بواسطة :
الزيارات : 624 مشاهدة

مسئولية الكلمة

الخطبة الأولى :

الحمد لله ، هو الرحمن ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن : 3 - 4] ذو النعم العظيمة التي لا يحصيها مُحْصٍ ، ولا يعدها عاد ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل : 53] . الحمد لله الذي له على عباده أعظم الفضل وأكثر الفضل وأجزل الفضل فلا نعمة على الحقيقة إلا من الله ، ولا فضل إلا من الله ، فله – جل وعلا – الحمد كله ، وعليه – جل وعلا – الثناء كله ، له الحمد في الأولى والآخرة ، وعليه الثناء – جل وعلا – بما له من الأسماء الحسنى والصفات العلا التي بها أحبه المحبون من عباده ، ولها ذل المتذللون من عباده ، وبها تقرب المتقربون من عباده إليه ، خافوه ورَجَوْه ورَهِبوا منه ورَغِبُوا إليه وتوكلوا عليه وفوضوا أمرهم إليه ، وذلك لمَّا شهدوا من آثار أسمائه – جل وعلا – وصفاته ، فالحمد لله حق الحمد وأجزله وأعلاه .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، لقد بشَّر وأنذر ، لقد بشر بالجنة فطُوبَى لمن قَبِل البشارة فسار إلى الجنة مُتابِعًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد أنذر فطُوبَى لمن تباعد بنفسه وأهله ومن حوله عن النار التي أنذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم . اللهم صلِّ على نبينا محمد كَفَاء ما أرشد ، وكفاء ما علَّم ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين .

أما بعد :

نعمة اللسان والبيان :

فيا أيها المؤمنون ، اتقوا الله حق التقوى ، عباد الله إن الله – جل جلاله – جعل اللسان نعمة على العباد ، جعل اللسان نعمة على ابن آدم به يتكلم ، به يقضي أمره ، به يُبِينُ عما في نفسه ، فحوائجه صَلُحت باللسان ، بلسانه أثنى على الله عز وجل ، بلسانه دعا الله ، بلسانه ارتفع مقامه إن وفقه الله . وبلسانه أيضا زلت قدمه ، وزل في النار – والعياذ بالله – فاللسان صغير الجِرْم لكنه كبير الجُرْم إن كان ذا جُرم ، وكبير الرفعة والمنزلة إن كان ممن نطق بالحق وللحق ، فالله – جل جلاله – أنعم على الإنسان بنعمة اللسان ، قال سبحانه : ﴿ الرَّحْمَنُ فأثنى على نفسه بأنه ذو الرحمة ، وبيَّن – جل وعلا – بأنه : ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾ وذلك لأن نعمة البيان عمَّا في النفس نعمة عظيمة جزيلة .

مسئولية الكلمة في الكتاب والسُّنة :

أيها المؤمنون ، لقد جاء في الكتاب والسُّنة ما يُبيِّن أن للكلمة في الإسلام مسئولية عظيمة ، فليست الكلمة التي ينطق بها المؤمن كلام يَخْرُج ويُردُّ ويسمع ، وأنه ليس عليه مسئولية فيه ، بل إن للكلمة المسؤلية الكبرى ، ألم ترى أن بالكلمة رَفَع الله – جل وعلا – أقوامًا في الجنة ، ودحض وأنزل أقوامًا في النار ، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح : «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالًا ، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ»([1])والحظ قوله عليه الصلاة والسلام : «لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً» .

وقد قال – جل وعلا – في سورة النساء : ﴿لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ[النساء : 114] وبَيَّن – جل وعلا – أن كل كلمة ، وكل قول يخرج من فِيكَ أيها الإنسان له رقيب قد أُعِدَّ لكتابته ولتدوينه ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق : 18] .

إن الكلمة – أيها المؤمن – ليست حركة لسان فقط ، بل إنها مَوْرِد رِفْعة أو مَوْرِد هلاك ، ولهذا عظَّم الله – جل وعلا – أمر اللسان ، وأمر الكلمة ، وكذلك عظَّم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمر الكلمة . ألم ترَ أن بالكلمة دعا الأنبياء إلى ما دَعَوْا إليه ، وإنما استجاب من استجاب لهم من المؤمنين لما سمعوا كلامهم ، ولما رأوا أفعالهم ، فبالكلمة اهتدى المهتدون فحَلَّت – لما استجابوا لكلام الأنبياء – منازلهم في الجنة في المقامات الرفيعة .

وبالكلمة هَوَى الكفار لما تكلموا في الأنبياء ، ولما تكلموا في دعاة الحق هوت منازلهم في النار سبعين خريفًا أو أكثر على ما قَدَّر الله – جل وعلا – عليهم .

إن بالكلمة يَسْعَد الإنسان ، وبالكلمة يشقى الإنسان ، ولهذا كان للكلمة في تعامل الخلق مع الله – جل وعلا – منزلة يجب التنبيه عليها ، والتنبه لها ، فبالكلمة تُقَام الشهادة لله – جل وعلا – فالشهادة بتوحيد الله إنما كانت بكلمة التوحيد : لا إله إلا الله ، وإن الشهادة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – بالرسالة إنما كانت بكلمة توحيد المتابعة ، وتوحيد الرسالة الخاتمة : محمد رسول الله .

وهكذا الدعوة التي دعا إليها دعاة الحق فإنما تكون بالكلمة ، وهكذا تابع من تابع أهل الحق بالكلمة ، وذلك لنعلم أن مسئولية الكلمة مسئولية عظيمة .

وبالكلمة يكون إصلاح المرء لنفسه ، وبها يكون إصلاح المرء لأهل بيته ، وبها يكون إصلاح المرء لمن حوله ، بل وبالكلمة يكون صلاح وإصلاح المجتمعات كلها .

وانظر مثلاً مسئولية الكلمة فيما يتعطاه المرء مع ربه – جل وعلا – قال سبحانه : ﴿ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ[الطلاق : 2] فحق الشهادة أن تُقَام لله – جل وعلا – فمن كتم الشهادة – وهي كلمة تقال – كان آثمًا؛ لأن حق الله – جل وعلا – أن يَعْدِل بين الناس ، ومن العدل ألا تكتم الشهادة في الحق .

انظر إلى ذلك الرجل الذي قام بين يدي سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله ، كم كانت منزلته بين الشهداء في الإسلام ، قال – عليه الصلاة والسلام – في الحديث الصحيح : «سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَرَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقَتَلَهُ»([2]) أي قام بين يدي هذا السلطان الجائر .

بتلك الكلمة كان ذلك الرجل سيدًا للشهداء ، إن بالكلمة تكون شهادة الحق للناس ، الشهادة بالإنصاف والعدل الذي أمر الله – جل وعلا – به في كتابه بأن يعدل بين الناس ، وأن يُقَال بالعدل ، وأن يُتَكَلَّم بالعدل . إن تلك الكلمة العظيمة إنما هي نُطْق لسان فإذا فاتت المرء فقد فاته خير كثير أو وقع في الإثم والعدوان . ونسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا مِن المراقبين لكلامهم .

إننا رأينا – أيها المؤمنون – في هذا الزمان خللاً في الكلام الذي يتكلم به الناس ، رأينا مدحًا لمن لا يستحق المدح فيما بين الناس ، ورأينا ذمًّا لمن لا يستحق الذم فيما بين الناس . والله – جل وعلا – أمر العباد بالقسط وبالعدل وبأن يقوموا لله – عز وجل – بالعدل والقسط لله : ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ[النساء : 135] .

إن الشهادة بالحق ، بألا يقول المرء إلا ما يعلم أنه شهادة حق أو قَوْلَة حق ، إن ذلك مما يميز أهل الإسلام وعند ذلك يتداعى أولئك الذين يُطْلِقون ألسنتهم في كل شيء ، تراهم في جانب يمدحون بالباطل ، يمدح صديقه بالباطل ليتقرب إليه ، يمدح رئيسه بالباطل ليتقرب إليه ، وإن كان يعَلْم أنهم ليسوا أهلاً لتلك المدائح وإنما رجاء أن يتقرب إليهم .

وبالعكس تجد البعض منا لا يقفون عند كَتْم الحق فقط ، بل يبذلون ألسنتهم في ذم الناس بالباطل ، فترى الرجل منا ، وربما رأيت المرأة ، رأيتهم يخوضون في كلام ، يذمون ويمدحون يغتابون وينمون ، بل ربما رموا إخوانهم المؤمنين بأمور من الفسق والعدوان – والعياذ بالله – وإذا تحققت الأمر منهم لم تجد أنهم قد دققوا فيما قالوا ، بل صاروا وَفْق الهوى ، أو وَفْق الظن ، والظن أكذب الحديث .

ونرى في جهة أخرى أن الكلمة التي فيها إصلاح ، الكلمة التي فيها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر على نطاق المؤسسات الحكومية في الوظائف ، أو على نطاق الجامعات مثلًا بين الأساتذة ، أو على نطاق الطلاب وبين المعلمين ، الكلمة التي فيها إصلاح ، وفيها تنبيه على الحق وإلى الحق وإبعاد عن الشر قد غابت ، أو أنها قد قَرُبت من الغياب فأصبح الناس – والعياذ بالله – يُجامِل بعضهم بعضًا ، ولا يرعى بعضهم حقَ بعض .

إن من حق بعضنا علينا أن نبذل لهم الكلمة التي تُشرِق في لينها ، تُشرق في تركيبها ، قريبة من النفس ، قريبة من القبول ، ولكنها تحمل في طيَّاتها الحق ، تحمل النور ، تحمل الهدى .

ضرورة مراعاة مسئولية الكلمة :

إننا – أيها المؤمنون – لا بد أن نرعى فيما بيننا مسئولية الكلام الذي نتكلم به . إن أمة الإسلام ولا شك أمة مُصلحة ، أمة تسعى إلى الإصلاح ، تسعى إلى النصيحة ، فإن الدين النصيحة ، وإن من موارد النصيحة والإصلاح الكلمة فإن الكلمة شأنها عظيم ، وقد ابتُذِلت حتى عادت وصارت – والعياذ بالله – ليست مما أمر الله – جل وعلا – به في شيء .

أيها المؤمنون ، إننا إذا رأينا هذا الواقع الذي نعيشه ، رأينا أنه يجب علينا أن نُصلِح أنفسنا ، ونصلح ما حولنا بتلمس العيوب ، بتلمس النقص ، وعندنا والحمد لله خير عظيم كثير ، ولكن يجب علينا أن نُصلح فإن محبة المسلم لإخوانه المسلمين تأبى إلا أن يكون جسد المسلمين بأجمعهم جسدًا صحيحًا معافًى ، ليس فيه علة ، وليس فيه مرض ، فإن كان ثَمَّ علة أو كان ثَمَّ مرض سعى في الإصلاح ، وإن الإصلاح ليكون بالكلمة .

عند ذلك يجب علينا أن نتنبه لخطر اللسان ، فباللسان ترتفع المقامات ، بالكلمة ترتفع المقامات ليس عند الخلق ، ولكن عند الله جل وعلا ، فكم من أُناس قد ارتفعت مقاماتهم في الجنة لكلمة قالوها ، وكم من أُناس قد هوت – والعياذ بالله – دركاتهم في النار لكلمة قالوها .

 فتنبهوا للسان ، وإياكم والكذب! فإن الكذب بالكلمة مَوْرِد الهلاك ، فقد جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ ، فَقَالَ : ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ ، فَقَالَ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، قَالَ : فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ ، قَالَ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا ، قَالَ : صَدَقْتَ ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا ، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا ، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا ، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ ، فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا ، فَرَضِيَ بِكَ ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا ، فَقُلْتُ : كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ، فَرَضِيَ بِكَ ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ ، فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا ، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ ، فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ ، قَالَ : هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ : أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ ، قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا»([3]) .

 إن للكلمة – أيها المؤمنون – شأنًا عظيمًا ، وإن التساهل بها ، والتساهل فيها بإلقائها في التزكية ، وفي الجرح في الشهادة ، وفي الثناء في القول ، وفي العهد في القول ، وفي الأخذ بالعقود ، وفي الأخذ بالمواثيق ، إن التساهل في ذلك كله سِمَة هذا الزمن .

نسأل الله – تعالى – أن يُبصِّر المؤمنين بعيوبهم ، وأن يأخذوا ألسنتهم وكلامهم بالحق وبقول الحق ، وبمواثيق الله التي استوثقوا بها ، اللهم طهِّر قلوبنا من النفاق ، والشقاق ، ومن سوء الأخلاق ، اللهم اجعل كلامنا في رضاك ، وقولنا في رضاك ، اللهم إنا نعوذ بك من أن يزل بنا كلامنا إلى دركات في النار ، ونسألك – وأنت أكرم مسئول – أن تحمل كلامنا وألستنا حتى ترفعنا به درجات في جنات النعيم . واسمعوا قول الله – جل جلاله – أعوذ بالله من الشيطان الرجيم : ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[ق : 18] . بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم .

 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المؤمنين من كل ذنب ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم .

 

****************

الخطبة الثانية :

الحمد لله حق الحمد وأجزله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .

أما بعد :

فيا أيها المؤمنون ، إن أحسن الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله ، وشر الأمور محدثاتها ، وكل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة ، وعليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة ، وعليكم بلزوم تقوى الله ، فإن بالتقوى فَخَاركم ورفعتكم في الدنيا والأخرى ، اتقوا الله في أقوالكم ، اتقوا الله في ألفاظكم في كلامكم ، اتقوا الله في أعمالكم ، اعلموا أن الله – جل جلاله – مُطَّلع عليكم ، مطَّلع على كلامكم ، مطلع على أعمالكم يسمع ويعلم ، فاتقوا الله حق التقوى ، اتقوا الله حق التقوى ، ولا تموتن إلا وقد حققتم إسلامكم حق التحقيق ، فإن بذلك رفعتكم عند الله جل وعلا .

واعلموا – رحمني الله وإياكم – أن الله – جل جلاله – أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنَّى بملائكته ليكون أمرًا عظيمًا ، فقال – جل جلاله – قولاً كريمًا : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب : 56] .

ويقول نبيكم عليه الصلاة والسلام : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»([4]) أي من قال : اللهم صل على محمد ، صلى الله عليه ، أثنى الله عليه بتلك الصلاة في الملأ الأعلى عشر مرات . اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد ، اللهم صل على محمد ، اللهم صل وسلم على نبينا محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر ، وارض اللهم عن الأربعة الخلفاء الأئمة الحنفاء الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون ، وعنا معهم بعفوك ، ورحمتك يا أرحم الراحمين .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، وأذل الشرك والمشركين ، واحْمِ حَوْزة الدين ، اللهم وانصر عبادك الموحدين في كل مكان الذين يجاهدون لرفع لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ، اللهم أيدهم بتأييدك وانصرهم بنصرك ، وأعزهم بعزتك ، فإنك أنت القوي العزيز .

اللهم إنا نسألك أمنًا وأمانًا في أوطاننا ، اللهم أصلح ولاة أمورنا ، ودلهم على الرشاد ، ووفقهم اللهم بتوفيقك ، واحملهم على الحق يا أرحم الراحمين . اللهم إنا نسألك أمنًا وأمانًا في أوطاننا ، ونسألك صلاحًا في ولاة أمورنا ، اللهم دُلهَّم على الرشاد ، اللهم مُنَّ عليهم بالمستشارين الصالحين الذين يُذكِّرونهم إذا نسوا ، ويُعينونهم إذا ذَكَرُوا ، ويحببون إليهم الخير ويدلونهم على ما فيه الخير للإسلام والمسلمين ، يا أكرم الأكرمين .

اللهم وارفع عن هذه الديار الربا والزنا وأسبابه ، وادفع عنها الزلازل والمحن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن ، عن بلادنا هذه بخاصة ، وعن سائر بلاد المؤمنين بعامة يا أكرم الأكرمين .

اللهم إنا نسألك صلاحًا في قلوبنا ، اللهم أصلح قلوبنا جميعًا ، ووفقنا يا ربنا لتوبة نصوح ، نسألك أن توفقنا لتوبة نصوح قبل الممات ، ولرحمة تهدي بها قلوبنا وتصلح بها أمرنا ، وتقيم بها جوارحنا ، اللهم ارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ، توفنا اللهم وأنت راض عنا .

عباد الرحمن إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم ، واشكروه على النعم بألسنتكم وأعمالكم يَزِدْكم ، ولذكر الله أكبر ، والله يعلم ما تصنعون .


([1]) أخرجه البخاري (5/2377 ، رقم 6113) .

([2]) أخرجه الحاكم (3/215 ، رقم 4884) وقال : صحيح الإسناد .

([3]) أخرجه البخاري ( 2/801 ، 2169) .

([4]) أخرجه مسلم : (1/288 ، رقم 384) .

شاركها مع أصدقاءك