بواسطة :
الزيارات : 1٬192 مشاهدة

عقد هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ بتاريخ

   12/1/1424هـ

الكلام على كتاب عمدة التفاسير

سؤال : يا شيخ ، هل رأيت النسخة الكاملة من تفسير أحمد شاكر المسمى “عمدة التفاسير في اختصار ابن كثير” ؟

الشيخ : هو لم يكملها ، ربما أكملها أحد غيره .

السائل : يا شيخ ، إنهم وقفوا على نسخة كاملة عند أبناء الشيخ ، فالشيخ نفسه قد أكمله ، وذكر الشيخ فيها قوله : انتهيت من هذا التفسير يوم كذا ، تاريخ كذا ، مغرب كذا .

الشيخ : أنت تتحدث عن التي في مصر ، أليس كذلك ؟

السائل : بلى ، ولعلي أُطلعكم عليها -إن شاء الله- .

الشيخ : أشك في هذا .

السائل : والله أنا شككت كثيرًا ، حتى وقفت على هذه النسخة .

الشيخ : لعلك تبني على ما كان ينبغي ، وهو إتمام الكتاب .

السائل : إن شاء الله نأتي بها ، حتى يزول الشك باليقين ، هي مُقَدّمة للشيخ .

الشيخ : من الشيخ ؟ المقدمة هذه في أول الكتاب .

السائل : يقول فيها : لقد انتهيت من هذا التفسير ليكون عمدة .

الشيخ : مَن الذي طَبَعه ؟

السائل : دار الوفاء ، ودار طيبة .

الشيخ : هذا كلام يحتاح إلى تثبت كثير وإعادة نظر .

السائل : يا شيخ ، هل أكملها بناءً على ما سبق من قطع الأجزاء ، أم أن هناك شيئا آخر ؟

الشيخ : لا ، على حد علمي ، إنه لم يكمله .

السائل : يعني بناءً على الأجزاء المطبوعة ؟

الشيخ : لا ، معرفتي بالشيخ ، وبأعمال الشيخ وبكتبه ، أنه ما أكمله ، قد يكون  أكمل قراءة تفسير ابن كثير ، والحذف منه ، يعني وضع خطة العمل ، وهذه مسألة أخرى ، لكنه لم يُتِمّ الاختصار ، والذي طبع الأجزاء الأولى “دار المعارف” في مصر ، وهي بينها وبينهم اتفاق .

السائل : ومكتبة التراث طبعت بعض الأجزاء .

الشيخ : هذا فيه شك ، إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا تأخر كل هذه المدة ؟ هل جاء من عند ابنه سعود ، أو من عند بيته الثاني ؟

السائل : الشيخ ما ذكر أسماء الأبناء .

الشيخ : الشيخ عنده ولد واحد ، والبقية بنات ، أنا أعرفهم كلهم .

السائل : هل اقتنيت من عنده شيئا من الكتب يا شيخ ؟

الشيخ : نعم من عند ابنه سعود ، أخذنا مجموعة من المصوَّرات ، وبعض المخطوطات ، وبعض المصورات ، التي كان يعمل عليها أثناء التحقيق ، وعمدة التفاسير أيضًا .

السائل : ومخطوط ابن كثير الذي اختصر منه الشيخ .

الشيخ : هذه النسخة متوفرة ، وليست نسخة مثالية ، يوجد ما هو أمثل منها ، ولكن هي التي اعتمد عليها الشيخ رشيد رضا في الطبع في التفسير ، واعتمد عليها أصحابه الذين طبعوا عن مطبعة الشعب ، الشيخ محمد البنا ، ومن معه .

السائل : تعني النسخة الأزهرية ؟

الشيخ : نعم النسخة الأزهرية ، طبعها الشيخ رشيد ، وطبع معها البغوي ، وطبعة الشعب ، هذه اعتمدت على النسخة الأزهرية ، وتفسير ابن كثير تختلف نُسخه اختلافا كبيرا جدًّا ، خاصة الأجزاء الثمانية الأولى .

السائل : وأمثل النسخ المخطوطة موجودة في أي مكان ؟

الشيخ : من أمثلها النسخة الأزهرية ، وهي كاملة ، ولكن فيها قَطْع ، وفي تركيا نسخة أحسن منها وأقدم ، محذوف منها قصة العُتبي([1]) عند قوله –تعالى- ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ ﴾ [ النساء : 64 ] ، وهي موجودة في النسخة الأزهرية .

السائل : يمكن أن يُقال : إنّ الحافظ كان يهذب كتابه من حين لآخر ؟

الشيخ : هو من أوله إلى سورة الأنعام عند قوله –تعالى- ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ [ الأنعام : 100 ] ، هذا فيه اختلاف كثير ، وذكر الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في أول العمدة ، في المقدمة ، سبب ذلك ، وهو أن الحافظ ابن كثير –رحمه الله- كان يفسر في المسجد ، للطلاب الحاضرين ، ولم يبدأ في التدوين إلا عند قوله -تعالى- ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ ﴾ [ الأنعام : 100 ] ، وهنا بدأ ابن كثير يُدوِّن بنفسه ، فكتب التفسير ، فاستقام له المنهج بعد ذلك ، ثم إن الطلاب نقلوا عنه تفسيره من أوله الذي كان قد أملاه عليهم ، في عدة مجالس ، وكان بينها بعض الاختلاف ، ثم عاد مرة ثانية في المسودة ، وعاد الثالثة ، فحصل اختلاف كبير جدًّا .

فعلى سبيل المثال تفسير سورة “الفاتحة” فيه اختلاف من حيث الحذف والزيادة بشكل كبير ، والجزء الأول من سورة “البقرة ” أيضا يوجد فيه اختلاف بين النُّسَخ ، إلا أنه يمكن تداركه ، والحمد لله رب العالمين .

طريقة الشيخ شاكر في الاختصار

السائل : هل طريقة الشيخ أحمد شاكر –رحمه الله- في الاختصار جيدة ، أم أن هناك خللا في قضية حذف الأسانيد ، والحكم على الأحاديث ؟

الشيخ : يبقى أنه عَمِل عملًا صالحًا في اختصاره يُؤجَر عليه ، ولكن الاستفادة منه قليلة ، ولذلك فإنه من حين ألَّف كتاب “عمدة التفاسير” قَلَّ مَن يَرجع إليه ، والحال كذلك في كل مختصرات تفسير ابن كثير ، لأن الأصل عليه نور ، فما فيه كله نقولات سلفية ، حتى الإسرائيليات الواقعة فيه ، إما أن يُعَلِّق عليها ابن كثير ، وإما أن تكون موافقة لما قيل في رواية الإسرائيليات وحكاياتها .

سؤال : أحسن الله إليك يا شيخ ، ما هي أفضل الطبعات الموجودة ؟

الشيخ : طبعة دار الشعب ، والطبعة الأخيرة هذه طبعة السلامة .

السائل : يا شيخ ، أحسن منها طبعة أولاد الشيخ ، وإن شاء الله أوريكم إياها .

الشيخ : مَن أولاد الشيخ ؟

السائل : هي مكتبة في مصر ، اسمها مكتبة أولاد الشيخ .

الشيخ : طبعة السلامة جيدة ، والخمسةَ عشرَ جزءا ، أيضًا جيدة .

سؤال : محقق طبعة “السلامة” اعتذر عن عدم استطاعته الحصول على كل النسخ ؟

الشيخ : الأصل أنه لا يستطيع أحد أن يحصل على كل النسخ .

السائل : أصحاب المكتبات يطبعون طبعة البنا ، في ثلاث مجلدات .

الشيخ : نفسها طبعة محمد إبراهيم البنا ؟

السائل : نفسها .

الشيخ : عندكم برنامج يا أبا عبد اللطيف ؟ سنبدأ بالتلاوة لبعض الآيات ، أحسن .

طالب : أعوذ بالله من الشيطان الرحيم ﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ * وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ * وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ * قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ * وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ * إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ [ الأنعام : 29-36 ] .

الشيخ : أحسنت بارك الله فيك ، أصلح الله قلبك ، ونور بالقرآن قلبك ، الله المستعان ﴿ إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ وفي الآية التي قبلها ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ﴾ [ الأنعام : 25 ] فأثبت سمعًا ونفى سمعًا ، ما هو المثبَت ، وما هو المنفي ؟ هذا مَرّ عليكم جميعًا ، ولكن من باب الفائدة .

طالب : ذكرتم في “الواسطية” أن السمع الأول في الآية معناه إدراك المسموع ، أما في الثاني فهو سمع إجابة فالسمع نوعان : إدراك المسموع ، والثاني إدراك فهم .

الشيخ : وفي قوله ﴿ وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا ﴾ [ الكهف : 101 ] أيضا المنفي هو السماع مع الفهم ، وذلك مثل البصر في قوله –تعالى- ﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾ [ الأعراف : 198 ] فأثبت النظر ، ونفى البصر ، ومثل إثباته عقلًا ، ونفيه عقلًا ، ومثل إثباته قلبًا لهم ، ونفيه قلبًا لهم ، وهذا كله يرجع إلى أصل ، وهو أن هذه الآلات والنِّعم ، التي أنعم الله بها على ابن آدم ، إذا لم يستفد منها ، في الغاية التي خُلق من أجلها ، يصح نفيها عنه ، فمن يرى المعجزات ، ولا يؤمن بها ، يُقال : إنه لا يُبصر . ومن يسمع الآيات ، ولا يؤمن بها ، يُقال : إنه لا يسمع . ومن كان له عقل يُدرك به الأمور ، ويفهم به المعاني ، ثم لا يفهم ، يُقال : إنه لا يعقل ، وهكذا ، لأنها لم تحقق الفائدة منها .

والفائدة منها ليست هي الأمور الحيوانية ، بل الفائدة منها هي تعظيم الرب -جل وعلا- وإذا كان له بصر ، وهو لا يبصر الآيات والنذر ، فكأنه ليس له بصر نافع ، ليس له سمع نافع ، ليس له عقل نافع ، فيصح نفيه عنه باعتبار نفي الانتفاع ، وذلك مثلما نفى الإنذار ، وأثبت الإنذار أيضًا .

طالب : إذا أُمِر بها في القرآن ، يكون المقصود بها الأمر الذي هو تحقيق الفائدة منه ، مثل قوله –تعالى- ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾ [ عبس : 24 ] ؟

الشيخ : هذه نبه عليها ابن القيم في كتابين من كتبه ، في “مفتاح دار السعادة ” وفي “طريق الهجرتين” .

قراءة فصل من كتاب مقدمة في أصول التفسير

لشيخ الإسلام ابن تيمية

فصل في تفسير القرآن بأقوال التابعين :

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، قال المصنف -رحمه الله تعالى([2])– : إذا لم تجد التفسير في القرآن ، ولا في السنة ، ولا وجدته عن الصحابة ، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين ، كمُجَاهد بن جَبْر ، فإنه كان آية في التفسير ، كما قال محمد بن إسحاق : حدثنا([3]) أبَانُ بن صالح ، عن مُجاهد قال : عرضتُ المصحف على ابن عباس ثلاث عَرَضات ، من فاتحته إلى خاتمته ، أُوَقِّفه عند كل آية منه ، وأسأله عنها .

وبه إلى الترمذي ، قال : حدثنا الحسين بن مهدي البصري ، حدثنا عبد الرزاق ، عن مَعْمر ، عن قتادة ، قال : ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئا .

وبه إليه قال : حدثنا ابن أبي عمر ، حدثنا سفيان بن عُيَينة ، عن الأعمش قال قال مجاهد : لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود ، لم أحْتَجْ أن أسأل ابن عباس عن كثير من القرآن مما سألت .

وقال ابن جرير : حدثنا أبو كُرَيْب قال : حدثنا طَلْق بن غَنّام ، عن عثمان المكي ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، قال : رأيت مجاهدا سأل ابن عباس عن تفسير القرآن ومعه ألواحه ، قال : فيقول له ابن عباس : اكتب ، حتى سأله عن التفسير كله .

ولهذا كان سُفيان الثوري يقول : إذا جاءك التفسير عن مجاهد ، فحسبُك به .

وكَسَعِيد بن جُبَيْر ، وعِكْرِمة مولى ابن عباس ، وعطاء بن أبي رباح ، والحسن البصري ، ومسروق بن الأجْدَع ، وسعيد بن المُسَيَّب ، وأبى العالية ، والربيع بن أنس ، وقَتَادة ، والضحَّاك بن مُزاحم ، وغيرهم من التابعين ، وتابعيهم ومَن بعدهم ، فتذكر أقوالهم في الآية ، فيقع في عباراتهم تبايُن في الألفاظ ، يحسبها من لا علم عنده اختلافا ، فيحكيها أقوالا ، وليس كذلك ، فإن منهم من يُعبّر عن الشيء بلازمِهِ ، أو نظِيرِه ، ومنهم مَن يَنُصّ على الشيء بِعَيْنه ، والكل بمعنًى واحد ، في كثير من الأماكن ، فليتفطن اللبيب لذلك ، والله الهادي .

وقال شعبة بن الحجاج وغيره : أقوال التابعين في الفروع ليست حجة ، فكيف تكون حجة في التفسير ؟ يعني أنها لا تكون حجة على غيرهم ممن خالفهم ، وهذا صحيح ، أما إذا أجمعوا على الشيء ، فلا يُرْتاب في كونه حجة ، فإن اختلفوا ، فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ، ولا على مَن بعدَهم ، ويُرْجع في ذلك إلى لغة القرآن ، أو السنة ، أو عموم لغة العرب ، أو أقوال الصحابة في ذلك .

الشرح : بسم الله ، والحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ، وبعد :

فَصِلَةً بما سبق من الكلام عن طرق التفسير ، ذَكر –رحمه الله- أن القرآن يُفسر بالقرآن ، ثم يُفسر بالسنة ، ثم يُفسر بأقوال الصحابة ، وهذا قد سبق شرحه وبيانه فيما مضى ، والآن جاء الكلام عن تفسير القرآن بأقوال التابعين ، وبيان أن التابعين -في مأخذهم في التفسير- أخذوا من عدة مصادر ، أو مدارس :

الأول : هو مدرسة ما سمعوه من الصحابة -وهي الأكثر- حيث تجد أن الملازم للصحابي ، يُفسر بتفسيره ، فالملازم لابن مسعود ، يفسر بتفسيره ، والملازم لأُبَيّ ، يفسر بتفسيره ، والملازم لعلي -رضي الله عنهم أجمعين- يفسر بتفسيره ، وكذلك مَن لازَم ابن عباس -رضي الله عنهما- فإنه يفسر بتفسيره .

كما أطال هنا في الكلام على مجاهد ، فهو من أوضح الصور في التزام مدرسة ابن عباس في التفسير .

الثاني : أن يجتهد التابعي في التفسير ، فيفسر باجتهاده ، وهذا الاجتهاد راجع إلى نظره في الآيات ، أو نظره في السنة ، أو إلى ما سمعه ، وتَكَوَّن لديه من علوم مختلفة ، وهذا كثير ، فالاجتهاد عند التابعين كثير ، باعتبار ما سمعوه ، أو اللغة ، أو ما شابه ذلك ، ولهذا كثر اختلافهم ، لأجل كثرة اجتهاداتهم .

الثالث : هو حال التابعي في التفسير ، يعني في أثناء تفسيره ، فهو تارة يفسر فيختصر بكلمة ، لأنه سُئل عنها ، وتارة يُفسر فيطيل ، لأن المقام يقتضي ذلك ، ولهذا قد يستغرب بعض من نظر في تفسير التابعين ، ذلك أن من تفاسيرهم ما هو مقتضب جدًّا ، ومنه ما هو مُطَوَّل ، حيث يسهب في تفسير الآية ، وسبب ذلك هو اختلاف الحال التي فسر فيها ، وهذه الأحوال -في الغالب- لا تُنقل لنا ، وإنما يُنقل لنا القول الذي قاله ، دون الحال ، أو بساط الحال الذي جعل التابعي يُطْنب ، أو يختصر ، كما هو أيضًا في حال الصحابة -رضوان الله عليهم- .

وذكر لك عددًا من أسماء مفسري التابعين ، ممن نُقل عنهم التفسير ، وهؤلاء مشاهير ، وتفاسيرهم منقولة بكتب التفاسير بالأثر .

هذه المدرسة هي مدرسة تفسير القرآن بالقرآن ، وتفسير القرآن بالسنة ، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة ، وتفسير القرآن بأقوال التابعين ، وهي تسمى مدرسة التفسير بالأثر ، يعني أن مَن نَقَل عن الصحابي ، فإنه يكون قد فسر بالأثر ، ومن نقل عن التابعي ، فإنه يكون قد فسر بالأثر ، حتى لو كان تفسير الصحابي أو التابعي اجتهادًا منه في اللغة ، وليس مما نقله .

التفسير بالأثر والتفسير بالرأي

وهناك مدرستان مشهورتان من مدارس تفسير القرآن :

الأولى : مدرسة التفسير بالأثر .

الثانية : مدرسة التفسير بالرأي .

ومدرسة التفسير بالرأي لها عدة مدارس في داخلها ، منها مدرسة التفسير باللغة ، والصحابة -رضوان الله عليهم- اجتهدوا في التفسير باللغة ، وكذلك التابعون ، فسروا باللغة ، ولكن ما نُقل عنهم -حتى ولو كان تفسيرًا لغويًّا- فإنه لا يصنفهم في مدرسة التفسير باللغة ، بل هي مدرسة التفسير بالأثر ، وسبب ذلك أن اجتهادهم في اللغة ليس اجتهادًا راجعًا إلى اجتهاد في اللغة ، ولكن لأن اللغة العربية هي اللغة التي يتكلمون بها ، وهي سَلِيقَتهم وفِطْرتهم ، لم يأخذوها بالتطبع ، مثل ما جاء في مدرسة التفسير بالرأي ، حيث فشا اللحْن ، وفشا الفساد في اللغة ، فيكون تفسير العالم باللغة ، مما تعلّمه من اللغة ، وليس مما طُبع عليه ، ولهذا لم يَعُدَّ العلماء تفاسير التابعين ، ولا تفاسير الصحابة ، من التفاسير اللغوية ، حتى لو كان ما اجتهدوا فيه لغويًّا ، لهذا السبب ، وهو أن تفاسيرهم باللغة كان عن طبع ، وليس عن اجتهاد .

صحيح أنهم فسروا باللغة التي هي طبعهم ، وهي سليقتهم ، لا اللغة التي تعلموها ، كما هو صنيع المتأخرين ، ولذلك لا تجد في تفسيرهم باللغة ، التفسير بالنحو ، ولا تجد فيه التفسير البلاغي ، ولا تجد فيه تفسير ألفاظ اللغة عن طريق الاشتقاق ، الذي شاع عند المتأخرين ، وإنما هو بالسليقة ، فغالب ما ينقلونه من التفسير إنما هو عن الصحابة ، أو عمّن أدركوه من أصحاب السليقة العربية .

وتفاسير التابعين قد يكون فيها اختلاف ، وقد ذكر المصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله تعالى- أن ما اختلفوا فيه ، يَنْدر ، أو يقل أن يكون فيه اختلافُ تضادّ في التفسير الواحد ، وإنما يكون من باب تنوع العبارات ، والمعنى واحد .

فقد يكون بعضهم جاء بالعموم ، وبعضهم خص ، أو بعضهم جاء بفرد من الأفراد ، والآخر أتى به كله ، وهكذا في كل ما اختلفوا فيه ، فيكون اختلافهم من باب اختلاف التنوع .

وهناك أيضا مسألة مهمة ، يجب أن نتعرض لها ، وهي مسألة الإجماع في التفسير ، فهذا أمر يصعب تحقيقه ، بل لا أذكر أن أحدًا من أهل العلم قال : أجمع التابعون على أن تفسير هذه الكلمة بكذا .

ولكن شيخ الإسلام عندما ذكر هذا ، قاله بناءً على افتراض وجوده حتى لو كان نادرا ، فإنهم إن أجمعوا على شيء فالحجة ، فيما أجمعوا عليه ، لكن في الواقع لم يُنقل عن التابعين الإجماع في تفسير آية ، بينما نُقِل هذا عن الصحابة -رضوان الله عليهم- .

ولهذا صار خلاف المفسرين والأئمة في التفاسير ، لتفاسير التابعين سائغًا ، لأنهم اختلفوا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فإن المجتهد عليه أن يرجع إلى الحجة من القرآن ، أو الحجة من السنة ، أو طرق التفسير الأخرى ، فتفاسير التابعين ليست حجة إلا في حال إجماعهم .

وهذه حال خيالية ، كما قال الإمام أحمد : مَن ادعى الإجماع فقد كذب ، لعل الناس قد اختلفوا([4]) . لأن الإجماع في المسائل الفرعية صعب ، فكيف الحال في المسائل العلمية ، كالتفسير عند التابعين ، لا سيما وأن مدارس التابعين في التفسير مختلفة متباينة ، فهناك مدرسة مكة ، ومدرسة المدينة ، ومدرسة الكوفة ، ومدرسة البصرة ، ومدرسة الشام ، وهي تفاسير -لا شك- أنها عرضة للاختلاف الكبير .

ويمكن أن نقول : إن تفاسير التابعين تتميز بعدة ميزات ، منها :

أولا : أنها لا خلْط فيها من حيث النواحي العقدية ، بل تفاسيرهم فيما يتعلق بالاعتقاد صحيحة ، وهذا الذي جعل عددًا من أئمة السُّنة ينقلون بعض تفاسير التابعين في كتب العقيدة والسنة ، مثل ما يُروى عن عكرمة ، وعن مجاهد ، في بعض المسائل التي منها مسألة الإجْلاس([5]) ونحوها ، فالأصل أنه لا يقع عندهم خلل فيما يذكرونه في أبواب الغيبيات ، وهذه ميزة لتفاسيرهم .

قد يكون هناك نزاع بين أهل السنة في مسألة مما نُقل عنهم ، ولكن الأصل السلامة فيما نقلوه في مسائل الاعتقاد ، لأنهم مؤتمنون على ذلك بما أثنى الله عليهم ، وأثنى عليهم به رسوله -صلى الله عليه وسلم- .

ثانيا : أن كلامهم قليل في الألفاظ ، كثير المعاني ، كَسِمَة تفاسير الصحابة ، حيث تجد أن تفاسير التابعين -إذا تأملتها- يمكن أن تُخرج من التفسير إشارة ، أو معنًى كبيرا جدًّا ، يتطرق له الداعية ، أو العالم ، أو الوعظ ، وهكذا في كلمات وجيزة ، كثيرة المعاني .

ثالثا : أن تفاسيرهم لا تخالف اللغة ، فتفاسير التابعين متفقة مع اللغة ، بخلاف تفاسير مَن أتى بعدهم ، فإنها قد فشا فيها اللحن ، فقد يقع الخلل في التفسير اللغوي عندهم .

رابعا : من مزايا تفاسير التابعين بشكل إجمالي ، أن كثيرا منها دونت ، وأصبحت تُنقل من طريق صُحف ، أو من طريق أسانيد ثابتة ، فتفسير مجاهد منقول بإسناد معروف عنه ، أو صحيفة مجاهد نفسها ، فهي منقولة بإسناد واحد .

وكذلك كبار المشاهير من مفسري التابعين ، فإما أن يكون عنده صحيفة في التفسير مكتوبة ، أو يكون هناك وِجادة ، منقول عنها في التفسير ، فتكون الأسانيد الأخرى التي نُقلت عنه في التفسير قليلة .

وهذا بخلاف تفاسير الصحابة ، فإن الكتابة عنهم غير موجودة ، إلا ما ذكر عن ابن عباس ، وعن علي ، وعن ابن مسعود ، وهي قليلة ، كما أنها ليست شاملة كتفاسير التابعين ، والأسانيد أيضًا متنوعة عن الصحابة ، بخلاف أسانيد التابعين .

هذا بعض ما يحضرني من مزايا تفسير التابعين -رحمهم الله تعالى- .

سؤال : هناك كثير من الآيات ، يفسرها كثير من التابعين بمعنى واحد ، إلا أن هناك تغايرا في العبارة ، فهل هذا يعتبر إجماعا ، أو خارجا عنه ؟

الشيخ : لا ، هذا لا يعتبر إجماعا ، لأن الإجماع هو أن يكون كل من عُرف بالتفسير من التابعين ، نُقل إليه تفسير الآية عن غيره فوافقه ، وهكذا حتى يتفقوا جميعا على تفسير واحد ، ونحن نجد أن تفسير الآية يُنقل عن واحد ، أو اثنين فقط ، فلا يسوغ لنا أن نقول : إن البقية الذين لم ينقل كلامهم ، متفقون معهم في ذلك .

سؤال : وكذلك في تفاسير الصحابة أيضًا ؟

الشيخ : نعم هو كذلك ، فعدم ذكر الخلاف ، لا يعني الإجماع ، وهذا يسميه بعض العلماء إجماعا سُكُوتِيًّا ، وبعضهم يقول : لم يُعلم لهم مخالف ، فكان إجماعًا . وهذه كلها فيها تَجَوُّز ، وليست موافقة لشروط الأصوليين في مسألة الإجماع .

الكلام على قراءة ابن مسعود

سؤال : ما معنى قول مجاهد : لو كنت قرأت قراءة ابن مسعود ، لم أحْتَجْ أن أسأل ابن عباس ؟

الشيخ : لأن قراءة ابن مسعود مُفَصَّلة ، فهو يقرأ الآية ، ويقرأ معها التفسير ، يعني يضيف بعض كلمات فيها تفسير ، ولذلك اشتبه هذا على عدد من المتأخرين ، بأن يعتقد أن هذه الزيادات في قراءة ابن مسعود ، وهذا ليس بصحيح ، إنما هي من تفسيرات ابن مسعود ، مثل الآية المشهورة ، قال ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ [ النساء : 12 ] مِنْهُ . هذه في قراءة ابن مسعود ، وهي تفسيرية ، ليست في قراءته ، ولكن يُقال بالتجوز : إنها في قراءة ابن مسعود ، فابن مسعود كان يفسر ، يعني يقرأ ويفسر ، وهذا له أمثلة كثيرة ، وقد ذكر كثيرًا منها الحافظ ابن أبي داود في كتابه “المصاحف([6])” يعني أطنب في هذه المسألة .

تفسير القرآن بالرأي

قال شيخ الإسلام –رحمه الله-([7]) : فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام ، حدثنا مُؤَمَّل ، حدثنا سفيان ، حدثنا عبد الأعلى ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»([8]) .

حدثنا وَكِيع ، حدثنا سفيان ، عن عبد الأعلى الثعلبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» .

وبه إلى الترمذي قال : حدثنا عبد بن حميد ، حدثني حِبان بن هلال ، قال : حدثنا سهيل أخو حزم القُطَعِي قال : حدثنا أبو عمران الجَوْنِي ، عن جُنْدُب ، قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ»([9]) . قال الترمذي : هذا حديث غريب ، وقد تكلم بعض أهل الحديث في سهيل بن أبي حزم .

وهكذا روى بعض أهل العلم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيرهم ، أنهم شددوا في أن يُفَسَّر القرآن بغير علم .

وأما الذي رُوي عن مجاهد وقتادة ، وغيرهما من أهل العلم ، أنهم فسروا القرآن ، فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن ، وفسروه بغير علم ، أو مِن قِبَل أنفسهم ، وقد روي عنهم ما يدل على ما قلنا ، أنهم لم يقولوا شيئا مِن قِبَل أنفسهم بغير علم ، فمن قال في القرآن برأيه ، فقد تَكَلَّف ما لا علم له به ، وسلك غير ما أُمِر به ، فلو أنه أصاب المعنى في نفس الأمر لكان قد أخطأ ، لأنه لم يأت الأمر من بابه ، كمن حكم بين الناس على جهل ، فهو في النار ، وإن وافق حكمه الصواب في نفس الأمر ، لكنه يكون أخف جُرما ممن أخطأ ، والله أعلم .

وهكذا سمى الله –تعالى- القَذَفَة كاذبين ، فقال ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ﴾ [ النور : 13 ] ، فالقاذف كاذب ، ولو كان قد قذف مَن زنى في نفس الأمر ، لأنه أخبر بما لا يحل له الإخبار به ، وتكلف ما لا علم له به ، والله أعلم .

ولهذا تحرّج جماعة من السلف من تفسير ما لا علم لهم به ، كما روى شعبة ، عن سليمان ، عن عبد الله بن مُرَّة ، عن أبي مَعْمَر ، قال : قال أبو بكر الصديق : أي أرض تُقلّني ، وأي سماء تُظِلُّني ، إذا قلت في كتاب الله ما لم أعلم([10]) ؟

وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : حدثنا محمود بن يزيد ، عن العَوَّام بن حَوْشَب ، عن إبراهيم التيمي : أن أبا بكر الصديق سُئل عن قوله ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ [ عبس : 31 ] . فقال : أي سماء تظلني ، وأي أرض تقلني ، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم ؟ منقطع .

وقال أبو عبيد أيضا : حدثنا يزيد ، عن حميد ، عن أنس : أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبُّ ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر([11]) .

وقال عَبْدُ بن حُمَيْد : حدثنا سليمان بن حَرْب ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس قال : كنا عند عمر بن الخطاب ، وفي ظهر قميصه أربع رقاع فقرأ : ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ فقال : ما الأب ؟ ثم قال : إن هذا لهو التكلف ، فما عليك ألا تَدْرِيَه([12]) .

وهذا كله محمول على أنهما -رضي الله عنهما- إنما أرادا استكشاف علم كيفية الأب ، وإلا فكونه نبتًا من الأرض ظاهر ، لا يجهل ، لقوله -تعالى- ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴾ [ عبس : 27-30 ] .

وقال ابن جرير([13]) : حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن عُلَيَّة ، عن أيوب ، عن ابن أبي مُلَيْكَة : أن ابن عباس سُئل عن آية ، لو سئل عنها بعضكم لقال فيها ، فأبى أن يقول فيها . إسناده صحيح .

وقال أبو عُبيد([14]) : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، عن أيوب ، عن ابن أبي مُلَيْكة ، قال : سأل رجل ابن عباس عن ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ [ السجدة : 5 ] فقال له ابن عباس : فما ﴿ يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [ المعارج : 4 ] ؟ فقال الرجل : إنما سألتك لتحدثني ، فقال ابن عباس : هما يومان ، ذكرهما الله في كتابه ، الله أعلم بهما ، فكره أن يقول في كتاب الله ما لا يعلم .

وقال ابن جرير([15]) : حدثني يعقوب -يعني ابن إبراهيم- حدثنا ابن علية ، عن مهدي بن ميمون ، عن الوليد بن مسلم ، قال : جاء طَلْق بن حبيب إلى جُنْدُب بن عبد الله ، فسأله عن آية من القرآن ، فقال : أُحَرّج عليك إن كنت مُسْلِمًا لما قُمتَ عني ، أو قال : أن تجالسني .

وقال مالك([16]) عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيَّب : أنه كان إذا سئل عن تفسير آية من القرآن قال : إنا لا نقول في القرآن شيئا .

وقال الليث([17]) عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب : أنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن .

وقال شعبة([18]) عن عمرو بن مرة قال : سأل رجل سعيد بن المسيب عن آية من القرآن ، فقال : لا تسألني عن القرآن ، وسل من يزعم أنه لا يخفي عليه منه شيء . يعني عكرمة .

وقال ابن شَوْذَب([19]) : حدثني يزيد بن أبي يزيد قال : كنا نسأل سعيد بن المسيب عن الحلال والحرام ، وكان أعلم الناس ، فإذا سألناه عن تفسير آية من القرآن ، سكت كأن لم يسمع .

وقال ابن جرير([20]) : حدثني أحمد بن عَبْدَة الضَّبِّيّ ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا عبيد الله بن عمر ، قال : لقد أدركت فقهاء المدينة ، وإنهم ليُعَظّمون القول في التفسير ، منهم سالم بن عبد الله ، والقاسم بن محمد ، وسعيد بن المسيب ، ونافع .

وقال أبو عبيد([21]) : حدثنا عبد الله بن صالح ، عن الليث ، عن هشام بن عُرْوَة ، قال : ما سمعت أبي تأوَّل آية من كتاب الله قط .

وقال أيوب([22]) وابن عَوْن وهشام الدَّسْتَوائي ، عن محمد بن سيرين قال : سألت عَبِيدة السَّلْماني عن آية من القرآن ، فقال : ذهب الذين كانوا يعلمون فِيمَ أنزل من القرآن ، فاتق الله وعليك بالسداد .

وقال أبو عبيد([23]) : حدثنا معاذ ، عن ابن عَون ، عن عبيد الله بن مسلم بن يسار ، عن أبيه ، قال : إذا حدثت عن الله فقف حتى تنظر ما قبله وما بعده .

حدثنا هُشَيْم([24]) ، عن مُغيرة ، عن إبراهيم ، قال : كان أصحابنا يَتَّقون التفسير ويهابونه .

وقال شُعبة([25]) عن عبد الله بن أبي السَّفَر ، قال قال الشعبي : والله ما من آية إلا وقد سألت عنها ، ولكنها الرواية عن الله .

وقال أبو عبيد([26]) : حدثنا هشيم أنبأنا عمر بن أبى زائدة ، عن الشعبي ، عن مسروق ، قال : اتقوا التفسير ، فإنما هو الرواية عن الله .

فهذه الآثار الصحيحة ، وما شاكلها عن أئمة السلف ، محمولة على تَحَرُّجهم عن الكلام في التفسير ، بما لا علم لهم به ، فأما مَن تكلم بما يعلم من ذلك -لغة وشرعا- فلا حرج عليه ، ولهذا روى عن هؤلاء وغيرهم أقوال في التفسير ، ولا منافاة ، لأنهم تكلموا فيما علموه ، وسكتوا عما جهلوه ، وهذا هو الواجب على كل أحد ، فإنه كما يجب السكوت عما لا علم له به ، فكذلك يجب القول فيما سُئل عنه مما يعلمه ، لقوله –تعالى- ﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ ﴾ [ آل عمران : 187 ] ، ولما جاء في الحديث المروي من طرق : «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»([27]) .

وقال ابن جرير([28]) : حدثنا محمد بن بشَّار ، حدثنَا مُؤَمَّل ، حدثنا سفيان ، عن أبى الزِّنَاد ، قال قال ابن عباس : التفسير على أربعة أوجه : وجه تعرفه العرب من كلامها ، وتفسير لا يُعْذر أحد بجهالته ، وتفسير يعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله ، والله -سبحانه وتعالى- أعلم .

الشرح :

هذا ختام هذا الكتاب العظيم المفيد جدًّا ، المسمى “مقدمة في أصول التفسير” وذكر فيه مسألة التفسير بالرأي ، والتفسير بالرأي ، معناه : أن يُفسَّر القرآن بلا حجة ، ولا دليل يرجع إليه ، وإنما بمجرد رأي رآه هو ، فليس له ما يدل على كلامه من القرآن ، ولا من السنة ، ولا من أقوال الصحابة ، ولا من اللغة ، ولا من السياق والسِّباق ، وإنما هو رأى رأيًا ففسر به ، وهذا قول بلا علم .

القول على الله بغير علم قرينة الشرك

والله -جعل وعلا- جعل القول عليه بلا علم قرينة الشرك به ، لأن الشرك أيضًا قول على الله بلا علم ، فلا يحل لأحد أن يُفَسِّر القرآن بمجرد رأيه ، فالتفسير بالرأي المجرَّد مذموم ، ومنهي عنه ، لأنه داخل في القول على الله -جل وعلا- بلا علم .

فالذي يُفسر بالرأي ، بغير دليل يستدل به ، وإنما هو مجرد شيء بَدَر له ، وظهر بدون حجة ، لا نَقْلية ، ولا لُغَوية ، آثم ، ولهذا جاء الوعيد في عدة أحاديث ، لمن فسر القرآن برأيه ، أو قال فيه بغير علم ، وقد مر بنا شيء منها .

فتبين أن الرأي المذموم هو الذي ليس عليه علم ، وهو الذي صار إليه شيخ الإسلام في آخر الكلام ، بعد النقول الكثيرة عن السلف : عن أبي بكر -رضي الله عنه- بعد أن ساق الآثار والأحاديث ، فيمن قال في القرآن بغير علم ، ذكر قول أبي بكر ، وإسنادها عن أبي بكر حسن ، أما عن عمر ، فهي لا تثبت في قوله ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴾ [ عبس : 31 ] ، وإنما هي أقرب عن أبي بكر ، لتعدد روايتها عنه ، وفيها التحذير الشديد من أن يُقال في القرآن بغير علم .

أما إذا احتج بآية ، أو بسنة ، أو بِلُغة ، فإن هذا عِلم يصح أن يُفسر به ، وهذا هو الذي صار من الصحابة -رضوان الله عليهم- فقد اجتهدوا بناءً على فهم فهموه ، فهو قول في القرآن بعلم ، وليس بغير علم ، فيُحمل ما روي عنهم من النهي عن تفسير القرآن بالرأي ، أو أن يقول قولًا في القرآن ، بأن هذا القول هو الذي لا يستند إلى حجة أو دليل ، أما ما يستند إلى حجة ، أو دليل عند صاحبه ، فهو مأذون له به ، كما هو شائع في تفاسير العلماء في هذا الصدد .

إذا تبين ذلك ، فيجب الحذر الشديد من أن يُقدم أحد على تفسير القرآن بغير علم ، فلا يقدم على هذا من لا يحفظ القرآن ، إذ لا يستطيع أن يحمل بعض الآيات على بعض ، وفهم لمعانيها ، أو مَن لا معرفة له بالسنة ، أو باللغة ، وإنما هو يفسر بحسب وَجْدِه ، أو ما يطرأ له ، كل هذا يدخل تحت الوعيد الوارد في هذا الباب .

فالعلم الذي تكون معه النجاة ، في هذا الأمر ، بحيث يستطيع أن يفسر بعلم ، ويكون تفسيره مقبولًا ، أن يراجع التفاسير الأثرية أولًا ، كتفسير الحافظ عبد الرزاق الصنعاني -رحمه الله تعالى([29])– وكتفسير الإمام أحمد فيما نقل عنه ، وكتفسير سعيد بن منصور([30]) ، وتفسير ابن جرير([31]) ، وتفسير ابن مَرْدَوَيْه([32]) ، وتفسير ابن المنذر([33]) ، وما أشبهها من التفاسير الأثرية ، وكذلك ما لُخصت فيه هذه التفاسير ، كتفسير ابن الجوزي([34]) ، وتفسير الحافظ بن كثير([35]) وغيرها .

ثم هو مع ذلك لا بد أن يكون عنده بصر بالعقيدة الصحيحة ، التي قررها أئمة الإسلام ، حتى يفهم القرآن عليها .

ولا بد أيضا أن يكون عنده بصر بمواقع التفسير من اللغة ، حتى يعرف الإعراب ، فيعرف المتقدم والمتأخر ، ويعرف طرفًا من علم المعاني ، حتى يعرف فائدة التقديم والتأخير ، وفائدة الحصر ، وفائدة التأكيد ، وفائدة تنوع الحروف ، وأشباه ذلك ، مما هو مُقَرّر في علم المعاني .

فإذا تحققت عنده هذه الأدوات ، فإنه إذا اجتهد يُرجى أن يكون اجتهاده صحيحا .

كما أن تفسير القرآن بالرأي المذموم له صور وأشكال ، فهو مذموم في المسائل الغيبية ، كمسائل صفات الله -جل وعلا- أو الجنة والنار ، أو ما يحصل يوم القيامة ، فالقرآن مملوء بالآيات التي فيها ذكر للغيبيات ، فالإقدام على تفسير هذه الغيبيات بما يخالف قاعدة “أَمِرُّوها كما جاءت” يُعَدّ تفسيرا بالرأي ، إلا ما كان فيه علم مُقْتفًى ، فإن هذا يُصار إليه ، كتفسير الكرسي ، بأنه موضع القدمين ، وتفسير الميزان ، بأنه له كِفَّتان ، وأشباه ذلك .

كما أن التفسير بحمل القرآن على ما يخالف ما علم من الآيات الأخرى ، كصنيع أصحاب المذاهب الرَّدِيّة ، والفرق المنحرفة ، في تفسير بعض الآيات ، بما يخالف آيات أُخَر ، كالآيات التي فيها ثناء على الصحابة -رضوان الله عليهم- حيث لا يأخذون بها ، ثم يفسرون آيات أُخَر ، بتفسير يُضاد هذه الآيات ، وهكذا في مسائل الحلال والحرام ، فإن تفسيرها بما يناقض غيرها ، يُعد من التفسير بالرأي المذموم .

ومن صور التفسير بالرأي المذموم ، التفسير بالتأويل المردود ، فالتأويل قد يكون صحيحًا ، وقد يكون باطلًا ، والباطل هو ما لم يكن فيه حجة لصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه ، فهذا أيضًا يكون تفسيرًا بالرأي ، فمَن صرَف لفظًا عن ظاهره إلى غيره ، دون قرينة ، أو دون حُجَّة ، تدل على ذلك ، كان من التأويل المذموم ، كما هو صنيع أصحاب المذاهب ، والفرق المختلفة .

أقسام مدارس التفسير بالرأي

إذا تبين هذا ، فمدارس التفسير بالرأي عند علماء التفسير ، وعلماء علوم القرآن ، تنقسم إلى قسمين شهيرين :

الأول : التفسير بالرأي المقبول ، على ما ذكرنا .

الثاني : التفسير بالرأي المذموم المردود ، وهو القول على الله بغير علم .

أما التفسير بالرأي المقبول ، فيسمونه بالرأي ، والصواب أن يُقال بالاجتهاد ، وهو ما كانت عناصر الاجتهاد فيه تامة ، أو متوفرة ، وهذا له عدة مدارس ، منها المدرسة الفقهية في التفسير ، فكل أصحاب مذهب فسَّروا القرآن تفسيرًا فقهيًّا ، خاصة في الآيات التي لها صلة بالفقه ، أو بأصول الفقه ، وهذا كثير ، فكلٌّ من الحنابلة والمالكية والحنفية والشافعية ، لهم تفاسير فقهية ، والظاهرية أيضًا لهم تفسير فقهي .

وهذا تفسير بالاجتهاد الفقهي ، الذي له دليله ، ولكن لم يفسر القرآن من حيث هو ، وإنما فسروه بما يوافق المذهب الفقهي ، وهذا داخل في هذه المدرسة .

الثاني : مدرسة التفسير بالاجتهاد النحوي ، وهذا كثير ، ويدخل فيه الكتب المسماة “إعراب القرآن” ، “كإعراب القرآن” للزجاج([36]) ، “ومعاني القرآن” للفراء([37]) ، والتفاسير التي اعتُني فيها بالإعراب “كإعراب القرآن” للعُكْبَري([38]) ، و”تفسير البحر المحيط” لأبي حيان([39]) ، وأشباه هذه الكتب .

الثالث : مدرسة التفسير بالاجتهاد اللغوي ، وهذا التفسير يدخل فيه التفصيل في المفردات ، أو في البلاغة ، وهناك عدد من الكتب التي اعتنت بهذا التفسير ، وقد تشترك مع مدرسة أخرى ، كالمدرسة الفقهية ، أو المدرسة العقيدية ، أو نحو ذلك ، وهذه لها أمثلة متعددة ، كتفسير ابن الجوزي ، وتفسير البحر المحيط ، وتفسير السمعاني([40]) ، وتفسير السمين الحلبي([41]) ، وتفاسير كثيرة في هذا الصدد ، ومن المتأخرين كتفسير الأَلُوسي([42]) ، وما شابهه ، وهذه قد يكون فيها عناية بالبلاغة ، أو عناية بالاشتقاق والمفرادات .

الرابع : التفاسير العقيدية ، وهي التي اعتنت بالاجتهاد ، ولكنها مالت إلى تقرير العقيدة ، ويدخل في هذه المدرسة ، التفاسير العقيدية السلفية ، أو التي تكون تبعًا لأئمة الحديث -رحمهم الله تعالى- والتي توافق ظاهر القرآن ، وهذه يصح أن يُقال فيها : إنها تفسير بالاجتهاد المقبول .

الخامس : المدرسة الأخيرة ، وهي المدرسة الإشارية ، وهي مدرسة للتفسير بالاجتهاد ، ولكن بذكر الإشارة ، ومنها ما هو مقبول ، ومنها ما يدخل في الرأي المذموم في القسم الثاني ، والتفسير بالإشارة سبق أن مر بنا ، ولكن نعيده باختصار .

فهو يصح بأربعة شروط ، ذكرها ابن القيم -رحمه الله تعالى- في “التبيان في أقسام القرآن([43])” ، فقال –رحمه الله- : وتفسير الناس يدور على ثلاثة أصول : تفسير على اللفظ ، وهو الذي ينحو إليه المتأخرون ، وتفسير على المعنى ، وهو الذي يذكره السلف ، وتفسير على الإشارة والقياس ، وهو الذي ينحو إليه كثير من الصوفية وغيرهم ، وهذا لا بأس به بأربعة شرائط : ألا يناقض معنى الآية ، وأن يكون معنى صحيحا في نفسه ، وأن يكون في اللفظ إشعار به ، وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم ، فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطا حسنًا .

والتفسير بالرأي المذموم ، هو كل ما كان الاجتهاد فيه غير متوافر الشروط ، ويدخل فيه كل التفاسير التي يذهب إليها أهل البدع ، مثل تفاسير غلاة الصوفية ، وتفاسير الشيعة ، التي ينحون فيها إلى مَنحى التأويل ، والرأي الذي لا حجة فيه ، مثل تفاسير الباطنية ، وتفاسير المعتزلة والخوارج ، وما أشبه ذلك من التفاسير .

وعلى أية حال ، فتقسيم المدارس يحتاج إلى تفصيل أكثر ، ولكن سبق أن أشرنا إليها .

وقد صار ابن تيمية -رحمه الله- في آخر الكلام إلى ما سبق أن ذكرناه أولا ، وهو أن التفسير بالاجتهاد ، إذا توافرت فيه الشروط ، فإنه لا حرج منه ، وأما إذا كان قولًا بمجرد الرأي ، فهو مذموم ، فليُحذر منه ، لأن القول على الله بلا علم شديد جدًّا ، وكبيرة من الكبائر ، وقد يكون كفرًا ، إذا كان متعلقًا بإباحة ما لم يأذن به الله .

ثم ذكر أن من سُئل عن آية ، ولديه علم ، فإنه يجب عليه أن يجيب ، أو أن يبين المعنى . وهذا ليس على إطلاقه ، وإنما يجب عليه ، إذا لم يكن هناك من يعلمها إلا هو ، أما إذا كان هناك من يعلم الفُتيا ، أو من يعلم التفسير ، فإنه يجوز له أن يمتنع عن الجواب ، وأن يُحيل إلى غيره كما كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يُحيل بعضهم إلى بعض .

أما إذا تعينت عليه ، فإنه يجب عليه أن يُبين ، ولا يجوز له الكتمان ، وإذا لم تتعين عليه ، لوجود من يجيب غيره ، أو بوجود من يبين غيره ، فإنه حينئذٍ له في ذلك مندوحة .

وهذا ختام بيان ما يتعلق بهذه الرسالة النفيسة ، أسأل الله -جل وعلا- أن يرحم مؤلفها وكاتبها ، شيخ الإسلام ابن تيمية ، وأن يجزيه عنا وعن الموحدين خير الجزاء ، وأن يجمعنا به في دار كرامته ، وأن ينفعنا بعلومه ، إنه –سبحانه- جواد كريم .

كما أسأله –سبحانه- أن يُنَوِّر قلوبنا جميعًا ، وأن يُفيض علينا من الفهم الصحيح ، وأن يَقِيَنا العِثار ، ويجنبنا الزَّلل ، وأن يُلزمنا في كل تقوى وطاعة البِدَار ، إنه –سبحانه- خير مسئول ، وهو المعطي قبل السؤال ، والْمُنِيل قبل استحقاق النَّوال -سبحانه وتعالى- تعالى اسمه ، وتقدست أسماؤه ، لا إله إلا هو .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

الأسئلة

السائل : يا شيخ الله نفعنا بعلومكم ، هل يدخل في التفسير الإشاري ، قول مجاهد -رحمه الله تعالى- : إن الله أنزل من الكتب أربعة عشر كتابًا وعادت علومها إلى التوراة والإنجيل والزبور والقرآن ، ثم عادت علوم أربعة إلى القرآن ، ثم عادت علوم القرآن إلى المُفَصَّل منه ، ثم عادت علوم المفصل منه إلى الفاتحة منه ، ثم عادت علوم الفاتحة إلى البسملة منه ، ثم عادت علوم البسملة إلى الباء فيها .

الشيخ : هذا لا يدخل في التفسير الإشاري ، لأن الإشارة -كما ذكرنا- فيها أربعة شروط لصحتها ، وهي غير موجودة هنا ، فالإشارة أن يكون هناك لفظ ، يُقال : إنه إشارة إلى كذا ، أو إشارة إلى معنى . فهذا يصح بشروطه ، مثل قول : الماء إشارة إلى الوحي في بعض الآيات ، كما في قوله –تعالى- ﴿ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [ الحديد : 17 ] فالإحياء هنا ، إشارة إلى إحياء القلوب ، وهذا صحيح ، لأنه قد اجتمعت فيه الشروط ، وهي :

أولًا : أنه لا يشتمل على عقيدة باطلة .

ثانيًا : أن اللفظ المنقول منه ثابت ، يعني الأرض الميتة ثابتة المعنى ، وفيها إشارة مزيدة على ذلك ، يعني إلى القلب ، والقلب أرض ، والإحياء صحيح ، فهذا الربط صحيح ، وذلك مثل تفسير حديث : «إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب ، ولا صورة»([44]) . قال ابن تيمية في تفسيرها([45]) : وإذا كان الملَك لا يدخل بيتا فيه كلب ، فالمعاني التي تحبها الملائكة ، لا تدخل قلبا فيه أخلاق الكلاب المذمومة ، ولا تنزل الملائكة على هؤلاء .

وهذا الربط صحيح ، وأما الأثر الذي ذكرتَه ، فأنا في ظني -إن كان حفظي صحيحًا- أنه لا يصح ، وأنه مما نقله بعض المتصوفة ، لا سِيَّما وأن الباء ليس فيها سر ، فهذا فيه تكلف ، يعني إذا قلنا : إن المقصود بالباء هنا يرجع إلى معنى واحد ، وهو الاستعانة ، وهذه الاستعانة لا ترجع إليها علوم كتب الله -جل وعلا- فالاستعانة بالربوبية هي مفتاح كل خير ، ولكن الباء لا ترجع إليها علوم القرآن جميعًا ، وعلوم الفاتحة جميعًا .

السائل : أمثال هذا التفسير يُنسب إلى أي مدرسة من مدارس التفسير ؟

الشيخ : هذا تفسير بالاجتهاد ، يعني بالرأي ، فإذا استوفى الشروط ، فهو مقبول ، وإلا كان مذمومًا .

السائل : يا شيخ ، نريد ذكر شروط التفسير بالإشارة في نقاط .

الشيخ : هذه الشروط هي :

أولا : ألا يشتمل على عقيدة باطلة .

ثانيا : أن يكون المعنى الأصلي ثابتا .

ثالثا : أن يكون المعنى المنقول إليه أيضًا صحيحا في نفسه ، أو في اللغة .

رابعا : ألا يكون هناك دليل يُبْطل هذه الإشارة .

وعلى أية حال ، فهذه الشروط منقولة من كتاب “التبيان” لابن القيم ، وهو كتاب مهم جدًّا ، قَلَّ مَن يطالعه ، مع أنه فيه علوم كثيرة ، خاصة ما يتعلق بالقرآن وتفسيره ، وفيه فوائد كبيرة جدًّا .

السائل : هل يُشترط في التفسير صحة الإسناد ، وما معنى قول الإمام أحمد : ثلاثة ليس لها أصول ؟

الشيخ : ثلاثة ليس لها أصول : السير والمغازي والتفسير ، يعني أن أكثرها تُنْقل بدون أسانيد .

السائل : إذًا لا تصح إذا لم يكن لها سند ؟

الشيخ :  لا تكون صحيحة من حيث النقل ، لكن قد يكون الإسناد ضعيفا ، والتفسير صحيحا ، فنقول : هذا النقل إلى القائل ، إسناده ضعيف ، ولا يعني كون الإسناد ضعيفًا أن التفسير يكون ضعيفًا في نفس الأمر ، لأن الضعيف قد يَحفظ ، ولكن من باب الاحتياط قلنا : إنه ضعيف ، ولذلك فإننا نتشدد في الحلال الحرام ، في مسألة الأسانيد ، ولكن في أسانيد التفسير لا ينبغي التشدد .

كما أنه ليس كل راوٍ يُحكم عليه ، في باب الحلال والحرام بأنه ضعيف ، أن يكون ضعيفًا في التفسير ، فهناك كثير من الرواة ضِعاف في حفظ أحاديث الأحكام ، ولكنهم أصحاب قرآن .

فقد نبحث عن ترجمة راوٍ مثلا في التقريب([46]) فنجد أنه ضعيف من حيث الرواية ، ولكنه صاحب قرآن ، فإذا كان الإسناد ضعيفًا ، ولكن التفسير في نفسه عن ابن عباس مستقيم ، يعني لا يُستغرب أن يقوله ابن عباس ، لأنه يوافق تفسير الآي ، مِثل تفسير “الأب” بكذا ، فلا نَرُدّ التفسير لكونه مرويا بإسناد ضعيف .

ولذلك فإنا نقول : إن مسألة اللجوء إلى الإسناد في التفسير ، ليس هو الأصل ، فالأصل أن نقبل ما جاء في التفسير ، إلا إذا كان هناك غرابة فيه .

هذا بخلاف ما إذا كان الإسناد منكَرا ، أو موضوعا ، أو نحو ذلك ، فهذا يجب رده ، مثل إسناد الكَلْبي المشهور ، الذي يروى به تفسير ابن عباس الطويل ، المسمى “تنوير المقباس” ، فهذا في إسناده الكلبي والسُّدِّي الصغير محمد بن مروان .

السائل : هل هناك كتاب ذَكَر أجود الأسانيد في التفسير ؟

الشيخ : ما أحفظ كتابا ذكره ، ولكن يمكن أن تطالع جزءا من تفسير ابن جرير الطبري ، فقد يتبين لك ذلك .

السائل : المقولة المشهورة عن الإمام أحمد : ثلاثة علوم لا أصول لها . هل تُكُلِّم في إسنادها ؟

الشيخ : نعم ، ولكني أراها ثابتة .

السائل : ولكن بعض الباحثين ، الذين لهم دراسة فيما يتعلق بالتفسير والمفسرين ، يقول : إنها لم تثبت ؟

الشيخ : بعضهم يقول : إنها لم تثبت ، ولكني أظنها في إحدى مسائل الإمام أحمد لطلابه ، لكن على وجه التحديد لا أدري .

طالب : هذه لم يتفرد بها الإمام أحمد .

السائل : إذا حدث خلاف في تفسير آية معينة ، فكيف يمكن الترجيح ؟

الشيخ : مسألة الترجيح هذه صنعة أخرى ، فالترجيح غير الاجتهاد في التفسير ، وهو يحتاج إلى آلة ، غير آلة الاجتهاد ، فليس كل مَن جاز له الاجتهاد ، يجوز له الترجيح ، فالترجيح صنعة الأئمة والمحققين ، فقد يجتهد شخص في التفسير ، ولا يكون في تفسيره مخالفة .

فقد يكون هناك شخص ، طالع تفسير ابن كثير –مثلا- وفَهِم قدرا كبيرا من كلام السلف ، ثم راح يفسر آية ، فطوَّل في الآية ، فأدخل بعض التفصيلات ، وربط بينها وبين آية أخرى ، أو بينها ، وبين بعض الأحاديث ، وكل هذا لا يخرج عن مضمون كلام المفسرين ، فهذا كله داخل في الاجتهاد ، ولكن هذا لا يعني أنه أهل لأن يُرَجِّح عند الاختلاف ، فالترجيح هذا يحتاج آلة قوية ، ولا يتحقق هذا إلا للمحققين من أهل العلم .

السائل : تفسير “الأب” مروي عن عمر بأسانيد كثيرة .

الشيخ : لكن هي عن أبي بكر أثبت .

السائل : عن أبي بكر أضعف منها عن عمر ، عن عمر قوية جدًّا ، بمجموع طرقها ، وقد قواها بعض الأئمة ، كابن حجر ، وابن المنذر ، وغيرهم .

الشيخ : التي ساقها السيوطي في “الدر المنثور” عن أبي بكر ، أكثر من التي ساقها عن عمر ، فقد تعددت عن أبي بكر .

السائل : ابن حجر في “فتح الباري” ساقها عن عمر ، بطرق كثيرة ، ثم حكم عليها بأن إسنادها جيد .

الشيخ : بمجموعها ؟

السائل : لا ، قال : وأسانيدها جيدة .

الشيخ : والتي عن أبي بكر ؟

السائل : قال : ليس لها سند متصل ، ولكن تُقبل بمجموع طرقها .

الشيخ : هي مصححة عن عمر دون أبي بكر ؟



([1]) انظرها في تفسير ابن كثير 2/348.

([2]) مقدمة في أصول التفسير صـ 46.

([3]) يصح في أي لفظ من ألفاظ التحمل، أو ألفاظ الأسانيد أن تجعل قبلها: قال، فإذا قال: حدثنا. تقول: قال حدثنا. وإذا قال: أخبرنا. تقول: قال أخبرنا. وإذا قال: عن. يصح أن تقول: قال عن. ويصح أن تحذف أيضًا، وهو الأكثر عندهم، أنهم قبل “عن” لا يقولون: قال. لأن هناك احتمالا أن يكون قد أسقط لفظ التحمل وهو “حدثنا، أخبرنا، أنبأنا”، ونحو ذلك.

([4]) العدة في أصول الفقه 4/1059، والبحر المحيط في أصول الفقه 6/383.

([5]) يعني إجلاس النبي –صلى الله عليه وسلم- على العرش، وفيه حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: بينا أنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقرأ عليه، حتى بلغت ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾[الإسراء: 79] قال: «يُجلسني على العرش». قال الذهبي: هذا حديث منكر، لا يفرح به، وسلمة هذا متروك الحديث، وأشعث لم يلحق ابن مسعود. وانظر تفصيل الكلام في مجموع الفتاوى 16/435، وانظر تعليق الشيخ الألباني –رحمه الله- على هذا الحديث في السلسلة الضعيفة 865.

([6]) انظر كتاب المصاحف صـ 166، وما بعدها.

([7]) مقدمة في أصول التفسير صـ 46-50.

([8]) أخرجه أحمد (1/233، رقم 2069)، والترمذي (5/199، رقم 2950) وقال: حسن صحيح. وابن أبي شيبة (6/136، رقم 30101)، والنسائي في الكبرى (5/31، رقم 8085). وضعفه الألباني في الضعيفة 1783.

([9]) أخرجه أبو داود (3/320، رقم 3652)، والترمذي (5/200، رقم 2952)، والنسائي في الكبرى (5/31، رقم 8086). وضعفه الألباني في المشكاة 235.

([10]) أخرجه مالك في الموطإ، رواية مصعب 2079، وبنحوه البيهقي في شعب الإيمان (2/424، رقم 2278).

([11]) أخرجه سعيد بن منصور (1/181، رقم 43)، وابن أبي شيبة (6/136، رقم 30105)، والحاكم (2/318، رقم 3145)، والبيهقي في شعب الإيمان (2/424، رقم 2281).

([12]) انظر تخريج الحديث السابق.

([13]) تفسير الطبري 1/80.

([14]) فضائل القرآن لأبي عُبيد القاسم بن سلام صـ 376.

([15]) تفسير الطبري 1/80.

([16]) تفسير الطبري 1/79.

([17]) المصدر السابق.

([18]) تفسير ابن جرير 1/81.

([19]) تفسير ابن جرير 1/80.

([20]) تفسير الطبري 1/79.

([21]) فضائل القرآن لأبي عُبيد القاسم بن سلام صـ 378.

([22]) تفسير الطبري 1/80.

([23]) فضائل القرآن لأبي عبيد صـ 377.

([24]) فضائل القرآن لأبي عبيد صـ 378.

([25]) فضائل القرآن للمستغفري 1/307.

([26]) فضائل القرآن لأبي عبيد صـ 377.

([27]) أخرجه أحمد (2/344، رقم 8514)، وأبو داود (3/321، رقم 3658)، والترمذي (5/29، رقم 2649) وقال: حسن. وابن ماجه (1/98، رقم 266). وصححه الألباني في المشكاة 223.

([28]) تفسير الطبري 1/70.

([29]) وهو مطبوع في دار الكتب العلمية، بيروت، بتحقيق الدكتور محمود محمد عبده، في ثلاث مجلدات.

([30]) وهو مطبوع في دار الصميعي للنشر والتوزيع، بتحقيق الدكتور سعد بن عبد الله بن عبد العزيز آل حميد، في خمس مجلدات.

([31]) له عدة طبعات، منها طبعة مؤسسة الرسالة، بتحقيق الشيخ أحمد محمد شاكر، في أربعة وعشرين مجلدا، وطبعة دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، بتحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، في أربعة وعشرين مجلدا، ومعه مجلدان للفهارس.

([32]) ما زال مخطوطا، لم يطبع بعد، ويوجد منه نسخة بدار الكتب الوطنية بتونس، لكنه غير مفهرس كآلاف الكتب الأخرى التي لم تفهرس في هذه المكتبة.

([33]) وهو مطبوع في دار المآثر، بالمدينة النبوية، بتحقيق الدكتور سعد بن محمد السعد، في مجلدين.

([34]) وهو المسمى “زاد المسير في علم التفسير”، طبع في دار الكتاب العربي، بيروت، بتحقيق عبد الرزاق المهدي، في أربع مجلدات.

([35]) وهو من أكثر كتب التفسير طباعة في عصرنا هذا، فقد اعتنى بنشره العديد من أهل العلم.

([36]) هو منسوب خطأ للزجاج، والصواب أنه لعلي بن الحسين بن علي، أبو الحسن الأصفهاني الباقولي، وقد طبع في دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتب اللبنانية، بيروت، بتحقيق إبراهيم الإبياري، في ثلاث مجلدات.

([37]) وهو مطبوع في دار المصرية للتأليف والترجمة، مصر، بتحقيق أحمد يوسف النجاتي، في ثلاث مجلدات.

([38]) وهو المسمى بـ”التبيان في إعراب القرآن”، طبعه عيسى البابي الحلبي، بتحقيق علي محمد البجاوي، في مجلدين.

([39]) وهو مطبوع في دار الفكر، بيروت، بتحقيق صدقي محمد جميل، في عشر مجلدات.

([40]) وهو مطبوع في دار الوطن، الرياض، السعودية، بتحقيق ياسر بن إبراهيم، في ست مجلدات.

([41]) وهو المسمى بـ”الدر المصون في علوم الكتاب المكنون”، طبع في دار القلم، دمشق، بتحقيق الدكتور أحمد محمد الخراط، في أحد عشر مجلدا.

([42]) وهو المسمى بـ”روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني”، طبع في دار الكتب العلمية، بيروت، بتحقيق علي عبد الباري عطية، في ستة عشر مجلدا.

([43]) التبيان صـ 79.

([44]) أخرجه أحمد (4/28، رقم 16391)، والبخاري (3/1179، رقم 3053)، ومسلم (3/1665، رقم 2106).

([45]) مجموع الفتاوى 5/552.

([46]) يعني تقريب التهذيب لابن حجر.

شاركها مع أصدقاءك