بواسطة :
الزيارات : 1٬703 مشاهدة
  • إسم الملف : تفاني السلف في نشر الدعوة
  • عدد الزيارات : 1٬703 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه رب العالمين ، وأشهد أن لا أله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، هو الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمدًا عبد اللَّه ورسوله ، وصفيه وخليله ، نشهد أنه بلغ الرسالة ، وأدَّى الأمانة ، ونصَحَ الأُمَّة ، وجاهَدَ في اللَّه حقَّ الجهاد ، وصلَّى اللَّه وسلم على نبيِّنا كلما صلَّى عليه المُصلُّون ، وصلَّى اللَّه وسلم على نبينا مُحمَّد كلما غَفَل عن الصلاة عليه الغافلون ، وعلى الآلِ والصحب أجمعين .

 أما بعد ، فإنَّ الأصل في نجاح أعمال الدعوة إلى اللَّه أن تكون بالقول والعمل معًا ، وأن يكون القائمون على الدعوة إلى اللَّه ييسرون سبيل الدعوة ويفتحون أبوابها ، وأن يكونوا جميعًا يدًا واحدة في الخير متعاونين على البر والتقوى .

لا شك أن الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – هي مُهمَّة الرسل عليهم صلوات اللَّه وسلامه ، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين – كما عَبَّر العلامَّة شمسُ الدين ابنُ القيم – فإن الأنبياء والمرسلين بُعِثوا بشيء واحد ، ألا وهو الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – الدعوة إلى اللَّه بتقواه ، والدعوة إلى اللَّه بتوحيده ، والدعوة إلى اللَّه باتباع رسوله الذي أُرسل ، والدعوة إلى اللَّه بأن تُطلب مرضاته – جل وعلا – وأن يُبتعد عن سخطاته – سبحانه وتعالى – .

لقد أجمعت الأنبياء والمرسلون جميعًا من لدن آدم ، وهو أول الأنبياء ، ونُوحٍ ، وهو أول الرسل ، إلى خاتَمِ الأنبياء والمرسلين مُحمَّد بن عبد اللَّه – عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام – على البذل في الدعوة إلى اللَّه امتثالاً لأمر اللَّه ، وحَضًّا على نَشْر ما يُحِب اللَّه – جل وعلا – ويرضاه من الأقوال والأعمال التي هي سبيلُ الدعوة ، ولهذا قال – جل وعلا – : ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ[ فصلت : 33 ] .

 وهذا فيه تفضيل للداعي إلى اللَّه – جل وعلا – بقوله مُتْبِعًا القولَ بالعمل ، كما دلت عليه الآية ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ . فلا أحد أحسن قولاً مِمَّن يدعو إلى اللَّه – جل وعلا – ، ولا أحد أحسن قولاً ممن يدعو إلى تعظيم اللَّه ، ويدعو إلى توحيد اللَّه ، ويدعو إلى ترك الشرك ووسائله ، ويدعو إلى اتباع السنة ، ويدعو إلى أن يُطيع الخَلْقُ ربَّهم – جل وعلا – .

ولهذا قال الحسن البصري – رحمه اللَّه – في هذه الآية لما تلاها ، قال : ” هذا حبيب اللَّه ، هذا ولي اللَّه ، هذا صفوة اللَّه ، هذا خِيرة اللَّه ، هذا أحب أهل الأرض إلى اللَّه ، أجاب اللَّه في دعوته ، ودعا الناس إلى ما أجاب اللَّه فيه من دعوته ، وعمل صالِحًا في إجابته ، وقال : إنني من المسلمين ، هذا خليفة الله ” .( [1] )

وهذا كما قال أحد السلف رحمه اللَّه تعالى : ” وَدِدْتُ أن الخلق أطاعوا اللَّه وأن جسمي قرض بالمقاريض ” .( [2] ) وهذا يُظْهِر لك شِدَّة فقه أئمة الدين في القرآن وفي سنة النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – ، ويُظْهِر لك حِرْصَهم الشديد على نشر الدعوة والبذل في أن يطيع الخلق ربهم – جل وعلا – .

فالدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – مقام عظيم ، وشرف كبير ، ومنزلة رفيعة عالية ، اختص اللَّه – جل وعلا – بها الأنبياء والمرسلين ومَن سار على نَهجِهم في هذا السبيل ، لهذا قص اللَّه – جل وعلا – في القرآن سِيَر الأنبياء وسِيَر المرسلين مُنَبِّهًا إلى أنهم كانوا دُعاةً إلى اللَّه – جل وعلا – ، فانظر –مثلاً – إلى قول أول الرسل – عليهم صلوات اللَّه وسلامه – نوح عليه السلام في السورة التي باسمه ” سورة نوح ” حيث قال فيها : ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا[ نوح : 5 – 6 ] .

 فدعاهم – مع أنه المؤيد بالمعجزات والبراهين – ألفَ سَنَةٍ إلا خمسين عامًا ، ليلاً ونهارًا ، ولم ييأس ، ولم يتواكل ، بل كان مُقْبِلاً على هذا السبيل ليلاً ونهارًا ، والنتيجة : ﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَارًا ﴾ .

وأخبر اللَّه – جل وعلا – عن نوع آخر من الدعوة في قِصَّة إبراهيم الخليل – عليه الصلاة والسلام – لَمَّا ناظر قومَه ، كما أُخْبِر عنه في سورة الأنعام في قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ[ الأنعام : 74 ] الآياتِ ، حيث قال فيها مُناظِرًا قومَه : ﴿ فَلَمَّا رَأَى القَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضَّالِّينَ[ الأنعام : 77 ] . قال أهل العلم : كان إبراهيم – عليه السلام – مناظرًا للمشركين بما ذكَر ، لا ناظرًا في الملكوت أو في الدلائل .

لهذا كان من منهج أهل السنة والجماعة أن إبراهيم – عليه الصلاة والسلام – كان في هذه الآيات وما قاله دَاعِيًا إلى اللَّه بالمناظرة وبالْمُحَاجَّة ، لهذا قال في آخرها : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[ الأنعام : 83 ] .

 إن إبراهيم – عليه السلام – دعا إلى اللَّه – جل وعلا – بوجه من أوجه الدعوة ، وهو المناظرة والمجادلة ، وبذل ما بذل في ذلك ، ودعا أباه ، كما في قصته في سورة ” مريم ” ، ودعا قومه كما في قصته في سورة ” الأنعام ” وفي سورة ” الأنبياء ” وفي ” الصافات ” وغيرها ، ودعا الناس إلى ذلك ، فآمن به مَن آمن ، وكان من أعظم من آمن به لوط عليه السلام ، قال تعالى : ﴿ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ[ العنكبوت : 26 ] .

 وهنا يظهر لك أن الأنبياء والرسل – عليهم الصلاة السلام – كانوا أكثر الخلق بَذْلاً في الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – ؛ لأن اللَّه كَلَّفهم بذلك ، وأمرهم به ، كما أمر نَبِيَّه – صلى اللَّه عليه وسلم – بذلك ، فالجميع مأمورون بتبليغ رسالات اللَّه ، والجميع مأمورون بتبليغ الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – وهذا هو سبيل الأنبياء ، وهذا هو هداهم ، وهذا هو هديهم ، وهذا هو سمتهم الذي أوجبه اللَّه – جل وعلا – عليهم ، ونحن مأمورون أن نَقْتدِيَ بهم ، قال – جل وعلا – في حقهم : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّه فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ[ سورة الأنعام : الآية 90 ] . يعني اقْتَدِ بذلك الهُدَى الذي منه أنهم كانوا دُعاةً إلى اللَّه – جل وعلا – .

وخذ يوسف – عليه السلام – مثلاً لذلك ، فيوسف – عليه السلام – في جميع أحواله التي تقلب فيها منذ أن كان في بيت العزيز وما حصل له فيه إلى أن مَكَّنَ له اللَّه – جل وعلا – ، وقَدِم عليه أبوه وأمه وإخوته وخَرُّوا له سُجَّدًا ، كان في هذه المقامات جميعًا داعيًا إلى اللَّه – جل وعلا – ، ولهذا تستطيع أن تسمي سورة ” يوسف ” عليه السلام سورة ” الدعوة ” ؛ لأن أسماء السور ليست توقيفية على الصحيح ، يمكن أن تسميها سورة الدعوة ، أو أن تقول : إن موضوعها هو الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – ، فهذا يوسف – عليه السلام – في السجن كان دَاعِيًا إلى اللَّه – جل وعلا – ، قال تعالى على لسانه : ﴿ يا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّه الوَاحِدُ القَهَّارُ[ يوسف : 39 ] . ولما وصل إلى الْمَلِك وقَرَّبَه كانَ داعيًا إلى اللَّه – جل وعلا – ولَمَّا أتاه إخوتُه كان كذلك ، حتى صارت في هذه السورة سِيرةُ الداعية وخُلُقه ، وفيها ما يكابد الداعية من القِيل والقال والكيد ، وفيها أيضًا صبر الداعية وتَحَمُّله ، وما يعانيه من البلاء في ذلك ، فهي مَحَلٌّ للاعتبار والتدَبُّر والدرس ، لهذا جاء في آخرها لرَبْطِ موضوع السورة بآخرها قول الحق – جل وعلا – : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ[ يوسف : 108 ] .

فقوله : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾ . إشارة إلى ما ذُكر في السورة من أحكام ومن سيرة ليوسف عليه السلام ، فالدعوة إلى التوحيد والصبر على الأذى وبذل النفع والعفو عَمَّن ظلم ، والحرص على فعل الخير ، والتعاون مع الناس على البر والتقوى ، كل هذا سبيل محمد صلى الله عليه وسلم ، ليدعو إلى اللَّه وحده ، لا إلى النفس ، ولا إلى طريقة ، ولا إلى حزب ، ولا إلى جماعة ، وإنما الدعوة إلى اللَّه وحده خالصةً ، ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾ يعني على علم وبينة وبرهان وحُجَّة ، ﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ فكل من اتَّبع محمدًا – صلى اللَّه عليه وسلم – هو على هذا السبيل ، وهو داعٍ إلى اللَّه – جل وعلا – .

لهذا كانت مهمة الأنبياء ومهمة المرسلين الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – بالعلم النافع ، والدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – بالخُلق الكامل ، والدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – بحسن السيرة وحسن السمت وحسن الهَدْي ، والدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – في أي مكان يكونون فيه .

إن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – كان داعيًا إلى اللَّه في منصب الإمامة وولاية الأمر ، وكان داعيًا إلى اللَّه في منصب القضاء ، وكان داعيًا إلى اللَّه في منصب الإفتاء ، وكان داعيًا إلى اللَّه في إمامة الناس في الصلاة ، قال أهل العلم من أهل الأصول : تَصرُّفات النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – بحسب ما كان فيه من العمل ، ففي التبليغ والتشريع كان نَبِيًّا عليه الصلاة والسلام ، وفي تولي أمر الأمة كان ولي الأمر ، وكان إمام المسلمين ، وفي الحرب كان قائد الجهاد ، وفي القضاء كان هو القاضي ، لهذا قال – عليه الصلاة والسلام – عندما كان يقضي : « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِى لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلاَ يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ » ( [3] ) فموقع القضاء هنا كان موقع دعوة وبيانٍ وإرشادٍ وتنبيهٍ للناس بما قاله – عليه الصلاة والسلام – وبأفعاله .

لم يكن يُعْطَى الوَحْيَ في بيان الحق لِمَن مِن المتخاصمين ، ولكن كان يأخذ بالدلائل والأمارات ، ويأخذ بالبينات على ما هو معروف في هذا السبيل ، كان أيضًا إمامًا للناس ، فكان يسمع ما يسمع من الناس فيقول : « أَمَّا بَعْدُ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِى كِتَابِ اللَّهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِى كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ » .( [4] ) وينبه الناس ويَعِظُهم ويَدْعُوهم ، وكان القدوة للناس ، إذا رأى الفقير المحتاج حَثَّ الناس على ذلك . . . وهكذا .

كان – صلى الله عليه وسلم – مرشدًا ، كان يشفع للناس ، أتته – عليه الصلاة والسلام – امرأة ، فأمرها أن تستقيم مع زوجها ، كما في الصحيح فعن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ : لَهُ مُغِيثٌ . كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ ، فَقَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – لِعَبَّاسٍ « يَا عَبَّاسُ ، أَلاَ تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا ؟! » . فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : « لَوْ رَاجَعْتِهِ » . قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ : « إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ » . قَالَتْ : لاَ حَاجَةَ لِي فِيهِ .( [5] ) فالمرأة هنا تعرف مقام النبوة ، هل هو في هذه الحالة مَقام أَمْرٍ ووحي تَجِب الطاعة فيه للرسول – صلى اللَّه عليه وسلم – ، أو هو مقام شفاعة ومقام إرشاد كمقام المفتي أو مقام القاضي أو مقام إمام المسجد ونحو ذلك ؟ سألته : أَمْرٌ هو ؟ يعني من الوحي ، أي أتأمرني به أن أطيع أو غير ذلك ؟ قال : « لا إنما أنا شافع » فقالت : لا حاجة لي به .

 إذن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – كان في جميع أحواله داعيًا إلى اللَّه – جل وعلا – والعلماء ورثة الأنبياء ، كما قال عليه الصلاة والسلام : « إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ » .( [6] )

فالدعاة خاصَّةً هم أهل العلم؛ لأن الدعوة هي وظيفة الأنبياء والمرسلين ، فمن الذي ورث مُحمَّدًا – صلى اللَّه عليه وسلم – ؟ الذي ورثه هم أهل العلم ، وكلما رسخت قَدَم العالم في العلم ورسخت قدم طالب العلم في العلم كلما زاد حظه من وِرَاثة محمد – صلى اللَّه عليه وسلم – ، لهذا كان السلف من الصحابة والخلفاء الراشدين وسادات الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام أحرصَ الناس على الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – وعلى الإرشاد ، وعلى تبليغ الناس الحق ، وحَضِّهم على الخير ، ونَهْيِهم عن الباطل ، وذلك اقتداءً بالنبي – صلى اللَّه عليه وسلم – .

إن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – سيرته سيرةُ دعوة ، فقد كان في مكة داعيًا ، وما ناله من المصائب ونال الصحابة من المشركين إلا لأنهم كانوا يدعون إلى اللَّه – جل وعلا – ؟ فلقد أراد المشركون منه أن يترك دعوته ، قالوا له : يا محمد ، إن أردت مُلْكًا مَلَّكْنَاك ، وإن أَرَدْتَ مَالاً جَمَعْنَا لك مالاً حتى تكون أغنانَا ، وإن أردتَ امرأةً نظرنا إلى أجمل نسائنا جعلناها لك . فقال النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – لهم فيما معناه : « لن أدع هذا الأمر حتى يتمه اللَّه » .( [7] ) وفي الرواية المشهورة وإن كان في إسنادها نظر ، قال لعمه في قصته المشهورة : « واللَّه يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه » .( [8] ) هذا مقام الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – .

فالنبي – صلى اللَّه عليه وسلم – هو إمام الأمة وقدوتها في جميع أحواله عليه الصلاة والسلام ، وخاصة في أعظم مقام ، وهو مقام الدعوة إلى اللَّه ، فمن الذي أمره بذلك ؟ أمره بذلك ربه – جل وعلا – في قوله : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ[ النحل : 125 ] .

وقال له جل من قائل : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه[ يوسف : 108 ] فلن أتركها .

 وقال له أيضًا : ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [ الشورى : 15 ] .

 وقال له – سبحانه وتعالى – : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّه ﴾ [ النساء : 64 ] . فربط الدعوة في نفعها بإذن اللَّه – جل وعلا – .

وهنا ينظر أهل العلم في هذه الفوائد من الآيات وفي سيرة النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – ويعلمون أن الدعوة ليس المراد منها أن تصل فيها إلى هداية الخلق ، إنما أن تَمْتثل أمر اللَّه – جل وعلا – بالدعوة ، فإذا حصلت النتيجة فالحمد للَّه ، وإذا لم تحصل ، فـ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ[ البقرة : 272 ] .

 فالأنبياء وخَاتَمُهم محمد – صلى اللَّه عليه وسلم – بذلوا ما بذلوا في سبيل الدعوة ، ووَرِثه منهم أهل العلم ، وخاصَّة الدعاة إلى اللَّه من هذه الأمة ، فقد بذلوا في ذلك ، لكن لا يعني ذلك أن يتحقق المقصود أو لا يتحقق ، فهم يحرصون على أن ينفعوا الناس وأن يتحقق سبيل الدعوة ، لكن إذا لم يتحقق فالأمر للَّه – جل وعلا – من قبل ومن بعد .

وهنا لنا مثالان عجيبان :

الأول لنوح عليه السلام ، فكم مكث في قومه ؟ مكث ألف سنة إلا خمسين عامًا داعيًا إلى اللَّه ، لكن ما الْمُحِصِّلة ؟ هل كانت الْمُحَصِّلة كبيرة ؟

 قال – جل وعلا – : ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ[ هود : 40 ] . قال المفسرون : آمن معه اثنا عشر رجلا وامرأة ، وأكثر الروايات على أنه ما آمن معه إلا بضع وسبعون ما بين رجل وامرأة ، كل هذا العدد حصيلة ألف سنة ، لكنهم امتثلوا أمر اللَّه – جل وعلا – ، وعبدوا اللَّه – جل وعلا – ببذل الدعوة .

المثال الثاني : محمد بن عبد اللَّه – عليه الصلاة والسلام – مكث في مكة ثلاثة عَشَر عامًا ، وما هي نتيجة الدعوة في هذه السنين ؟ النتيجة كانت قليلة ، حيث آمن نحو خمسمائة من أهل مكة وأهل المدينة ، لكن في العشر سنين التي في العهد المدني حج معه – عليه الصلاة والسلام – مائة ألف أو يزيدون .

فَيُبَيِّن لك ربك – جل وعلا – أن العبرة في الدعوة بالبذل والعطاء ، لكن متى تنفتح القلوب للدعوة ؟ ومتى يدخل الناس في دين اللَّه أفواجًا ؟ ومتى يهتدون ؟ هذا الأمر للَّه – جل وعلا – : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّه يَهْدِي مَن يَشَاءُ[ البقرة : 272 ] . فما على الداعية إلا البلاغ ، قال تعالى : ﴿ إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البَلاغُ[ الشورى : 48 ] . فليس على الرسل البلاغ ، فعلى العلماء أن يبينوا ما كان عليه محمد – صلى اللَّه عليه وسلم – ، وأن يجتهدوا في بيان الكتاب والسنة ، وما أمر اللَّه به ، وما نهى الناس عنه ، ليتبع الناس وليحذروا . لكن أن يستجيب الناس أو لا يستجيبون ؟ ليس ذلك من مهامهم ، إنما عليهم أن يبذلوا الوسع في ذلك .

إن الداعي إلى اللَّه فضيلته عظيمة ، فأجره مضاعف ، وعمله يُنمى له بقدر من اهتدى به ، قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم : « مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا ، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلاَلَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ ، لاَ يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا » .( [9] )

 فقوله : « من دعا إلى هدى » . أي : أن أي نوع من الهدى تدعو إليه فلك مثل أجر من اتبعك لا ينقص ذلك من الأجر شيئًا ، فلو عَلَّمت التوحيد ، وعَلَّمت الصلاة ، وعَلَّمت الخُلُق الحميد ، وعَلَّمت آداب الإسلام ، وعَلَّمت الغَيْرَة على الإسلام ، وعَلَّمْت الدعوة ، وحَثَثْتَ الناس ، وحَفَّظت القرآن ، فلك من الأجر مثلُ أُجور من اتَّبعك ، وللَّه الحمد والمنة .

إن السلف الصالح – رضوان اللَّه عليهم – نشروا الإسلام ، فهم الذين نشروا الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها ، فالصحابة والتابعون وتابعوهم وأئمة الإسلام نشروا ذلك من خلال الفتوحات الإسلامية ، فالصحابة – كما وصفهم ابن مسعود – كانوا أبر الأمة قلوبًا ، وأعمقها علومًا ، وأقلها تَكلُّفًا ، رضوان الله عليهم أجمعين ، لقد نشروا هداية الإسلام بالدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – ، وبذلوا ليلهم ونهارهم ، وتركوا أولادهم ، وتركوا ديارهم لينشروا الدعوة ، كانت مكة والمدينة أحب بلاد اللَّه إليهم ، ولكن تركوها وسكنوا غيرها لنشر الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – كيف انتشرت الدعوة في الشام ؟ انتشرت بهم ، وكيف انتشرت الدعوة في مصر ؟ بهم أيضًا ، وكيف انتشرت الدعوة في العراق وخراسان وبلاد السند وما وراء السند إلى الصين ؟ إنما انتشرت بهم ، فتحوا البلاد بالعلم والدعوة والجهاد فصاروا معلمين .

ذكر أهل العلم في ترجمة ابن عباس – رضي اللَّه عنهما – أن ابن عباس كان يَغْشَى الناس في منازلهم يُعلِّمهم السُّنة ، لَمَّا كان أميرًا لعلي بن أبي طالب في البَصْرة ، وخاصَّة في شهر الإقبال على الخير ، فإذا كان رمضان دخل المنازل يعلم الناس الخير ، ولَمَّا رجع إلى مَكَّة كان المَرْجِعَ للناس في تفسير القرآن ، حتى إنه أقرأ القرآن مئات المرات ، وعرض عليه أحد طلابه – وهو مجاهد بن جبر – القرآن ثلاث عرضات ثلاث مَرَّات يسأله عن كل آية ما معناها ، وكان خادِمُه يقف عند الباب والناس مكتظون خلف الباب فيقول : ” من أراد أن يسأل عن التفسير فليدخل ” . فتدخل أمة من الناس ، فيسألونه فيُعَلِّمُهم فيذهبوا ، ثم يقول : ” من أراد أن يسأل عن السنة فليدخل ” . ثم يقول : ” من أراد أن يسأل عن الفقه فليدخل ” ، ويقول : ” من أراد أن يسأل عن التاريخ فليدخل ” . ويقول : ” من أراد أن يسأل عن الشعر فليدخل . . . وهكذا ، فكان دَاعِيًا ومُعَلِّمًا وناشِرًا لِمَا عَلِمَه .

لقد دعا النبي – صلى الله عليه وسلم – لابن عباس بقوله : « اللَّهم فقه في الدين وعلمه التأويل » .( [10] )

 فهو حَبْر الأمة وترجمانها ، ولو قرأت سيرته لرأيت كيف كان يبذل وقته ونفسه ونفيسه في بذل العلم ونشر الهداية .

لقد كان الخلفاء الراشدون دعاةً إلى اللَّه – جل وعلا – ، وها هو علي – رضي اللَّه عنه – يقول له نبينا – صلى اللَّه عليه وسلم – في قصة فتح خيبر المعروفة : « انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ » ( [11] ) ولا تقل : ” حُمُر ” ؛ لأن ” الحُمُر ” جمع حمار ، ولكن : ” حُمْر ” جمع حمراء ، يعني الإبل الحمراء ، فهي أنفس الأموال عند العرب .

 قال علي – رضي اللَّه عنه – لأبي الهَيَّاج الأسدي : ” ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللَّه – صلى اللَّه عليه وسلم – ؟ قال : بلى . قال : أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالاً إِلاَّ طَمَسْتَهُ وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا – أي عاليًا – إِلاَّ سَوَّيْتَهُ ” .( [12] )

إن الدعوة إلى اللَّه في فهم السلف ليست دعوة إلى الأخلاق فقط ، أو دعوة إلى الأمور العامة ، لا ليس الأمر كذلك ، فأهم شيء في الدعوة إلى اللَّه أن يُدْعَى إلى أعظم حَقٍّ للَّه وهو توحيدُه – جل وعلا – والحفاظ على جناب التوحيد وحمايته ، ثم المحافظة على الفرائض والمحافظة على الأخلاق والمحافظة على السير .

إن عائشة – رضي اللَّه عنها – كان يغشاها الناس ويسألونها عن خُلق رسول اللَّه – صلى اللَّه عليه وسلم – فتخبرهم بما تَيَسَّر لها ، وجاءها مرة بعض الناس – وكانوا علماء من علماء التابعين – في بيتها ، وقالوا لها : أخبرينا عن خُلق رسول اللَّه – صلى اللَّه عليه وسلم – . فقالت : ” كان خُلُقُه القرآنَ ” .( [13] ) يعني أن هَدْيَه وسَمْتَه وخُلُقَه وطريقتَه هي القرآنُ بشموله عليه الصلاة والسلام .

إذا نظرت إلى سِيَر التابعين وَجَدْتَ أن التابعين عَمِلوا على أربع محاور : فمنهم من بذل نفسه في الجهاد في سبيل اللَّه والفتوحات ، فجاهد منهم من جاهد ، ومات منهم من مات ، فمنهم من دُفن على أسوار القسطنطينية ، ومنهم من مات في البحر ، ومنهم من مات في البر ، ومنهم من بذل نفسه في الولايات ، يعني تَوَلَّى إمارةَ بلدٍ فصار على ديوان كذا ، ومنهم من بذل نفسه في تعليم الناس العلم النافع ، ومنهم من بذل نفسه في الوعظ والإرشاد .

إنما انتشر الدين بالبذل والعطاء ، وبُلِّغت رسالة اللَّه بنفوس غالية وبحياة طويلة ذهبت فيها السنين الكثيرة ، بُذلت للَّه – جل وعلا – لا للهوٍ ولا للدعة ، وإنما لنشر الدين .

 إن أمر الدين لا يستقيم إلا بأهل الحق الأقوياء ، وبأهل الأمانة ، الذين يكونون على مستوى المسئولية ، وأن يلون الولايات ، لا يطلبونها ، ولكن يستعينون بها على أداء أمر اللَّه – جل وعلا – ، وهذا يوسف عليه السلام : ﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ[ يوسف : 55 ] فهل قال ذلك رغبةً فيها ؟

 لا لم يقل ذلك لرغبة في الولاية ، ولكن لأجل أن يفتح اللَّه على يديه ما يقي الناس من المصائب في عهده ، من الفقر والعنت .

كذلك السلف لم يكونوا يطلبونها ، لكن إذا جاءت استعانوا باللَّه عليها ، واتقوا اللَّه – جل وعلا – فيها ، فنشروا أمر اللَّه ، وأعانوا على الخير في جميع الولايات التي كانوا ولاةً عليها .

الصنف الثالث : العلماء ، فالعلماء نشروا العلم كلٌّ في مجاله ، فمنهم من نشر علم التفسير ، ومنهم من نشر علم السُّنة ، ومنهم من نشر علم الفقه ، ومنهم ومنهم . . . إلى آخره ، واقرأ ” تذكرة الحفاظ ” للحافظ الذهبي تجد أن فيها جَمْعًا كبيرًا من أهل العلم من وقت التابعين إلى من بعدهم ممن بذل في نشر الدعوة .

الصنف الرابع : الوُعَّاظ ، لكن كان وعظ السلف في سبيل نشر الدعوة وترقيق القلوب بالعلم النافع ، ولذلك ذم أئمة الإسلام القصاص الذين يقصون بجهل ويضربون الأمثلة بجهل ويحكون على غير هُدًى ، وإنما بما اقتدته عقولهم بما يؤثر على الناس ، فهذا مذموم ، ونهى عنه السلف ، لكن كان هناك في السلف وُعَّاظٌ مثل عبيد بن عمير في مَكَّة ، ومثل الربيع بن خُثَيم من تلامذة ابن مسعود – رضي اللَّه عنه – في الكُوفة ، فالربيع بن خثيم كان يبذل نفسه ، فيذهب ويجيء في الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – وفي تعليم العلم ، فأراد أن يربي أبناءه وطلابه مرة على نوع من البذل ، فقال لأهله : اصنعوا لنا خبيصًا . طعامًا كان من أحسن ما يُصنع من الأطعمة ، وكان لا يكاد يشتهي عليهم شيئًا . فصنعوه ، وأرسل إلى جارٍ له مصاب كان به خَبَل ، فجعل يُلْقِمُه ولُعابُه يسيل ، فلما خرج قال أهله : تكلفنا وصنعنا ثم أطعمت هذا ؟ ما يدري هذا ما أكل . قال الربيع : ولكن الله يدري .( [14] )

وكان الربيع بن خثيم يعجبه الحلو فيقول : اصنعوا لي طعامًا . وصُنع له طعام كثير ، فيدعو فَرُّوخَ وفلانًا ، فيطعمهم الربيع بيده ويَسْقِيهم ، ويشرب من شرابهم . فيقال له : ما يدريان ما هذا وما تطعمهما . فيقول : لكن الله يدري . ( [15] )

 فلا تكن الأعمال التي تعملها تريد بها مقابلا ، فإنما تتعامل مع اللَّه – جل وعلا – فهذا وعظ رفيع الدرجة ، وهذا عمل وليس قولاً .

ومن وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان : ” إذا وعظت فأوجز ، ولا تكثر الكلام ، فإن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضًا ، وإنما يغني منه ما وعي عنك ” .( [16] )

 فإذا أردت الدعوة والوعظ فأوجز؛ لأن الكلام الكثير يُنسي بعضه بعضًا ، هذا توجيه من أبي بكر رضي اللَّه عنه لأحد أمرائه .

وكان عبيد بن عمير واعظًا صالِحًا يؤثر في الناس ، وكانت امرأة جميلة بمكة ، وكان لها زوج ، فنظرت يومًا إلى وجهها في المرآة ، فقالت لزوجها : أترى أحدًا يرى هذا الوجه لا يُفْتَن به ؟ قال : نعم . قالت : من ؟ قال : عبيد بن عمير . قالت : فائذن لي فيه فلأفتننه . قال : قد أذنت لك . قال : فأتته كالمستفتية ، فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام ، قال : فأسفرت عن مثل فلقة القمر ، فقال لها : يا أمة ، الله . قالت : إني قد فُتِنْتُ بك ، فانظر في أمري . قال : إني سائلك عن شيء ، فإن أنت صدقتيني نظرتُ في أمرك . قالت : لا تسألني عن شيء إلا صدقتك . قال : أخبريني لو أن مَلَك الموت أتاك ليقبض رُوحكِ ، أكان يَسُرُّك أني قضيتُ لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت . قال : فلو أُدْخِلْتِ في قبرك وأُجْلِسْتِ للمساءلة أكان يَسُرُّك أني قضيتُ لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت . قال : فلو أن الناس أُعطوا كتبهم ، ولا تدرين تأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك ، أكان يَسُرُّك أني قضيت لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت . قال : فلو جيء بالموازين ، وجيء بك لا تدرين تخفين أم تثقلين ، أكان يَسُرُّك أني قضيتُ لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت . قال : فلو وَقَفْتِ بين يدي اللَّه للمُساءلة أكان يَسُرُّك أني قضيتُ لك هذه الحاجة ؟ قالت : اللهم لا . قال : صدقت . قال : اتقي الله يا أمة الله ، فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك . قال : فرجعت إلى زوجها ، فقال : ما صَنَعْتِ ؟ قالت : أنت بَطَّال ونحن بطالون . فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة ، قال : فكان زوجها يقول : مالي ولعبيد بن عمير ، أفسد عَلَيَّ امرأتي ، كانت في كل ليلة عروسًا ، فصَيَّرها راهبةً .( [17] )

إن صلاح السلف كان متمثلا في الوعظ والدعوة بالقول والعمل ، ومتمثلا في البذل ، وكان الله يعلم صدقهم في ذلك ، فلم يكن يخالف باطنُهم ظاهِرَهم ، وإنما يفعلون ما يفعلون ابتغاء مرضات اللَّه – جل وعلا – فصلحوا وصلح الأمر بهم ، فالداعية إلى اللَّه المعلم الواعظ هو من بذل في أي سبيل ، وعليه أن يكون مُتَّبِعًا للسُّنَّة مُتَّقِيًا للَّه – جل وعلا – في ذلك ، ينفع اللَّه به الناس .

إن الإمام مالكًا عِيب عليه في قلة العمل ، فقد كتب عبد الله بن عبد العزيز العمري العابد إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل ويرغب به عن الاجتماع إليه في العلم ، فكتب إليه مالك : ” إن الله – عز وجل – قسم الأعمال كما قسم الأرزاق ، فرُبَّ رجل فتَحَ له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم ، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصيام ، وآخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة ، ونَشْرُ العلم وتعليمُه من أفضل أعمال البِرِّ ، وقد رَضِيت بما فتح الله لي فيه من ذلك ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه ، وأرجو أن يكون كِلانا على خيرٍ ، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم له والسلام ” .( [18] ) يعني بذلك أن سبيل الخير ونشر الدعوة تكاملي ، فلا يُتصور أنه لا بد لنا من أن نكون جميعًا على شيء واحد ، أو أن نكون نسخة واحدة مكررة ، فهذا لا يمكن ، ولكن كلٌّ في مجاله ، وَلْيُعِن بعضُنا بعضًا على الخير ، ولَيْنَهَ بَعْضُنا بعضًا عن الشَّرِّ .

الإمام أحمد كان من أئمة الإسلام العظام ، بل كان في عصره إمام أهل السنة والجماعة بلا منازع – رحمه اللَّه تعالى – وكان بذله في سبيل الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – بذلاً عظيمًا ، رحل لطلب الحديث ولإقرائه ، وكان من تلامذته أبو داود صاحب السنن الذي قال عنه أبو بكر بن جابر خادمه : ” كنت مع أبي داود ببغداد ، فصلينا المغرب إذ قُرِع الباب ففتحته ، فإذا خَادِمٌ يقول : هذا الأميرُ أبو أحمد المُوفَّق يستأذن . فدخلتُ إلى أبي داود فأخبرته بمكانه ، فأذن له ، فدخل وقَعَد ، ثم أقبل عليه أبو داود ، فقال : ما جاء بالأمير في مثل هذا الوقت ؟ فقال : خِلالٌ ثلاث . فقال : وما هي ؟ قال : تَنْتقل إلى البصرة فتتخذها وَطَنًا ليرحل إليك طلبةُ العلم من أقطار الأرض ، فتَعْمُر بك ، فإنها قد خَرِبت وانقطع عنها الناس لِمَا جَرَى من مِحْنة الزَّنْج . فقال : هذه واحدة ، هاتِ الثانية . قال : وتروي لأولادي كتابَ السُّنن . فقال : نعم ، هاتِ الثالثة . قال : وتُفْرِدُ لهم مَجْلِسًا للرِّواية؛ فإن أولادَ الخُلفاء لا يقعدون مع العامَّة . فقال : أما هذه فلا سبيل إليها؛ لأن الناس شريفَهم ووضيعَهم في العلم سواء ” .( [19] ) فرحَلَ إلى البصرة وسكَنَ فيها ونشر عِلْمًا كثيرًا ، ورجع الناس إليها .

وإذا درست حياة الإمام أحمد وجدتَ أنه عمل في سبيل الدعوة في جميع المقامات ، من نشر العلم ، وإقراء الحديث ، ونشر السنة القولية والعملية ، والرحلة ونشر الدعوة والخير إلى أي مكان ، والدفاع عن العقيدة والتوحيد بالقول والعمل وبالتصنيف وبالوقوف في الشدائد ، وبالرد على المخالفين للحق من أهل الأهواء على جميع اختلاف أصنافهم ، وأيضًا من أراد في الدعوة سبيلاً غير مشروع رَدَّ عليه وأنكر عليه ، من ذلك ما كان يسمى في عصره بالتغبير ، والتغبير نوع من الأشعار التي يُزَهَّد بها الناس في الدنيا ويُرَغَّبون بها في الآخرة ، وكانت تُلقى على الناس على وَجْهٍ فيه ألحان ، وربما صاحَبَها طَرْق الجلود القديمة حتى ينفضَّ عنها الغُبار ، فسُمِّيت تلك الطريقةُ تَغْبيرًا ، لكن هذا من الأساليب المخالفة للسنة ومن أساليب البدع ، فنهى الإمام أحمد عنها وقال : أحدثوا شيئًا يقال له : التغبير ، ليس من دين اللَّه .

 إذن ليس هذا سبيل السلف وأئمة الإسلام في أمر الدعوة ، قال رحمه اللَّه تعالى : أحدثوا شيئًا يقال له : التغبير ، ليس من دين اللَّه . فهو ينهاهم عن أن تُسلك سبيلٌ ووسيلة من وسائل الدعوة ليست مشروعة . وهكذا كان أئمة الإسلام جميعًا في جميع أحوالهم .

 والشافعي – رحمه اللَّه تعالى – كان من أهل مكة ، لكنه رحل إلى المدينة وأخذ منها علم مالك بن أنس ، ثم مكث فيها مدة ، ثم رحل إلى العراق وأفتى فيها وعَلَّم ودَرَّس واستفاد ، ثم استقر به الأمر في مصر ، فنشر هناك عِلْمًا كثيرًا ، فالتنقل من بلد لبلد آخر لسنين وسنين أمر صعب على النفس ، وكان الأيسر له أن يجلس في بلده فيكون مكرمًا مُعزَّزًا بين أقربائه لكنه – رحمه الله – أراد أن يملأ الأرض عِلْمًا ، فكان تنقله وترحاله كله في سبيل نشر العلم .

وشيخ الإسلام ابن تيمية أمضى عمره كله في العلم والتعليم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر الخير والدعوة إلى الله سواء في بلدنا هذه وفي مصر والشام . . . وهكذا . فهِمَّة أهل العلم عالية؛ لأن وراثة الدعوة هي وراثة للنبي محمد – صلى اللَّه عليه وسلم – ، لكن شريطة أن تكون الدعوة على المنهاج السليم ، لا أن تكون على أي منهاج يحدثه الناس ، فيجب أن تكون الدعوة على المنهاج السلفي الصحيح في سعته وشموله؛ لأن المفاهيم قد تضيق فيحصر السبيل ، لكن إذا كان العلم وَاسعًا فيكون السبيل واسعًا .

فعليك أيها الداعية أن تنظر وتتأمل في حال أئمة الإسلام والسلف الصالح والصحابة والتابعين وتابعيهم ، واقرأ في السِّير ستجد من ذلك شيئًا كثيرًا .

إذا تَبَيَّن هذا بعد هذه الجولة السريعة ، فنختم بشيء مهم وهو أن الدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – تحتاج منا إلى بذل ولو بالقليل ، فلا يقل أحد : كيف أدعو ؟

 قال العلماء : الدعوة بحسب العلم ، العلماء هم الدعاة ، لكن من عَلِم شيئًا دعا بحسب ما علم ، فإن عَلِم شيئًا بدليله من كلام أهل العلم دعا إليه بحسب ما علم ، ولهذا أقيم معرض وسائل الدعوة لكي يتيح للناس على اختلاف طبقاتهم من الكبار والصغار والرجال والنساء التعرف على وسائلَ كثيرةٍ للدعوة يمكن أن تحملها معك ، فيمكن أن تحمل معك كتابًا صغيرًا ميسرًا يناسب طبقات مختلفة ، ويمكن أن تحمل معك شَرِيطًا ، ويمكن أن تحمل معك أسطوانة مدمجة ، ويمكن أن تحمل معك أسماء مواقع على الشبكة العنكبوتية ” الإنترنت ” ، ويمكن أن تحمل معك أشياء كثيرة من وسائل الدعوة لا تعرفها وأنت في بيتك .

كثير من الناس يرغب أن يكون له بذل وعمل في الدعوة ، خاصة في فترة الصيف ، فوَطِّن نفسك على أن تكون باذلاً في الدعوة ولو بالقليل .

أتاني أحد الناس العام الماضي وقال : أنا أريد أن أسافر في رحلة أو سياحة إلى بعض البلاد ، فماذا تنصح ؟ قلت : أولاً عليك بتقوى اللَّه – جل وعلا – في كل حال ، ثم احرص على أن تبلغ الدعوة وأن تنشر الدعوة ولو ربع ساعة كل يوم . فهيئ أيها الداعي زادك ، فالداعي لا بد له من سلاح ، ولا بد له من زاد ، فاستعد وخذ معك الكتب المناسبة كالأشرطة المناسبة ، وزر مركزًا إسلاميًّا في اليوم مرة ، أو في كل أسبوع مرة ، وتعاون مع الناس واعمل وابذل ما في وسعك .

ولقد زارني ذلك السائل وقال : ربع الساعة ذلك جعلني أستعد أكثر وأكثر حتى أحببت أن أكون من الدعاة إلى اللَّه – جل وعلا – .

 وهذا واقع الدعوة ، فهي مُحَبَّبة إلى النفس وتشرح الصدر ، وتبعث في النفس العزة والكرامة ، وتبعث في النفس القوة ، وتبعث في النفس حب الله وحب رسوله – صلى اللَّه عليه وسلم – والثبات؛ لأنك إذا أعطيت وقتك وجهدك للخير وفي سبيل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر انقلب ذلك بإذن اللَّه – جل وعلا – إليك ثباتًا وعِزًّا وتمسكًا بالحق ، لكن إذا أخليت نفسك ضعفت ، فالإنسان يضعف ، والمرء يجب أن يحرص على الخير .

 فهذا المعرض من فوائده أن تتعرف على وسائل الدعوة المختلفة المشروعة مما كان موجودًا في عهد السلف ، ومما هو موجود في هذا الوقت .

إن وسائل الدعوة منها ما هو مشروع ، ومنها ما ليس بمشروع ، ولا يلزم أن تكون الوسيلة موجودة في زمن النبوة أو في زمن السلف الصالح ؛ لأن الوسائل أحكامها ترجع إلى المصالح المرسلة – كما قال أهل العلم – والبدع تدخل في المقاصد ، والمصالح المرسلة تدخل في الوسائل ، لكن هنا منها وسائل مشروعة ، ومنها وسائل غير مشروعة ، كما قال الإمام أحمد في التغبير وفي غيره ، فإذا كانت الوسيلة مشروعة فلنحرص عليها ، وَلْيَعُدَّ المرء عُدَّته لكي ينشر الدعوة في بيته وفي مجتمعه وفي سفره وفي حضره ، فإن ذلك خير لنا جميعًا في ديننا وفي دنيانا ، وأعظم لأجور الجميع .

أسأل اللَّه – جل وعلا – أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والسداد ، وأن يقينا العثار في القول والعمل ، وأن يغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ، وأن يوفق ولاة أمورنا لما فيه الخير ، وأن يغفر لنا ولهم ولوالدينا ولجميع من له حق علينا ، إنه سبحانه جَوَاد كريم ، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا محمد .

الأسئلة :

سؤال :

 يقول السائل : فضيلة الشيخ ، أحب الدعوة إلى اللَّه منذ طفولتي ، والآن بلغت حوالي ثلاثين سنة ، ولكن حتى الآن حصيلتي قليلة ، فهل تجب عَلَيَّ الدعوة إلى اللَّه أم لا ؟

جواب :

 الحمد للَّه وبعد ، فالدعوة إلى اللَّه يجب أن تكون على علم ، فمن شرط صحتها العلم ، لقول اللَّه – جل وعلا – : ﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّه عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّه وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ[ يوسف : 108 ] . والبصيرة للقلب كالبصر للعين ، وهي العلم ، ولكن العلم يتجزأ ، فالدعوة إلى اللَّه تتجزأ ، والعلم يتبعض ، والدعوة إلى اللَّه – جل وعلا – تتبعض تبعًا له ، فمَن علم شيئًا بدليله وحُجَّته دعا إليه ، فمن علم التوحيد وفضله دعا إليه ، ومن علم شر الشرك نهى عنه ، ومن علم الصلاة دعا إليها ، ومن علم النهي عن المحرمات وعن الكبائر وعن وسائلها نهى عنها . . . وهكذا ، فالدعوة تبع للعلم ، أما الجاهل أو الذي لا يعلم ، فلا يدعُ إلى شيء لا يعلمه؛ لأنه لا بد من العلم ثم الدعوة ، لكن العلم يتجزأ ويتبعض .

سؤال :

 يقول السائل : أردت أن أخدم الدين ، فطلبت العلم ، ولكن لم أُحَصِّل إلا القليل منه ، وذلك بسبب ضعف حفظي وسرعة نسياني ، ما رأيكم هل أستمر أم أنشغل بشيء آخر ؟

جواب :

 أولاً أوصي نفسي وأخي السائل بأن نصلح النية في العلم ، وإصلاح النية في العلم أن تنوي به رفع الجهل عن نفسك ، فلا يكون لأن تنال به شهادة ، ولا أن تلقي محاضرة ، ولا أن تبدأ في درس وتُعلم الناس ، لكن الغرض الأول هو أن ترفع الجهل عن نفسك؛ لأن العلم هو علم باللَّه وبدينِه وبشرعه وبنبيه – صلى اللَّه عليه وسلم – ، هذا هو العلم ، والنية الصالحة فيه هي أن تنوي به رفع الجهل عن نفسك ، وإذا كان كذلك ، فثابر عليه واحرص على أن تكون عَالِمًا ، وأن ترفع الجهل عن نفسك .

المرتبة الثانية : من آنس من نفسه رُشْدًا وقُوَّةَ حَافِظَةٍ وفَهْمًا وبَذلاً فإن عليه أن يصلح النية بأن ينوي رفع الجهل عن نفسه وأن ينوي رفع الجهل عن غيره بتعليمه للعلم إذا تمكن فيه ، لهذا سُئل الإمام أحمد – رحمه اللَّه تعالى – فقيل له : ما النية في العلم ؟ قال : أن تنوي رفع الجهل عن نفسك ، وأن تنوي رفع الجهل عن غيرك . فالذي يطلب العلم ليتصدر أو ليلفت وجوه الناس إليه فهذا – والعياذ باللَّه – يكون وبالاً عليه ، لكن من طلب العلم بنية صالحة أثَّر فيه .

لهذا قال ابن المبارك وغيره : طلبنا العلم وليس لنا فيه نية ، ثم جاءت النية بعد . النية من الإخلاص ، ونية رفع الجهل مطلوبة .

ولقد ذكرت عدة مرات في ذلك قصة ذكرها الخطيب البغدادي في ” الجامع لبيان أخلاق الراوي وآداب السامع ” وهي أنه كان رجل يطلب العلم فلا يقدر عليه ، فعزم على تركه ، فمر بماء ينحدر من رأس جبل على صخرة ، قد أَثَّر الماء فيها ، فقال : الماء على لطافته قد أثر في صخرة على كثافتها ، والله لأطلبن العلم . فطلب فأدرك .( [20] )

 إن العلم ثقيل كما قال تعالى : ﴿ إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا[ المزمل : 5 ] . فما العلم بأخف من الماء وليس القلب بأقسى من الحجر ، فتكرار العلم لا بد وأن يؤثر في القلب فينتفع به صاحبه ، كما فعل هذا ، حيث رجع وأخذ الحديث ففتح الله عليه .

سؤال :

يقول السائل : معالي الشيخ ، هل وسائل الدعوة توقيفية أم لا ؟

جواب :

 لقد نبهت على أن الوسائل من قبيل المصالح المرسلة ، ويتطرق إليها الجواز وعدمه ، أما القول بأنها توقيفية أو غير توقيفية فلا يصح؛ لأن كلمة ” توقيف ” ترجع إلى المقاصد ، فإذا قيل : هذا توقيف ، فيرجع الأمر فيه إلى المقاصد ، فإذا قلنا : الدعوة هل هي توقيفية أم اجتهادية ؟ فنقول : الدعوة توقيفية ، لكن وسيلة الدعوة ترجع إلى المصالح المرسلة ، فهذا الذي ينطبق على تعاريف الأصوليين ، وهذا فرق مهم بين البدعة والمصالح المرسلة ، فعثمان – رضي اللَّه عنه – زاد الأذان الثاني ، ونحن مأمورون بطاعته ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : « عَلَيْكم بسُنَّتِي ، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين ، تمسكوا بها ، وَعَضُّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومُحْدَثات الأمور ، فإن كلَّ مُحْدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة » .( [21] )

لكن هل كانت زيادته في مقصد أو في وسيلة ؟

 قال العلماء : فعله صحيح من قبيل أنه من المصالح المرسلة ، والمصالح المرسلة منها ما يجوز ، ومنها ما لا يجوز ، فإذا كان المقتضي للعمل أو المقتضى للفعل موجودًا في زمن النبوة والطريقة موجودة وتركها النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – ، نقول : لا يصح أن تكون من قبيل الجائز ، فهي بدعة إن كانت في المقاصد ، ولا تجوز إذا كانت من قبيل الوسائل والمصالح المرسلة ، فتكون المصلحة هنا مطلوب نفيها وليس تحصيلها .

سؤال :

 فضيلة الشيخ ، ذكرتَ حديثًا في السيرة ، وهو قوله – صلى اللَّه عليه وسلم – : « واللَّه يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته أو أموت دونه » .( [22] ) وقد ذكرت أن جماعة من أهل العلم قد ضَعَّفوا هذا الحديث ، والسؤال : ما هو الموقف في التعامل مع نصوص السيرة النبوية ؟ وهل يُطبق عليها قواعد الجرح والتعديل ؟

جواب :

 الحمد للَّه وبعد ، ما يروى في السيرة إذا كان يتعلق بالعقيدة أو بالأحكام أو بما يترتب عليه عمل ، فهذا لا بد أن يكون الحديث فيه مَقْبولاً ، إما صحيحًا أو حَسَنًا ، بحسب قواعد أهل الحديث ، أما إن كانت من قبيل السِّيَر والأخبار العامة ، فهذه يتساهل فيها؛ لأن المقصود منها هو ما نُقل ، ونقله أهل العلم ، إلا أن تكون موضوعة أو منكرة أو ما أشبه ذلك فلا يسوغ . وأنا ما ذكرتُ أن جماعة من أهل العلم ضعفوه ، ولكن قلت : إن في إسناده نظرًا .

سؤال :

 يقول السائل ما حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة النافلة وقبل الفريضة ؟

جواب :

 الحمد للَّه وبعد ، الدعاء مطلوب ، وخاصة في أوقات إجابة الدعوة ، كما بين الأذان والإقامة ، فالدعوة فيه لا تُرد كما جاء في السنة ، فإذا صلى المسلم ركعتين ، ورغب أن يدعو بعدها فلا بأس بذلك ، وله أن يرفع يديه في الدعاء؛ لأن رفع اليدين في الدعاء من آداب الدعاء ، وأصل ذلك أن النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – كان مع الصحابة رضوان اللَّه عليهم ، فأَقْبَلَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنَ الْعَالِيَةِ حَتَّى إِذَا مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِى مُعَاوِيَةَ دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلاً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَيْنَا فَقَالَ – صلى الله عليه وسلم – « سَأَلْتُ رَبِّي ثَلاَثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا ، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْتُهُ أَنْ لاَ يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا » .( [23] )

فيستفاد منه أن الدعاء بعد النافلة في المسجد ورفع اليدين بذلك لا بأس به ، وذلك لفعل النبي – صلى اللَّه عليه وسلم – وفعل السلف لذلك ، لكن من أهل العلم من قال : الملازمة لهذا الفعل دائمًا ليس عليها دليل من السنة ، بمعنى أنه كلما صلى رفع يديه ودعا ، جاءت السنة أنه فعل ، لكنه لم يداوم على مثل هذا الفعل ، فالأكمل في حقه أن يفعل حِينًا وأن يترك حينًا ، وإلا فالدعاء بين الأذان والإقامة يُرجى ألا يرد .



( [1] ) تفسير ابن كثير ( 7 / 180 ) .

( [2] ) حلية الأولياء ( 10 / 150 ) .

( [3] ) أخرجه البخاري ( 2 / 952 ، رقم 2534 ) ، ومسلم ( 3 / 1337 ، رقم 1713 ) .

( [4] ) أخرجه البخاري ( 2 / 981 رقم 2584 ) ، ومسلم ( 2 / 1142 رقم 1504 ) .

( [5] ) أخرجه البخاري ( 5 / 2023 ، رقم 4979 ) .

( [6] )أخرجه أحمد ( 5 / 196 ، رقم 21763 ) ، وأبو داود ( 3 / 317 ، رقم 3641 ) ، والترمذى ( 5 / 48 ، رقم 2682 ) ، وابن ماجه ( 1 / 81 ، رقم 223 ) .

( [7] ) انظر تفسير الطبري ( 17 / 555 ) ، وتفسير ابن كثير ( 7 / 163 ) ، وسيرة ابن هشام ( 1 / 292 ) .

( [8] ) سيرة ابن هشام ( 1 / 266 ) ، وذكره الشيخ الألباني في السلسلة الضعيفة ( 2 / 408 ) .

( [9] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2060 ، رقم 2674 )  .

( [10] ) أخرجه أحمد ( 1 / 314 ، رقم 2881 ) .

( [11] ) أخرجه البخارى ( 3 / 1077 ، رقم 2783 ) ، ومسلم ( 4 / 1872 ، رقم 2406 ) .

( [12] )أخرجه مسلم ( 2 / 666 ) .

( [13] ) أخرجه أحمد ( 6 / 91 ، رقم 24645 ) .

( [14] ) الطبقات الكبرى لابن سعد ( 6 / 188 ) .

( [15] ) المعرفة والتاريخ للفسوي ( 1 / 314  ) .

( [16] ) تاريخ دمشق ( 65 / 248 ) .

( [17] ) ذهم الهوى ص ( 265-266 ) .

( [18] ) التمهيد لابن عبد البر ( 7 / 185 ) .

( [19] ) تاريخ دمشق ( 22 / 199 ) .

( [20] ) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ( 4 / 278 ) .

( [21] ) أخرجه أحمد ( 4 / 126 ، رقم 17184 ) ، وأبو داود ( 4 / 200 ، رقم 4607 ) ، والترمذي ( 5 / 44 ، رقم 2676 ) وقال: حسن صحيح . وابن ماجه ( 1 / 15 ، رقم 42 ) . وصححه الألباني في المشكاة 165 .

( [22] ) سبق تخريجه .

( [23] ) أخرجه مسلم ( 4 / 2216 ، رقم 2890 ) .

شاركها مع أصدقاءك