بواسطة :
الزيارات : 18٬479 مشاهدة
  • إسم الملف : آثار الإيمان بأسماء الله وصفاته
  • عدد الزيارات : 18٬479 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

آثار الإيمان بأسماء الله وصفاته

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، الذي له الأسماء الحسنى ، والصفات العُلَى ، هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، هو الرحمن الرحيم ، وأشهد ألا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصَفِيّه وخليله ، نشهد أنه بلّغ الرسالة ، وأدى الأمانة ، ونصح الأمة ، وكشف عنها الغُمة ، وجاهد في الله حق الجهاد ، فصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد ، كلما صلى عليه المصلون ، وكلما غفل عن الصلاة عليه الغافلون ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

الإيمان بالله هو لذة الحياة

فالإيمان بالله – جل جلاله – هو لذة الحياة ، وهو سعادة المؤمن ، بل هو الحياة على الحقيقة ، فبالله – جل وعلا – الأنس ، وبالله – جل وعلا – يُستعان ، وعلى الله – جل وعلا – التُّكْلان ، وإليه يُرجع الأمر كله ، هو الذي يخفض ويرفع ، وهو الذي يقبض ويبسط ، وهو الذي يُحيي ويميت ، وهو الذي يجير ولا يجار عليه ، هو الملك لا مُعَقّب لحُكمه ، ولا رادّ لأمره ، وهو القُدُّوس المطهَّر عن كل عيب ونقص ، وهو الجميل – جل جلاله – وكل جمال في هذه الأكوان ، فإنه من آثار جمال الرب – جل وعلا – .

هو الله الواحد الأحد ، هو القوي الْمُقتدِر ، العزيز الجبار المتكبر ، هو الله الذي أَنِسَت له قلوب الأنبياء والصالحين ، فالتذَّت لمناجاته ، ورغبت في القرب منه ، ولأجله جاهد المجاهدون ، فأُهَرِيقت الدماء في سبيله ، ولأجله شَمَّر المشمرون ، طلبًا للقرب منه في دار كرامته ، وخوفًا منه شَمَّر المشمرون ، بُعْدًا عن دار هوانه وعذابه ، ووجَلًا منه ، ابتعد الصالحون عن كل ما يخدش الإخلاص ، ويقدح في التوحيد ، أو في كماله ، وفَرَقًا منه – جل وعلا – هرب المؤمنون منه إليه .

فسبحانه من إله عظيم ، سبحانه من رب قادر ، سبحان من وَجِلَت له القلوب ، وسبحت له الملائكة في علياء سمائه ، سبحانه – جل وعلا – كثيرًا وتنزيهًا له وتعظيما ، وحمدًا له وثناء ، كما يليق بجلاله وعظمته .

قال – جل وعلا – ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [ الأنعام : 122 ] أومن كان ميتًا بالكفر والضلال ، فأحييناه بالإيمان الصحيح ، أحييناه بالتوحيد ، أحييناه بالإخلاص ، أحييناه بطاعة ربه ، كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها؟

هذا مَثَل الضالّ عن الله – جل وعلا – وعن العلم به ، فالإيمان بالله هو الحياة ، والإعراض عن الله – جل وعلا – وعدم الإيمان به ، وترك الإيمان به – جل وعلا – هو الموت ، قال –سبحانه – هنا ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ [ الأنعام : 122 ] .

ولهذا فإن المؤمن على الحقيقة يرى الإيمان بالله – جل وعلا – هو الحياة الحقيقية ، فإذا سُلب منه ، أو سُلب بعضُه منه ، فإنه يرى أن حياته نقصت ، فكمال الحياة بكمال الإيمان ، وكمال السعادة بكمال الإيمان بالله – جل وعلا – .

قال مالك بن دينار – رحمه الله تعالى([1])– وهو من سادات التابعين([2]) : خرج أهل الدنيا من الدنيا ، ولم يذوقوا أطيب شيء فيها . قالوا : وما هو؟ قال : معرفة الله – عز وجل – . يعني أن أطيب ما في الدنيا هو العلم بالله – جل جلاله – .

ومن هذا القبس قال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية – رحمه الله تعالى – ([3]) : إن في الدنيا جنة ، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .

وجنة الدنيا هي جنة الإيمان بالله ، جنة معرفة الله على الحقيقة ، جنة الإخلاص لله – جل وعلا – جنة الاستجابة لرسوله – صلى الله عليه وسلم – ولهذا كان مدار الأمر على الحقيقة مبنيٌّ على الإيمان بالله – جل وعلا – ولهذا أمر الله –سبحانه – المرسلين جميعًا بأن يأمروا الناس بالإيمان به – جل جلاله – .

الإيمان بالله هو أول فرض على الناس

والإيمان به فرضه الله – جل وعلا – وهو أول فرض ، وأعظم فرض ، قال –تعالى – ﴿ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ [ البقرة : 285 ] ، والإيمان بالله هو ركن الإيمان الأعظم ، هو الركن الأول من أركان الإيمان ، وهذا الإيمان بالله – جل وعلا – يشمل كل ما يستحقه – جل وعلا – من أنواع التوحيد ، نؤمن به – جل وعلا – ربًّا واحدًا ، متصرفًا ، مدبرًا لهذا الملكوت ، وحده لا شريك له ، ونؤمن به –سبحانه – بأنه المعبود بحق – جل جلاله – لا معبود بحق سواه ، ونؤمن به – جل وعلا – بأن له الأسماء الحسنى ، وله – جل وعلا – الصفات العُلى ، وهو –سبحانه – الذي له المثَل الأعلى ، وله النَّعْت الأعلى ، وله أحسن الأسماء ، وأجلّ الصفات – جل جلاله – .

وهذا الإيمان سماه أهل العلم ” توحيد الأسماء والصفات ” ، أو ” الإيمان بأسماء الله وصفاته ” ، وهو من الإيمان بالله – جل وعلا – وكان هذا الإيمان بأسماء الله وصفاته فرضًا ، لأن الله – جل وعلا – أمر بالإيمان به ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ﴾ [ النساء : 136 ] ، وأمر به نبيه – صلى الله عليه وسلم – بل كانت الدعوة كلها إلى الإيمان بالله – جل جلاله – .

وإذا كان الأمر كذلك ، فإن الله – جل وعلا – حَضَّ عباده على أن يكونوا عالِمين به – جل وعلا – وأن يكونوا مُتَقَرِّبين منه –سبحانه – بالعِلم بأسمائه وصفاته ، والعلم بما يستحقه – جل وعلا – وما يُعلم من ذاته وصفاته وأفعاله ، جل جلاله ، وتقدست أسماؤه .

ولهذا فقد بين الله – جل وعلا – في كتابه أن له الأسماء الحسنى ، والصفات العُلى ، وأن له المثل الأعلى ، قال – جل وعلا – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأعراف : 180 ] ، وقال أيضًا – جل جلاله – ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [ طه : 8 ] ، وقال أيضًا ﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [ الإسراء : 110 ] ، وقال أيضًا ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ الحشر : 24 ] ، وأيضًا قال – جل وعلا – في وصف نفسه ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ﴾ [ الإخلاص : 4 ] ، وقال ﴿ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا [ مريم : 65 ] ، يعني هل تعلم من يشاركه في كمال اسمه ، وكمال صفاته؟ وقال أيضًا ﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى [ الروم : 27 ] ، وقال ﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾ [ النحل : 60 ] ، يعني النعت ، والوصف الأعلى .

ولهذا يقول أهل العلم اقتباسًا مما جاء في هذه الآيات : إن لله – جل وعلا – الأسماء الحسنى ، والصفات العلى . فالله – جل وعلا – يُتعرف إليه بمعرفة أسمائه وصفاته ، ولما أَرسل النبي – صلى الله عليه وسلم – مُعاذًا إلى اليمن ، قال له : « إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ »([4]) . وفي رواية للبخاري في صحيحه في كتاب التوحيد : « فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ –تَعَالَى – »([5]) . ولمسلم في الإيمان من صحيحه : « فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللهِ – عَزَّ وَجَلَّ – فَإِذَا عَرَفُوا اللهَ ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ »([6]) .

أنواع المعرفة

وهذه المعرفة معناها العلم ، والمعرفة نوعان :

أولا : معرفة محمودة ، وهي التي تكون عن إيقان وعلم وبصيرة وبينة .

ثانيا : معرفة مذمومة ، وهي التي يعلم فيها المرء ما يعلم ، ثم يُنكر ، كما كان أهل الكتاب ، وأهل الشرك ، يعرفون نعمة الله ثم يُنكرونها ، يعرفون النبي –صلى الله عليه وسلم – كما يعرفون أبناءهم ، ولكنهم أنكروا نبوته .

ولهذا قال أهل العلم : أشرف معلوم ، وأعظم معلوم هو الله – جل وعلا – فإذا تقاسم الناس المعلومات ، وتنافسوا فيها ، فإن أعظم الناس مَن كان علمه بالله – جل وعلا – أعظم ، لأن شرف العِلم يكون بشرف المعلوم ، والمعلوم هنا هي أسماء الله – جل وعلا – وصفاته ، والإيمان به ، وما يستحقه – جل جلاله – لهذا كان من أشرف المطالب التي يسعى فيها العبد ، أن يتعلم الأسماء والصفات ، وأن يكون عالما بمعانيها ، ليحصل له بعد ذلك الثمرات المرجوة من ذلك .

إذا تبين ذلك ، فإن الكتاب والسنة فيهما الكثير من أسماء الله – جل وعلا – وصفاته ، فالله –سبحانه – علَّمنا وأخبرنا بما له – جل وعلا – من النعوت والأسماء ، فيجب علينا أن نؤمن بما قص الله – جل وعلا – علينا ، وأنزل في كتابه ، أو قصه نبينا – صلى الله عليه وسلم – أو أخبر به .

أسماء الله وصفاته توقيفية

قال أهل العلم من أئمة السلف الصالح ، وأهل الحديث – رحمهم الله تعالى – : أسماء الله وصفاته توقيفية . يعني أنه يجب فيها الوقوف مع النص من الكتاب أو السنة أو الإجماع ، فلا يدخلها قياس ، سواء كان قياسا نَقْلِيًّا ، أو عقليًّا ، فهي لا يدخلها أي نوع من أنواع القياس التي يستعملها الناس .

فالأسماء والصفات توقيفية ، بمعنى أن ما جاء في القرآن ، أو في السنة ، من الأسماء ، فإننا نثبته ، وما لم يأت في القرآن والسنة من الأسماء والصفات ، فإننا لا نثبته ، فالإثبات والنفي مداره على ما جاء في الدليل .

الفرق بين الاسم والصفة

وهناك جامع وفارق بين اسم الله – جل وعلا – وبين صفته ، فالاسم والصفة يجتمعان في أن كلا منهما فيه وصف لله – جل وعلا – أما الاسم فيزيد أنه يدل على ذاته – جل وعلا – فعندما نقول : من أسماء الله ” العليم ” ، و ” العليم ” من أسمائه –سبحانه – يدل على ذاته ، نقول : هو العليم . ويدل أيضًا على صفة العلم ، التي اشتمل عليها الاسم ، أما إذا قلت : العلم . من حيث هي صفة ، فإنها تدل على ثبوت الصفة ، دون دلالة على الذات ، ولهذا كان الاسم فيه زيادة على الصفات ، فأسماء الله – جل وعلا – تدل على ذات الله – جل وعلا – وعلى الصفات بالمطابقة ، وتدل على الاسم أو الصفة بالتضمن ، أما الصفة فهي تدل على الصفة فحسب ، وتدل على الاسم من جهة اللزوم .

فتبين من هذا أنه يجب علينا أن نجعل الأسماء والصفات تدور مع الدليل ، فمن جاء باسم زائد ، قلنا له : هذا لم يأت في الكتاب ، ولا في السنة ، فإذا قال قائل : إن من أسماء الله –جل وعلا – ” الصانع ” . قلنا : هذا الاسم لم يرد في الكتاب ، ولا في السنة .

وإذا قال قائل : من أسماء الله ” المريد ” ، أو ” المتكلم ” ، أو ” المستهزئ ” . قلنا : هذه الأسماء لم ترد في الكتاب ولا في السنة ، لكن جاءت هذه الأشياء على جهة الوصف ، إما على الوصف المطلق ، وإما على جهة الكمال .

ومثال المطلق : أن نقول : إن الله – جل وعلا – متصف بصفة الكلام على وجه الكمال ، كما يليق بجلاله وعظمته ، لكنا لا نقول : هو متكلم ، بمعنى أن من أسمائه الحسنى ” المتكلم ” . ولا نقول : إن من أسمائه الحسنى ” المريد ” . لكنَّ الله – جل وعلا – موصوف بأن له إرادة ، وأنه –سبحانه – يريد ، قال –تعالى – ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [ البقرة : 185 ] ، فما نشتق من الفعل ، أو من الصفة اسمًا ، وإنما نَدُور حيث جاء الدليل من الكتاب والسنة ، لأنه لا أحد أعلم بالله – جل وعلا – من الله – سبحانه وتعالى – ولا أحد أعلم من الخلق بالله – جل وعلا – من رسوله – صلى الله عليه وسلم – فلذلك لا نتجاوز القرآن والحديث ، في أسماء الله وصفاته ، فما جاء من الصفات والأسماء ، في الكتاب والسنة أثبتناه ، وما لم يأتِ لم نُثْبِتْه .

وقال الله – جل وعلا – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [ الأعراف : 180 ] ، وقال ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ [ طه : 8 ] ، قال أهل التفسير ، كالبغوي في تفسيره([7]) وغيره عند آية الأعراف : والحُسنى تأنيث الأحسن ، كالكبرى والصغرى .

فقوله –سبحانه – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ يعني أن أحسن الأسماء له – جل وعلا – والحسنى هي بالغة الحسن والجمال ، وهي لله – جل وعلا – واللام في قوله ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ﴾ لام استحقاق ، يعني أنه –سبحانه – مستحق للأسماء الحسنى ، التي هي أحسن الأسماء ، والتي هي بالغة في الحسن والجمال ، هي نهاية الحسن والجمال .

لماذا توصف أسماء الله بالحسنى

وكانت هذه الأسماء أحسن الأسماء ، لأنها تدل على صفات لله – جل وعلا – وصفاته –سبحانه – التي تضمنتها تلك الأسماء بالغة في الحسن والجمال .

كما أن هذه الأسماء يدعى بها الله –جل وعلا – أي يُعبَد بها .

كما أنه يُثنى عليه بها – جل وعلا – .

كما أنه –سبحانه – يُسأل بأسمائه الحسنى ، ولا يُسأل الخلق بأسمائهم ، لأنهم لا بد أن يكون عندهم نقص في القدرة على إنفاذ ما تضمنته أسماؤهم ، فمثلًا عزيز مصر ، قال –تعالى – ﴿ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ [ يوسف : 51 ] ، لقد كان عزيزا ، لكن ليس عنده صفات العزة ، لأن النقص يلازم الإنسان ، مهما بلغ من أسماء ، والله – جل وعلا – أسماؤه بالغة في الكمال والحسن ، لا وجه فيها لنقص ، بأي وجه من الوجوه ، ولذلك فإن الله – جل وعلا – يُسأل بأسمائه وصفاته .

كما أن كل اسم من أسماء الله – جل وعلا – له آثاره في الخلق : في السموات ، في الجنة ، في النار ، في العرش ، في الكرسي ، فيمن في السموات ، ومن في الأرض ، في الملكوت ، في الصغير والكبير ، في الهواء ، في كل المخلوقات .

فأسماء الله – جل وعلا – لها آثارها في ملكوته وخلقه ، كذلك لها آثارها في شرعه ودينه ، كذلك لها آثارها في جزائه ، حين يجازي الناس في الدنيا ، وحين يجازي الناس في الآخرة ، وأيضًا لها آثارها في وَعْده – جل وعلا – وإنفاذ وعده ، وفي وعيده ، وإنفاذ وعيده .

ولهذا كانت أسماء الله – جل وعلا – حسنى لاجتماع هذه المعاني فيها ، وقد ثبت في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما ، من حديث أبي الزِّنَاد عن الأعرج عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : « إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا – مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا – مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ »([8]) .

هل أسماء الله محصورة في تسعة وتسعين اسما؟

وهنا نظر العلماء إلى أمرين :

أولًا : معنى الحصر .

ثانيا : معنى من أحصاها .

والكلام على الأمر الأول : أن قوله – عليه الصلاة والسلام – :« إن لله تسعًا وتسعين اسمًا » . ليس المراد بذلك الحصر ، ولكن هذا يراد به ترتب الثواب على هذه الأسماء .

قال أهل العلم : فلله – جل وعلا – أسماء كثيرة ، أكثر من التسعة والتسعين ، لكن التسعة والتسعون اسمًا ، تَرَتَّب عليها ثواب أن مَن أحصاها دخل الجنة .

ويدل على هذا الفهم – وهو فهم صحيح – قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في حديث ابن مسعود المشهور : « مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ إِذَا أَصَابَهُ هَمٌّ وَحَزَنٌ : اللهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ، وَابْنُ عَبْدِكَ ، ابْنُ أَمَتِكَ ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي ، وَنُورَ صَدْرِي ، وَجِلَاءَ حُزْنِي ، وَذَهَابَ هَمِّي ، إِلَّا أَذْهَبَ اللهُ – عَزَّ وَجَلَّ – هَمَّهُ ، وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحًا » . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قَالَ : « أَجَلْ ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ »([9]) .

فدل هذا الحديث على أن أسماء الله – جل وعلا – كثيرة ، لكن حديث أبي هريرة حَصَر تسعا وتسعين منها ، في أن من أحصاها دخل الجنة .

معنى الإحصاء

والأمر الثاني : معنى الإحصاء ، وهذا قد تكلم فيه العلماء كثيرا ، وخلاصة كلامهم أن الإحصاء يدور على ثلاثة معانٍ ، وله ثلاث مراتب :

أما المعنى الأول : أحصاها أي : عدّها . ودليلهم قول الله – جل وعلا – في القرآن ﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴾ [ مريم : 94 ] ، والإحصاء هنا بمعنى العد .

والثاني : أحصاها أي : حفظها . ودليلهم قول الله – جل وعلا – ﴿ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ [ المجادلة : 6 ] يعني حفظه الله – سبحانه وتعالى – ونسوه .

والثالث : أحصاها أي : تَعَبَّد الله بها ، وعمل بمقتضاها . ودليلهم قوله –تعالى – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [ الأعراف : 180 ] .

ومعنى الإحصاء يشمل هذه الثلاثة : من عدها ، وحفظها ، وتعبد الله ، بها دخل الجنة . نسأل الله الكريم أن يجعلنا من أهل الجنة ، بِمَنِّه وكرمه وعفوه ورحمته .

أما عن مراتب الإحصاء ، فهي :

أولًا : أن تتعلم الأسماء ، يعني تعرف الله – جل وعلا – بأسمائه ، فمثلًا إذا سمعت اسما من أسماء الله لا تعرف معناه ، فعليك أن تبحث عن معناه ، فإذا سمعت اسم الله ” القدوس ” أو ” العزيز ” أو ” الجبار ” أو غيرها ، فعليك أن تبحث عن معناها ، فإذا لم تعرف معنى هذه الأسماء وغيرها من أسماء الله –جل وعلا – فهذا قصور .

ثانيا : أن تعرف ارتباط هذه الأسماء بآثار ما يُجْرِيه الله في الملكوت ، فمثلًا اسم الله ” الحليم ” ، من آثاره أننا نرى كفر الكفار ، ونرى حلم الله بهم ، بإمهاله لهم ، وكثرة إنعامه عليهم ، إذا رأيت ذلك ، علمت أن الله حليم .

ونرى الظالم يَظْلم ، والقاتل يَقْتُل ، والمسلمون يُستضعفون ، والله – جل وعلا – حليم ، لا يعاجلهم بالعقوبة .

والله –جل وعلا – هو العزيز ، وهو الحكيم له الحكمة البالغة ، يُعِزّ من يشاء ، ويُذِلُّ مَن يشاء ، ونحن نرى في الكون آثار هذه الأسماء ، فهكذا علينا أن نفعل في بقية الأسماء .

فإذا علمت المرتبة الأولى ، فإنه سيأتيك في المتربة الثانية الربط بين هذه الأشياء ، وبين أسماء الله – جل وعلا – وصفاته ، وحينئذ ينتفي من قلب المؤمن خطرات المادية والإلحاد ، والظن بأن الأمور تجري هكذا ، دون من يُدَبّرها ، بل يربط الأشياء بأفعال الله – جل وعلا – وبأسمائه وصفاته ، فيكون عنده من النور في كل ما يرى ما لا يكون عند من لا يعلم .

ثالثا : أن يكون متعبدًا لله – جل وعلا – بها ، داعيًا لله – سبحانه وتعالى – بها ، لأن من ثمرات الإيمان العبادة – كما سيأتي إن شاء الله – فلا يُعقل أن يعلم شخص أسماء الله – جل وعلا – وصفاته ، ثم لا يعبده وحده لا شريك له ، ولا يخضع له ، ولا ينكسر بين يديه ، أو لا يُخلص له ، أو لا يُحسن الظن به ، كل هذا يتنافى مع حقيقة الإيمان بأسماء الله –جل وعلا – وصفاته .

معنى قوله تعالى ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

وهنا ننتقل إلى قول الله – جل وعلا – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [ الأعراف : 180 ] ، فنقول : جعل الله – جل وعلا – الأسماء الحسنى مستحقة له –سبحانه – ثم أمر عباده بقوله ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ وهذا أمر ، والأمر هنا للوجوب والفرضية ، وقوله ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ له ثلاثة معانٍ :

المعنى الأول : فادعوه بها : يعني اعبدوه بها ، فإنك إذا علمت الأسماء الحسنى ، وعلمت معانيها ، فإنك ستعبد الله – جل وعلا – بها ، لأن الآلهة المختلفة ، والأوثان والأصنام ، ومن عُبدوا من دون الله – جل وعلا – من البشر ، ومن الملائكة ، أو الأنبياء ، أو من الجن ، أو من الصالحين ، أو الطالحين ، كل هؤلاء لا يستحقون العبادة ، والذي يستحق العبادة هو من له الأسماء الحسنى ، البالغ في الكمال في جميع أنواعها ، وهو الله –جل وعلا – وحده لا شريك له .

وبهذا يكون المعنى الأول أي : فاعبدوه بها ، تعلّموها ، واعلموا معانيَها ، واعبدوا الله إيمانًا بما له –سبحانه – من الأسماء الحسنى .

والمعنى الثاني : الثناء ، فقوله ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ يعني أَثْنُوا على الله – جل وعلا – بها ، يعني بأثر هذه الأسماء ، فإذا علمت هذه الأسماء ، فإنك ستجد فيما بينك وبين ربك ، في أدعيتك ، وفي سجودك ، وفي ركوعك ، أبوابًا من الثناء على الله – جل وعلا – تُفتح عليك .

وتذكر هنا قول النبي – صلى الله عليه وسلم – في يوم الحشر الأعظم ، لما ذكر ما أصاب الناس ، ثم طلب الناس منه الشفاعة قال : « فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا ، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ، ثُمَّ يُقَالُ لِي : ارْفَعْ مُحَمَّدُ ، وَقُلْ يُسْمَعْ ، وَسَلْ تُعْطَهْ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ عَلَّمَنِيهَا ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا ، فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ، ثُمَّ أَرْجِعُ »([10]) .

ولهذا يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب المحدَّث الملهَم –رضي الله عنه – : إني لا أحمل هم الإجابة ، وإنما أحمل هم الدعاء ، فإذا أُلهمت الدعاء ، فإن الإجابة معه([11]) .

فإذا كان أحدنا عندما يريد حاجة من بشر ، فإنه يبدأ حديثه ببعض الثناء على هذا المخلوق ، حتى يقضي له حاجته ، فإن الله – جل وعلا – أحق بالثناء ، وأحق بالحمد ، والله – جل وعلا – يُحب من عبده أن يحمده ، وأن يثني عليه ، وأن يوقِّره ، وأن يُجِلّه ، يحب أن يظهر أثر ذلك في دعاء العبد .

والمعنى الثالث : ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ يعني اسألوه بها ، بمعنى توسلوا إلى الله – جل وعلا – بأسمائه وصفاته ، فأسماء الله متنوعة ، وصفاته متنوعة ، ومطالب الناس أيضًا كثيرة متنوعة ، وأسماء الله وصفاته لها آثارها وارتباطها ، بما يجري في الملكوت ، سواء في حياتك ، أو في حياة غيرك ، أو في السموات ، أو في الأرض ، فتسأل الله – جل وعلا – بالاسم المناسب ، أو بالصفة المناسبة لمطلوبك ، فإن هذا أحرى أن تجاب ، بعد أن تحمده وتثني عليه – جل وعلا – .

فلو انكسر شخص –مثلا – في أي أمر من أموره ، سواء كان دينيًّا أو دنيويًّا ، فهنا يسأل الله – جل وعلا – بالأسماء المناسبة له ، فيقول : يا جبَّار اجبُر ضَعفي ، اجبر كسري ، يسأل باسم الله ” الرحيم ” ، يسأله باسمه ” الجواد ” ، يسأله باسمه ” الرافع ” ، يسأله باسمه ” المعز ” ، ” العزيز ” ، وهكذا .

كذلك إذا أردت النكاية في عدوك ، أو إذا أردت السلامة من الأعداء ، أو إذا أردت دفع الحسد والعين ، أو ما شابه ذلك ، وأعظمت التوكل عليه ، وسألته بأسمائه المناسبة لذلك ، فإنه أحرى أن يستجاب لك .

إذًا فمعنى ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ أي فاعبدوه بها ، أثنوا عليه بها ، اسألوه بها .

لكن كيف يعبده ، ويثني عليه ويسأله ، وهو لم يتعلم الأسماء والصفات؟ ولذلك كان من السهل أن تحفظ التسعة والتسعين اسمًا ، فقد زُرنا بعض البلاد ، فوجدناهم يُعلّمون الأولاد في الابتدائي الأسماء التسع والتسعين ، في شبه نشيد ، وهذا يفتح عليك أبوابا من الإيمان إذا حفظتها ، لكن شريطة أن تعلم معناها ، وتعمل بمقتضاها ، كما قال ابن تيمية([12]) : إن في الدنيا جنة ، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . يعني جنة الإيمان ، لذة الحياة الطيبة .

إذا تبين ذلك ، فأهل العلم قد نظروا فيما ذكرنا ، وتبين لهم أن أسماء الله – جل وعلا – وصفات الرب – جل وعلا – لها آثارها في الخلق والأمر ، يعني في ملكوت الله ومخلوقاته ، وفي أمره الكوني ، وأمره الشرعي ، وفي الجزاء ، وفي الوعد والوعيد ، وفي أنواع الحكمة ، وما يحصل من أقدار الله – جل وعلا – وقضائه ، فتأملوا في الأسماء والصفات فقسّموها ، ليَقْرُب إلى الذهن معرفة الآثار ، والعمل بمقتضيات الإيمان .

صفات الجلال وصفات الجمال

وقد قسم ابن القيم – رحمه الله – ([13]) : أسماء الله وصفاته إلى نوعين : أسماء جلال ، وأسماء جمال ، وهذه أخذها من قول الله – جل وعلا ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [ الرحمن : 78 ] ، فهو –سبحانه – ذو الجلال ، وهو –سبحانه – ذو الإكرام ، والإكرام فيه معاني الجمال ، فيه الإكرام بالحياة ، والإكرام بالدين ، والإكرام في الدنيا ، والإكرام في الآخرة ، فيه الرحمة ، فيه كل ما يحصل للعبد من النعيم ، أو يندفع عنه من الأذى ، كل ذلك إنما هو بإكرام الله – جل وعلا – فهذه أنواع جمال .

ومن أنواع أسمائه وصفاته –جل وعلا – ما يتعلق بالإحاطة ، لأنه –سبحانه – محيط بكل شيء ، وذلك مثل اسم ” المهيمن ، الشهيد ، الرقيب ، المقيت ، العليم ، المحيط ” ، وهكذا ، فهذه الأسماء فيها معنى الإحاطة ، وأنه –سبحانه – لا تخفى عليه خافية .

وهناك صفات العزة والقدرة ، مثل : الرب والملك ، القدير ، القهار ، الجبار ، العزيز ، الخافض ، الرافع ، القابض ، الباسط ، المعز ، المذل ، هذه كلها فيها عزة ، وفيها قدرة ، تدل على أنه –سبحانه – على كل شيء قدير – جل جلاله – .

ومن أسمائه وصفاته ما يتعلق بالرحمة ، منها : الرحمن ، الرحيم ، الغفور ، الغفار ، الودود ، القريب الجواد ، وهكذا ، وهذه تتعلق برحمته بعباده .

وكل مجموعة من هذه المجموعات متعلقة بجميع ما ذكرنا ، من الخلق والملكوت وشرع الله – جل وعلا – وقدَره وبجزائه ووعده ووعيده ، وكل الأصناف ، وهنا ينظر العبد المؤمن – وهو يتأمل ذلك – فيرى أن أسماء الجلال ، من عزة الله وقدرته وجبروته –سبحانه – وملكه ، وأنه يُجير ، ولا يُجار عليه ، وأنه أمره نافذ ، وأنه الذي يخفض ويرفع ، فآثار كل هذه الصفات يراها في ملكوت الله ، في السماء ، ويراها في الأرض ، يراها في الناس ، يراها في نفسه .

وهكذا صفات الرحمة ، فإنه –سبحانه – وسعت رحمته كل شيء ، قال –تعالى – ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : 156 ] ، فكل شيء وسعته الرحمة : العرش والملائكة ، وما دونهم .

بهذا ينبغي لك أن تتأمل ، بعد أن تتعلم الأسماء والصفات على النحو الذي ذكرنا ، وكل قسم تُعَلّقه بملكوت الله ، وبشرع الله ، وبأمره .

فلو نظرنا إلى صفة الحكمة –مثلا – فسنراها في خلقه ، ونراها أيضًا في دينه وشرعه ، ونراها في جزائه ، ونراها في جنته وناره ، في وعده ووعيده ، ولهذا وجب على الإنسان المؤمن أن تظهر ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات على نفسه ، بعد تعلمه ومعرفته بأسماء الله وصفاته ، ومن هذه الثمرات :

ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات

أولًا : تحقيق ما أوجب الله – جل وعلا – من الإيمان به ، فالله – جل وعلا – أمرنا بالإيمان به ، فمن آمن بالأسماء والصفات جميعًا – كما أخبر الله – جل وعلا – بها ، وأخبر بها نبيه – صلى الله عليه وسلم – فقد حقق هذا الإيمان ، ومن حرَّف في ذلك ، ولم يؤمن بها جميعًا ، فلن تظهر ثمرات الإيمان على الحقيقة فيه ، من جهة أداء الواجب .

فنصيب المؤولة والمعطلة للأسماء والصفات – يعني الذين ينفون بعض أسماء الله – جل وعلا – أو يتأولونها على غير وجهها – ليس نصيبهم من هذا الإيمان كاملًا ، بل هو متأثر بما فرطوا وتركوا في ذلك ، فمنهم من بدعته في ذلك شديدة ، ومنهم من بدعته أقل ، ومنهم من بدعته كفرية ، في إنكاره للأسماء والصفات ، وتعطيله لذلك .

ثانيا : عبادة الله وحده لا شريك له ، كما ذكرنا عند قوله –تعالى – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [ الأعراف : 180 ] ، فالإيمان بالأسماء والصفات يقود –حتمًا – إلى توحيد الله – جل وعلا – حق توحيده ، وأن يُعبد وحده لا شريك له ، لأن معنى الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات ، أن تؤمن بأنه –سبحانه – هو الواحد الذي لا مثيل له ، لا في أسمائه ، ولا في صفاته .

فإذًا ما عُبِد من الأصنام والأوثان ، أو من الملائكة والأنبياء ، أو من الجن ، أو من الصالحين ، أو من الطالحين ، من الموتى والأحياء ، كل هؤلاء فيهم نقص كبير في الذات وفي الصفات ، والذي يستحق العبادة هو الله – جل وعلا – فهو وحده الذي له الصفات الكاملة .

ولهذا قال أهل العلم : في القرآن ذكر الأسماء والصفات ، أو ذكر توحيد المعرفة والإثبات ، وهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات ، ليقود إلى الإيقان بتوحيد الإلاهية ، فيُعبد الله وحده لا شريك له .

فمن حقق توحيد الأسماء والصفات ، يعني آمن حقًّا بأنه –سبحانه – هو الذي له هذه الأسماء الحسنى ، وله هذه الصفات العلى ، فإنه حينئذ ليس أمامه إلا أن يعبده وحده لا شريك له ، ولذلك فشا الشرك في المعطلة ، وفشا في الذين ألحدوا في أسمائه ، قال –تعالى – ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ الأعراف : 180 ] ، قال الطبري –رحمه الله – في تفسير هذه الآية([14]) : وكان إلحادهم في أسماء الله ، أنهم عدَلوا بها عمّا هي عليه ، فسموا بها آلهتهم وأوثانهم ، وزادوا فيها ونقصوا منها ، فسموا بعضها ” اللات ” اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو ” الله ” ، وسموا بعضها ” العُزَّى ” اشتقاقًا لها من اسم الله الذي هو ” العزيز ” .

وهكذا أيضًا هناك من البشر مَن جعلوا لبعض الناس من الصفات مثل ما لله – جل وعلا – وبذلك يكونون قد ألحدوا في الأسماء ، فلما ألحدوا وقعوا في الشرك ، ولذلك ترى الموحّد في الأسماء والصفات ، يقوده ذلك إلى توحيد الله – جل وعلا – في العبادة فيعبد الله وحده لا شريك له .

وهنا يجب أن نتأمل قول الله – جل وعلا ﴿ فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأعراف : 180 ] ، وقوله ﴿ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [ الحشر : 23 ] ، لأن إثبات الأسماء تنزيه لله – جل وعلا – عن الشرك ، فمن أثبت الأسماء والصفات وعَلِمها ، وآمن بها على الحقيقة ، فإن ذلك تنزيه لله – جل وعلا – عن الشرك ، ولهذا كان المشركون يُلحدون في أسماء الله – جل وعلا – .

وفي هذه الأمة ، لما عطَّلت الباطنية ، وعدد من الفرق ، أو تأولت في أسماء الله – جل وعلا – فقد ألحدوا فيها ، سهُل عليهم أن يكون لبعض البشر بعض خصائص الله ، فوقعوا في الشرك ، والعياذ بالله .

ثالثا : المؤمن بالأسماء والصفات ، يَلين لسانه بحسن الثناء على الله ، ومَن أَكْثر الثناءَ على الله – جل وعلا – قَرُب منه ، وأحس في قلبه اللذة والحلاوة لمناجاته ، وهذه فتوح لا يعلمها إلا مَن ذَكرها من أهل العلم ، أو من عُلِّمَها ، لأنه يأتي للنفس من اللذة والحضور والسرور ، بالثناء على الله – جل وعلا – .

والذي لا يعلم الأسماء والصفات ، لا يؤمن بها على الحقيقة ، فلا يُفتح له باب الثناء على الله – جل وعلا – بأسمائه وصفاته .

رابعا : أنه يُفتح لك باب السؤال ، والدعاء الحسن لله – جل وعلا – في مطالبك ، لأن الله يقول ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [ الأعراف : 180 ] ، فإذا سألت الله بما يناسب مطلوبك ، من أسمائه وصفاته ، تكون قد توسلت إلى الله –جل وعلا – بأعظم وسيلة ، لأن أعظم ما يُتوسل به إلى الله – جل وعلا – هو أن يُتوسل إليه – جل وعلا – بالله .

ولهذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : « اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ »([15]) . فهذا سؤال لله – جل وعلا – بصفة من صفات الله – جل وعلا – .

خامسا : العلم بالكتاب والسنة ، وهي أعظم العلوم ، قال ابن القيم –رحمه الله – في نونيته([16]) :

العلم قال الله قال رسولُه

 

قال الصحابة هم أولو العِرفان

ما العلم نَصْبُك للخلاف سفاهةً

 

بين الرسول وبين رأي فلان

كلا ولا جَحْد الصفات لربنا

 

في قالب التنزيه والسبحان

كلا ولا نفْي العُلُوّ لفاطر الأ

 

كْوان فوق جميع ذي الأكوان

كلا ولا عزل النصوص وأنها

 

ليست تفيد حقائق الإيمان

 والكتاب والسنة أكثر ما فيه وصف لله – جل وعلا – وبيان ما يستحقه سبحانه ، وبيان ما له – جل وعلا – ولذلك تجد أن أكثر الآيات مختومة بأسماء الله وصفاته ، فإذا لم يكن عندك علم بالأسماء والصفات التي ينتج عنها الإيمان ، فسيكون هناك نقص في معرفة الآيات ، وبالتالي سيكون هناك نقص في معرفتك بالقرآن ، ونقص في معرفتك بالسنة ، وهكذا .

خامسا : التدبر في ملكوت الله – جل وعلا – فقد قال الله – جل وعلا – ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [ يونس : 101 ] ، وقال ﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [ الأعراف : 185 ] ، فإذا عظم العلم بالأسماء والصفات ، نظرت إلى الملكوت بنظرة أخرى ، نظرت إلى مخلوقات الله : من الجبال والنجوم والشمس والقمر والحجر والزواحف ، وغيرها من المخلوقات ، على أنها كلها تدل على الله – جل وعلا – .

ولهذا قال الحسن البصري – رحمه الله تعالى – ([17]) : ما زال أهل العلم يعودون بِالتَّفَكُّرِ عَلَى التَّذَكُّرِ , وَبِالتَّذَكُّرِ عَلَى التَّفَكُّرِ , وَيُنَاطِقُونَ الْقُلُوبَ حَتَّى نَطَقَتْ , فَإِذَا لَهَا أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ , فَنَطَقَتْ بِالْحِكْمَةِ وَضَرَبَتِ الأَمْثَالَ , فَأَوْرَثَتِ الْعِلْمَ .

يعني تفكرنا في ملكوت الله ، وتفكرنا في أسماء الله وصفاته ، فأورث التفكر القلوب التذكر ، فرجعنا بالتذكر مرة أخرى على التفكر – يعني ابتدأ من جديد يتذكر بعدما بدأت في القلب الحياة – فحركنا القلوب بهما ، يعني ينتقل من التفكر إلى التذكر ، ثم يرجع من التذكر إلى التفكر ويزيد ، قال : فإذا لها أسماع وأبصار . يعني يسمع كلام الله – جل وعلا – وإذا به يرى فيه من الآيات والعِبر ما لم يكن في حسبانه سابقًا ، ويبصر في ملكوت الله ما لم يكن يبصره سابقًا ، والإلف يحجز العِبرة ، فنحن نألف الشمس ، ونألف القمر ، ونألف أنفسنا ، نألف حياتنا ، نألف طعامنا ، نألف الشراب ، لكن هذا الإلف يُبْعد النظر عن الاعتبار ، ولذلك كان من أهم استيقاظ القلب العلم بالأسماء والصفات .

وقال ابن رجب – رحمه الله – في رسالة ” فضل علم السلف على علم الخلف

شاركها مع أصدقاءك