المؤمنين ، ومسألة المسح على الخفين ، والحج والجهاد مع الأمراء أبرارًا كانوا أم فجارًا ، ومسائل كثيرة صارت من العقيدة لأن بها يفارق السني أهل البدع .

3 – القسم الثالث : يشمل الأخلاق ، ولهذا لو تأمل متأمل “الواسطية” لشيخ الإسلام ابن تيمية لوجده قد قسمها هذه الأقسام الثلاثة ، وبيَّن فيها أن هذه الرسالة موضوعة لبيان معتقد أهل السنة والجماعة فقال في أولها : أما بعد . . . “فهذا اعتقاد الفرقة الناجية والطائفة المنصورة – أهل السنة والجماعة »([5]) ، ثم ساق معتقدَهم ، ثم ذكر في آخر رسالته أخلاق أهل السنة والجماعة وصفاتهم في عبادتهم وفي أنفسهم ، ومن هذه الصفات التي ذكرها : « وهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، ويأمرون بالصلاة ، ويقومون الليل ويصلون الأرحام ويأمرون بذلك ، ويخالقون الناس بخلق حسن إلى آخر ما ذكر فيها من موضوعات .

إذًا فالكلام عن أخلاق الداعي ليس كلامًا نظريا إنشائيًّا ، فمن رأى الفصل بين هذه الأقسام الثلاثة في عقيدة أهل السنة والجماعة فما فهم عقيدة أهل السنة والجماعة ، فصاحب السنة هو الذي يمتثل هذه الثلاث ، فتجد أنه في خلقه وفي دعوته ممتثلًا السنة كما أنه يمتثلها في أمور عقيدته وتعامله مع الناس .

ولا شك أن القسمين الأولين من العقيدة – وهما أركان الإيمان الستة ، وصحة المنهج – واجبان ، أما الأخلاق فمنقسمة إلى ما هو واجب وما هو مستحب بحسب تفاصيل ذلك . ومن ثَم يتبين أن الكلام عن أخلاق الداعي إلى الله وصفاته يمكن أن يُقسَّم إلى قسمين :

1-         القسم الأول : أخلاق الداعي إلى الله وصفاته إذا كان فردًا .

2-         القسم الثاني : أخلاق الداعي إلى الله وصفاته إذا كانوا جماعة أو مجموعة .

أما القسم الأول فنقدم له بمقدمتين :

المقدمة الأولى : وهي أن الدعوة إلى الله مهمة ومنوطة بالجميع ، كلٌّ بما يعلم أو على قدر علمه ؛ لأن النبي – عليه الصلاة والسلام – أمر بالتبليغ فقال « بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً »([6]) ، وقال – عليه الصلاة والسلام – في الحديث الصحيح : « نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ »([7]) ، فكل واحد منا ينبغي ألا يحرم نفسه من هذا الخير .

والدعوة إلى الله – جل وعلا – ليست أمرًا عسيرًا ، بل هي أمر يسير إذا انضبط المرء فيما يدعو إليه بضوابط الشرع ، فيمكن أن تدعو المرأة في بيتها ، ويمكن أن يدعو الشاب في مدرسته ، كلٌّ بحسب ما عنده ، فالدعوة إلى الله متجزئة وليست شيئًا واحدًا يأتي جميعًا أو يذهب جميعًا . وسيأتي الكلام عن ذلك في أخلاق الداعي وصفاته وما ينبغي أن يتحلى به ، وكيف يدعو إلى الله سبحانه .

المقدمة الثانية : أصل الدعوة قائم على التعبد ، والدعوة تبليغ وليست إلزامًا ، فالإلزام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ ولهذا فرَّق – جل وعلا – بين الدعوة وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آية آل عمران فقال سبحانه : ﴿ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ[ سورة آل عمران : الآية 104 ] .

والفرق بين الداعية والمحتسب الآمر والناهي أن الداعية لا يُلزم إنما هو مُبلِّغ محبِّب ومبشِّر ، أما المحتسب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فلديه سلطةٌ من ولي الأمر يُلزم الناس بالأمر ويلزمهم بالحق ، فمثلًا في شأن الصلاة الداعي يأتي إلى من لا يصلي فيذكره بأن الصلاة واجبة عليه ، ويرغبه بالأساليب المحببة إلى النفوس ، ويخوفه من حكم ترك الصلاة وعقوبته لعله أن يستجيب ، أما الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر فيأتيه بالأسلوب الحسن أولًا ، ويأمره بالصلاة ، فإن لم يستجب ألزمه ، فإن لم يستجب عاقبه ؛ لأنه مخول بذلك .

ومن هنا كان الفرق واضحا بين المحتسب أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر والداعي إلى الله في المجتمع المسلم . وقد فرقت الآية بينهما بالواو ، وقد قال العلماء إن الواو تقتضي المغايرة ، والمغايرة هنا مغايرة صفات لا مغايرة حقيقة ؛ لأن كلا من الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوة إلى الله ، لكن ثمَّ مغايرة في الصفات لا في الذات ، كما فرق –تعالى – وغاير بين الكتاب والقرآن في قوله : ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ [ سورة الحجر : الآية 1 ] فالكتاب والقرآن شيء واحد ، لكن جاء العطف بالواو ليقتضي التغاير في الصفات لا في الذات .

عظم شأن الدعوة إلى الله :

الدعوة إلى الله – جل وعلا – عبادة ، وهذا أمر بين واضح ، ووجه كونها عبادة أن الله – جل وعلا – أمر بها وأثاب الداعي إلى الله – جل وعلا – وعظَّم شأنه . فأمره سبحانه بالدعوة في قوله : ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [ سورة الشورى : الآية 15 ] هذا أمر . وخص – تعالى – عظم شأن الداعي إليه بقوله : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ ﴾ [ سورة فصلت : الآية 33 ] .

ومن المقرر في الأصول أن المسألة وأن الشيء إذا أُمر به فهو عبادة ، وإذا بُيِّن الثواب على إتيانه فهو عبادة . وإذا كانت الدعوة عبادة فلا شك أن للعبادة شرطين لصحتها وقبولها ، وهما الإخلاص والسنة أي الاتباع .

 – خلق الإخلاص :

وشروط صحة العبادة هي الإخلاص والسنة فمن لم يأت في العبادة بالإخلاص واتباع السنة فإنه لم يأت بالعبادة على وجهها الصحيح ، بل هي غير مقبولة منه ؛ ولهذا لم تقبل دعوة الخوارج ولا قبلت دعوة الضالين ؛ لأنهم وإن كانوا في دعوتهم مخلصين لله لا يرغبون في شيء مما في يد الخلق لكنهم لم يتابعوا السنة ، فصاروا مأزورين غير مأجورين ، بل قال النبي – عليه الصلاة والسلام : « الْخَوَارِجُ كِلابُ أَهْلِ النَّارِ » ([8]) ثم قال صلى الله عليه وسلم في وصفهم : « يحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم ، وصيامه مع صيامهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز تَراقِيَهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » ([9]) ، ثم قال –صلى الله عليه وسلم – في حديث آخر : « فأينما لَقِيتُمُوهم فاقْتُلَوهم ، فإنَّ في قَتْلِهم أَجْرًا لمن قتلهم يوم القيامة » ([10]) .

وهؤلاء يدعون ويجاهدون ويخلصون ويرون أن فعلهم هذا يقرب إلى الله – ولم يعبأوا بالخلق لكنهم لم يتبعوا السنة ، كانوا على خلاف طريقة السلف طريقة الصحابة رضوان الله عليهم ، فصار عملهم مردودًا عليهم .

 أما عن الإخلاص في الدعوة كيف يكون الداعي إلى الله مخلصًا في الدعوة إليه ؟ ضابط الإخلاص العام – أي في جميع العبادات أن يقصد المرء بالعمل وجه الله – جل وعلا – وألا يقصد غيره ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى » ([11]) . فمن قصد بقوله وعمله وجه الله وحده يبتغي ما عنده فهذا هو المخلص .

وهناك إخلاص عام وإخلاص خاص ، فالإخلاص العام يشمل كل المسائل ، أما الخاص فلكل مسألة ضابط يميزها عن غيرها ، فمثلا ضابط الإخلاص في طلب العلم أن ينوي المتعلم رفع الجهل عن نفسه ، فمن طلب علما سواء أكان في المساجد أو في الجامعات أو في أي مكان أو استمع إلى دروس فيجب عليه أن ينوي بذلك رفع الجهل عن نفسه ، هذا ضابط خاص ، مع النية العامة في الإخلاص وهو أن يقصد بذلك التقرب إلى الله جل وعلا .

كذلك في الدعوة يجب أن ينوي مع التقرب إلى الله – جل وعلا – وحده دونما سواه ، ضابط الإخلاص في الدعوة وهو دلالة الخلق على ربهم – جل وعلا – وألا يكون مترفعًا بينهم كما قال – جل وعلا – : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾[ سورة يوسف : الآية 108 ] .

قال إمام الدعوة في مسائل كتاب التوحيد في قوله : ﴿ إِلَى اللَّهِ﴾ تنبيه على الإخلاص ؛ لأن هناك من يدعو إلى الله وهو يدعو إلى نفسه أو إلى شيخه . فيجب أن يريد الداعي إلى الله بدعوته تقريب الخلق إلى ربهم ، وأن يكونوا عبادًا حقيقين لله – جل وعلا – ، وبهذا يكون الداعي مخلصًا . أما إذا دعاهم إلى الله ليرتفع أو ليظهر أو ليشتهر بين الناس أو دعا ليكون منتسبًا إلى فلان ، فهذا خلاف الإخلاص . وما أكثر من يقع في هذا وهو لا يشعر وهذا إذا طرأ على النفس فيجب أن ينطرح العبد بين يدي ربه يسأله أن يرزقه الإخلاص في أقواله وأعماله الإخلاص .

 – اتباع السنة :

أما الشرط الثاني فهو السنة ، فأهم أخلاق الداعي إلى الله وصفاته أن يكون في دعوته وفي عبادته على خُطى النبي صلى الله عليه وسلم ، متبعًا طريقة السلف الصالح ، فلا يدعو إلى شيء يخالف السنة ، فلا يدعو إلى الأهواء والآراء ، بل يدعو إلى الواضح الجلي من الكتاب والسنة ، فإذا اشتبهت عليه الأمور فليأخذ بالمتيقن ، وإياه المشتبهات ؛ لأن الداعي إلى الله إذا أدخل دعوته في المشتبهات ربما يحبط عمله وهو لا يشعر ؛ لأنه لا يعلم أهو على السنة الصحيحة أم لا . وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ثعلبة الطويل – وقد حسنَّه طائفة من العلماء : « يا أبا ثعلبة : مروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، فإذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوًى مُتَّبعًا ودنيا مؤثرة ، ورأيت أمرًا لا بد لك من طَلَبه فعليك نفسَك ، ودعهم وعوامهم ، فإن وراءكم أيام الصبر ، صبر فيهن كقبض على الجمر ، للعامل فيهن أجر خمسين يعمل مثل عمله . . . » ([12]) الخ الحديث .

وجاء عنه – صلى الله عليه وسلم – أيضًا أنه أجاب من سأله : وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال عليه الصلاة والسلام : « نَعَمْ » . فَقُلْتُ : هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ ؟ قَالَ : « نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ([13]) » . قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ ؟ قَالَ : « قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي, وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ » .

فقوله « يهدون » أي يدعون ويهدون بغير هدي ، « تعرف منهم » أي عندهم أشياء صواب موافقة للسنة « وتنكر » وعندهم أشياء مخالفة للسنة . ثم يكمل السائل : « هَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ ؟ قَالَ : « نَعَمْ ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا » . فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ , صِفْهُمْ لَنَا . قَالَ : « نَعَمْ ، قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا([14]) ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا » . قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ , فَمَا تَرَى إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ  ؟ قَالَ : « تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ » . فَقُلْتُ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلاَ إِمَامٌ  ؟ قَالَ : « فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ ، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ » ([15]) .

إذا فاتباع السنة في الدعوة من أهم المهمات ، وألا يسير الداعي إلى الله في دعوته حسب هواه – وسيأتي ذلك في صفات الداعي – حتى يكون عمله مقبولًا إن شاء الله تعالى .

 – خلق العلـم :

فليس ثَم دعوة بلا علم ، ومعلوم أن العلم عموما يتجزأ لسعته ، كذلك العلم الشرعي يتجزأ لسعته ، كذلك الدعوة تتجزأ أيضا لسعتها .

قال – جل وعلا – : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ[ سورة يوسف : الآية 108 ] قال العلماء : البصيرة العلم . وسمي العلم بصيرة ؛ لأن العلم للقلب كالبصر للعين . فالعلم يُبيِّن للعالم – بتوفيق الله جل وعلا – الطرقَ ؛ حتى لا تشتبه عليه الأمور إذا ما اشتبهت على غيره من العوام والجهلاء مهما كانت الفتن ، فتكون الطريق واضحا أمامه .

فمثلًا إذا علم الداعي مسألة من مسائل التوحيد كوجوب عبادة الله وحده لا شريك له فإنه يرد الشرك بأنواعه ويرد عبادة الأولياء والقبور والأوثان ، وإذا علم وجوب تحكيم شرع الله وعلم وجوب وصف الله – جل وعلا – بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فإنه يدعو إلى هذا الأصل الذي علمه وتيقنه .

وفي أمر الصلاة مثلا إذا كان الداعي لا يعلم كل تفاصيل باب الصلاة بوضوح ، لكنه يعلم أن الصلاة واجبة وأنها تجب حيث يُنادى بها ، فليدعو إلى ذلك ما دام قد علمه ، ولا يقول أنا لست بعالم بكل تفاصيل هذه العبادة فلا أدعو . ويدعو حتى ولو بتلاوة الآية التي فيها الحث على الصلاة أو قراءة الحديث الذي يتكلم عن ذلك .

وكذلك الأمر في الزكاة ، والصيام ، والمبيعات والأخلاق والاجتماعيات . . . إلخ . فكل من عنده علم فله أن يدعو إلى ما علمه ، بشرط أن يكون قد علمه بيقين أي بنص من كتاب أو سنة ووضح له هذا ، وأبانه له عالم من العلماء حتى لا يكون النص منسوخًا أو مقيدًا أو مخصوصًا . . إلخ ذلك .

إذًا فالعلم لا بد منه للداعي إلى الله ، فمن لم يعلم فلا يجوز له يتكلم ، فاللسان يهوي بالمرء في جهنم . فلا يجوز أن يدعو المرء إلى شيء لا يعلمه هكذا بالرأي أو بالأهواء لا يجوز ذلك مطلقا . فالدعوة خلافة لمحمد صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا عليه الصلاة والسلام – وإخوانه من الأنبياء ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر كما قال صلى الله عليه وسلم : « وإن الْعُلَمَاء وَرَثَةُ الأنبياء ، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا درهمًا ، إنما وَرَّثُوا العِلْم ، فَمَن أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ » ([16]) . والدعوة لا بد أن تكون على بصيرة كما قال عز وجل : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي[ سورة يوسف : الآية 108 ] .

ولا يجوز للداعي أن ينطلق في الدعوة يأمر بهذا وينهى عن ذلك بدون علم ، وهو لا يعلم حكمه الشرعي ، فقد ينهى عن شيء ويشتهر وينتشر أنه منهي عنه وهو في الشريعة غير منهي عنه ، وقد يقول عن شيء أنه محرم وهو ليس بمحرم ، بل هو مكروه ، وقد يقول لشيء هو واجب وهو ليس بواجب بل مستحب .

ولهذا حبذا إذا ما تكلم الداعي في المسائل التي يدعو إليها ولم يكن متمكنا فيها أن يجتنب الألفاظ الفقهية المحددة ، فلا يقول : واجب ، مستحب ، محرم ، مكروه ؛ حتى يتجنب أن يقول على الله – جل وعلا – بلا علم ، وربنا – سبحانه – حرم القول عليه بلا علم ، وإنما يقول في مثل هذه المسائل : أمر الله بكذا ونهى الله – سبحانه – عن كذا ، وأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بكذا ، ونهى عن كذا . وإذا سئل أهذا واجب ؟ فليجب أمر الله ومن امتثل الأمر فهو الممتثل . وهذه مهمة في حال الداعية وفي حال طالب العلم لأنه تأتيه أحيانًا في أثناء دعوته أمور مشكلة .

فإذن مسألة العلم مهمة في خلق الداعي وفي صفته فلا دعوة بلا علم . والدعوة الفردية بلا علم ليست دعوة وإنما هي إضلال . فلا بد أن يكون الداعي إلى الله على علم . ولو اقتصر كل واحد منا على ما يعلم لانتشر خير كثير ؛ لأن كل واحد منا – ولله الحمد – لديه من العلم ما يصلح للدعوة إلى الله به .

وإذا تبين ذلك فازدياد المرء في العلم فيه ازدياد في الدعوة ، وكلما ازداد المرء علما ازدادت الدعوة على بصيرة ، وكلما نقص العلم نقصت الدعوة على بصيرة .

 – خلق الحكمـة :

الخلق الثالث من صفات الداعية إلى الله أن يكون الداعي إلى الله – جل وعلا – حكيمًا . والحكمة يعرفها أهل العلم بأنها وضع الشيء في مواضعه اللائقة به الموافقة للغايات المحمودة منه . أما وضع الشيء في موضعه فقط فهذا عدل ووضعه في غير موضعه فهذا ظلم .

ومن ثَم فالحكمة غير العدل ، فالحكمة أن تضع الشيء في موضعه اللائق به الموافق للغايات المحمودة منه . فقد ينظر المرء في الدعوة إلى أنه يضع الشيء في موضعه لكنه لا يوافق الغاية المحمودة فلا يكون بذلك حكيمًا في الدعوة ، والله – جل وعلا – جعل نبيه داعيًا إليه ؛ ولهذا أنزل عليه الكتاب والحكمة .

والحكمة هي السنة لأن السنة هي التي فيها وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة منها . فإذا اجتهد المرء في الدعوة فلا بد أن ينظر في الحكمة في التطبيق التعريفي العام .

 ثم نأتي إلى التطبيقات الفردية فمثلًا ينظر الداعية في موقف معين إلى نتيجة دعوته إلى شيء ما ، فإذا كان سينتج عنه خير فإن الحكمة تقتضيه أن يدعو إليه ، وإذا كان سينتج منه شر فإن الحكمة تقتضي ألا يدعو إلى هذا الشيء . مثال : أن يكون الداعية في مجلس ويأتي آتٍ ويتكلم بكلام غير طيب ، فينظر الداعية هل لو رد على هذا الشخص في هذا الوقت أو في هذا المجلس هل ينتقل هذا الشخص من موقفه هذا ومن كلامه هذا إلى ما هو أشد منه شرًا . فبعض الناس لا يسلم للداعية في دعوته في مثل تلك المواقف ، وإن كان الداعية يظن أنه ينفعه فربما يضره لأنه ربما زاد من غضبه وثورته . فإذا كان الأمر كذلك فالحكمة الصمت .

ولا يعاب على الداعية في مثل تلك الحالات صَمْته ، لأنه إنما صمت عن حكمة ، خشية أن ينتقل ذاك المرء من الذي هو فيه من الشر إلى ما هو أعلى منه . ولهذا نهي ربنا – جل وعلا – عن سب آلهة المشركين مع أن سب الأوثان قربة إلى الله – جل وعلا – لكنه نهى عن سبها في حضرة من يعبدون تلك الآلهة حتى لا يسبوا الله – جل وعلا – : ﴿ وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [ سورة الأنعام : الآية 108 ] هذه حكمة .

نعم قد يكون من الحكمة أن يصمت الداعية أحيانا ، وقد وصف عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله تعالى ورضي عنه – الصحابة بوصف عظيم فقال في وصفهم : « عليك بهديهم فإنهم على علم وقفوا ، وببصر نافذ كفوا » ([17]) ، يعني على علم وقفوا فيما دعوا إليه وفيما عملوه ، وببصر نافذ كفوا عنه ، ما كفوا عنه عجزًا لكن حكمة .

ولهذا يختلف الشاب عن الشيخ والجاهل عن العالم في أمر الحكمة وفي معطياتها . ومن لم يكن حكيمًا فلا يصلح للدعوة ؛ لأنه ربما يفسد أكثر مما يصلح ، وربما نقل الأمور إلى ما لا يحمد عقباه .

فإذًا من أخلاق الداعي ومن صفاته الحكمة . وكما سبق لنا الحكمة لا بد فيها من الموافقة للغايات المحمودة . هذا كما سبق مثال عام عن الحكمة . ونأخذ مثالًا تطبيقيًا آخر فمثلًا إذا كان عندك في المنزل شاب أو أخ قريب لك تدعوه إلى الله – جل وعلا – ثم وجدته ينظر إلى أشياء مما لا ينبغي النظر إليها ، أو مما لا يجوز النظر إليها ، فهل تنهاه عن هذا وتحضه على تركه أم تنظر في فعلك هذا إلى أي شيء سيؤدي ، فإذا كان سيؤدي إلى خروجه مغضبا وذهابه مع أصحابه إلى كبيرة من الكبائر فالأولى ألا تدعوه في هذه الحال ؛ لأن ما هو فيه من الشر أقل مما تتوقع أن يذهب إليه . لكن لو اقترحت عليه أن تذهبا إلى زيارة أحد الأقارب في صلة رحم ، أو الذهاب إلى المسجد لتلاوة القرآن أو عمل صالح أو في نزهة مباحة فهذا أمر طيب ، لأنه انتقال مما هو أدنى إلى ما هو أعلى ، وهذا يقدره الداعي إلى الله جل وعلا بتقديره .

وفي هذا قصة مشهورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه هو وأصحابه – رحمهم الله – أتوا على قوم من التتار وهم يشربون الخمر في الشارع ، فقال بعض أصحاب شيخ الإسلام له : هيا بنا نريق الخمور وننكر عليهم ، فقال شيخ الإسلام دعوهم فإنهم لو صحوا لسفكوا دماء المسلمين([18]) . فإذًا كونهم يقعون سكارى أحسن من أن يصحوا فيذبحون في المسلمين أو يتعرضون لأموالهم أو لأعراضهم ، فهذه حكمة من الداعي .

كذلك في مخالطة بعض الدعاة مع والديهم ، فكثير من الإخوان والشباب لا يحسن دعوة والديه فلا يطبق قول الله تعالى : ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [ سورة لقمان : الآية 15 ] ، فلا يجوز دعوتهما بأسلوب يشعرانهما بأنه أعلى منهما ، كذلك مع أهله عموما فيحسن ترقية الأهل من شيء إلى شيء حتى يحبب الخير إليهم .

إذًا لا بد للدعوة من حكمة أي أن ننظر في الدعوة إلى الغاية المحمودة منها ، وليس تقديم الدعوة في كل وزمان هو الحكمة ، بل قد يكون تأخيرها في مكان أكثر حكمة من تقديمها بأن يكتفى بالخلق الحسن ، أو يكتفى بالتودد والتراحم والصلة ، ويكون في هذا من الرسائل ما هو أبلغ من الكلام . إذًا الداعي إلى الله – جل وعلا – بعد الإخلاص والعلم لا بد له أن يكون حكيمًا ، فإذا كان حكيمًا كان على هُدًى وخير .

–      خلق التنزه عن الهوى :

لابد أن يكون الداعية إلى الله – جل وعلا – متنزهًا عن الهوى ، فالهوى مركب لذيذ إذا سرى يَحسن ، ويأتي الشيطان فيُحسِّنه للعبد . ومعنى الهوى هو ما تشتهيه النفس دون النظر إلى حكم الشرع فيه ، تهوى الشيء فتفعله . وإذا كان الداعية صاحب هوى فإنه لا يصلح للدعوة لأنه سيفسد أكثر مما يصلح كيف ؛ لأنه لن ينظر في الحكم الشرعي في فعله ، بل ما بدا له حسنًا في أمور الدعوة سيدعوا إليه ، وما بدا له سيئا سيتركه بحسب المصالح التي يقدرها حسب رأيه الخاص ، دونما عرض على الشريعة .

ولذلك كان كل صاحب هوى مفسدًا في الدعوة ، ولا تصلح الدعوة مع الهوى لأن الدعوة تعبُّدٌ ، والتعبد دفع لداعية الهوى ، والهوى عكس ذلك فهو إبقاء لداعية الهوى .

وإليكم أمثلة على الهوى الذي يأتي في أثناء الدعوة ، ففي أثناء الدعوة يكلم الداعية بشرًا فهو محتاج إلى إقناع ومحتاج إلى حوار وإلى آلات يدعو بها ، وفي أثناء ذلك الحوار قد يَردُّ عليه من يحاوره ردًّا سيئا ، أو يعامله معاملة سيئة ، وقد يكون هذا الشخص من أهل بيته زوجته أو أحد أبنائه أو أخوته ، أو أحد والديه فهنا هل ينتصر الداعية لنفسه أو لهواه أو ينتصر للشرع فإن خلط بينهما صارت المسألة هوى .

ومن أمثلة الإخلاص والتنزه عن الهوى في الأمور قصة للحافظ ابن رجب عبدالرحمن بن أحمد بن رجب زين الدين – رحمه الله تعالى – صاحب كتاب “جامع العلوم والحكم” كان أصحابه يقرؤون عليه في المسجد فمرت بهم مسألة ، ففصَّل فيها الكلام ذاكرًا كلام العلماء ، بل ورجح وأصَّل وفصَّل بكلام بديع حسن سُرَّ به طلابه وتلامذته ، قال أحد تلامذته فذهبنا مع شيخنا إلى فلان القاضي وطُرحت نفس المسألة فسكت شيخنا ولم يتكلم فيها ، ولم يفدهم بما أفادنا ، وكان بودنا لو تكلم الشيخ رغبة منا ومحبة لشيخنا حتى يظهر فضلُه على غيره .

 ثم يقول التلميذ فلما انصرفنا قلنا له يا شيخنا فصَّلت لنا في المسألة صباحًا ، ولما كنا في المجلس وعَرَضت المسألة لم تتكلم . فقال الشيخ أما مجلسنا في الدرس فذاك يُراد به وجه الله ، وأما ذلك المقام مع العلماء فذاك يُراد به الذكر وأخشى أن يغلبني الهوى .

ويحتاج الأمر إلى التخلص من الأهواء وقصر النفس على حكم الشرع . وللأسف كثير من الناس لا يقصر نفسه على حكم الشرع ، فيتساهل في لفظه ، ويتساهل في عمله يتساهل في حبه وبغضه ، يتساهل في موالاته بحسب آرائه الشخصية . فمثل هذا لم يتخلص من الهوى ، بل وقد يكون فيه نوع من تأليه الهوى ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا[ سورة الفرقان : الآية 43 ] .

إذًا يجب على الداعي إلى الله – جل وعلا – وعلى المتعبد الصالح المخبت المنيب أن يجاهد نفسه في التخلص من الهوى ، وأن يرفع الهوى عن نفسه بألا تكون دعوته انتصارًا لنفسه ولا رغبة في الترفع على الآخرين . فقد يخطئ الداعية ويرده جاهل أو أمي مصوبًا له ، ويكون الجاهل مصيبًا فيما رد الداعية فيه .

وقصة اليهود مع الصحابة معروفة مشهورة ، واليهود والنصارى – كما هو معروف – أهل شرك ووثنية وأهل عبادة غير الله – جل وعلا – فقد قالت اليهود للصحابة – كأنهم هم أهل التوحيد – إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ، فقيل ذلك للرسول عليه الصلاة والسلام ، فقال لهم : قولوا ما شاء الله وحده ، وفي رواية قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد([19]) . أي إن اليهود الذين هم أهل الشرك وأهل عبادة غير الله نقضوا الصحابة في مسألة . وفي هذا حكمة لتعليم الأمة . فقد مرت مسائل الألفاظ عند الصحابة بمراحل في أحكامها .

وقال الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب في كتاب التوحيد معلقا على هذا الحديث : إن الإنسان إذا كان صاحب هوى أعمل ذهنه وتأمل وتدبر ليخرج على المقابل أشياء لا أساس لها ؛ وما ذلك إلا لأنه صاحب هوى . أما صاحب الحق فإنه يستسلم للحق ، مثلما قال – صلى الله عليه وسلم – قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد . بل يجب علينا إذا جاءنا حق ممن هو صاحب هوى ، ونعرف منه أنه ضدنا وأنه صاحب هوى لوجب علينا أن نصحح أنفسنا ؛ لأن الداعية إلى الله – جل وعلا – وصاحب المنهج الحق هو أحق بالحق أينما كان .

فإذًا التنزه عن الهوى سيجعل المرء لا يترفع عن الحق ولو جاء به من جاء ، ولا يجعل الحق إذا جاءه من صاحب هوى سببًا في القدح فيه ، بل يقول هي نعمة أن جاءني الحق ولو من عدو لأن القصد التعبد والتذلل لله – عز وجل – وتأمير السنة على النفس قولًا وفعلًا .

هذه بعض الصفات المهمة لأخلاق الداعي إلى الله الفرد وصفاته ، ولا نود أن يطول الكلام بنا أكثر من ذلك . ثم ننتقل إلى القسم الثاني :

 – أخلاق الداعي إلى الله وصفاته إذا كانوا جماعة أو مجموعة .

إذا نظرنا إلى الجماعة أوالمجموعة من جهة شرعية فإن الأحكام الشرعية التي تنطبق على الفرد تنطبق على الجماعة ؛ لأن الجماعة والفرد مطالبون بالعبودية لله – جل وعلا – . فإذًا الأصل العام في الدعوة فيما يُشترط للفرد من أخلاق وصفات هو نفسه ما يجب أن تتصف به الجماعة ، لكن يختلف الأمر في التطبيقات لأن تطبيق هذه الأخلاق والصفات على الفرد محدود بالنسبة لتطبيقها على الجماعة .

إذًا فهذا أصل عام في أن الجماعة الداعية إلى الله – جل وعلا – يجب أن تكون متحلية بالأخلاق والصفات التي ذكرناها – سابقا – في الفرد بأن تكون قاصدة التعبد لله – جل وعلا – . ونأتي للإخلاص كخلق للداعية ، بل قبل ذلك نقدم بمقدمتين كما قدمنا في الدعوة الفردية بمقدمتين :

أما المقدمة الأولى فإن الجماعة أو ما يُسميه الناس الآن الجماعات الإسلامية والأحزاب الإسلامية ونحو ذلك محدثة من جهة الوجود ، أي إنها لم توجد على هذا النحو إلا في هذا العصر الحديث . وأما قبل ذلك فلم توجد جماعة بالمعنى الخاص بل توجد مجموعات ، وفرق بين الجماعة و المجموعة ، هذا من حيث الحدوث .

المقدمة الثانية أن الجماعات المعاصرة اتخذت في دعوتها أشياء محدثة أيضًا ، منها بل أهمها التحزب . ومعنى التحزب أن يكون الولاء والبراء والمحبة والبغض على مبادئ الحزب أو مبادئ الجماعة . كيف ذلك ؟ أي إن كل جماعة من الجماعات تعتبر من وافقها في أقوالها هو الحبيب الذي يستحق أن يعطى حقوق المسلم ، ومن خالفها فهو العدو . وهذا مظهر حزبي مخالف للسنة وللشرع ؛ حيث قال – جل وعلا – ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ﴾ بوصف الإيمان ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ[ سورة التوبة : الآية 71 ] فالمؤمن للمؤمن ولي ينصره ويواليه في الحق ، وإذا جاء بغير الحق فهو يقف أمامه ويمنعه من الظلم .

جاء رجل إلى أحد أئمة السلف من القرن الثاني أظنه عبدالرحمن بن مهدي أو وكيع فقيل له يا فلان إنك تقع في أناس بكلام عسير وتحذر الناس منهم ، فكيف يكون هذا والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغيبة! فقال يا هذا إني لهم أعظم من آبائهم وأمهاتهم ألم تر كيف أحذر الناس منهم حتى لا تجتمع عليهم أوزار الناس ومن تبعوهم فتكثر أوزارهم .

فانظر إلى النية الصالحة في الرد ؛ لأنه لو ترك أمر هؤلاء ، ولم يحذر الناس منهم لازدادت عليهم الأوزار . هذه نظرة محبة وليست نظرة حزبية . أما النظرة الحزبية في مثل هذه الأشياء فيقول أحدهم لا بد يسقط فلان وأن يرتفع فلان إلى آخره فهذه نظرة غير شرعية .

أما هذا فنظر نظرة شرعية من محبته ومن خوفه على المؤمن بمقتضى الولاية العامة فحذر العباد منه ، وكان دافعه للتحذير ألا يَتَّبعَ هذا الذي خالف الحقَ أناسٌ فتعظم عليه الأوزار ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال « ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه من الوزر مثل أوزار من اتبعه »([20]) .

المظاهر السيئة للتحزب :

ومن المظاهر السيئة للتحزب أو للحزبية – كما ذكرنا – الموالاة والمعاداة على أساس الحزب ، وليس على أساس الدين والديانة ، فلان من الأخوة ، وفلان ليس من الاخوة ، ما هذا ؟ فلان من الإخوان وفلان ليس الإخوان ، أي تقسيم هذا ؟ هذا مسلم في قلبه توحيد الله عز وجل ، وفي قلبه عبادة الله وحده لا شريك له ، في قلبه محبة الله – جل وعلا – ومحبة رسوله – صلى الله عليه وسلم – كيف وبأي حجة تبغضه ؟ ألأنه منتمي أو ليس منتميًا لحزب بعينه أو مع جماعة معينة أو لأنه يخالفك ؟ لا ، هذا مظهر حزبي ، لذلك لا يرضى أهل العلم الراسخون فيه الصالحون بمثل هذه المظاهر .

ومن مظاهر الحزبية الموجودة في الجماعات المعاصرة أنها تقوم على الطاعة لأميرها . ولم تأت الشريعة في العمل الدعوي الجماعي بالطاعة ؛ لأن الطاعة للإمام ، وإنما أتت بالتطاوع كما ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما بعث عليًا ومن معه إلى اليمن قال لههم عليه الصلاة والسلام : « تطاوعا ولا تختلفا ، وبَشِّرا ولا تُنفِّرا »([21]) ، تطاوعا أي يُطيع بعضكما بعضًا في الدعوة . لكن الطاعة العامة للإمام ، أما في الدعوة فهو تطاوع فهذا مشروع .

إذًا في المظهر الحزبي هناك طاعة ثُم هناك أمير يبايع أو لا يبايع فيجب يُطاع . يأتي أحدهم ويقول انتظر حتى يأتينا توجيه ، حتى إذا ما أراد أحدهم أن يحضر درس علم ، وحتى لو كان هذا الدرس في صحيح البخاري أو في تفسير ابن كثير في مسجد ما لا بد أن يسبقه استئذان ، هذا أمر غير شرعي هذا مظهر من مظاهر الحزبية التي لا تُقر في الدعوة إلى الله في الجماعات .

الجماعات – كما قلنا – إذا كانت ذات مظهر حزبي فلا تُقر ؛ لأنها مخالفة للأصول الشرعية ، ومحدثة وأنشئت مضاهاة للجماعات العاملة في الحزب الشيوعي ، ونحو ذلك كما هو معروف في تاريخ نشأة الجماعات في العصر الحاضر . لكن المشروع أن يكون هناك تعاون على البر والتقوى ، فعندنا نصوص شرعية ، ومعلوم أن الناس قد كثروا في هذا الزمن وأن الأمر قد تعقد ، فلا بد من تعاون ، لا بد من ترتيب ، لا بد من نظام في الدعوة ، لا بد من اختصاصات حتى يخدم كل واحد في مجاله الذي يصلح له وينفع فيه .

فإذًا نقول إذا كانت الدعوة على هيئة مجموعات تتعاون على البر والتقوى فهذا طيب ، بشرط ألا يكون لها مظاهر حزبية .

خلق الإخلاص في حق الجماعات الدعوية :

أما عن الإخلاص في حق الجماعات أو في حق المجموعات إذا عبرنا بالجماعة التى هي المجموعة ، أما الجماعات الحزبية فإن هذه الأشياء لا تنطبق عليها أصلًا ؛ لأن التحزب يخالف كل الآداب والشرائط الشرعية .

فأولًا يجب أن تكون الدعوة – كما ذكرنا – إلى الله لا إلى المجموعة ، ولا إلى الطريقة تأتي إلى فلان هذا تدعوه إلى الله – جل وعلا – وتكون الدعوة إلى الحق ، سواء كان معك أو مع غيرك من أهل الحق ، المسألة واحدة المقصود أن يكون المدعو مستقيمًا على شرع الله – جل وعلا – أن يكون متعبدًا لله – سبحانه وتعالى – معي أو مع غيري . درسي يحضره خمسة ودرس فلان يحضره آلاف ، المسألة واحدة المهم أن يُعبَّد الخلق لربِّهم – جل وعلا – هذا هو المقصود .

فإذًا من علامات الإخلاص أو من آثار الإخلاص في الدعوة الجماعية التي يُتعاون فيها على البر والتقوى ألا يحزن الداعي بأن يكون الناس معه أو مع غيره من أهل الحق ، إنما المهم ألا يكون مع أهل الباطل . فإذا كان سينصرف إلى أهل الباطل فيجب عليه أن يرده لأهل الحق .

والإخلاص هو الخلق الأول الواجب في حق الدعوة التي يتعاون أصحابها فيها على البر والتقوى أن يكون المراد من الدعوة هداية الفرد إلى الله – جل وعلا – وألا يكون المقصود ربط الشخص أو ربط المدعو بهذه المجموعة أو غيرها لأن ربط الأفراد بالمجموعات يُنشئ جماعات فنقع في الأمور الحزبية المنكرة التي لا تقر شرعًا .

فإذًا الإخلاص أن يقصد المرء وأن يُجاهد نفسه في أن يكون في دعوته للأفراد وربطهم بهذه المجموعة لأجل هدايتهم لا لأجل الربط التبعي . ولا شك أن الفرد لا يمكن أن يستقيم – غالبا – في هذا الزمان إلا بأن يوجد في بيئه صالحة ، فإذا ما وجد في البيئة الصالحة أمكنه أن ينظر في الاستقامة من واقع العمل ، فإذا كان هذا المقصود فلا بأس ، فهذا أمر طيب ، والوسائل لها أحكام المقاصد .

أما منافاة الإخلاص فهو أن يقصد بالدعوة إلى الله أن تكثر هذه المجموعة أو تلك وأن تزيد وأن يكون الربط بفلان وفلان ونحو ذلك ، فهذا – كما ذكرنا – ينشئ جماعات ولهذا قدمنا قول إمام الدعوة في مسائل كتاب التوحيد أن الداعي إلى الله – جل وعلا – المخلص لا يدعو إلى نفسه ولا إلى شيخه ، بل يدعو إلى الله مطلقًا إلى الله لتعبيد الخلق لربهم جل وعلا .

ومن الإخلاص في الدعوة التي يتعاون فيها أصحابها على البر والتقوى أن يتعاون مثلًا أهل حي أو أهل مسجد أو أهل مكتبٍ مأذونٍ به ونحو ذلك يتعاونون على تلدعوة للإصلاح وللخير هذا أمر مطلوب مرغوب فيه ، مجموعة من طلبة العلم في مكان من الأمكنة يجتمعون ثم يرتبون أمرهم في دروس ، في دعوة ، في زيارات أو في نحو ذلك هذه كلها أمور محمودة إذا كانت لا على وجه الجماعة والتنظيم الحزبي

 – السنة والاتباع :

ذكرنا أن الجماعات الضالة ضلت ودعت إلى خلاف السنة وصارت شر المسلمين مثلما ذكرنا من شأن الخوارج وغيرهم . وما كان ذلك إلا لأنهم دعوا إلى غير السنة . ولكن كيف تبدأ الدعوة إلى غير السنة ؟ تبدأ في المجموعات بالتساهل وهذا شيء رأيناه فيما مر علينا من الزمن في العشرين سنة الماضية أو في الخمسة والعشرين سنة الماضية ، رأيناه في مجموعات كانت صالحة وبدأت صالحة ، ثم تساهلوا مع من يخالفون السنة بينهم يخالفون السنة في الكلام ، بأن يقعوا في العلماء ويقعوا في الأمور السياسية بلا ضوابط شرعية ، فإذا سمع أحدهم سُبةً نشرها دون تثبت منها .

إذن تُربى أفراد الجماعة على غير السنة تربى على القيل والقال ، فتتحول هذه المجموعات من الدعوة إلى الله – جل وعلا – على بصيرة وإخلاص وسنة واتباع إلى أهداف أخرى لأصحابها ، تتحولت عن السنة ، وقد هذا صار بالتساهل .

ولو أن هذه المجموعات أخذت على يد المخطئ من أول الأمر ، وأوضحوا له الحق ونصحوه ووعظوه من أول يوم لما زاد الشر ، لكن بالتساهل والضحك وإلى آخره تزيد الأمور إلى ما لا يحمد عقباه . وهذا لا شك يخالف المتابعة ؛ لأن المتابعة العامة للسنة أي منهج السلف الصالح في ألا يخرج المرء في المجموعة عن عقيدة السلف الصالح عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة الطائفة المنصورة والفرقة الناجية هذا أمر مقصود شرعًا .

أما أن تكون المجموعة مجموعة تدعو إلى الله ثم يحدث بينها افتتان فتضل المجموعة أو يحصل بينها نزاع في مسائل اتباع طريقة السلف الصالح والعقيدة الصحيحة لا شك أن هذا يُحدث مفاسد كثيرة كما رأينا .

إذًا يجب التنبه من أول الأمر إلى السنة وإلى الاتباع ، فلا يجوز أن يبدأ واحد قد يكون حسن اللسان ، وقد يكون لديه ثقافة عصرية ، أو ثقافة سياسية فيعلل الأمور بأشياء غير جيدة فمثلًا : كنت في بلد من بلاد أمريكا فذكر لي أحد الأخوة من إحدى البلاد العربية شيئًا . فقلت له هذا الأمر ليس عليه إثبات . قال أنا آتيك بالإثبات ، وأتاني بملف مقالات في مجموعة من المجلات . فهل هذا دليل ؟ قلت له لقد تعلمنا في منهج أهل السنة والجماعة كيف يكون وضع الأدلة والبراهين ، فالبرهان العاطفي ليس برهانًا شرعيًا ، والبرهان العقلي ليس برهانًا شرعيًا ، لا بد من وجود برهان شرعي ، أما أن تأتني بقول فلان وفلان مما نُشر في المجلات ، وهم لم يطلعوا ولم يتثبتوا وإنما سمعوا ، هذه ليست براهين .

وتنتشر مثل هذه الأشياء في المجموعات وتصير ثقافة في المجموعة ، ثم ينشأ عن المجموعة جماعة ثم تبدأ في التحزب ، ثم تخرج إلى شيء آخر . لهذا تجد أن بعض الجماعات الإسلامية في بعض البلاد كانت واحدة فأصبحت مائة جماعة أو أكثر ؟ لماذا ؟ لأن القيل والقال كثر في هذه المجموعات الصغيرة والأسر الصغيرة ، حتى إن أصحاب تلك الجماعات يقولون لا بد من وأد هذه الأقوال وهذه الجيوب في مهدها ، ونحن نقول نعم لا بد من وأدها في مهدها لكن على منهج السلف الصالح .

 – خلق العلم :

يجب أن تربي المجموعات أفرادها على العلم ؛ لأنه – كما ذكرنا – لا دعوة بدون علم . فكيف يدعو الداعية إلى الله بدون علم! يكون الشاب مستقيما وحريصا على الدعوة والتنقل من أجلها وهو غير عالم لمعنى كلام الله – جل وعلا – وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم – كيف يصلح ذلك! وقد قدمنا ما يكفي في هذا الشأن .

 – خلق الحكمة :

إذا كان يجب على الفرد الداعي إلى الله أن يكون حكيمًا ، فحكمة المجموعة أولى وأولى ؛ لأن أثر المجموعة أعظم . فإذا فقدت المجموعة الحكمة لم تكن الغائلة على فرد ، فلا يقولون أخطأ هذا الشاب ، لكن ينسب الخطأ لجميع رجال الدعوة جميعها ، وهذا لا ينبغي طبعًا . ونود أن نشير وأن نعرف جميعًا أن ما يظنه بعض الناس من أن الشباب الإسلامي الموجود الآن والذي التزم بالشرع هو من نتاج الجماعات الحزبية خطأ .

فالجماعات التي دعت لم تنتج هؤلاء الشباب ، الصحوة التي تسمى صحوة مع مؤاخذة في اللفظ ، وكم ذكرنا أن الصحوة تحتاج إلى صحوة ، هؤلاء الشباب الملتزمون أعظم من الجماعات وأوسع منها . كما أنه لا يصلح أيضًا أن يصنف الشخص يقال هذا تبع الجماعة الفلانية كالصحوة مثلا ، فالشباب أوسع من الجماعات الثلاث أو الأربع أو الخمس الموجودة أوسع وأوسع وأوسع .

ولهذا نرى الآن ويجب أن يرى كل محب للدعوة وكل متفان فيها وكل راغب في أن يعلو منار الإسلام وأن تعلو راية الإسلام – يرى في نفسه لزامًا أن يكون مع هؤلاء الدعاة ومع هؤلاء الشباب فيما يصلحهم وفيما يقوى راية الإسلام لا فيما يضادهم .

وكثير من هؤلاء الشباب لا يعرفون هذه الأسماء ولا الجماعات ، وإنما هي فئة قليلة التي تنتمي للصحوة التي تسمى صحوة ، والتزام الشباب هذا أكبر بكثير ، وإذا كان أكبر بكثير في البلاد الأخرى فهو أكبر بكثير وكثير وكثير في بلادنا هذه ، بل ربما تلاشت الأطر الحزبية إن شاء الله تعالى .

إذًا فنقول هذه مسألة مهمة في أن الحكمة لا بد منها ، ولا بد أن تنظر كل مجموعة إلى أنه من الحكمة أن تنظر في تصرفاتها أن تنظر للغايات المحمودة منها ، فكم حُرمنا من وسيلة من وسائل الدعوة بسبب جهلة ، وكم صارت مفاسد بسبب جهلة ، ونُصح . . . ونُصح ولكن لا سبيل .

الواجب على هذه المجموعات والواجب على من يرعاهم على الداعية فيهم على طالب العلم فيهم على إمام المسجد فيهم إذا كان يدعو في حيه الواجب عليه أن يتقي الله – جل وعلا – في نفسه وفيمن معه في ألا يخرجهم عن مقتضى الحكمة في أن يكون تصرفهم موافقًا للغاية المحمودة من الدعوة والأمر في الجماعة كما ذكرنا والمجموعة أعظم من الأمر في الأفراد .

التنزه عن الأهواء :

أما الكلام عن الهوى وتطبيقه على المجموعات فهو كلام طويل ، ولنا فيه شجون وشجون وشجون فقَلَّ أن رأينا ، أو قَلَّ أن رأيت أنا والله أعلم بالحقائق وأَبرأ إلى الله من القول بلا بيِّنة – قَلَّ أن رأيت مجموعة تتخلص من الهوى تمامًا ، وهذا سبيل الإنسان ، كل إنسان لا بد أن لديه شيء من الهوى لأن الشيطان يغذي له ذلك ، فيكون له هوى في شهوات ، أو له هوى في تصرفات .

لكن كلما سلم المرء من الهوى كان صادقًا في دينه ، والصدق عماده التخلص من الهوى كما عرَّف بعض السلف الصادقَ بأنه : من تخلَّص من الهوى . ولا شك في أن من تخلص من الهوى فهو الصادق . فإذًا التخلص من الهوى في المجموعات واجب ، ولا بد على من يرعى هذه المجموعات أن يجعل نفسه ومن معه بُرَآء من الهوى ما استطاعوا .

ومن مظاهر البراءة من الهوى ألا يكون الداعي مُقلدًا في الأحكام : يأتي واحد ويقول : مجموعة فلان فيها فلان لا يصنف ، وفلان من الجماعة الفلانية ليس فيه خير . كيف حكم بذلك ؟ سمعه من فلان ، فإذا قال قائل قولاً انتشر في الشباب وانتشر في الناس ، فهل هذا من مصلحة الدين ؟ وهل يجوز شرعًا ؟ هل هذا مقتضى الولاية شخص يقول كلامًا فينتشر على ما فيه من مسبات عظيمة ؟ هل يجوز هذا ؟

إن من حق المسلم على المسلم أنه إذا سمع فيه عيبًا أو رأى منه شيئا ألا ينشره في الناس ، بل يُكلمه وينصحه هذا من الحقوق العامة لنشر الخيرات ، لأنه إذا انتشر الخير زاد ، لذلك إذا قال قائل فسد الناس فهو أفسدهم كما جاء في الحديث « إذا قال الرجلُ هلك الناسُ فهو أهلكَهم »([22]) . فيجب أن يتثبت المرء من ألفاظه وأحكامه ، فالتقليد في الأحكام وفي إطلاق الألفاظ سبب عظيم من أسباب الهوى .

ويكون الهوى في الأحكام ، تأتي مجموعة فينشر أحدهم كلمة فتنتشر في الشباب ، وقد لا يكون لها أصل ، وإنما هي ظن ، وبعض الناس يظن ظنًا فيتحدث به فينقله الثاني على أنه ثابت ، ويقول : والله حدثني به ثقة ، وهو مجرد ظن أصله الاستنتاج والاحتمال ، والاحتمالات كثيرة . ولكن لا يجوز للمستنتج أن يقصر نفسه على احتمال واحد يسيء به الظنون .

ولهذا قال عمر – رضي الله عنه – فيما روي عنه قال : « لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا »([23]) ؛ وذلك لأن الاحتمالات كثيرة فلا يجوز أن يحمل الكلام على احتمال واحد وهو أسوء احتملاته ، كذلك في التصرفات . فإذًا المسلم المؤمن الصادق في عبوديته لله – جل وعلا – من يريد أن يتخلص من الهوى يجب عليه أن يبتعد عن التقليد في إطلاق الأحكام على الأشخاص ، وهذه مسألة مهمة في الأشخاص جميعًا حتى لا تقلد فتسمع كلمة ثم تنشرها .

يجب أن يُنبذ هذا التقليد لأنه سبب من أسباب الهوى ، بل نشره بدون تثبت من الهوى ، فالأصل ألا تُنشر المفاسد ، بل تنشر الخيرات حتى تنتشر وتسود بين الناس وحتى لا تضعف قلوب المسلمين وهممهم بذلك .

هذه كلمات موجزة في هذا الموضوع الكبير العظيم الذي هو أخلاق الداعي إلى الله وصفاته . وأظن أن هذه الكلمات على وجازتها وعلى ضعف مادتها إذا تؤملت ربما تكون نافعة ، لكن ما أرجوه من كل أخ منكم استمع لهذا الكلام أن يقف بينه وبين ربه محاسبًا نفسه ؛ لأن المسألة عظيمة مسألة الدعوة اليوم عظيمة ، مثل ما جاء في الحديث حين سئل النبي صلى الله عليه وسلم : هل بعد ذلك الشر من خير ؟ قَالَ : « نَعَمْ ، وَفِيهِ دَخَنٌ » . قُلْتُ : وَمَا دَخَنُهُ  ؟ قَالَ : « قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي, وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي ، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ »([24]) .

فطالب العلم الداعي إلى الله قدوة ، ويجب عليه أن يعرف أنه قدوة ، فتصرفه لا يحسب على نفسه ، بل إن تصرفه لا يُحسب على مجموعته فقط ، بل يحسب على الدعاة إلى الله عامة . فالمسألة مسألة قدوة في المجتمع كله . فيجب أن تكون صفتهم وفهمهم وسلوكياتهم الشريعة والخلق والدين ، ليس في مسائل محدودة المسائل التي تطبقها على نفسك أهون ، أي إنها أقل شأنًا في أجرها وفي ثوابها من الأمور المستحبات أو الأخلاق مما تعامل به غيرك لأن حقوق الناس على المشاحة .

والدواوين يوم القيامة ثلاثة ، ديوان لا يُغفر وهو الشرك بالله ، وديوان مبني على المسامحة وهو ما بين العبد وبين ربه ، وديوان لا يترك الله منه شيئًا وهو المبني على المشاحة وعلى أخذ الحقوق وهو ما بين العبد وبين الخلق . إذًا في المسألة حساب ، وهي مسألة قدوة أنت تنشر الدعوة بقولك ، هل كان الصحابة رضوان الله عليهم أصحاب كلام أو كانوا أصحاب مؤلفات أو محاضرات ودروس وجلسات كل يوم ؟ لا لم يكونوا كذلك ، لكنهم نشروا الدين نشروا الخير ، لأنهم كانوا يمشون بالقرآن ، من رآهم ذكر الله – جل وعلا – برؤيتهم ، كأن ترى شخصا فتذكر الله – جل وعلا – من حسن تصرفه ، من حسن معاملته ، من رحمته بالخلق ، من بذله إلى الآخرين ، من تخلصه من الهوى . وهذا مما ينبغي للجميع العناية به .

أسأل الله – سبحانه وتعالى – أن يجعلنا من الذين حباهم بالدعوة إليه ، وممن أصلح ظاهرهم وباطنهم ، اللهم أصلح ظاهرنا وباطننا ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا ، اللهم نور قلوبنا بالإيمان ، اللهم نور قلوبنا بالوحي يا أكرم الأكرمين . ونسألك اللهم أن تجعل أقوالنا وأعمالنا على ما تحب وترضى ، ونستغفرك اللهم مما تسخط وتأبى ، إنك سبحانك جواد كريم اللهم اغفر لنا جميعًا ، ومُنَّ علينا بالقول الصالح وبالعمل الصواب النافع ، إنك كريم جواد معطاء ذو الفضل والإحسان ، اللهم مُنَّ علينا فإنك أجود الأجودين وأرحم الأرحمين . ونسألك اللهم أن توفقنا وأن توفِّق ولاة أمورنا لما تحب وترضى ، وأن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ، ويعافى فيه أهل المعصية ويؤمر فيه بالمعروف ويُنهى عن المنكر ، ويُدعى فيه إلى الحق إنك –سبحانك – جواد كريم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

جزى الله معالى الشيخ خيرًا ، وجعل ذلك في موازين حسناته يوم يلقاه سبحانه وتعالى ، وجعلنا الله – سبحانه وتعالى – من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه إنه ولي ذلك والقادر عليه .


الأسئلة

س : كيف نجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي قال له : « ما شاء الله وشئت ، فقال صلى الله عليه وسلم اجعلتني لله ندًا قل ما شاء الله وحده »([25]) وبين ما قالت اليهود للصحابة – رضي الله عنهم – « إنكم أنتم القوم لولا أنكم تنددون »([26]) وجزاكم الله خير الجزاء . . ؟

ج : لا مخالفة بين هذا ذاك ، وفقد مرت الصحابة في مسألة الألفاظ على مراحل ، فلم ينتهوا عن جميع الألفاظ مرة واحدة ، أي الألفاظ التي تَرْكها أولى أو التي فيها تشريك أو نحو ذلك ، لأن الصحابة بتوحيدهم لا يقصدون حقيقة التشريك . وذلك مثل الأحكام الشرعية الأخرى كتحريم الزنا فقد مر بمراحل ، وتحريم الخمر ، وكذلك الألفاظ والحلف بالآباء والحلف بالكعبة كان مسكوتًا عنها في أول الأمر ثم نُهى عنه « ألا من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله لا تحلفوا بآبائكم »([27]) .

فالحديث الذي ذُكر لا معارضة بينه وبين القصة ؛ لأن في القصة أنهم كانوا يقولون ذلك والنبي عليه الصلاة والسلام وجَّههم ، وحادثة الصحابي الذي قال ما شاء الله وشئت هذه “حادثة عين” محمولة على أنه لم يبلغه الكلام الأول ، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام ذلك نهاه عنه ، فالباب باب واحد ، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الناس جميعًا ، ثم نهى هذا الفرد بخصوصة لما سمع منه تلك المقالة .

س : ما هو ضابط الخلاف الذي يُنكر فيه والذي لا ينكر ؟

ج : الخلاف عند العماء نوعان : خلاف قوي وخلاف ضعيف . .

الخلاف القوي ما كان فيه الدليل الذي استدل به كل صاحب قول محتملًا أو له وجه في الاستدلال عليه . ولا إنكار في مسائل الخلاف القوي الذي اختلف فيه أهل العلم ؛ لأن كل واحد منهم له حجته وله قوله الذي استدل عليه . والصحابة رضوان الله عليهم لم يُنكر بعضهم على بعض لأن كل واحد منهم أخذ بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسلهم قائلا لهم : « لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة »([28]) فلما حان وقت العصر اختلفوا فقالت طائفة أراد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعجال ، وقال آخرون لا قوله عليه الصلاة والسلام يعني ألا نصلي إلا إذا أتينا بني قريظة فصلى بعضهم ، وأخر البعض الآخر الصلاة حتى أتى بني قريظة ، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه الخبر فلم ينكر على أحد منهم ، لأن الدليل محتمل ، فإذا كان قويًا فلا إنكار .

ومن أمثلة الخلاف القوي الآن مسألة زكاة الحلي ، بعض العلماء يقول تزكَّى حُلي النساء المعدة للبس ، وبعض أهل العلم يقول لا تزكى ، والدليل محتمل . فمن قال تزكى فله حجته ومن قال لا تُزكى له حجته فهم أئمة أهل الحديث في الزمن الماضي مالك والشافعي وأحمد وأبو عبيدة وجماعة . . . فلكل حظه من النظر ، فإذًا لا إنكار فيه إذا لم تُرد المرأة أن تزكي فلا تزكي فليس عليها إنكار في هذه الأشياء لأن الخلاف فيها سهل .

ثم نأتي لمسائل الخلاف الضعيف ، مسائل الخلاف الضعيف فيها إنكار يأتي أحدهم ويقول ربا البنوك يعني الفوائد الربوية جائز ، هذه مسألة فيه إنكار ، لأن الخلاف فيها ضعيف ، والخلاف الضعيف لا يمنع من الإنكار . فمن قال بإباحة الفوائد الربوية اليوم يُنكر عليه لأنه رأي ضعيف خالف الحق في المسألة ، أو لا دليل واضح يستمسك به على ذلك ، وإنما هو تلمسات لمن أباح الفوائد الربوية في هذه المسألة .

ووجود الخلاف سواء أكان قويًا أو ضعيفًا يمنع من التكفير في المخالفة ؛ إذ لا تكفير في المسألة العلمية التي ترتكب يعني المنهيات إلا بالاستحلال أو بفعل يعني استحلالَ أمر مجُمع عليه ، كاستحلال معصية كبيرة مجمع على تحريمها . فإذا استحل أحد معصية كبيرة مجمع على تحريمها فإنه يكفر ، أما إذا لم تكن المعصية مما أجمع على تحريمه وفيها خلاف ولو كان الخلاف ضعيفًا فلا تكفير ، ولكن ثَم إنكار . وهذه أصول مقررة عند أهل العلم في القواعد وفي العقيدة .

ومسائل الخلاف بالطبع غير مسائل الاجتهاد ، هذا شيء آخر ، والفرق ما بين الخلاف ومسائل الاجتهاد بحث أصولي يحتاج إلى بسط .

س : رجل أراد أن يحجب زوجته ويُلبسها النقاب وتطور الأمر وكاد أن يصل إلى ما لا يحمد عقباه ، فهل من الحكمة في الدعوة أن يصبر على زوجته ويستمر في دعوتها وتقديم الهدايا لها حتى تلبس النقاب أم يأخذها بالعنف ؟

ج : ذكر العلماء أعظم من ذلك ، إذا ابتلي رجل بامرأة لا تصلي فإنه يصبر عليها ويأمرها وينهاها حتى يتيقن أنه لا فائدة منها في أن تصلي ، لأن ترك الصلاة كفر . أما في المسائل مثل التي ذكرت بعض المعاصي والذنوب مثل كشف الوجه وأشباه ذلك فينبغي فيها للداعي أو للزوج الذي يدعو أهله لطاعة الله – جل وعلا – أن يجعل ثَم قاعدة معها تستسلم المرأة ؛ لأن الاستسلام للحق لا بد له من توطئة ، وهي محبة الله – جل وعلا – ومحبة رسوله – عليه الصلاة والسلام – ومحبة الدين ، كيف تحدث في قلب المرأة محبة الدين حتى ترى هذا الحجاب الذي يراه الآخرون ؟ وينبغي أن تصبر عليها والله – جل وعلا – إذا علم أنك صادق في إصلاحها ؛ حتى لا تفرق بينها وبين أولادها ، وحتى لا تقع مفاسد أكبر ، فإنه – سبحانه وتعالى – يعينك .

واستعن بالدعاء في أوقات الإجابة في آخر الليل وبين الأذان والإقامة في أن يعينك – جل وعلا – على بيان الحق وعلى أن تهديها وأن يشرح صدرها لهذه الأمور .

وهذه مسألة ينبغي أن ينتبه لها الناس ، فيما يدعون ، فيجب ألا يتركوا الدعاء للمدعو لأن القلوب بيد الله جل وعلا ، الكلمة التي تقولها أو العمل الذي تؤديه في الدعوة كلها وسائل ، لكن من الذي يلين القلوب ويعطفها ، ويشرح صدور المتلقين للكلمة التي تقولها ، إنه الرب جل وعلا . لهذا يجب أن ينطرح العبد بين يديه ويسأله – جل وعلا – أن ينفع بكلامه . فإذا سألت الله – جل وعلا – ربما أجابك إلى سؤالك ، فتنفع الناس بعبادتك لله – جل وعلا – وعملك .

وفي رسالة الإمام الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله لأحد علماء الأحساء وهو عبدالله بن محمد بن عبداللطيف الأحسائي ، وكان يخالفه في أشياء ، فكتب له الشيخ رسالة : وقال له كنت زرتك ورأيتك علَّقت على أول كتاب الإيمان من البخاري تعليقًا حسنًا لأن ذاك عالم يخالف ما عليه أهل بلده فعلمت أنك تطلب الحق ، وكنت أرجو أن تكون فاروقًا لدين الله في آخر الزمان كما كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – فاروقًا لدين الله في أوله ، وإني لأدعو لك في صلاتي .

أين هذا ؟ فلا بد من توطين النفس عليه ؛ لأن هذه محبة ، محبة للتأثير محبة للدعوة ، والداعية ليس متسلطًا ، بل يريد أن ينجح في أن يكسب هذا المدعو ، فكل عمل صالح يعمله المدعو فلك مثل أجره ، فاتخذ الأسباب ، ومن الأسباب العظيمة الدعاء ، ومن الأسباب العظيمة التوكل على الله – جل وعلا – بل قال ابن القيم – رحمه الله – : التوكل على الله – جل وعلا – في صلاح الدين أعظم من التوكل على الله – جل وعلا – في صلاح الدنيا .

والتوكل على الله يعني أن تأخذ بالأسباب التي تُصلح بها الدين ، وتفوض الأمر إلى الله معتقدًا أنه لا حول لك ولا قوة . بعض الناس يعملون أعمال دعوية ، ثم يقولون والله رتبنا وزينا وفعلنا كذا وكذا واتصلنا ، وفي النهاية لا نتيجة ، ربما خاب التوكل لا بد أن تفعل السبب وتفوض الأمر إلى الرب – جل وعلا – لأن قلوب العباد بيد الله سبحانه . أسأل الله سبحانه وتعلى أن ينفعنا بما علمنا .

وصلى الله على نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام . .

تمت والحمد لله ، ، ،

 

 

( 1 ) أخرجه مسلم ( 1 / 512 ، رقم 746 ) .

( [2] ) الأكْنافُ : الجَوانِب . أرادَ الذين جوانِبُهم وَطِيئةٌ يتمكَّن فيها مَن يُصاحِبُهم ولا يَتأذَّى . النهاية : كنف .

( [3] ) أخرجه الطبراني في الأوسط ( 4 / 356 ، رقم 4422 ) وفي الصغير ( 1 / 362 ، رقم 605 ) ، والبيهقي في شعب الإيمان ( 6 / 232 ، رقم 7983 مكرر ) . وقال الهيثمي في المجمع ( 1 / 58 ) : رواه الطبراني في الأوسط وقال : لم يروه عن محمد بن عيينة إلا يعقوب بن أبي عباد القلزمي ، ولم أر من ذكره . وصححه الألباني في الصحيحة ( 2 / 378 ، رقم 751 ) .

( [4] ) أخرجه أحمد ( 5 / 153 ، رقم 21392 ) ، والترمذي ( 4 / 355 ، رقم 1987 ) وقال : حسن صحيح .

( [5] ) انظر : العقيدة الواسطية ، ص 54 وما بعدها .

( [6] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1275 ، رقم 3274 ) .

( [7] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 33 ، رقم 2656 ) . وقال : حديث حسن صحيح .

( [8] ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 7 / 553 ، رقم 37884 ) ، وأحمد ( 4 / 355 ، رقم 19153 ) ، وابن ماجه ( 1 / 61 ، رقم 173 ) وحسنه الألباني في المشكاة ( 3554 ) .

( [9] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1321 ، رقم 3414 ) ، ومسلم ( 2 / 744 ، رقم 1064 ) .

( [10] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1321 ، رقم 3415 ) ، ومسلم ( 2 / 746 ، رقم 1066 ) .

( [11] ) أخرجه البخاري ( 1 / 3 ، رقم 1 ) ، ومسلم ( 3 / 1515 ، رقم 1907 ) .

( 1 ) أخرجه الحاكم ( 4 / 358 ، رقم 7912 ) وقال : صحيح الإسناد ، وأخرجه أيضًا : الترمذى ( 5 / 257 ، رقم 3058 ) وقال : حسن غريب . وابن حبان ( 2 / 108 ، رقم 385 ) .

( [13] ) الدخن : من الدخان أي ليس خيرا خالصا بل فيه ما يشوبه ويكدره ، وقيل الدخن الأمور المكروهة .

( [14] ) جلدتنا : أي من أنفسنا .

( [15] ) أخرجه البخاري ( 3 / 1319 ، رقم 3411 ) ، ومسلم ( 3 / 1475 ، رقم 1847 ) .

( [16] ) رواه أحمد ( 5 / 196 ، رقم 21763 ) ، وأبو داود ( 3 / 317 ، رقم 3641 ) ، والترمذي ( 5 / 48 ، رقم 2682 ) وقال الترمذي : لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة ، وليس هو عندي بمتصل . ثم أورد له إسنادًا وقال : هذا أصح .

( [17] ) أخرجه أبو داود ( 4 / 202 ، رقم 4612 ) في باب لزوم السنة ، وصححه الشيخ الألباني في “صحيح وضعيف سنن أبي داود 1 / 2 على انقطاع فيه لتيسير الانتفاع به .

( [18] ) انظر القصة في : المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ،جمعه ورتبه وطبعه على نفقته : محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ، الطبعة : الأولى ، 1418 هـ ، 3 / 207 .

( [19] ) انظر القصة في الحديث الذي أخرجه أحمد ( 5 / 72 ، رقم 20713 ) ، والدارمى ( 2 / 382 ، رقم 2699 ) ، وأبو يعلى ( 8 / 118 ، رقم 4655 ) ، والطبرانى ( 8 / 324 ، رقم 8214 ) ، والضياء ( 8 / 143 ، رقم 155 ) . وأخرجه أيضًا : ابن ماجه ( 1 / 685 ، رقم 2118 ) ، قال البوصيرى ( 2 / 137 ) : هذا إسناد صحيح رجاله ثقات على شرط مسلم . وابن قانع ( 2 / 50 ) ، والمروزى فى تعظيم قدر الصلاة ( 2 / 861 ، رقم 874 ) . وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة 137 ، 138 .

( [20] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2059 ، رقم 1017 ) ، وأحمد ( 4 / 357 ، رقم 19179 ) .

( [21] ) أخرجه البخارى ( 3 / 1104 ، رقم 2873 ) ، ومسلم ( 3 / 1359 ، رقم 1733 ) ، وأحمد ( 4 / 412 ، رقم 19714 ) .

( [22] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2024 ، رقم 2623 ) ، ومالك ( 2 / 984 ، رقم 1778 ) ، وأحمد ( 2 / 342 ، رقم 8495 ) .

( [23] ) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( 10 / 559 رقم 7992 )

( [24] ) سبق تخريجه .

( [25] )أخرجه الطبرانى ( 12 / 244 ، رقم 13005 ) ، وأخرجه أيضًا : البخارى فى الأدب المفرد ( 1 / 274 ، رقم 783 ) ، وأبو نعيم ( 4 / 99 ) .وقد صححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1 / 266 رقم 139 ) .

( [26] ) سبق تخريجه .

( [27] ) أخرجه البخارى ( 3 / 1394 ، رقم 3624 ) ، ومسلم ( 3 / 1267 ، رقم 1646 ) .

( [28] ) أخرجه البخاري ( 2 / 15 ، رقم 946 ، 5 / 122 رقم 4119 ) .

شاركها مع أصدقاءك