بواسطة :
الزيارات : 1٬177 مشاهدة

حفل جماعة تحفيظ القرآن بجامع الرحمانية  1418 هـ   

الحمد لله حق الحمد وأوفاه وتَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا .

أما بعد :

فإني أَحْمَدُ إليكم الله  – جل جلاله –  على نِعَمِهِ المتواترة ، وآلائِهِ المُتَتابعة ، فنُمْسِي في نِعْمَةٍ ، ونُصْبِح مِنْ غَدٍ في نِعْمةٍ مُتَنَعِّمِينَ بِنِعَمٍ دِينِيَّة هي الأعظَمُ ، وبِنِعَمٍ دُنْيَوِيَّةٍ نَسْتَعِينُ بها على طاعة الله جل وعلا  ، فالحمد لله الذي تفضل بالنعم ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [ النحل : 53 ]  ، والشكر له  – جل وعلا –  شكرًا متواصلاً باعتقاد القلب ، وبإقرار اللسان ونُطقه ، وبالعمل بالجوارح على ما مَنَّ به  – جل وعلا –  علينا من هذا الاجتماع المبارك ، الذي نسمع فيه كلامَ الله  – جل وعلا –  وندعو فيه إلى الله سبحانه بتشجيعنا لهؤلاء الطلاب الذين سَرَّنا منهم ما سَمِعْنا من هذه التلاوات الطيبة الحسنة المجوَّدة ، فاسأله سبحانه أن يبارك فيهم ، وأن يجعلنا وإياكم ممن قَرَّتْ أَعْيُنُهم بأولادهم جميعًا .

القرآن هو نعمة الله العظيمة :

ثم إن القرآن العظيم هو نعمة الله العظيمة ، الذي به يَحِقّ الفرح ، وبه يَحِقّ لنا أن نُسَرَّ ، فقد قال جل وعلا : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ يونس : 58 ] .

فعندما جاءت إِبِلُ الصَّدَقَة ، وكانت كثيرةً ، قال غلام عمر رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين ، هَلُمَّ بنا إلى إبل الصدقة ننظر إليها . فلما ذهب مع أمير المؤمنين ، ورأى الغلامُ كثرةَ الإبل ، وكانت محبوسة خارج المدينة في المراعي ، فلما رآها فَرِحَ الغلام ، وقال : يا أمير المؤمنين ، هذا فضل الله ورحمته . فالْتَفَتَ إليه عمر ، وقال له : كَذَبْتَ ، ولكن فضل الله ورحمته القرآن هو خير مما يجمعون ، وهذا مما يجمعون ، وتلا قول الله تعالى : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ يونس : 58 ]  ، بعد قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ يونس : 57 ]  .

حفظ كتاب الله وتلاوته وتجويده يَبْعَثُ الفرح :

لذلك يَحِقُّ لنا جميعًا أن نفرح بهذه البراعم الناشئة ، وبأولادنا البَرَرَة الذين سَعَوْا إلى حفظ كتاب الله ، وإلى تلاوته ، وإلى تجويده ، فرحًا بفضل الله علينا جميعًا أن وَسِعَتْ صدرُونا كلام ربنا  – جل جلاله –  وتقدَّسَتْ أسماؤُه ، فله الحمد على ذلك ، وله الثناء الحسن .

ثم إنني أشكر الإخوة الكرام القائمين على هذه الحفل في هذا المسجد الذين عُنُوا بهذه الناشئة الكثيرة عددهم ، ولا شك أن كثرة هذا العدد تحتاج إلى رعاية ، وتحتاج إلى عناية نراها من وراء رؤيتنا لهؤلاء ، فلهم منا الشكر ، وأسأل الله سبحانه أن يشكر لهم سَعْيَهم ، وأن يُضاعِفَ لهم أجورهم ، وأن يُثَبِّتهم وأن يَزِيدَهم من الهدى ، وأن يزيدهم من النشاط في دعم هذا الحفل بجهدهم ونشاطهم وتربيتهم وإرشادهم لهؤلاء الناشئة .

من لا يَشْكُر الناسَ لا يشكر اللهَ :

ثم إنني أشكر من وراء هذا النشاط في منطقة الرياض ، وهو فضيلة الشيخ الجليل : عبد الرحمن بن عبد الله الفريان على جهوده الماضية ، وجهوده الحاضرة ، وجهوده الآتية  – إن شاء الله تعالى –  في دعم هذه الحلقات في المساجد ، فلا شك أننا نرى جميعًا له من الجهد المشكور على ذلك ، ما جعلنا ندعو له بأن يُثِيبَه الله  – جل وعلا –  وأن يَجْزِيَه عن المهتمين بالقرآن وأهل القرآن خيرًا ، فإنه سبحانه جَوَادٌ كريم .

ولا شك  – أيضًا –  أن من لا يَشْكُر الناس لا يشكر الله  – جل وعلا –  وأن شُكْرَ الناس من أولياء الأمور ، ومن الذين أسهموا في إنجاح هذا الحفل الكريم ، وفي تخريج هذه الدفعة مِنَ الحَفَظَةِ ، ومن التَّالِينَ لكتاب الله ، والحافظين لعدد من أجزائه ، لهم منا الشكر الجزيل لأولياء الأمور ، وللمعلمين ، ولمن أَسْهَمَ في جوائز هذه السَّنَة ، لهم منا جميعًا الدعاء أن يبارك الله  – جل وعلا –  لهم في ذَرَارِيِّهم ، وأن يصلح لهم نِيَّاتهم ، وأن يجعلهم مُبارَكِينَ ، وأن تَقَرَّ أعيُنُهم بأحبابه ،إنه سبحانه جَوَادٌ كريم .

العناية بالقرآن مَنْشَؤُها إرشادُ وَلِيِّ الأمر :

وكما تَرَوْنَ ، أيها الإخوة ، أننا في هذه البلاد ، ولله الحمد قد نشأنا على سماع القرآن ، وعلى مَحَبَّة القرآن ، وعلى تشجيع أهل القرآن ، وهذا التشجيع العام ، وهذه العناية العامة لا تكون إلا بإرشاد من وُلاةِ الأمر في هذه البلاد؛ لأنه لا تتم الخيرات الدينية من غير دعم ومؤازرة وإرشاد ونُصْحٍ من ولاة الأمر ، فولي الأمر هو الذي جعل الله  – جل وعلا –  بيده الأمر في نَشْرِ الخير ، وفي تقليل الشر ، فلحكومتنا وعلى رأسها الملك : فهد بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين ، لهم منا الدعاء الخالص أن يبارك الله  – جل وعلا –  في أعمارهم ، وأن يجعلهم من الهُدَاة المُهتَدِين ، وأن ينفع بهم عباده وبلاده ، وأن يُثِيبَهم خيرًا على ما قدموا ، وعلى ما أمرونا أن نعمل ، وعلى ما حَضُّونا عليه من بَذْلِ الخير في الدعوة إلى الله  – جل وعلا –  وفي مساندة مدارس تحفيظ القرآن ، وجمعيات تحفيظ القرآن في المملكة العربية السعودية بأَجْمَعِها ، بل وفي خارج هذه البلاد .

ولا شك أن وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد تَعْلَمُ مِن وَصِيَّة وُلاةِ الأمر ما لا يَعْلَمُه الناس ، فلهذا نسأل الله  – جل وعلا –  أن يَجْزِيَ عنا وُلاة أمْرِنا خيرًا ، وأن يبارك في جهودهم ، وأن يُرِيَهم الحق حقًّا ، وأن يَمُنَّ عليهم باتِّبَاعِه ، وأن يُرِيَهم الباطلَ باطلًا ، وأن يَمُنَّ عليهم باجْتِنَابِهِ .

مقاصد تلاوة القرآن الكريم :

ثم إنني بهذه المناسبة أُوَجِّه كلمةً للمُعَلِّمين الذين يُعلِّمون الطُّلابَ القرآنَ بأنه من مقاصد تلاوة القرآن أن يُعمل به ، فإن القرآن أُنْزِلَ لِيُعْمَلَ به ، ولِيُتَذَكَّرَ به ، ولِتُتَدَبَّرَ آياته ، كما قال جل وعلا : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [ ص : 29 ]  فقد جعل الله  – جل وعلا –  لإنزال القرآن غايتين :

الأولى : أن يُتَدَبَّرَ القرآن .

والثانية : أن يَتَذَكَّرَ به أُولُو الألباب .

وهذا من ورائه العمل الصالح بهذا القرآن بأن نعمل بمُحْكَمِهِ ، وأن نُؤمِنَ بمُتَشَابِهِهِ ، ونصدق الأخبار ، ونعمل بالأمر والنهي الذي فيه؛ لهذا ينبغي على المعلمين أن يَحُضُّوا الطلاب على معرفة تفسير القرآن؛ لأن القرآن إنما يعلم ويتدبر بمعرفة تفسيره ، وقد قال جل وعلا : ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [ محمد : 24 ]  ، وقال سبحانه : ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الأَوَّلِينَ ﴾ [ المؤمنون : 68 ]  ، وقال عليه الصلاة والسلام : « اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقْرَةَ وَآلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ غَيَايَتَانِ أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافِّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا » ( [1] ) .

وهذا فَضْلٌ من الله  – جل وعلا –  لهذا أُوصِي الجميعَ بالعناية بالتفسير ، بتَدَبُّرِ القرآن ، بتحريك القلوب به لكي يكون للقرآن فائدةً عظيمة في الإيمان بما جاء به من الأخبار ، والعمل بما فيه من الأمر والنهي كما قال سبحانه : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ [ الأنعام : 115 ]  وتَمَّتْ كلمةُ ربك صدقًا في الأخبار التي في هذا القرآن ، فلا خبر في القرآن إلا وهو مَحْضُ الصدق ، وعدلاً في الأمر والنهي ، فلا خير إلا في القرآن ، ولا شر إلا وقد حَذَّرَنَا منه كتابُ اللهِ جل وعلا .

ضرورة العناية بمواضع الوقف والابتداء

ثم أُوصِي المعلمين  – أيضًا –  بالعناية بالوقف والابتداء ، بأن يعلموا الطالب ما يمتنع فيه الوقوف؛ لأن من الوقف ما لا يجوز مما يحدث ونَسْمَعه من بعض القراء ، وبعض الطلبة يقف على آيات ، ويستأنف في جمل من الآي ، ويُحْدِث هذا الوقف وذلك الابتداء بعده ضربًا من الخلل إما في العقيدة ، أو في حكم فقهي أو أن لا يتم المعنى على النحو المطلوب ، فلا يتضح المعنى بمثل هذا الوقف وذلك والابتداء؛ لهذا فإنه ينبغي على المُعَلِّمِ بعد أن يعتني بالتفسير ، أن يعتني بتعليم الطالب الوقف الممتنع ، أي المواضع في القرآن التي يمتنع الوقف فيها إما لفساد المعنى ، أو لأن الوقف عليها يؤدي إلى فساد في العقيدة أو نحو ذلك ، من مثل ذلك قول الله جل وعلا : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ ﴾ [ البقرة : 286 ] فبعض الناس يَقِفُ عند قوله : ﴿ كَمَا حَمَلْتَهُ ﴾ والله  – جل وعلا –  لم يَحْمِل إصْرًا ، ولكن القارئ قد انقطع به النفس ، فينبغي عليه أن يقول : ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ﴾ ، ثم يبتدأ ويقول : ﴿ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ .

ومن مثل ذلك قول الله جل وعلا : ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ [ الأحزاب : 32 ]  فهنا الوقف على ﴿ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ ليس بِجَيِّد ، بل مُمتَنِع عند كثير من علماء السنة؛ لأنه يوافق عقيدة زائغة في زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ، بل يقول : ﴿ يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء ﴾ ، ثم يستأنف ، فيقول : ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ﴾ [ الأحزاب : 32 ] .

 ومن مثل ذلك قوله جل وعلا : ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ [ آل عمران : 182 ] هذا هو القول ، وهذا تمام القول ، فلا يجوز أن يقول : ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ ﴾ ، ثم يستأنف قول : ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء ﴾؛ لأنها في هذه الحال ستحتمل الآية معنى التقرير ، وهذا باطل ولا يجوز .

المقصود أن المعلم عليه أن يعلم الطلاب الوقف والابتداء ، وكذلك الإمام عليه أن يتعلم ذلك ، وهذا إنما يكون بمعرفة التفسير ، وهو فرع العلم بكتاب الله جل وعلا .

أسأل الله  – جل وعلا –  أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته ، ثم في ختام هذه الكلمة ، أشكر لفضيلة شيخنا : عبد الله بن عبد العزبز بن عقيل  – حفظه الله –  حضوره إلى هذا المسجد وتشجعيه لنا ، ولأبنائه الطلاب ، وأشكر له جهوده الماضية ، وأسأل الله سبحانه أن يجعله مباركًا ، وأن يكتب له أجرًا ، وأن يَجْزِيَه عنا خيرًا ، هذا وآخِرُ دَعْوَانَا أنِ الحَمْدُ لله رب العالمين .



( [1] ) أخرجه مسلم ( 1 / 553 ، رقم 804 ) .

شاركها مع أصدقاءك