بواسطة :
الزيارات : 2٬432 مشاهدة
  • إسم الملف : حياة الشيخ محمد بن إبراهيم
  • عدد الزيارات : 2٬432 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم

الشيخ محمد بن إبراهيم . . حياته ودعوته

الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يهدون مَن ضل إلى الهدى ، ويبصرونهم من العمى ، ويحيون بكتاب الله الموتى ، فكم من قتيل لإبليس قد أحيَوه ، وكم من ضال تائه قد هدَوه ، فما أحسنَ أثرَهم في الناس ، وما أقبحَ أثرَ الناس فيهم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد المجتبى الأمين وعلى آله وصحبه وسلمَ تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين .

أما بعد :

إنه لمما يفرح أعظم الفرح أن يكون الحديث عن العلماء ؛ تبصيرًا بسيرهم ، وتعريفًا بحياتهم ، وتذكيرًا بما كان لهم من فضائل مما أنتج الأثر العظيم الذي يعيشه أهل العلم متواصلًا بجهد وجهاد من كان قبلهم .

وإن نشر تراجم العلماء والتذكير بفضائلهم والتعريف بسير حياتهم وجهادهم وما بذلوه لمما له الأثر الأكبر في الأمة ؛ لأن الأمة إن لم يتصل حاضرها بماضيها ، وإن لم يقتد شبابها بكهولها العلماء ، وإن لم يتصلوا بخبر من تقدم فبمن يتصلون ؟ وعمن يأخذون ؟ وبمن يقتدون ؟ !

لا شك أن اقتفاء سير من كان قبلنا من أهل العلم الذين قد شهد لهم بالتحقيق ، وشهد لهم بالإمامة في السنة ، وعرفوا بنقل العلم صافيًا عن السلف الأول ؛ لاشك أن معرفة أخبارهم ومعرفة سيرهم وما بذلوه سيعقبه الأثر في نفوس الناشئة ؛ لأننا نجد أن كثيرًا من الناشئة اليوم لا يعلمون أخبار من مضى ، ولا يعلمون أخبار علمائهم ، ويظنون أن الإسلام الصحيح ، وأن التوحيد الذي ينعمون به ، وأن هذا الخير الذي يرفلون فيه وبه ، يظنون أنه وصلهم بدون جهاد أئمة مضوا ، وبدون علم ونشر للعلم والسنة من أناس قد تقدموهم ، فإن لم يعرفوا أولئك فبماذا يكون اقتداؤهم ؟ !

لا شك أننا في هذه البلاد قد سُبقنا بأئمة دعوةٍ وإصلاح ، نشروا العلم ونشروا الحق ودعوا إلى التوحيد ، فلهذا أُسطر هذه الكلمات التي أرجو من الله – جل وعلا – وأسأله أن يجعلها مباركة ، وأن تكون سببا في أن يكتفي الشباب بعلمائهم ، ويكتفوا بمن كان في هذه البلاد من علماء السنة ؛ لأنهم حققوا نصرًا للإسلام فيما مضى ، وإذا أخذت الركبة بالركبة توصلنا إلى نصر للإسلام فيما بقي ، أسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا منتفعين بما سنسمع وبما يقال ، وأن نكون على يقظة وبصيرة من ذلك .

وسيكون كلامنا –بمشيئة الله – عن الإمام العلامة الشيخ/ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب ، رحمهم الله تعالى أجمعين .

وأخبار هذا الإمام لا تفي بها هذه الصفحات ، ولكن يفي بها أن يتواصل الناس بالحديث عنه ؛ وذلك لأن هذا الإمام – العلامة شيخ المشايخ وعلم المحققين في هذا الزمان المتأخر الشيخ محمد بن إبراهيم – كان أمة في قلب رجل واحد ؛ فإذا نظرت إلى القضاء بما فيه بمدارسه المختلفة وبمشكلاته تجد أن الإمام –رحمه الله – كان هو الراعي له بمشاكله ؛ حيث يحل عويص مسائله ويرشد القضاة الصغار منهم والكبار . .

وإذا نظرت إلى الفتوى وتأصيلاتها في هذه البلاد وجدت مرجعها إليه . .

وإذا نظرت إلى العلم الذي نشر وينشر اليوم من قبل تلامذة الشيخ وجدت أن الذي أمسك بزمامه قرابة نصف قرن من الزمان هو الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله . .

وإذا نظرت إلى إصلاح الأمة ومجاهدة أهل المنكرات ونشر الفضائل ونشر الخير في الناس والدعوة ؛ وجدت أن الذي كان يرعى هذه الدعوة نصف قرن من الزمان هو الإمام الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله . .

وهكذا في جوانب كثيرة . . .

إذن فليس من الإنصاف في حق الشيخ – رحمه الله – أن تُفرد له هذه الصفحات اليسيرة ، أنعرِّف الناس بحياته الشخصية التي هي مهمة في التعريف بتراجم العلماء ؟ أم نعرف الناس بمواقفه ؟ أم نعرف الناس بمدرسته في القضاء ؟ أم بمدرسته في الفتوى ؟ أم بمدرسته في الفقه ؟ أم بمدرسته في الدعوة ؟ أم بمدرسته في جهاد المنكرات ؟ أم بمدرسته في كيف يكون التعامل السلفي الصحيح مع ولاة الأمر ؟ أم كيف وبم نعرف الناس ؟

لا شك أن هذا يحتاج إلى مجلدات حتى تأخذ طرفًا من حياته رحمه الله تعالى ، فكلامنا هنا هو نبذة موجزة مختصرة عن حياته ؛ تعريفًا للشباب الناشئة بحياة ذلك الإمام الجهبذ ، رحمه الله رحمة واسعة .

مولده ونشأته وعائلته :

وُلد الشيخ رحمه الله تعالى في مدينة الرياض في حي دخنة سنة 1311 هـ ، وأخواله من أسرة الهلالي ؛ وهي أسرة تسكن عرقة ، ونشأ – رحمه الله تعالى – في بيت علم ومجتمع عبادة ؛ فأبوه وأعمامه أهل علم ودعوة وجهاد .

وسوف أعزو الأقوال عن حياة الإمام –رحمه الله – إلى من قالها من أهل العلم الذين شهدوه ، ولهم في زمننا هذا المقام الذي لا يجهل ؛ وذلك أني أحرج كثيرًا أن يكون الوصف عن حياته من قبلي ، لكن أنقل ما شهد به تلامذته ، والأمر كالشمس ظهورًا :

وصف الشيخ عبد الله بن بسام – رحمه الله – نشأته فذكر أن مولده كان في بيت علم وفضل وزعامة دينية ، فنشأ على عادة أهله وآبائه محبًّا للعلم ، طموحًا إلى الفضل ، وينشأ الناشئ يقتبس من أخلاق وأوصاف من حوله ؛ فوالد الشيخ هو الشيخ الورع إبراهيم بن عبد اللطيف قاضي مدينة الرياض ، وله رسائل وفتاوى ، وكان الشيخ إبراهيم – رحمه الله – متميزًا بالعدل الظاهر في قضائه ومعاملة الخصوم ، وكان من أهل الصدع بالحق ، وكان ممن لا يدارون ، وله في هذا أحوال وقصص ، وكان ناظمًا للشعر مجيدًا له كأبيه عبد اللطيف .

أما أعمام الشيخ محمد فأكبرهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ؛ عالم نجد بعد أبيه ، وقائدها وكريمها ، بهر الرجال بحنكته وعقله ، وأدهشهم بعلمه وفضله ، خشي منه أمراء المدن والأقاليم الذين عقبوا آل سعود فيما بين الدولتين السعودية الثانية والثالثة ، فأظهروا محبته وأضافوه في بلادهم وأكرموه ، ثم خشوا منه لأنه ما حل ببلد ولا قرية إلا نشر دعوة التوحيد والعلم النافع ؛ فيكثر المتأثرون بعلمه . . وهكذا يكون أهل العلم ؛ فهم لا يفرحون بالعزلة ، وإنما يفرحون بتوجيه الناس ومخالطتهم ؛ حتى يؤثروا فيهم .

رجع بعد ذلك الشيخ عبد الله إلى الرياض ، ثم لما قدم الملك عبد العزيز – رحمه الله – الرياض كان سنده وعضده بعقل وحكمة ، بل إن كثيرًا من جند الملك عبد العزيز – رحمه الله – كانوا من المتأثرين بالشيخ عبد الله بن عبد اللطيف الذين كانوا يحضرون دروسه ، رحمه الله رحمة واسعة .

كذلك بقية أعمام المترجم له كانوا أهل علم وفضل ؛ كالمشايخ محمد بن عبد اللطيف ، وعبد الرحمن وعمر وعبد العزيز . ولهم أخبار وأحوال كالعبير رحيقًا ، وصفهم الواصفون بنعوت أشبهوا بها الأوائل سمتًا وهديًا وعبادة وصلاحًا وعلمًا . رحمهم الله تعالى رحمة واسعة .

إذن نشأ الشيخ في هذه الأسرة ؛ فلا غرو أنها قد أثرت فيه ، ولا غرو أنه قد نهل واحتذى حذو أسرته ، فتوجه من أثر هذه البيئة ومن أثر هذا المجتمع الذي حوله إلى العلم قابسًا من عقل ذوي العقل ، قابسًا من تقى ذوي التقى ، قابسًا من غَيرة ذوي الغيرة ، وكلهم ذاك الرجل ، فطلب العلم على قاعدة الدين والعمل والعقل والغيرة لله ، فكان ذلك معلمًا بارزًا لنبوغه وتهيئته للقيادة والريادة التي ظهرت فيما بعد ، رحمه الله .

ولما بلغ الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله تعالى – السابعة من العمر – أي : سنة 1318 هـ – شرع في تعلم القرآن بتجويده على المقرئ ذي الصوت العذب المؤثر عبد الرحمن بن مفيريج رحمه الله ، فأجاده نظرًا ، ثم ابتدأ حفظه في سن الحادية عشرة ، وتعلم الكتابة ، وكان إذ ذاك مبصرًا . وكتابته في صغره حسنة على أصولها ؛ كما ينبئ عن ذلك ورقة وجدت فيها كتابته رحمه الله تعالى .

وحفظ القرآن يعد بحق هو الأساس الأول لمن يريد طلب العلم الشرعي .

فلما حفظ القرآن – رحمه الله – شرع يقرأ العلم على مشايخه ، فكان أولهم والده الشيخ إبراهيم ؛ قرأ في مختصرات رسائل أئمة الدعوة ونبذ إمام الدعوة ، رحمهم الله تعالى ، فكان يحفظ المتن ثم يقرأ على والده على عادة المشايخ في تلقيهم للعلم . وهكذا العلم النافع يبدأ بقراءة المتون المختصرة ؛ لأن المتون المختصرة عنها تتفرع شجرة العلم ، فالمتون شجرة أصلها ثابت وهي أصل العلم ، وعنها يتفرع العلم .

 فلم يبتدئ طلبة العلم بقراءة المطولات من الكتب ؛ لأن قراءة تلك المطولات لا تعطي العلم الأصيل والعلم المنهجي المؤسس ، وإنما يكون العلم بقراءة المتون المختصرة .

وهكذا كان الشيخ محمد رحمه الله تعالى ؛ فقرأ رسائل أئمة الدعوة وحفظها ؛ وقرأ نبذ إمام الدعوة الإمام المصلح الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، وشرح له والده أول الأمر ما يُفهِم مرامي كلامهم وأصول مسائلهم ، وهكذا ينبغي أن يكون التوحيد هو أول ما يتعلمه طالب العلم ويحرص عليه ويتنبه له ، وإنما يُفهم ويُضبط بضبط متونه قبل شروطه ؛ إذ مَن حفظ المتون حاز الفنون .

ولما بلغ الشيخ – رحمه الله – قريبًا من السنة السادسة عشرة من عمره مرض بالرمد في عينيه ، وطال معه إلى قرابة سنة ، فنتج عنه أن كف بصره . . عوضه الله عن ذلك بالجنة ! بعد هذا شرع في تأكيد حفظ القرآن وتثبيته ، وتنوعت قراءته على مشايخه كما سيأتي فيما بعد .

وفي السادس من شهر ذي الحجة سنة 1329 هـ توفي والده عن عمر يقارب تسعًا وأربعين سنة ؛ إذ مولد الشيخ إبراهيم كان سنة 1280 هـ . وكان للشيخ إبراهيم – رحمه الله – أربعة أبناء ، كبيرهم عبد الله ؛ ولد سنة 1305 هـ ، وتوفي سنة 1386 هـ ، ثم محمد ، ثم عبد اللطيف ؛ ولد سنة 1315 هـ ، وتوفي سنة 1386 هـ ، ثم عبد الملك ؛ ولد سنة 1324 هـ ، وتوفي سنة 1404 هـ . وكلهم عُرف بالعلم والحلم والسداد ، رحمهم الله تعالى أجمعين .

طلبه للعلم ومشايخه وإجازاته :

كان سن الشيخ بعد وفاة والده ثماني عشرة سنة تقريبًا ، فكان الشيخ – رحمه الله – لصغار إخوته حانيًا ومربيًا ومعلمًا ، وقد جَدَّ الشيخ – رحمه الله – في تلك السن المبكرة في طلب العلم ، وتنقل بين علماء بلده ، فلم يكتف بواحد منهم ، بل تتبع العلماء وأخذ علم كل عالم رآه في بلده ، وأخذ العلوم الشرعية الأصلية والمساندة ، فأخذ عن كل شيخ من مشايخه العلوم التي يدرسها ، وبالأخص ما تميز به كل شيخ من العلوم .

لهذا برع فيما درس لبراعة مشايخه رحمهم الله ؛ وذلك لما توفر فيه من حسن استعداده العلمي والفطري ؛ ففي التوحيد كان للشيخ محمد – رحمه الله – يد التحقيق العليا ، فكان يجلو مسائله ويرد على أهل الشبهات ويبين الحق ، فكان لا يقف أمامه خصم من خصوم التوحيد وأهله ، وفي الفقه رسخت قدمه في الاجتهاد ، وفي العربية وعلومها صار – رحمه الله – الشارح لها أحسن شرح ، وهكذا في سائر العلوم ، ولا غرو أن كان كذلك ؛ إذ إنه تتلمذ على مشايخ برعوا في علومهم ؛ فمن مشايخه والده الشيخ إبراهيم ، وعمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، والشيخ النحْوي الفَرَضي الفقيه حمد بن فارس ، والشيخ المحدث الفقيه سعد بن عتيق ، والشيخ الفرضي عبد الله بن راشد ، والشيخ الفقيه محمد بن محمود ، وهؤلاء كانوا من العلماء البارزين في وقتهم ، وكان الطلاب ينهلون منهم ، ولكن كان الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – هو أبرز التلامذة الذين قرءوا على أولئك ؛ فقرأ على والده أصول التوحيد كما ذكرنا ، وقرأ عليه أيضا الفرائض ، ثم توسع في الفرائض على الشيخ عبد الله بن راشد ، فقرأ عليه حفظًا ألفية الفرائض ، وهي موجودة مطبوعة مع شرحها .

وقرأ على عمه أيضًا كتبًا كثيرة حفظًا ؛ منها كتب العقائد والتوحيد ؛ كـ ( كتاب التوحيد ) و( كشف الشبهات ) و( ثلاثة الأصول ) ونحوها ، وقرأ ( الواسطية ) و( الحموية ) لشيخ الإسلام ابن تيميَّة .

وحين يقال : ” قرأ ” في عُرف المتقدمين فالمعنى حفظ غالبًا وفهم ذلك وجوَّده ، أما القراءة هكذا نظرًا كما نراه في هذا الزمن فليست مسماة بالقراءة عند المتقدمين .

وقد قرأ في الفقه مختصراته أولًا على الشيخ حمد بن فارس رحمه الله تعالى ، فحفظ متن ( زاد المستقنع ) ، ثم قرأ على الشيخ محمد بن محمود رحمه الله تعالى ، ثم على الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله تعالى ، وكان هؤلاء الثلاثة ممن برعوا في الفقه وحققوا مسائله ، وضبطوا غرائبه .

أما في الحديث فقد حفظ بلوغ المرام ، وحفظ نحوًا من نصف ( منتقى الأخبار ) الذي يشمل أكثر من خمسة آلاف من الأحاديث في الفقه للمجد أبي البركات ابن تيميَّة رحمه الله ، وقرأها على عمه الشيخ عبد الله ، وكرر قراءة ( بلوغ المرام ) على المحدث الشيخ سعد بن عتيق ، وأمرَّ عليه في المصطلح ( ألفية العراقي ) .

وقد أعطى الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – إجازات في الحديث متنوعة ، وروى بأسانيده عددًا من الأحاديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماع ، لا بإجازة مطلقة ، وإجازاته في الحديث رُويت عنه بالمناولة .

أما في علوم العربية فقد حفظ من متونها ما به تثبت القدم ويرسخ الفهم في علم العربية ، أعني نحوها وتصريفها ؛ فقرأ ( الآجُرُّومِيَّة ) و( مُلحة الإعراب ) و( قَطْر النَّدَى ) و( ألفية ابن مالك ) المشهورة ، قرأ هذه المتون على العلامة النحوي الحليم المتورع الفقيه الشيخ حمد بن فارس رحمه الله تعالى .

وقد درّس الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – هذه المتون النحوية ، وشهد تلامذته ومن رآه له بأنه برز في ذلك شرحًا واستنباطًا ، حتى إنه حصلت له مناقشات مع بعض الأزهريين في الرياض ، فكان مبرزًا عليهم في النحو والأصول ، فاصلًا في المشكِل فيما قالوا ، وكان الصواب من ذلك مع الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله .

من ذلك الحكاية المشهورة التي ذكرها لنا عدد من تلامذة الشيخ ، قالوا : كان الشيخ محمد حامد الفِقِي ، وهو العالم الشيخ المعروف في مصر ، رئيس أنصار السنة المحمدية في مصر ، كان مرة في مجلس الشيخ ، والشيخ عبد العزيز بن شلهوب يقرأ على الشيخ محمد بن إبراهيم بين الأذان والإقامة للعشاء في تفسير ابن كثير – أو في تفسير ابن جرير – وصوب الشيخ محمد بن إبراهيم قراءة للشيخ عبد العزيز بن شلهوب ، فرد الشيخ محمد حامد الفقي على الشيخ تصويبه ، وقال : الصواب كذا ، مخالفًا للشيخ ، فقال الشيخ : الصواب كذا . فبيّن الشيخ محمد بن إبراهيم للشيخ محمد حامد الفقي وجه الصواب في ذلك ، وكانت المسألة في الصرف .

علمه ونبوغه وخصاله رحمه الله :

وقد درس الشيخ رحمه الله أنواعًا من العلوم على مشايخه ، وبعد تلك الدراسة ظهر علمه وظهر فضله ، وظهر أثره ونبوغه ؛ لأنه كان يتميز بالعلم والعقل والذكاء والفطنة والحفظ ، وقلما تجتمع هذه في عالم ، فرأينا مشايخ الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – متنوعين فيما منحهم الله به ، فهناك الشيخ عبد الله عمه حيث كان هو المرجع لأهل نجد في العلم ، جمع إلى العلم الدهاء والعقل وحسن السياسة والقيادة بما شَهِد له به أهلُ عصره ، وكذلك الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله ، جمع إلى العلم الصَّدْع بالحق والقوة فيه ، وهكذا كان الشيخ عبد الله ، رحمهم الله تعالى ، والشيخ حمد بن فارس رحمه الله جمع إلى العلم الحلم العجيب ، والورع عن المشتبِهات ، والتوقف عن المزلات ، وكان الشيخ حمد بن فارس هو الوالي والمسئول عن بيت المال ، وكان بيت المال عنده ، فكان التمر والعيش وما يوزع من بيت المال عنده ، وقد بلغني عن طريق صحيحة أنه كان لا يأكل من بيت المال ؛ فقد كان يحمل تمره في جيبه ، وكان يفطر عليه .

نعم إن الناظر في خصال المترجم له الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – ليعجب من هذا التنوع ، فإذا رأيت العقل وجدته صاحب العقل الوافر ، ومن له قصب السبق في ذلك ، وإذا رأيت الحلم فقد كان حليمًا للغاية ، وإذا رأيت العلم رأيت أن منتهاه إليه ، وإذا رأيت الدهاء ، إذا رأيت الصدع بالحق . . . ونظرت في الشيخ محمد بن إبراهيم وجدت أنه قد اجتمعت في الشيخ محمد بن إبراهيم الفضائل والخصال التي تميز بها كل واحد من مشايخه .

إذن فلا عجب ولا غرو أن نقول : إن الشيخ محمدًا – رحمه الله تعالى – اجتمعت فيه الفضائل والمزايا التي تبددت في غيره ، وليس في هذا مبالغة ، بل إن هذا قد شهد به مَن عرف الشيخ ، وليس حديثنا عنه إلا كالقطرة من اليم .

أحباؤه وإخوانه ورفقاؤه :

كان الشيخ رحمه الله تعالى رقيق الطبع ، محبًّا لإخوانه محبة خاصة ، وإخوانه كانوا مع كونهم إخوانًا له في النسب – وليس هذا بغريب أن يحب المرء إخوانًا له في النسب – لكن كان مع ذلك كان له معهم محبة خاصة ، فيها المحبة الدينية والعلمية مع محبة النسب أيضًا ، كان رقيقًا محبًّا ، وكان من خاصة أحبة إخوانه له الشيخ عبد اللطيف رحمه الله تعالى ، وكان الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم رحمه الله متميزًا ببذل نفسه للناس ، يخدم هذا ويكتب لذاك ، يومه وليلته للناس ، وهذا أمره معروف لدى كبار السن الذين يتذكرون الشيخ العلامة النحوي عبد اللطيف رحمه الله تعالى .

ومحبة الشيخ محمد بن إبراهيم لأخيه ظهرت في أبيات إخوانية أرسل بها الشيخ محمد بن إبراهيم إلى الشيخ عبد اللطيف ، وكان الشيخ عبد اللطيف مسافرًا في مهمة شرعية ، قال الشيخ محمد بن إبراهيم لأخيه في أبيات أرسلها له مكتوبة :

شقيقي حليف الوُدّ مذهو صغير إليك محبٌّ في هواك أسير لدى النشر يا عبد اللطيف عَبير

 

فإما أنختم بالفنا ولقيتم فقولوا له يُهدي السلامَ مضاعفًا ويهدي تحياتٍ كأن أَرِيجَها

إلى آخر الأبيات .

وقد تولى الشيخ عبد اللطيف مناصب شرعية معروفة .

أما زملاء الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – فأَخُص منهم الشيخ العلامة الزاهد الورع عبد العزيز بن صالح بن مرشد ، المولود سنة 1313 هـ ، أي ولد بعد مولد الشيخ – رحمه الله – بسنتين ، وكان رفيقًا للشيخ في طفولتهما ، ورفيقًا له في شبابهما وفي طلبهما للعلم ؛ فقد طلبا العلم سويًّا وتنقلا بين المشايخ سويًّا ، وقد حدثني الشيخ عبد العزيز بن صالح بن مرشد حفظه الله أنه استأجر هو والشيخ محمد بن إبراهيم بيتًا صغيرًا في شبابهما وضعا فيه كتبهما ، واستأجراه للتفرغ فيه للمطالعة ، فكانا يأويان إليه يحفظان ويدرسان ويتذاكران ، وكانت الأجرة إذ ذاك قريبًا من سبعة ريالات عربية ، يعني فضة .

وهذا يعني أن طالب العلم حين يتفرغ في بيت مع زميل له لا يتفرغ فيه لأنس أو لحديث ، إنما يتفرغ للحزم والجد للعلم .

وهكذا كانت حياة الشيخ محمد بن إبراهيم ، كانت حياته مذ كان صغيرًا في جد وحزم مع النفس ، وهكذا الكمالات تظهر فيما بعد لمن كان حازمًا مع نفسه في النشء ، وقد قال من قال من أهل الفضل : مَن كانت بداياته مُحرِقة كانت نهاياته مُشْرِقة .

والشيخ عبد العزيز بن صالح هذا إذا جلست معه وذكرت السلف رأيت الزهد والتقوى والعلم والورع والحكمة والأخبار ، وقد حدثني بأخبار كثيرة عن الشيخ محمد بن إبراهيم ، رحمهما الله تعالى ، وسأودعها إن شاء الله في ترجمة مستقلة له .

وفاة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف :

لما توفي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، الشيخ الأكبر الذي طالت ملازمة الشيخ محمد بن إبراهيم له ، لما توفي أوصى قبل وفاته الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن – رحمهما الله – بالشيخ محمد بن إبراهيم . وكانت سن الشيخ محمد بن إبراهيم إذ ذاك قريبًا من ثمان وعشرين سنة ، ولكن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وهو الداهية السياسي المعروف ، العالم الكريم الشهم ، الذي فضائله متداولة عند الناس إلى هذا الزمان ، كان متوسمًا في هذا الشاب الناشئ ، توسم فيه العقل ، وتوسم فيه العلم ، فأوصى به الملك عبد العزيز ، وكان من بدايات تلك الوصية أنه كان ينيب الشيخ محمد بن إبراهيم – على صغر سنه – في مسجده ؛ مسجد الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، المعروف في دخنة بمسجد الشيخ محمد بن إبراهيم ، فكان ينيبه ويصلي الشيخ محمد بن إبراهيم الفروض عن الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، رحمهما الله تعالى .

والملك عبد العزيز لحظ ذلك في الشيخ فاعتنى به وقبل الوصية ، وكان للملك عبد العزيز الأثر البالغ في صياغة شخصية الشيخ محمد بن إبراهيم ، وكان للشيخ محمد في نفس الملك عبد العزيز محبة عظيمة ، فلم يكن يصبر عن لقائه وقبول مشاوراته مما هو معروف لدى كثير من الناس .

ولما توفي الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف وحانت الصلاة التي هي بعد وفاته ؛ امتنع الشيخ محمد بن إبراهيم أن يصلي بالناس وقال : كانت صلاتي بالناس وكالة ، وكلني بها إمام المسجد الذي هو الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، وأما الآن فلست بمتولٍّ الصلاة ؛ لأن الوكالة قد انقطعت بموت الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف ، لأن هذه وظيفة شرعية . وكان هذا بشهود علماء في وقته بداية لتورع وعقل وعلم وفقه في الأمر . ثم أُمر بالصلاة مكانه ، فكان الشيخ محمد بن إبراهيم إمامًا للمسجد إلى أن توفي ، رحمهم الله تعالى أجمعين .

طريقة تدريسه – رحمه الله – وحاله مع طلبته :

ابتدأ الشيخ محمد بن إبراهيم بعد وفاة عمه الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بدروسه ، وكانت البدايات مختصرة جدًّا ، فقد كان مشغولًا بطلب العلم على المشايخ ، وكانت البداية الفعلية القوية في دروسه بعد سنة 1345 هـ ، وكانت دروسه على قوتها ما بين سنة 1350 هـ إلى سنة 1370 هـ . وممن التحق بدروسه مبكرًا الشيخ عبدالرحمن بن قاسم ، رحمه الله تعالى ، وهو العلم العلامة المعروف صاحب التواليف المشهورة ، وبعده اتصل بالشيخ وطلب العلم عليه عدد من العلماء الذين برزوا فيما بعد ؛ منهم سماحة العلامة الشيخ الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، فقد اتصل بالشيخ وتتلمذ عليه ما بين سنة 1347 هـ إلى سنة 1357 هـ ، يعني عشر سنين تقريبًا .

وبداية الشيخ في دروسه كانت مختصرة ، ثم بدأت تتوسع حتى صارت قوية في فترات من الزمن ، فكان الطالب يتخرج في نحو عشر سنين ، وتارة في بعض الفترات في سبع سنين .

ودروس الشيخ كانت متنوعة ، فاختلف تقسيمها الزمني من وقت إلى وقت ، يعني في سنين ما بين الخمسين والستين كان لها ترتيب ، وما بعد الستين كان لها ترتيب ، وهكذا ، وقد وصف الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن قاسم دروس الشيخ محمد بن إبراهيم في فترة ما ، وقد يكون الترتيب ليس متفقًا عليه في كل فترات الشيخ التعليمية ، لكن هكذا وصف الشيخ محمد بن قاسم ، وهو من تلامذة الشيخ الذين لازموه سنين طويلة ، قال الشيخ محمد بن قاسم يصف دروسه : كان الشيخ محمد بن إبراهيم يجلس ثلاث جلسات منتظمة ؛ الأولى بعد صلاة الفجر إلى شروق الشمس ، الثانية بعد ارتفاع الشمس مدة تتراوح ما بين ساعتين وأربع ساعات ، والثالثة بعد صلاة العصر ، وهناك جلسة رابعة لكنها ليست مستمرة ، يأتي بها حينًا ولا يأتي بها حينًا آخر ، وهي بعد صلاة الظهر .

قال الشيخ محمد بن قاسم : كان الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – ينقطع بعد المغرب لمطالعة دروس الغد في الكتب التي كانت تدرس بعد الفجر .

والذي أعرفه أنه كان يحضر للدروس بعد العشاء ، لكن ربما كان الشيخ محمد بن قاسم يحكي فترة من الفترات .

أما بعد المغرب فقد كان يقرأ في بعض الكتب الخاصة ، ولا يحضر القراءة إلا خاصة تلامذته الذين يأذن لهم ؛ كما حدثني الشيخ حسن بن مانع ، وهو من تلامذة الشيخ المعروفين ، وأما مراجعته فكانت بعد العشاء .

المقصود أنه ربما كان ما ذكره الشيخ محمد بن قاسم في فترة من الفترات ؛ فكان الشيخ يحضر ويطالع دروس الغد ؛ إما بعد المغرب في فترة أو بعد العشاء في فترة أخرى ، فتقرأ عليه في بعض الدروس التي كان يدرّسها بعد الفجر .

ومن تلك الدروس ( الرَّوْض الْمُرْبِع ) ، ( سُبُل السلام ) ، ( شرح ابن عَقيل على ألفية بن مالك ) ، وما يُعين عليها من المراجع التي كانت تُقرأ على الشيخ ليحضِّر بها أو ليتذكر بها ما يتصل بالدرس الذي يدرسه التلاميذ من غد .

قال الشيخ ابن قاسم : بعد صلاة الفجر كان يدرس ( ألفية ابن مالك ) مع ( شرح ابن عقيل ) ، و( زاد المستقنع ) مع شرح ( الروض المربع ) و( بلوغ المرام ) ، و( الآجرومية ) و( الملحة ) و( قطر الندى ) ، وهذه الدروس كانت متنوعة ؛ فبعضها لصغار الطلاب ، وبعضها للمتوسطين ، وبعضها لكبار الطلاب . وهذه المواد كانت في فترة متأخرة ، وأما في فترة مبكرة فكان يدرس بعد الفجر كتب التوحيد ونبذ أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى .

قال الشيخ ابن قاسم : وكان يقرئ الفجر ( أصول الأحكام ) و( الحَمَوِيّة ) و( التَّدْمُرِيَّة ) و( نُخْبَة الفِكَر ) . الثلاثة الأول مستمرة ، يعني ( ألفية ابن مالك ) و( الروض المربع ) و( شرح بلوغ المرام ) ، وكان يقوم بتدريسها على ترتيبها المذكور ، أما باقي الكتب فالتعاقب على فترات مختلفة طيلة أيام تدريسه . بعد شروق الشمس يدرس في العقائد ( كتاب التوحيد ) ، و( كشف الشبهات ) ، و( ثلاثة الأصول ) ، و( العقيدة الواسطية ) باستمرار ، و( مسائل الجاهلية ) ، و( لمعة الاعتقاد ) ، و( أصول الإيمان ) على فترات .

وفي الحديث ( الأربعون النووية ) و( عمدة الأحكام ) باستمرار ، وفي الفقه ( آداب المشي إلى الصلاة ) ، وقد يدرس غيرها لكنه نادر .

بعد الانتهاء من هذه المختَصرات تُقرَأ في الفترة التي بعد ذلك المطوَّلات ، ومنها ( فتح المجيد ) ، و( شرح الطَّحَاوِيَّة ) ، و( شرح الأربعين النووية ) ، و( صحيح البخاري ) ، و( صحيح مسلم ) ، والسنن الأربعة ، ومؤلفات شيخ الإسلام ابن تيميَّة .

وقد ذكر لي سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – أنه كان يسمع قراءة جامع الترمذي على الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – ما بين فترة وفترة ، وكان يقرأ عليه فيه أحد الأسرة من آل الشيخ ، فقلت للشيخ : كنت تقرأ على الشيخ الترمذي أو تواظب عليه ؟ قال : لا ، كنا صغارًا إذ ذاك ، وكانت تلك في الفترة ما بين 1350 و1360 هـ .

وكان الشيخ إذ ذاك من طلبة الشيخ محمد بن إبراهيم المبرزين ، لكن هذا يشعر بأن الطلبة كانوا ينتبهون للتدرج في طلب العلم ، وكان الواحد منهم لا يأتي إلى هذه الكتب العظيمة ويقرؤها على المشايخ وهو لم يحكم الكتب الأولى ، بل إن إحكام الكتب المختصرة كان طريقة أهل العلم .

لهذا كان الشيخ يقرأ عليه ( صحيح البخاري ) ويقرأ عليه ( صحيح مسلم ) والسنن ، لكن كان هذا لخاصة من الطلبة الذين برزوا ، وربما كان لكبار منهم قد قرءوا ، أو لعلماء أيضًا كما ذكرت لك آنفًا .

وكان يقرأ عليه أيضًا في هذه الفترة – يعني فترة الضحى من يومه – مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، كذلك يقرأ عليه ابن كثير ، وكل ماجد من كتب السلف والمحققين من العلماء ، لكنها على فترات .

بعد صلاة الظهر يدرس في ( زاد المستقنع ) بشرحه على بعض الطلاب و( بلوغ المرام ) ، وقد حدثني بعض المشايخ أنه كان يقرأ عليه في فترة ( صحيح البخاري ) بعد صلاة الظهر .

 بعد صلاة العصر يدرس في ( كتاب التوحيد ) وشرحه ، وقد يقرأ في مسند الإمام أحمد أو مصنف ابن أبي شيبة ، أو في ( الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ) أو نحوها .

 انتهى ما وصفه الشيخ ابن قاسم من القراءة ، وطبعًا هذا كان في فترة متأخرة .

فانظر إلى هذا الوقت العظيم الذي كان يبذله الإمام من صلاة الفجر إلى أن تغيب الشمس كله في العلم ، لاشك أن هذا هو حال أهل العلم الذين انقطعوا للعلم والتعليم ، وبهذا يخرج العلماء ، وبهذا يستفيد الطلاب . أما قراءة التذوق كما في وقتنا هذا ، أو الدروس التي هي كالتذوق ما بين فترة وفترة ، فهي كالمكملات لئلا تنقطع حِلَق العلم ، أما تحصيل العلم فلا يكون بهذه فقط ، بل لا بد من الجد فيه ليلًا ونهارًا ، ما بين تدريس ودرس وتعليم ومطالعة ، وهكذا كانت أحوال المتقدمين .

نظرت إلى حال الشيخ – رحمه الله – من بعد صلاة الفجر وهو يقرئ ويُقرأ عليه ، هذا مع ما يتخلل تلك الفترات ، فأين نصيب أهله منه ؟ أين الوقت للفتاوى التي ترِد عليه من كل مكان ؟ كان وقته – رحمه الله – منقطعًا ليلًا ونهارًا للعلم ، بل قد حدثني بعض المشايخ في فترة متأخرة أنه كان إذا صنف أحد طلبة العلم كتابًا وأراد أن يعرضه على الشيخ فيقرأ عليه ليبين له أي ملاحظة – وهذه سنة من سنن العلماء المتقدمين – واعده الشيخ قبل الفجر بساعة ؛ لأنه بعد الفجر مشغول مع الطلبة ، والضحى كذلك ، وقبل الظهر كذلك ، وبعد الظهر ، وبعد العصر ، وبعد المغرب ، فأين الوقت ؟ !

قال لي أحد المشايخ : كان يواعدني قبل صلاة الفجر بساعة ، كل يوم أُمِرّ عليه ما ألفتُ حتى أنهيته . فأين وقت النوم ؟ أين وقت الراحة ؟ أين وقت الأهل ؟ فليس ثم وقت إلا للعلم والتعليم والجهاد ونشر الدعوة ونفع الناس ، وهكذا يكون العظماء ، فهذا الوصف الذي ذكره الشيخ ابن قاسم يمثل فترة من عمر الشيخ ، وهي في الغالب ما بعد سنة 1360 هـ ، وقد ذكر لي الشيخ العلامة حمود التويجري – رحمه الله – أنه كان يقرأ عليه مؤلفاته ليعرضها على الشيخ هل ثم من ملاحظة عليها أو تصحيح أو نحو ذلك ، وكان ذلك في الفترة ما بعد 1380 هـ . يقول الشيخ حمود التويجري : كنت أقرأ عليه الكتاب ونجلس من بعد صلاة الفجر – يعني بعد إن انقطعت الدروس المتواصلة بعد سنة 1380 هـ – جلسة واحدة ثلاث ساعات ، أربع ساعات ، حتى تصلنا الشمس من بعد الفجر . يقول : وأنا صاحب الكتاب الذي ألفته أَمَلّ من القراءة وأتعب من ذلك ، وهو لا يمل ويسمع . . وهذا – لا شك – ينبئ عن شخصية فيها الصبر وفيها الجلد على العلم ، وفيها الرغبة في نفع الناس .

ولهذا إذا رأيت حال أولئك وجدت العجب العجيب ، إذا رأيت يوم الشيخ كيف قسمه على أولئك فلا تخرج منه إلا بأن الله – جل وعلا – يبارك في أوقات من شاء من عباده ، والعلم إذا بذل فيه المرء ما بذل من الوقت بارك الله – جل وعلا – له فيما أعطاه من الوقت ، ولهذا نجد في حياتنا الوقت ضعف وضعفت الاستفادة منه ، فتنقضي الأوقات بسرعة ، وهذا لأجل – فيما أحسب – عدم البركة فيما أعطينا من الأوقات ، وأما المتقدمون فقد بارك الله – جل وعلا – لهم في الأوقات ، ولا شك أن هذا له أسباب ، وأظن أن أعظم تلك الأسباب هو إخلاصهم لله جل وعلا ، وكثرة الرغب والدعاء إلى الله جل وعلا بالمباركة .

فهذه المنهجية التي رأينا في التدريس ، هذه المنهجية في القراءة في المختصرات ، في القراءة في هذه الأنواع من العلوم وفي الكتب ، هذه المنهجية في العلم ؛ هي التي تخرج العلماء ؛ حفظ للمتون . . بيان وشرح لها . . ضبط للأصول ومعرفة للأدلة . . هذه الطريقة هي التي خرجت العلماء الذين ينفعون الناس اليوم .

فعلماؤنا تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم نفعوا الناس سنين متطاولة بعد الشيخ رحمه الله ، وهل كان النفع خاصًّا بهذه البلاد ؛ السعودية ؟ لا ، فنفعُ تلامذة الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله – وصل الأرض من شرقها إلى غربها ، وإذا تأملت نفعهم وتأملت فتاواهم وتأملت رسائلهم وكتبهم وكيف أثرت في الاتجاه الإسلامي العام في الأرض وجدت أن الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله تعالى وأجزل له المثوبة – قد أنتج مدرسة ، وأنتج دعوة ، وأخرج أناسًا حملوا إلى الأرض العلم النافع ، ولا شك فالمتأمل يخرج بهذا بيقين ، وهذا من فضل الله – جل وعلا – علينا وعلى الناس .

وقد ذكر لي بعضهم أن الشيخ – رحمه الله – كان يقسم الطلاب إلى ثلاث طبقات : مبتدئين ، ومتوسطين ، ومنتهين . وقد ذكر لي أحد الأجلة من تلامذة الشيخ أنه إذا أتاه الآتي وقال له : أريد أن أقرأ عليك يا شيخ قال : هل حفظت القرآن ؟ فإذا أجاب بنعم أدخله مع الطلاب ، وإذا قال : لا ، لم أحفظ القرآن قال : لا علم إلا بحفظ القرآن . اذهب فاحفظ القرآن أولًا ، ثم بعد ذلك تعلم العلم .

اليوم يقرأ الناس وتجد عندهم مؤلفات وتجد عندهم كلاما طويلا وهو لا يحفظ القرآن ، لا شك أن هذا من الغلط ، وهذا من الأمور التي حدثت في الناس .

قال الشيخ محمد بن قاسم : كان الشيخ يحرص جدًّا على أن يحفِّظ جميع الطلاب المنتظمين المتون ، ولا يرضى الشيخ بنصف حفظ ، ولا ينتقل الطالب من متن إلى متن أطول منه إلا بعد حفظ الأول وفهمه ، ولهذا كان الطالب المجد – والكلام للشيخ ابن قاسم – يتخرج في سبع سنوات .

وقد حُدثت أيضًا أن بعض طلاب الشيخ بدأ يقرأ عليه فتتعتع في الحفظ مرتين ، فنهره الشيخ نهرًا بالغًا ، قال : ما هذه بقراءة وليس هذا بحفظ . لاحظ : قرأ مرتين ، اليوم يُصبر على القارئ عشر مرات يغلط وعساه يحفظ ! لكن المتقدمون كانوا يحفظون المتون حفظ الفاتحة ، فهذا الذي يسمى حفظًا ، أما الحفظ مع الأغلاط فلا يسمى حفظًا ، لماذا ؟ لأنه لا يبقى مع المرء .

فإذا حفظ الطالب جيدًا فسيبقى معه بعض الحفظ في فترات من عمره ، أما الحفظ الذي ليس بحفظ فهذا لا يبقى مع المرء .

كان الطلاب مع الشيخ في عجائب ، ومما يُذكر في هذا أن أحد المشايخ حدثني فقال : كنا نستغرب من أين يأتي الشيخ بهذه المعلومات التي يعطينا إياها في درسنا ، يقول : اجتمعنا لتحضير بعض الدروس ومراجعته قبل أن يدرسه الشيخ ، يعني بعد الفجر . يقول : فسهرنا تلك الليلة وأتينا بالكتب المطولة وراجعنا ما فيها بتدقيق على المتن الذي سيشرحه الشيخ في الصباح . يقول : فلما أتينا صباحًا وتكلم الشيخ أردت أن أبين للشيخ أني على علم بالمسألة وعلى معرفة ، قال : فسألته فقلت له : يشكل علي كذا . هذا الطالب غلط وأورد إشكالًا ليس في موضعه ؛ يعني كان الإشكال في مسألة ستأتي فيما بعد . يقول : فلما أوردت الإشكال تأمل الشيخ ونظر ، ثم بعد ذلك قال : سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك . وقام من المجلس تأديبًا للطلاب .

يقول : فأخذ الطلاب يلومونني على السؤال ، فهم الشيخ القصد من السؤال ، وهو أن الطالب أراد إحراج الشيخ أو أراد أن يبين للشيخ أنه قرأ ، أو نحو ذلك . وهكذا كان الشيخ مع طلابه ، لا يسمح لأحد بأن يتعدى عليه أو أن يخطئ معه في حقه مرة من المرات .

ومما يذكر في هذا أن الشيخ كان في حلقة تعليم قد أعطى تدريبًا في الفرائض ، وكانت الحلقة فيها نحو الخمسين من الطلاب ، فأعطى نصف الحلقة مسائل ، كل واحد مسألته ، حتى وصل إلى نصف الحلقة ، يعني إلى نحو السادس والعشرين ، ثم لما أتم هؤلاء رجع للأول ، قال : اقسم مسألتك ، فقسم الطالب ، فصوبه الشيخ أو خطأه ، ثم الثاني . . . فلما وصل إلى بعد العاشر قال : اقسم مسألتك ، قال : مسألتي كذك وكذا وكذا . قال : كذبت ، ما هذه بمسألتك ، هذه مسألة الذي بعدك ! وغضب عليهم الشيخ وقال : طلاب العلم يكذبون !

فكان شديدًا مربيًا للطلاب ، لا يسمح لأحد بأن يخطئ أو أن يتعدى حده ، لهذا كانوا يحترمون الشيخ كمعلم وشيخ ووالد ومؤدب ، فكان الشيخ يحب تلامذته محبة بالغة ، ويعطف عليهم ، ينقل لهم الطعام بنفسه من البيت إلى المسجد ، وخاصة الإخوان ، ويطبخ طعامهم في بيته ويعطيهم بين الحين والآخر ، وإذا وجد على أحدهم أثر الحاجة أو أثر الجوع أخذه معه في بيته وطعم معه .

ويُذكر عن طلبة الشيخ أن أحدهم استهزأ من الآخر ، فبلغ الشيخ ذلك ، ولما أتى من الغد نادى هذا الذي بلغه عنه الاستهزاء في وسط الحلقة ، فلما قرب منه أخذه وضربه بكفه ضربة على وجهه وقال له : إياك أن تستهزئ بطلبة العلم يوما من الأيام .

ومما يذكر أيضا في تعليم الشيخ لطلبته ، ما حدث أن بعض الطلبة تكلموا في حقه بالنقد – وهذا بالطبع من العقوق أن يتكلم الطالب في شيخ نفعه وبذل له وقته – فرام بعض الطلاب أن ينقل ما يقال إلى الشيخ ، فأتى الشيخ وقال له : يا شيخ ، فلان يقول عنك كذا وكذا وكذا . فأمسكه الشيخ وضربه أمام الناس ، وقال له : ما وجد الشيطان من يرسل إلا أنت ؟ !

فما فرح بالكلام ، فإذا قيل فيه فقد قيل في الرسل من قبل ، وما يضر ذلك ، المهم في المرء أن يبذل وينفع ، وليس المهم في حياة المرء أن يسمع ما قيل فيه ؛ لأنه سيكسبه ذلك عداوة وربما ينغص في نفسه على فلان وفلان من الناس ، فالمؤمن مأمور بأن يصلح ذات البين .

المقصود أن هذه الحوادث تعطيك شخصية الشيخ في علمه ، في تعليمه ، في قوته ، في عدم سماحه بالخطأ ، في هيبة طلبته منه وخوفهم ، في عدم سماحه لمداخل الشيطان أن تكون بين الطلاب ، في غرس المحبة والاحترام بين الإخوان بعضهم مع بعض في حلق التعليم ، رحمه الله رحمة واسعة .

وقد خرَّج الشيخ – رحمه الله – أعدادًا غفيرة من الطلاب ؛ ففي فترة من الفترات بلغ عدد الطلاب – كما هو موجود عندي مدون في الكشف – أكثر من مائة وتسعين طالبًا ، كلهم طلبوا العلم ، وتنوعوا ؛ فمنهم من صاروا علماء بارزين ، ومنهم من صاروا قضاة ، ومنهم من صاروا معلمين في الكليات أو في المعاهد ، ومنهم من صاروا في الدعوة . . . إلى آخره .

هذه الأفواج التي تخرجت وحملوا العلم لا شك أنهم تخرجوا بعد اتصالهم وملازمتهم للشيخ ، وكان الشيخ معهم في منهجية علمية جعلت الطلاب في قوة علمية مؤتلفة غير متشتتة ؛ ففي التوحيد – كما ذكرت – كان اهتمامه بكتبه التأسيسية التي تبين العقيدة الحقة بأدلتها ، وكانت طريقته في شرح كتب الاعتقاد ألا يذكر الخلاف بالاعتقاد ، بل يذكر أدلة أهل السنة والجماعة ، وما قاله أئمة التوحيد في المسألة ، ويبين أدلتهم ويفصل في ذلك ، ولا يذكر قول المخالفين إلا نادرًا عند الاحتياج ، ويجمله ؛ فيقول : هذا قول الأشاعرة . . قالت المبتدعة كذا . . . وليس على طريقة البعض الذين يفصلون في أقوال المخالفين ، فهذا إنما يكون عند الحاجة إلى ذلك ، إذا اختلط الناس أو احتاجوا إلى ذلك ، فالشيخ – رحمه الله – لم يكن يعرج على مذاهب الخرافيين والمبتدعة وشبههم إلا إذا دعت الحاجة ، بينما تجد أكثر تفصيله وتدليله على معتقد أهل السنة والجماعة ، وهذا – لا شك – يعطي قوة علمية استدلالية ، ويعطي ثباتًا في موقف الحق ، وعدم التشويش في الأذهان بكثرة الأقوال المبتدعة ، وهذا لأجل أن المبتدعة وأقوال المبتدعة لم تكن مشتهرة إذ ذاك .

أما في الفقه فقد جعل دروسه – رحمه الله تعالى – منبثقة من متون الفقه الحنبلي ، ومتون الفقه الحنبلي عند أهل العلم محررة مدققة ، تفتق ذهن الطالب ، وتقوي إدراك الطالب الفقهي ، إن طريقة الشيخ كانت الاعتماد على متن للمذهب ؛ وذلك خير طريقة لتحصيل الفقه ، فبه يُبنى الذهن الفقهي ، وبه تؤسس قواعد التصور للمسائل الفقهية ، ويأتي بعد ذلك التفريع والتدليل وذكر الخلاف عند الحاجة والترجيح ، فإذن تكون معرفة الأقوال بعد إحكام الأصول وضبط تصور المسائل .

وتعجب اليوم عندما تجد عند بعض الناس معرفة للأقوال والخلافات بينما صورة المسألة لا تجدها واضحة عنده ، وهذا غلط علمي يُذهِب التقدم العلمي عند الطلاب ، فلا بد أن تكون في طلبك لعلم الفقه معتمدًا على متن من متون المذهب الحنبلي ؛ مذهب الإمام أحمد رحمه الله ، وذلك على شيخ ، فإذا ضبطت المتن وتصورت مسائله ودليل المذهب يبدأ الشيخ يعرفك بالأقوال الأخرى شيئًا فشيئًا ، حتى تكون عندك ملكة فقهية وتصور للفقه كيف يعرض وكيف تعرض مسائله ، أما هذا الشتات الذي تراه اليوم في كثير من الدروس فإن هذا لم يكن طريقة للشيخ رحمه الله تعالى .

 كان الشيخ – رحمه الله – يعرض للمتن – وهو زاد المستقنع بشرحه الروض المربع – ويبين عبارة الماتن بدقة ؛ بألفاظها ومحترزاتها ومفهومها إن كان لها مفهوم ، ويوضح ذلك بعبارة واضحة ، ويصور المسألة تلو المسألة ، بحيث لا تشتبه مع نظيراتها في ذهن الطلاب ، ولا يبدأ بالاستدلال أو ذكر الخلاف كما يفعل بعضهم اليوم في دروسهم ؛ إما في الجامعات أو في المساجد ، بل كان همّ الشيخ – رحمه الله – أن يحدث التصور الفقهي والملكة الفقهية في ذهن الطالب ؛ لأن المعلومات يمكن للطالب بعد حين أن يجمعها من الكتب إذا قرأ ، لكن الذي ينقله المعلم للمتعلم – إذا كان حريصًا عليه أن يكون طالب علم على الحقيقة – هو فهمه للمسائل وتصوره لها ؛ حتى يكون للمتعلم ذهن فقهي صحيح ، ثم يذكر الشيخ بعد أن يصور المسألة الدليلَ مع وجه الاستدلال ، أو يذكر التعليل ، أو إرجاع حكم المسألة إلى أصل أو قاعدة أو نحو ذلك من الحجج ، أو وربما ذكر الخلاف القوي في بعض المسائل إذا كان الخلاف مشتهرًا ، أو كان هناك حاجة لبيانه ، وغالبًا ما يذكر اختيارات شيخ الإسلام ابن تيميَّة ، وتلميذه ابن القيم ، ويذكر هل العمل على هذا الاختيار أم ليس عليه عمل أئمة الدعوة رحمهم الله تعالى .

أما مطولات الفقه فلم يكن الشيخ يفصل الكلام عليها بنحو ما سلف ، ولكن يذكر بعض ما يحتاج إلى إيضاحه ، فقد كان يُقرأ عليه في ( كشاف القناع ) ، وكان يقرأ عليه في ( المغني ) في بعض الفترات ، ولم يكن يفصل على هذه المطولات ؛ لأنها كتب للخاصة من الطلاب .

وهذه الطريقة النافعة هي التي درج عليها علماؤنا السابقون ، وبها صعد في مدارج التفقه فئام من أهل العلم ، نفعوا العباد والبلاد ، رحم الله الأموات ، ونفع بالأحياء ، وأجزل مثوبة الجميع .

تلامذة الشيخ :

كان الشيخ – رحمه الله تعالى – بدون مبالغة أُمَّةً في قلب رجل ، كان كما يقال : جامعة متعددة الكليات ، فلا غرو إذن أن نجد مِن بين مَن تخرج عليه المحدث والفقيه ، وتجد الأديب واللغوي ، وتجد الشاعر والناثر ، وتجد القاضي والداعي ، صدروا كلهم عن رجل واحد ؛ لأنه – بتوفيق الله له ولهم أولًا – بذل علمه لهم ليله ونهاره ، وهكذا فليكن بذل الرجال الذين يرومون أن يظهر من بعدهم رجال ، لقد تتلمذ على الشيخ عدد لا يحصون كثرةً من الرجال تولوا التدريس في المعاهد والكليات, وتولوا القضاء ، وتولوا الفتيا ، وتولوا التوجيه والإرشاد ، وتولوا الدعوة والإصلاح ، هؤلاء لا يمكن أن يحصوا كثرةً ولا يمكن تعدادهم جميعًا ؛ إذ إنهم مئات من الناس ؛ لأنه درّس قرابة نصف قرن من الزمان ، وإن كان قد أحصي كثير منهم ، لكن لا يمكن أن يحصوا جميعًا لأجل كثرتهم وتعدادهم وتنوعهم .

ونذكر هنا بعض أكابر طلبة الشيخ ، وذلك كإشارة لا حصر ، على ترتيب الشيخ ابن بسام في ترجمته للشيخ .

قال الشيخ ابن بسام في ذكر تلامذته :

أولًا : سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز .

ثانيًا : سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد .

ثالثًا : سماحة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم . والشيخ عبد الرحمن بن قاسم كان أكبر تلامذته في ظني .

رابعًا : الشيخ عبدالله القرعاوي ؛ الداعية المشهور .

خامسًا : الشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد .

سادسًا : الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم آل الشيخ ؛ أخو الشيخ محمد .

سابعًا : الشيخ عبد الملك بن إبراهيم آل الشيخ .

ثامنًا : الشيخ عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ .

تاسعًا : الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ .

وهذا ذكر وترتيب الشيخ ابن بسام ، وأذكر زيادة على ذلك فضيلة الشيخ صالح بن غصون ، وفضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان ، وفضيلة الشيخ عبد الله بن منيع ، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن فارس ، وجمع من الناس غير هؤلاء من العلماء ، وليعذر من لم يذكر اسمه ؛ فإنما كان المراد الإشارة ، نعم تخرج على يدي الشيخ – رحمه الله – أعداد كبيرة لا تحصى من العلماء والمحصلين ، وحسبك أن تعلم أن جل أكابر علماء المملكة اليوم هم من تلاميذ الشيخ ، وهم الذين يشغلون المناصب العلمية والدينية ، وينفعون الناس ، وينشرون العلم والفتوى ، ويقضون بين الناس في هذه الأرض ، ملئوا مناصب القضاء والإفتاء وشغلوها حتى لم يحتج أهل هذا البلد إلى أناس من غيرهم في أمر دينهم ، وهذا من أعظم المكاسب ؛ فقد كان الشيخ – رحمه الله – يردد على طلبته كثيرًا إذا امتنع أحد منهم عن القضاء ويقول : هل تريدون أن نأتي بأحد من الناس من هاهنا وهاهنا ؟ ! هل تريدون أن نأتي بقضاة من البلد الفلاني ومن البلد الفلاني ؟ ! يحثهم على ذلك ، وكان الشيخ يلزم بالقضاء رحمه الله رحمة واسعة .

أخلاقه وشمائله رحمه الله :

وصف أخلاقه تلميذه الشيخ محمد بن قاسم بقوله :

أولًا : الحافظة النابغة .

يقول الشيخ ابن قاسم : كان يحفظ المتن للقراءة الثالثة . يعني يقرأ عليه مرة ، مرتين ، ثلاث مرات ثم يحفظه ، وربما حفظه من القراءة الثانية .

وكانت المعاملة الطويلة في القضاء على إشكالاتها تبلغ أحيانًا ثلاثمائة صفحة تُقرَأ عليه ، ثم يملي ما يراه مستحضرًا كل ما مر فيها من الجزئيات .

ولم يكن غريبًا منه أن يدل الذين يقرءون أو يستشيرونه في بعض البحوث على مواضع الأبحاث في كتب ذاكرًا رقم المجلد والصفحة أحيانًا ، وقد ذكر لي هذا الشيخ إسماعيل الأنصاري ، قال : كان الشيخ – رحمه الله – إذا أردت بحثًا أو أراد بحثًا هو يقول : في الكتاب الفلاني في المجلد والصفحة ، بحثه فلان وفلان وفلان ، فيجمعون له في المسألة أحيانًا أكثر من عشرة كتب ، وأحيانًا عشرين وثلاثين كتابًا يذكرها لهم بتفاصيلها ، طبعًا هذا لا شك يدل على حافظة نادرة ، وكذلك حفظه لأكثر من نصف منتقى الأخبار هذا لا شك يدل على ذلك ، يعني أكثر من ثلاثة آلاف حديث في أوائل عمره ، مع أنه كان مكفوف البصر رحمه الله ، وكف البصر ليس سهلًا معه الحفظ ، نعم المبصر يسهل عليه أن يحفظ ، لكن المكفوف يحتاج إلى من يقرأ عليه ، ثم بعد ذلك يردد ما قرأ ، وليس هذا بالسهل .

ثانيًا : قال الشيخ ابن قاسم : رُزق الذكاء والفراسة ، فكان يدرك حقيقة ما يعرض عليه من المشكلات ويكشف ما وراءها من الدوافع ببصيرته الفذة ، ولم يكن يمر عليه كيد أو احتيال .

وحياته أمثلة من هذا النوع ، فلسنا بحاجة إلى ضرب الأمثلة لها ، فأكثر العارفين به يدركون هذا منه ، يدركون فراسته الحادة والذكاء في مرامات الناس ، كأن يأتيه أحد الناس بعبارة جيدة وهو يروم شيئًا آخر ، أو يأتيه بقضية وهو يروم أن يتوصل من تلك القضية إلى أشياء أخر ، فيدرك هذا الشيخ – رحمه الله – بفراسة فذة شهد له بها تلامذته ومعارفه .

ثالثًا : قال الشيخ ابن قاسم : الإخلاص في العمل . يقول : فلم يكن طالب شهرة ولا باحثًا عن سمعة ، ولم يُعرَف عنه أنه تحدث عن أعماله ، على جلالتها وكثرتها .

وقد ذكر لي عدد من المشايخ أمثلة على هذا ؛ منها أن بعض المشايخ كانوا يلومونه على عدم تكلمه في بعض الأمور ، ولما أكثروا وأكثروا عليه قال لهم : أتريدون أني كلما عملت عملًا أقوله لكم ، تريدون أني إذا كتبت أو ذكرت أقول لكم فعلت وفعلت ، لكن ستعرفون محمد بن إبراهيم بعد أن يذهب .

رابعًا : طهارة قلبه . قال الشيخ ابن قاسم : فكان لا يحمل ضغينة على من أساء إليه ، ولا ينتقم من أحد ناله بأذى .

وله في ذلك أحوال عجيبة ، ومن هذا أن أحد المشايخ – رحمه الله – المعروفين لما حصلت مسألة نقل مقام إبراهيم تكلم في الشيخ محمد بن إبراهيم : لماذا يأذن بنقله ، ولم يفتي ؟ ! ونال من الشيخ بكلام ، وبلغ الشيخ بعض ذلك وبلغه أنه كان يقول إذا أراد أن يذكر الشيخ : ابن إبراهيم .

وبالمناسبة هذه الكلمة ” ابن إبراهيم ” ما كان يقولها محبو الشيخ ، وإنما كانوا في وقته يقولون : الشيخ محمد ، أو الشيخ محمد بن إبراهيم ، فليتنبه طلبة العلم إلى هذا .

فكان هذا الشيخ ينال من الشيخ محمد ويقول : ابن إبراهيم يقول كذا ، ولا يقول : الشيخ ونحو ذلك ، فذكر لي الشيخ عبد العزيز بن مرشد – حفظه الله – أنه نقل للشيخ محمد بن إبراهيم فقال له : فلان الشيخ تعرف مقامه وأنه ينشر التوحيد في مكة وأنه وأنه ، فلا تأخذ في خاطرك من كلامه . فقال الشيخ مصداقًا لما قال الشيخ ابن قاسم هنا عن طهارة قلبه وأنه كان لا يحمل ضغينة على من أساء إليه : وماذا قال فلان ؟ ! ما بلغني عنه إلا أنه يقول : ابن إبراهيم وأفتى ابن إبراهيم ، وصدق فأنا ابن إبراهيم . قال الشيخ عبد العزيز بن مرشد : قال الشيخ محمد بن إبراهيم : والله إنه لأغلى عندي من بعض أولادي . وذلك لما يقوم به ذلك العالم في مكة من تدريس ونشر للعلم والتوحيد وإقراء لكتب أئمة الدعوة في ذلك .

فلا شك المرء إذا سلم من الهوى سلم من الدنيا ، أهل العلم إذا سلموا من الدنيا وسلموا من الهوى سلموا من الرغب في المناصب ، الرغب في الشهرة ، الرغب في الانتصار للنفس – بارك الله جل وعلا لهم وفيهم ورزقهم القبول – أما إذا كان الهم انتصار للنفس فهنا يبدأ النزول في حق من كان كذلك .

خامسًا : كان –رحمه الله – شجاعًا قوي الشكيمة ، لا يتردد في إعلان الحق أيًّا كان المخاطب به .

وهذا له جهات ؛ منها نصرته لطلبة العلم ولأهل العلم ، فكان قوي النصرة لهم جدًّا ، بحيث لا يسمح بأن ينال أحد أهل العلم بأذى ؛ وكان أهل العلم يأتمرون بأمره ولا يخرجون عن مراده ، ويسلمون له بما يقول ، فكان يحميهم أشد الحماية .

ومن هذا قصة حصلت للشيخ عبد الله القرعاوي الداعية المعروف ، وحدث هذا من أكثر من أربعين سنة أو نحو ذلك ، حيث رام مرة الشيخ عبد الله الذهاب من الرياض بالطائرة ، فلما ذهب إلى المطار قيل له : ليس لديكم حجز ، ولا يمكن أن تذهبوا ، فذهب إلى مدير المطار ، وكان مدير المطار إذ ذاك نقيب شرطة ، فدخل عليه الشيخ عبد الله القرعاوي ومعه مجموعة من الذين كانوا يريدون السفر ولم يمكنوا منه ، فقال له : الأمر كيت وكيت . فأخطأ هذا النقيب في حق الشيخ ومن معه ، فبلغ كلام النقيب هذا في نفسه مبلغًا ، ورجع إلى الرياض وأخبر الشيخ محمد بن إبراهيم بالحادثة ، فقال الشيخ لمن عنده : اتصلو بمدير المطار وقولوا له : احضر , فاتصلوا بمدير المطار وأخبروه ، فأتى مدير المطار ، فلما حضر قال الشيخ : يقول المشايخ : إنهم أتوك وقلت لهم كذا وكذا وكذا ، فهل هذا صحيح ؟ قال : نعم ، لكن . . . فقال الشيخ : صحيح أم لا ؟ أجب بنعم أو لا . قال : نعم صحيح . قال : اقترب . فلما اقترب ، وكان عليه الزي العسكري وغطاء رأسه العسكري ، أمسكه الشيخ من تلابيبه وصفعه صفعة على وجهه قوية طار منها غطاء رأسه أمام طلبة العلم .

وهذا الأمر يدل على شجاعته وقوة شكيمته ، وعدم سماحه بأن ينال أحد أهل العلم عنده بأذى ، والشيخ عبد الله القرعاوي كان له عند الشيخ مكانة ، وكان دائم الصلة به ويستشيره بما يكون من نشر الدعوة في جنوب الجزيرة .

سادسًا : كان الشيخ – رحمه الله – يكره المتملقين والمتزلفين ، وله في ذلك مواقف يحفظها التاريخ ، ربما بعض الحوادث في ذلك لا يَحسُن ذِكرها .

سابعًا : كانت له الهيبة العظيمة في نفوس الناس ، يحسب محدثُه الحساب الدقيق حتى لا يزل في كلمة أو يخطئ في فكرة ، فكان الواحد من طلبة العلم أو حتى من الأمراء إذا استدعاه الشيخ يحسب لهذا أشد الحساب ، فكلمة الشيخ الواحدة في التأنيب يتزلزل لها المؤنب ، بل ربما كان يحضره الناس الكثير ويسكت المجلس ساعة كاملة ولا يستطيع أحد أن يتحدث معه هيبة له وخشية من أن يقول المتكلم غلطًا أو يذكر هُجرًا ، لا شك أن هذه الشخصية القوية حكمت الناس وجعلتهم لا يخرجون عما عليه البلاد ، وهذه الحماية حمت هذه البلاد من التفكك في أمر الدين وفي أمر الفتوى وفي الرأي زمنًا طويلًا .

ثامنًا : كان الشيخ –رحمه الله – متنزهًا عن الغيبة وقد عُرف بذلك ، كما يقول الشيخ محمد بن قاسم ، فمنذ حداثة سنه حتى فارق الدنيا لم يُعرف أنه ذُكر أحد في مجلسه بغير الخير ، ولم يعرف أنه تحدث بمثالب أحد أو بنقيصة في أحد ، بل كان يزجر من يحاول ذلك أو يبتدئ فيه ؛ لأن المجالس العامة ليست مجالًا لذلك .

ورغم ذلك فإن كثيرا من المجالس العامة بل ومجالس كثير من طلبة العلم اليوم لا تخلو من غيبة ونميمة ، نسأل الله – جل وعلا – السلامة والعافية .

تاسعًا : العفة والورع : كان الشيخ – رحمه الله – في أمر المال عفيفًا ورعًا كما شهد له بذلك تلامذته والمقربون له ، فكان لا يأخذ شيئًا فيه شبهة ، وظل إلى بعد تولي الملك فيصل بسنة ليس له راتب شهري ، وإنما كان له رزق يخرج له مرتين أو ربما أكثر في السنة على طريقة القضاة والعلماء المتقدمين ، ولم يأخذ راتبًا شهريًّا إلا بعد أن تولى الملك فيصل رحمه الله تعالى .

 ومما حُدثت به في ذلك أنه مرة دعا الملك سعود – رحمه الله – دعوة كبيرة في الدرعية ، وكان من عادة الملك سعود إذ ذاك أنه يعطي من يدعوه ، فلما دعاه أرسل الملك سعود بعطية جزلة للشيخ قدرها أظن مائة ألف ريال في ذلك الوقت . ومن الناس من تكلم وقال : الملك سعود أعطاه مالا ، وسنرى ما يفعل . ولم يعلم أحد ما صنع الشيخ بذلك المال حتى توفي ، وذكر أحد المعروفين في الدرعية أن الشيخ أعطاه المال ليلة وصله ووكله على صرفه في إعمار ما خرب أو احتاج إلى إعمار من مساجد الدرعية .

لا شك أن مثل هذا لو فعله فاعل اليوم – حتى كثير من أهل العلم – صار يتحدث به سنة ، لكن الله –جل وعلا – ينشر فضائل المخلص له ؛ لأن الله – سبحانه وتعالى – إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض .

عاشرًا : كان من أهل الخشية ، يقول ابن قاسم : كثيرًا ما يلهج بذكر الله والاستغفار ، وتغرورق عيناه بالدموع حين يكون مناجيًا لله ويسمع بعض ما يحرك القلوب ، وقد كان ذلك يتجلى كثيرًا فيما يحييه من الليل بالصلاة التي كان يواظب عليها في إقامته وسفره .

يقول الشيخ ابن قاسم : وقد صحبته زمنا طويلًا وهو يقوم ما يقرب من ساعة ونصف آخر الليل ، لا يترك ذلك . وهذا مع كثرة الأعمال والدروس وقلة وقت النوم ينبيك عن أمور كثيرة . والتوفيق بيد الله جل وعلا .

هكذا كان أهل العلم ، ليس العلم لفظًا باللسان ، إنما العلم معه عمل ، وتقوى وصلاح ، وخشية وإنابة .

وكان – رحمه الله – صلبًا في الظاهر ، ولكنه في الباطن كان رقيقًا جدًّا ، دمعته تنحدر من أدنى موعظة ، أو إذا مات أحد من الناس أو نحو ذلك ، كان قريب الدمعة ، كثير الوجل ، رحمه الله وأعقبه ورفع منازله في جنات النعيم .

مؤلفات الشيخ رحمه الله :

كتب الشيخ – رحمه الله – رسائل وفتاوى متنوعة ، وكانت حياته مليئة بالتعليم والدعوة والمهمات الكبار التي أنيطت به ؛ من فتوى ومتابعة القضاء وتمييز الأحكام ، ونشر العلم والتعليم في جل اليوم ، ومراجعة الكتب ، ومزاولة الأعمال التي أنيطت به ، وهي أكثر من ست عشرة مسئولية ، كان يليها ولاية مباشرة ، مع هذا فقد كان له – رحمه الله – آثار علمية ، ومنها :

أولا : الفتاوى :

وهي فتاواه التي طُبعت مع رسائله في ثلاثة عشر جزءًا ، قام بجمعها وإعدادها للطبع وترتيبها الشيخ محمد بن قاسم ، أثابه الله ، وأقوم أنا بالتعليق عليها وتحقيقها تحقيقًا مناسبًا وسطًا . وستطبع قريبًا إن شاء الله تعالى .

ثانيا : الرسائل :

وهي رسائل متنوعة طُبعت في حياته وأدرجها ابن قاسم في مجموعة فتاواه ورسائله ، ومنها :

1 – رسالة ( الجواب الواضح المستقيم في التحقيق في كيفية إنزال القرآن الكريم ) وهي في الرد على قول السيوطي في ( الإتقان ) : إن جبريل أخذ القرآن من اللوح المحفوظ .

2 – رسالة نشرها في أحد المجلات ثم طبعت مستقلة باسم ( تحكيم القوانين ) .

3 – رسالة باسم ( نصيحة الإخوان في الرد على الشيخ ابن حمدان ) .

4 – رسالة ( الجواب المستقيم في نقل مقام إبراهيم ) .

5 – رسالة باسم ( الجواب المشكور ) ، وقد طبعت بدون اسم الشيخ عليها ، وقد حدثني الشيخ إسماعيل الأنصاري أن الشيخ هو الذي ألفها ، وقد طبعها مؤخرًا الشيخ الأخ طالب العلم الموفق عبد السلام بن برجس آل العبد الكريم ، وطبعها بهذا الاسم ( الجواب المشكور ) بدون اسم الشيخ محمد بن إبراهيم عليها ؛ لأنها في طبعتها الأولى كان قد كتب عليها أنها من إصدار دار الإفتاء ، ولكن الشيخ إسماعيل الأنصاري – وهو خبير بالشيخ – يقول : هي من تأليف الشيخ ، ويدل على ذلك أنه ذكر في خطبتها بعد قوله : ” أما بعد ” : ” فقد رفع إلي الملك سعود ” . والملك سعود إنما يرفع إلى الشيخ محمد بن إبراهيم ، لا إلى من دونه .

ثالثًا : الكتب :

هناك كتاب له في الحديث اسمه ( تحفة الحفاظ ومرجع القضاة والمفتين والوعاظ ) ، وهو كتاب في الحديث ، جمع فيه المفتي رحمه الله ما يقرب من ألف حديث ، قال رحمه الله في مقدمته : ” هذا مختصر يحتوي على ألف حديث صحاح ، اقتصرت فيه على ما خرجه الشيخان أو أحدهما عدا أحاديث صحيحة يسيرة جدًّا خرجها غيرهما ، وقد أتى – بحمد الله – على عامة أبواب الدين من أصول وفروع ودعوات وأذكار ومواعظ وحكم وآداب ، وغير ذلك مما ستقف عليه في مواضعه ” . انتهى .

والكتاب في مجلد متوسط ولم يطبع بعد ، وأسأل الله – جل وعلا – أن ييسر طباعته ، وهذا الكتاب متميز عن غيره من كتب المتون في الحديث بمميزات ، وقد ظهر فيه فقه الشيخ وانتقاؤه للأحاديث التي ينبني عليها الاستنباط ؛ استنباطات لا يفهمها إلا المجتهدون من أهل العلم . والكتاب مخطوط إلى الآن ، جاء في خاتمته : ” وقع الفراغ من تأليف هذا الكتاب المبارك خامس شهر ذي الحجة سنة أربع وسبعين وثلاثمائة وألف ، ووقع الفراغ من تبييضه آخر ذي القعدة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وألف من هجرة مَن له العز والشرف صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة ، زادها الله تشريفًا وتكريمًا ، على يد جامعه الفقير إلى عفو ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ” . انتهى .

ثالثًا : نظم العلم :

نظم – رحمه الله – مقدمة كتاب ( الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل ) للمرداوي ، وهو من كتب المذهب الحنبلي المشتهرة الجيدة ، جاء مؤلفه في أوله باصطلاحات وبذكر للكتب التي نقل منها ، فنظم رحمه الله جُل المقدمة ، قال فيها :

حمدًا لمن فقّهنا مُصليَا

 

على محمد وبعد فادريــَــا

مراجع الإنصاف من متن ومن

 

شرح مع مؤلفيها واستبِنْ

 

وبعضها نواقص أعرضتُ

 

عن ذكر نقصهنَّ واختصرتُ

نظمتها من خطبة المؤلفِ

 

مقدمًا ذكر المتون فاعــرِفِ

 

فهن متن الخرقي ما أجمله

 

شافي أبي بكر مع التنبيه لـه

 

تهذيب ابن حامد للأجوبه

 

وابن أبي موسى للإرشاد انتبه

 

إلى آخر أبياته ، وهي موجودة عندي ، ولي عليها – إن شاء الله – تعليقات ضافية تبين المخطوط منها والمطبوع .

مناصبه التي كان يشغلها :

تولى الشيخ – رحمه الله – مناصب كثيرة متنوعة ، وكان يعد الدخول في الوظائف الشرعية من التعاون على البر والتقوى ، والتعاون متعين ، لهذا كان الشيخ ذا مناصب كثيرة أقضت مضجعه وأقلت راحته ، يعرف ذلك من كان قريبًا منه ؛ لأن الوظيفة الشرعية ليست بزينة وجاه ، وإنما هي تكليف وأمانة ، والسؤال عنها غدًا عظيم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

وعلى العموم كانت الأمور الشرعية والإدارات الدينية تابعة له ، وكان هو – رحمه الله – المشرف عليها ، المسئول عنها في الداخل والخارج ؛ فمن الوظائف الشرعية التي كان هو المرجع فيها والرئيس لها :

 – رئاسة دار الإفتاء .

 – رئاسة القضاة ؛ وهي وزارة العدل حاليًّا .

 – رئاسة هيئة التمييز .

 – رئاسة الكليات والمعاهد العلمية .

 – رئاسة الجامعة الإسلامية .

 – رئاسة تعليم البنات .

 – رئاسة المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي .

 – رئاسة المعهد العالي للقضاء .

 – رئاسة دور الأيتام .

 – رئاسة الإشراف على نشر الدعوة الإسلامية في أفريقيا .

 – خطابة الجامع الكبير والعيدين وإمامة مسجد الشيخ عبد الله .

 – رئاسة مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية ؛ التي تخرج عنها مجلة الدعوة المعروفة . والشيخ أسسها لتكون مؤسسة للدعوة ، والمجلة أحد نشاطاتها ، لكنها بعد وفاة الشيخ قصرت في بعض أنشطتها وغير ذلك من الوظائف والأعمال الدينية التي حملها بعده بضعة عشر رجلًا وما أبلوا بلاءه فيها ، رحم الله الميت وأسأل الله أن يرفع ويوفق الحي .

والكلام عن الدوائر الشرعية ودور الشيخ – رحمه الله – في تأسيسها يطول ، وكذلك دوره في الإفتاء .

حياته الدعوية :

نذكر بعض جهاد الشيخ رحمه الله في الدعوة إلى الله وبذله في ذلك ، فنقول على وجه الاختصار :

1 – ابتدأ الشيخ رحلته في الدعوة إلى الله وسفره بأن أرسله الملك عبد العزيز إلى الغطغط ، وكانت مجمعًا للإخوان الذين جاهدوا مع الملك عبد العزيز وقد صار عندهم اجتهادات خالفوا فيها العلماء ونظرات تجاوزوا فيها ، وكانوا يعتدّون برأيهم ، ولم يهتدوا بهدي العلماء ، فكان من الحق الذي لهم أن يبعث إليهم عالِمًا داعية يحسن الدعوة وقدمه راسخة في العلم ، لعل الحجة تنفع ، ولعل الدعوة تنجح ، وكانت رحلة دعوية إرشادية قضائية ، وذلك سنة 1345 هـ ، أي كان عمره إذ ذاك نحوًا من أربع وثلاثين سنة ، فمكث عندهم ستة أشهر ، صاحبه فيها أخوه الأصغر الشيخ عبدالملك بن إبراهيم رحمه الله كاتبًا ومرافقًا ، وحمل معه كتبًا للمطالعة والمراجعة ، فشرح للإخوان هناك أصول التوحيد وضوابط التكفير وبيّن لهم عبارات أئمة الدعوة وفسرها, واحتج لهم بالنصوص الشرعية ، وقعَّد لهم ذلك ، ودلل وشرح لهم الآيات والأحاديث ، وأفادهم في ذلك علمًا وعقلًا .

وقد استفاد منه هناك مجموعة رجعوا عن أمرهم ، ولكن – ولله الأمر – بثت فيهم روح الشقاق وعدم القناعة بكلام أهل العلم ، فعلم الشيخ أنهم يكيدون له وأنهم يرومون قتله كما أخبره مخبر منهم ، فأمر بتجهيز مطيته ، وحمل عليها كتبه ليلًا وما خف من متاعه ، ثم تركهم عائدًا إلى الرياض .

2 – كان الشيخ شديد الحرص على العناية بالدعاة ، فمن أبرز تلامذته من الدعاة الشيخ عبد الله القرعاوي ، كان داعية عديم النظير في جنوب الجزيرة ، انتقل إلى المنطقة الجنوبية فأثر فيها وفي أهلها ، فجعلهم متعلمين وجعلهم أكثر استقامة واهتداءً ، وبث فيهم منارات العلم ، وهي مدارس القرآن ، وكان الشيخ – رحمه الله – سندًا للشيخ القرعاوي في ذلك عند الحكومة ، حتى إنه كان يأخذ بيده من ولاة الأمر المال المخصص للمدارس ( الميزانية ) ويسلمه للشيخ عبد الله القرعاوي بيده أيضًا بدون وثائق وبدون إثباتات لذلك ، ولا يراجع فيه ، وليس ثم إثباتات بنوع المصروفات . وبهذه الثقة التي منبعها الاستقامة والدين انطلق الداعية الشيخ عبد الله القرعاوي ، وكان يختلف بين الحين والآخر إلى الرياض شارحًا للشيخ محمد بن إبراهيم ما قام به من عمل هناك ، وما تم من إنجاز ، مبينًا أحوال أهل الجنوب وقربهم إلى الخير وسرعة انتشار الدعوة فيهم .

وهذه النهضة في الجنوب اليوم من آثار تلك الدعوة ، وقل من يعرف جهد الشيخ محمد بن إبراهيم في هذه الدعوة التي انتشرت في الجنوب ؛ فالشيخ – رحمه الله – كان هو السند الأول من الناس للشيخ عبد الله القرعاوي ، وكان يذلل له الصعاب ، ويبين له كيف تكون مرحلية الدعوة وكيف يؤثر فيهم ، وماذا يقرئ وماذا ينشئ من المدارس ، حتى حصل ما حصل من الخير .

3 – أنه كان يحرص على لقاء الدعاة من الأقطار الإسلامية المختلفة في مواسم الحج ، واستضافة بعضهم ومتابعة نشاطاتهم ، وكان يحرص على دعاة التوحيد والسنة خاصة ، ويتعاهدهم بتوجيهه ورأيه فيما ينبغي أن يعملوه أو يخططوه لمستقبل الدعوة السلفية .

4 – اهتمامه برابطة العالم الإسلامي – وكان رئيسًا لمجلسها الأعلى – وما ينبغي أن تُوجَّه جهود علماء المسلمين إليه في اجتماعات الرابطة . وقد ذكر هذا في رسالة بين فيها الأمور التي يجب عقد المجالس والاجتماعات لها ؛ لأن مثل هذه الاجتماعات قد تكون رسمية بحتة ، وقد تكون نافعة مع كونها رسمية ، قال الشيخ رحمه الله في رسالة له يبين ما يجب أن تكون عليه الاجتماعات واللقاءات الرسمية ، منتقدًا الرابطة ، حيث طلبت الرابطة أن يعقد مؤتمر تتبناه رابطة العالم الإسلامي في توحيد الأهلة ، يعني في توحيد نظر المسلمين في الهلال ، وأن يتفقوا على أن يدخلوا شهر رمضان في يوم واحد وألا يكون خلاف في ذلك ، قال الشيخ رحمه الله لهم :

 ” الهام هو النظر في الأصول العظام التي الإخلال بها هادم للدين من أساسه ، وذلك مسائل توحيد الله – جل وعلا – بإثبات ما أثبته لنفسه في كتابه ، وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات ، إثباتًا بلا تمثيل وتنزيهًا بلا تعطيل ، وكذلك توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية ، وكذلك توحيد الاتباع ، والحكم بين الناس عند النزاع بألا يحاكم إلا إلى الكتاب والسنة ، ولا يحكم إلا بهما ، وهذا هو مضمون الشهادتين اللتين هما أساس الملة ؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، بأن لا يعبد إلا الله ، ولا يعبد إلا بما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وألا يحكم عند النزاع إلا بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هذا هو الحقيق بأن يُهتم به وبأن تُعقد المجالس والمجتمعات لتحقيقه وتطبيقه ” . انتهى المراد من تلك الرسالة .

5 – كان الشيخ – رحمه الله – رئيسًا للمعهد الإسلامي في نيجيريا ، وكان هو المشرف على نشر الدعوة في أفريقيا .

6 – كانت المراكز الإسلامية في أوربا ترسل إليه بمشاكلها ، وهو يتابع الأنشطة هناك ، فمما جاء في ذلك مما ضمته فتاوى الشيخ – رحمه الله – أنه قال : ” الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وأصحابه أجمعين ، أما بعد ، فقد اتصل بي الحاج السيد جواد مقدس رئيس جمعية مسلمي بريستول بإنجلترا ، ومعه كتاب من سكرتير الجمعية يعرف فيه بالسيد جواد المذكور ، وقد شرح لي نشاط الجمعية المذكورة في الدعوة الإسلامية ، وطلب مني إعطاءه بعض الكتب ، وقد أعطيناه بعض الكتب الإسلامية والسلفية ، كما طلب أيضًا الإذن له في تعليم القرآن ونشر العلم في تلك الربوع ، وأذنا له في ذلك أيضًا ، سائلًا الله لي وله التوفيق والسداد . التوقيع : مفتي المملكة العربية السعودية ” .

6 – إنشاء مؤسسة الدعوة الصحفية التي تقوم بواجب الدعوة إلى الله ، وقد أصدر الشيخ – رحمه الله – كتابًا مؤرخًا في 23/7/ 1384 هـ في سبب إنشاء مؤسسة الدعوة الصحفية الموجودة الآن ، جاء فيه : ” نظرًا لحالة المسلمين الحاضرة وحاجة الأمة إلى الدعوة الإسلامية ، قد قمنا بتأسيس مؤسسة للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة ، لتأخذ بأيدي الشباب المسلم عن الوقوع في شراك المبادئ الهدامة والأفكار الضالة المسمومة ، ولتبين للناس محاسن الإسلام وصلاحيته لمعالجة جميع المشاكل البشرية في كل زمان ومكان ، ولما كانت الصحافة لها أثرها الكبير في عصرنا الحاضر فقد تقرر أن يصدر عن هذه المؤسسة الصحفية صحيفة يومية تصدر أسبوعيًّا مؤقتًا ، ومجلة شهرية ، علاوة على ما نؤمله في المستقبل القريب – إن شاء الله – من قيام هذه المؤسسة بإرسال الدعاة إلى الله في أنحاء العالم . ولما كان وجود أصحاب السماحة والفضيلة أعضاء المجلس التأسيسي بمكة فرصة نادرة بالنسبة للدعوة الإسلامية أحببتُ أن أخبرهم عن هذه المؤسسة وأهدافها ، راجيًا منهم مساعدتها بإرسال المقالات النافعة والآراء السديدة نحو هذه المؤسسة ، وسوف يصدر العدد الأول من الصحيفة قريبًا بإذن الله ” .

كان الشيخ يروم أن تكون صحيفة يومية إسلامية في هذه البلاد ، ولكن كانت كما ذكر أسبوعية مؤقتًا ، وهي التي استمر عليها الأمر إلى وقتنا الحاضر ، ثم غيرت من كونها صحيفة أسبوعية إلى مجلة أسبوعية .

لقد كان الشيخ – رحمه الله – في دعوته إلى الله متبعًا أصول دعوة الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – من تأصيل التوحيد في النفوس ، والنهي عن الشرك والحث على الالتزام بالسنة ونبذ البدع ، والدعوة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع الشئون ، وإلى تربية النفوس وتزكيتها بالعمل الصالح والاتباع لسلف الأمة ، وكان ديدنه في ذلك ديدن سلف هذه الأمة وأئمة الإسلام العظام ، ولم يكن مبتدعًا في الدعوة ، ولم يأت لهذه البلاد بأمور ليس عليها علماء هذه البلاد ، وليست مما ورّثه أئمة الدعوة لهذه البلاد ؛ إذ إنما تصلح هذه البلاد . . بل إنما يصلح المسلمون جميعًا بالأخذ بالدعوة السلفية الصحيحة ، إذا فقهوا ذلك وعرفوا معالمه وحدوده .

ثناء العلماء والأدباء والمثقفين عليه :

لقد كان الشيخ – رحمه الله – مجمعًا على الثناء عليه فيما أعلم ، وقد ائتلفت القلوب على محبته ، وأذكر فيما يلي بعض ما وقفتُ عليه من ثناء العلماء عليه مما لا أعلمه قد نُشر من قبلُ :

1-             قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – في رسالة له خاصة في ترجمة موجزة للشيخ رحمه الله :

 ” لقد أكرمني الله سبحانه وتفضل علي – وله الحمد والمِنَّة – بأن كنت من أخص تلاميذه ، فلازمته نحو عشر سنين ، من عام 1347 هـ إلى عام 1357 هـ ، ثم تعينت في القضاء بعد ذلك ، ولكني لم أنقطع عن الاتصال به وسؤاله عن كل ما يُشكِل والاستفادة من علومه وتوجيهاته ، إلى أن توفي رحمه الله . وقد حضرتُ له مواقف مشرفة ، وشاهدت منه أعمالًا موفّقة في نفع المسلمين والغَيرة على الإسلام والرد على خصومه . . أجزل الله له المثوبة .

وكان يوصي الطلبة كثيرًا بالدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة ، والجدال بالتي هي أحسن . وكان واسع العلم ، كثير الخوف من الله سبحانه وتعالى ، دقيق الفهم . ومناقبه وفضائله كثيرة جدًّا ” . انتهى كلام الشيخ عبد العزيز بن باز .

2-     وقال الشيخ العلامة ذو الفنون محمد بن الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في رسالة خاصة ترجم فيها للشيخ محمد بن إبراهيم :

 ” عرفنا فيه وفور العلم ، ووفور العقل ، وتمام الحكمة ، والصبر المنقطع النظير ، فهو رحمه الله – فيما أعتقد وأجزم به ، وإن كنت لا أزكي على الله أحدًا – من نوادر الرجال الذين عرفناهم علمًا وحكمًا وعقلًا وحكمة ، فنرجو الله أن يتقبل منه صالح عمله ، وأن يجزيه كل خير ويعلي درجته في الآخرة كما أعلاها في الدنيا ، ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء : 21] ” . انتهى كلامه .

3-             وقال الشيخ سعدي ياسين العلامة الداعية المعروف رحمه الله :

 ” أما سماحة مفتينا الفقيه – تغمده الله برحمته – فقد سلك مسلك أئمتنا الأعلام من علماء السلف ، فكنت وأنا أسمع فتواه تلك كأني أستمع إلى سفيان بن عُيَيْنَة أو ابن عُلَيَّة أو ابن أبي ذئب ، فكان – رحمه الله – متين الحفظ ، مستحضر الآيات ، لا يكاد يشتبه عليه شيء من ذلك ، ولقد رأيته عن كثب بعبادته وأذكاره في ليله ونهاره وحرصه على حضور الجمعة والجماعة ، وإخباته قبل الفجر وبعده ؛ مما حببه إلي وأكبره في نظري . . . ” إلى آخره .

4 – وقد تكلم عنه في رسالة خاصة العلامة الدكتور الداعية السلفي المعروف تقي الدين الهلالي رحمه الله ، فقال في مقدمتها :

 ” هو الإمام العلامة ، بقية السلف وعمدة الخلف ، ناصر السنة ، الأستاذ الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ” .

وتجدر الإشارة إلى أن الشيخ تقي الدين الهلالي قرأ على الشيخ كتاب التوحيد في مكة, فيعد من تلامذته الذين قرأوا عليه التوحيد ، والشيخ – رحمه لله – قرأ على الشيخ تقي الدين الهلالي البلاغة لما كان في مكة أيضًا ، فكان الشيخ تقي الدين الهلالي يقرأ على الشيخ أولًا التوحيد ثم يشرح الشيخ – رحمه الله – له ، وبعد ذلك يقرأ الشيخ متنًا في البلاغة ثم يشرحه الشيخ تقي الدين الهلالي ، وذلك في الأربعينيات أو أوائل الخمسينيات الهجرية بعد الثلاثمائة وألف .

وفاته رحمه الله :

توفي – رحمه الله – عام 1389 هـ . وفي أوائل ذلك العام – أو في أواخر الذي قبله – بدأ بالشيخ – رحمه الله – مرض عُضال كفَّر الله به عنه من خطاياه ، فسافر للاستشفاء إلى لندن ، ولكنه لم ينتفع بالعلاج هناك ، وقد مكث هناك مدة قصيرة . وحدثني بعض من رافقه هناك أنه في آخر أيامه في المستشفى قبل رجوعه إلى الرياض كان قد كره الطعام ، فقدم له كأس لبن فشربه ثم تركه ، فقال له من أعطاه الكأس : إنه طيب . فقال الشيخ رحمه الله : نعم صحيح ولكن ليس بجيد للميت !

رجع إلى الرياض فلازم الفراش ولسانه يلهج بذكر الله والثناء عليه ، لا يفتر عن ذلك ، حتى تم أجله وانتقلت رُوحه وفارقت بدنه في صبيحة يوم الأربعاء قرابة الساعة الثامنة زوالي يوم أربع وعشرين من رمضان سنة 1389 هـ . وكان المصاب به عظيمًا . وصلى عليه ظهر ذلك اليوم – رحمه الله تعالى – أمم من الخلق لا يحصيهم محصٍ . وكان إمام المسلمين في الصلاة علية تلميذه وخاصته سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز .

حزن الناس وألمهم لفراقه :

وقد تسامع الناس بالخبر فتصدعت الأفئدة ، ونكست الأذقان ، فكم من دمعة ترقرقت ، وكم من حزن قضى على أصحابه ، وكم دام بالناس من الحزن ، ولكن قال الناس في مصيبتهم : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فلما سير بجنازته تذكر الناس بعد ذلك جنازة أحمد بن حنبل أو تذكروا جنازة شيخ الإسلام ابن تيميَّة من ذوي الجنائز المشهودة المعروفة في التاريخ ، فلا تحصى الألسنة المترحمة عليه إذ ذاك ، كيف لا وما من أحد إلا وهو شاهد بفضله ، وشاهد بما قدمه للناس عمره كله الذي زاد عن سبعين من السنين ، والنبي – صلى الله عليه وسلم – يقول : «أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الْأَرْضِ»( [1] ) .

وقد تتابع ذوو الأقلام يرثون إمام وقته وشيخ الإسلام في زمانه ، فكم من عالم نثر رثاءه ، وكم من عالم نظم رثاءه ، وكم من مثقف كتب ، وكم من عاقل سطر ، والعجز عن وصف المشاعر سمة الجميع ، فجزاهم الله خيرًا عنه ، ورفع الله درجات الشيخ محمد بن إبراهيم وأجزل له المثوبة ، وألحقه بالأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين ، وأعقبه في ذريته خيرًا ورفع درجته في عليين .



( [1] ) أخرجه البخاري ( 2 / 97 ، رقم 1367 ) ، ومسلم ( 2 / 655 ، رقم 949 ) .

شاركها مع أصدقاءك