بواسطة :
الزيارات : 1٬072 مشاهدة

عقد هذا اللقاء مع فضيلة الشيخ بتاريخ

 14/11/1423 هـ

الجمعُ بين المفرد والجمع في القرآن

سؤال : يرد أحيانا في بعض المواضع من القرآن ، الجمعُ بين المفرد والجمع ، في موضع واحد ، مثل الظلمات والنور ، ومثل السمع والأبصار ، ومثل اليمين والشمائل ، ونحوها ، فهل لهذا مَقصِد ، يحسُن لطالب العلم أن ينظر فيه ، أم أنه يتركها ، ولا يقف عندها ، كما تركها الأولون ؟

الشيخ : كل هذا له غرض ، فتارة يكون اللفظ مفردا ، لا جمع له ، ولا يراد به الجمع ، يعني لا يراد به الجنس ، فهو مُفرد ، مثل النور ، فالنور واحد ، وتارة يَرِد اللفظ بصيغة المفرد ، ويكون المراد به الجمع ، ولكن عَبَّر بالمفرد ، لغرض ، أو لفائدة ، مثل اليمين والشمائل ، وهي الأيمان والشمائل ، والمقصود من هذا جنس اليمين ، فقوله –تعالى- ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ﴾ [ النحل : 48 ] يعني الأيمان والشمائل  .

وجعل اليمين هنا واحدا ، لأن اللفظ يفيد الجنس ، فيكون هناك فائدة بلاغية إضافية ، فاللفظ هنا مفرد ، ولكن المراد به الجنس  .

وقد يأتي مفرَدا ، ويُراد به المفرد ، مثل الظلمات والنور ، ومثل المشرق والمغرب ، فالمشرق والمغرب هنا المراد بها اتباع المفرد ، وفي اللفظ الثاني الْمَشْرِقَين والْمَغْرِبَيْن للمثنى ، والمشارق والمغارب الجمع ، فإذا كان اللفظ المفرد ، أُريد به المفرد ، وجاء مع الجمع ، كان ذلك لفائدة ، وإذا كان المفرد ، أريد به الجنس ، وجاء معه جَمْعٌ أيضا ، كان ذلك لفائدة  .

السائل : يعني طَلَبُه ليس من التكلف ؟

الشيخ : لا ، هو ليس من التكلف ، فالعلماء قد نصُّوا عليه  .

السائل : ذكره المتأخرون ، وبعض الإخوة من طلبه العلم يقول : إن هذا نادر في كلام السلف  .

الشيخ : هذا موجود بكثرة في كتب البلاغة  .

السائل : طيب يا شيخ ، لو تَمَعَّنَّا في بعضه ، حتى يسهل  .

الشيخ : لماذا لم ينص عليه السلف ؟

السائل : لأنه ظاهر لهم ، فلا يحتاج إلى توضيح  .

الشيخ : لأنها ظاهرة لهم ، فعندما نقول : فلان طالب علم  . فهذه الجملة من حيث دلالتها اللفظية ، تتكون من كلمة “طالب” مضافة إلى كلمة “علم” ، لكن هناك دلالة عرفية استعمالية معروفة ، تدل على أن هذا مهتم بالعلم  .

فكثير من كلام السلف ليس فيه تفسير للنكات البلاغية ، ولا لمعاني التقديم والتأخير في النحو ، ولا لعلم المعاني ، لأنه مُدرَك عندهم بموجب اللغة  .

السائل : تعني بالملَكة  .

الشيخ : باللغة ، لأن هذه لغتهم ، فلا تحتاج إلى تكلف ، ولكن لما صار الناس لا يعرفون هذه المعاني البلاغية ، احتاج العلماء إلى بيانها ، وذلك مثلما صار في التابعين ، حيث قلّ عندهم الإدراك للمعاني اللفظية ، عما كان عليه الصحابة –رضوان الله عليهم- فصار سؤالهم عن معاني الآيات ، أكثر من سؤال الصحابة  .

ولذلك كان تفسير النبي -عليه الصلاة والسلام- للصحابة قليلا ، لأنهم كانوا يدركون المعاني ، ثم فسَّر كبار الصحابة ، لصغار الصحابة أكثر ، ولذلك نجد أن غالب التفسير المنقول عن الصحابة والخلفاء الراشدين بالمأثور  .

وهكذا التفسير المنقول عن تلامذة الصحابة ، كتلامذة ابن مسعود ، مثل عَبِيدة السَّلْماني ، والرَّبِيع بن خُثَيْم وأشباههم ، والمنقول عن علي بن أبي طالب ، والمنقول عن ابن عباس ، وابن عمر ، وهكذا في الزمن الذي بعده أكثر ، فكلما امتد الزمن ، كلما احتاج التفسير إلى مزيد بسط  .

وكذلك المعاني البلاغية ، فقد كانت قديما مُدْرَكَة ، ولكن صار هناك احتياج إلى إدراكها ، وأقصد بالمعاني البلاغية ، تلك المتعلقة بعلم المعاني ، أما البيان والبديع ، فهذا نوع من الصنعة التي فيها تكلف بعض الشيء  .

سؤال : هل المعاني البلاغية في الكلمة تُحمل على الزمان الذي قيلت فيه ، أم تُجرى على جميع الأزمنة ؟

الشيخ : في نصوص الشرع -يعني القرآن- لا شك أنه على كلام العرب  .

السائل : تعني على التنزيل ؟

الشيخ : نعم على كلام العرب ، وإليك هذا المثال ، ففي قوله –تعالى- ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ ﴾ [ يس : 13-15 ] إلى أن قال ﴿ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [ يس : 16-17 ] إلى آخره ، فمجيء “اللام” هنا مُدْركَة في وقت التنزيل  .

وفي قوله –تعالى- ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾ [ العصر : 1-2 ] ، القسَم ، وجواب القسَم هنا مدرَك  .

السائل : يعني تتفاوت المعاني حسب الزمن ؟

الشيخ : لا ، هي بمعنى المعاني البلاغية المتعلقة بعلم المعاني ، ومرجع اللغة هو كلام العرب ، وذلك قبل أن يَفْشُو اللحن فيهم ، وهذا هو الأصل الذي ترجع إليه  .

السائل : يا شيخ ، هل بإمكانكم -قبل أن نبدأ الدرس- أن تعطي أمثلة ، يعني تضبط طالب العلم في هذا الباب ؟

الشيخ : على أي شيء تقصد ضرب الأمثلة ؟

السائل : يعني –مثلا- لِمَ فرّق الله -سبحانه وتعالى- في قوله ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾ [ المؤمنون : 78 ] ، لِمَ أفرد السمع ، وجمع الأبصار ؟ فبعض أهل التفسير ، ممن تأخروا ، ممن يهتم بهذا الجانب ، قد ذكروا أمورا ، فما الذي يصح منها ، وما الذي لا يصح ، وما هو سبيل طالب العلم في التفريق بين الصواب والخطإ ؟

الشيخ : لو نظرنا –مثل- إلى كلمة “النور” في قوله –تعالى- ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [ الأنعام : 1 ] ، سنجد أن النور واحد ، والظلمات متعددة ، سواء كان المقصود النُّور الحِسي ، أو النور المعنوي ، وفي قوله –تعالى- ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [ المائدة : 16 ] ، هذا في النور المعنوي ، وهو نور الهداية  .

ومن النور الحسي قوله –تعالى- ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأنعام : 1 ] فنجد هنا أن “النور” قد جاء مفردا ، لأنه واحد ، فليس المراد الجنس  .

وهذا فيه فوائد ، يستنبطها المفسر ، وذلك بحسب استيعابه للشريعة ، أو للدين ، أو للنصوص ، فيمكن أن نقول : إن “النور” جاء مفردا في قوله –تعالى- ﴿ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾  ، لأن “النور” هو نور الله -جل وعلا- وهو هدايته لعباده ، وهذه الهداية واحدة ، وطريقها واحد ، وأساسها واحد ، أما الظلمات ، فهي ظلمات الجهل والهوى والشهوة والشبهات ، إلى آخره ، وهذه ظلمات كثيرة متنوعة  .

وفي قوله –تعالى- ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [ الأنعام : 1 ] نجد أن المقصود هو الظلمات المخلوقة ، والنور المخلوق ، فيمكن أن يقال : إن النور الذي هو في هذه الأكوان أساسه أنه من أثر اسم الله النور ، والنور واحد ، فأثره من حيث الجنس واحد ، مع أن الأنوار من حيث تعددها مخلوقة متعددة ، ولكن الظلمات ليست ناشئة عن أثر من آثار اسم الله -جل وعلا- ولكن النور أثر من آثار اسم الله ، فلذلك جاء هنا مفردا  .

وهناك كثير من نحو هذا التفسير ، في كلام العلماء ، لكن عليك أن تعرضه على أصول العقيدة ، وأصول الشريعة ، وكلام السلف في الجملة ، فإذا كان لا يعارضه ، وهو مستقيم ، فيمكن أن ندخله في باب اللطائف والفوائد ، ولا غبار عليه  .

الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم

سؤال : أحسن الله إليك ، هل نستعين في معرفة هذه الأمور ، بمعرفة الإعجاز البلاغي للقرآن الكريم ؟

الجواب : هم يُدخلون ما يسمى بـ”الإعجاز البلاغي” في ذلك ، ولكن هذه التسمية فيها نظر ، لأن الإشكالية في الإعجاز البلاغي أنه تكلم عن الآية من حيث إعجازها اللفظي ، وكثير من أهل البلاغة يقولون : إن إعجاز القرآن في نظمه  . والنظم هو مجموع اللفظ والمعنى والروابط ، فهذه ثلاثة أشياء  .

واللفظ والمعنى معروفان ، أما الروابط ، فهي التي تربط الألفاظ بعضها ببعض ، وهذه التي جاءت في علم المعاني ، وفي البلاغة بشكل عام ، وهي التي اعتمد عليها عبد القاهر الجُرْجاني في كتابه “دلائل الإعجاز”  .

والنظم هو لفظ ومعنى وروابط ، والروابط هذه هي التي تجعل هناك اختلافا كبيرا ، ما بين جملة وجملة ، أو بين تركيب وتركيب ، فمثلا في قصة نوح -عليه السلام- في سورة هود ، قال الله -جل وعلا- في تلخيص صورة كبيرة جدا متنوعة مختلفة ، جمعها في آية واحدة ، قال ﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [ هود : 44 ]  .

فهذه سورة ضخمة تتحدث عن هذه القصة في حديث طويل ، ونلمح هنا البلاغة من حيث نظم الألفاظ ، ففي قوله –تعالى- ﴿ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾  لاحظ كلمة ﴿ ابْلَعِي ﴾  ، وهناك قال ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ ﴾  ، وقال ﴿ قُضِيَ ﴾  ، فالحظ هذا الترتيب ﴿ ابْلَعِي ﴾  ، ﴿ وَغِيضَ ﴾  ، ﴿ قُضِيَ ﴾  ، فهذه كلها ألفاظ فيها معانٍ ضخمة ، بينها روابط إعرابية ، يعني فعل وفاعل ومفعول ، أو الروابط بالحروف ، التي هي بالواو ، وبياء النداء ، وما أشبه ذلك ، وهذه كثيرة  .

ويدخل في هذا أيضا القَسم ، وجواب القسم ، والأفعال مثل “كان وأخواتها” ، والحروف مثل “إن وأخواتها” ، إذ هي روابط بين المبتدإ والخبر ، وهي تسمى نواسخ في النحو ، وهي نوع من الروابط ، وهناك فرق بين “كان وأخواتها” ، وبين “إن وأخواتها” ، وذلك أن “إن” مع ما دخلت عليه ، تدل على الثبات والدوام ، أما “كان وأخواتها” فإنها تدل على معنى آخر ، فكل واحدة منهن لها معنى  .

وهذا من مواضع اختلاف الرابط ، فقد يكون هناك مبتدأ وخبر ، مثل قوله –تعالى- ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة : 224 ] ، وقد يدخل على المبتدإ والخبر ناسخ ، وذلك مثل قوله –تعالى- ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾  [ النساء : 148 ] ، وقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ البقرة : 181 ] ، فتختلف الدَّلالة ، فقوله –تعالى- ﴿ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾  مختلف عن قوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾  ، وهذا كله مرتبط بسياق الآية ، وهذا جزء من إعجاز النظم  .

فهو راجع إلى علم النحو ، وإلى علم المعاني ، وهذا الذي أراده عبد القاهر الجُرْجاني في كتابه “دلائل الإعجاز” ، وهو كتاب مهم جدا جدا ، لا بد لطالب العلم أن يمر عليه ، ويستوعب فكرته  .

وقد ردّ عبد القاهر الجُرجاني ، في هذا الكتاب على عبد الجبار الهمذاني في كتابه “المغني” ، وهو كتاب كبير في اثنين وعشرين مجلدا ، طبع في مصر ، وله في كتابه هذا ، أبواب في التوحيد والعدل ، أظنه في المجلد السادس عشر ، وقد نحا بالإعجاز منحا المعتزلة طبعا ، لأنه زعيمهم ، وهو يؤسس لمنهجهم ، فرَدّ عليه عبد القاهر في “دلائل الإعجاز” ، وقد صار كتاب الجرجاني مرجعا في هذا العلم  .

وقد اختلف البلاغيون ، الذين كتبوا في الإعجاز قبله ، فذهب بعضهم إلى أن الإعجاز راجع إلى الألفاظ ، وذهب بعضهم إلى أنه راجع إلى المعاني ، فيقول الجاحظ مثلا : المعاني مطروحةٌ في الطريقِ يَعْرفُها العجميُّ والعربيُّ ، والقرويُّ والبدويُّ ، وإنما الشأنُ في إقامةِ الوزنِ وتَخيّر اللفظِ ، وسهولَة الْمَخْرج ، وصحَّةِ الطَّبْعِ ، وكَثْرةِ الماءِ ، وجودةِ السَّبْك ، وإنما الشِّعرُ صياغةٌ ، وضربٌ من التصوير([1])  .

وذهب آخرون إلى أن الألفاظ مدرَكة موجودة ، ولكن الشأن في التعبير بالألفاظ عن المعاني التي تُراد  .

وهاتان كانتا مدرستين كبيرتين ، وعبد القاهر الجرجاني -رحمه الله أول- هو أول من أتى بشيء اسمه “النظم” ، الذي هو اللفظ والمعنى والرابط ، وهذا هو الذي يعطيك الملكة في فهم الإعجاز في تركيب الكلام ، يعني –مثلا- في قوله –تعالى- ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [ البقرة : 1-2 ] ، إذا فهمت دلالتها ، وجدت فيها بلاغة عالية  .

فقد نظر فيها جمع من المتأخرين ، فقال بعضهم : فيها إعجاز نحوي ، وإعجاز لفظي ، وإعجاز بلاغي ، وهذه كلها متعلقة بالنظم ، فلا نستطيع أن نفصلها ، فما يتعلق بنظم القرآن ، وهو النحو والبلاغة ، الذي هو المعاني ، وما يتعلق باللفظ والمعنى ، كل هذا شيء واحد لا تَفْصِله ، لأنك لو فصلته ، كنت قد فَصَلت النحو عن البلاغة ، ولا وجود للبلاغة -التي هي علم المعاني- بدون النحو  .

فإذا أردت النحو ، تقول : لا يوجد إعجاز نحوي ، بدون إعجاز بلاغي للمعنى ، ولذلك كان من سبق -مثل سيبويه- كان يُعَبِّر في المسائل النحوية ، بأشياء مِن عِلم المعاني في البلاغة ، فالحق أن عِلم المعاني متعلق بفهم علم النحو  .

فالأغراض البلاغية ، مثل التخصيص والقصر والحصر والإطناب والاختصار ، وغير ذلك ، لا يمكن أن تدرك بغير النحو ، فانظر -مثلا- قوله –تعالى- ﴿ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ﴾ [ الدخان : 49 ] ، فهو خبر مستعمل في التَّهَكُّمِ بِعَلَاقَةِ الضِّدِّيَّةِ ، والمقصود عكس مدلوله ، أي أنت الذليل الْمُهَانُ ، والتأكيد للمعنى التَّهَكُّمِيِّ  .

فالكلام ليس على ظاهره ، فليس لهذا عزة ، ولا كرامة ، وإنما خرج الكلام مخرج التهكم والسخرية  .

وقوله ﴿ ذُقْ ﴾  فِعْل أمر ، لكن ليس معناه طلب الفعل ، فهنا إهمال المخاطب في فعله ، وهنا يتضح لك العلاقة بين التعريفات النحوية ، بغيرها من الفروع الأخرى من علوم اللغة  .

ولما فُصِلت العلوم ، عُزل النحو عن البلاغة ، فجاءت التعريفات النحوية عند المتأخرين معزولة عن علم المعاني ، حيث كان هذا الخلط موجودا عند سيبويه وجماعة من المتقدمين  .

سؤال : هل عبد القاهر الجرجاني أشعري([2]) ؟

الشيخ : نعم  .

سؤال : والباقلاني([3]) كذلك ؟

الشيخ : الباقلاني في الإعجاز مدرسة مستقلة ، وكان قبل عبد القاهر ، لكن كتابه “إعجاز القرآن” ليس بذاك  .

السائل : ضعيف ؟

الشيخ : لا ، ليس ضعيفا ، ولكنه لم يتميز ، أما عبد القاهر ، فهو الذي أبدع ، فأتى بمسألة النظم  .

الكلام على أسلوب صادق الرافعي الأديب

السائل : طيب يا شيخ ، الرافعي([4]) في العصور المتأخرة كيف حاله في هذا الباب ؟

الشيخ : الرافعي جيد ، ولكن لغته ليست لَيّنة  .

السائل : تعني قوية ؟

الشيخ : لا ، ليست قوية ، فهي من حيث التركيب فيها ضعف ، ولكن من حيث اختيار الألفاظ ، وقوة استخدام اللفظ والمعنى ، هي جيدة ، ولكن من حيث التركيب ، عليها بعض المؤاخذات ، يعني عنده مثلا ما بين المبتدإ والخبر يمكن أن يوجد سطران ، عشر كلمات ، وهذا ضعف  .

ولذلك فإن قراءة كتبه تحتاج إلى تركيز ، يعني في بعض المؤلفات ، مثل “تحت راية القرآن” ولكنها في بعض المقالات عادية ، مثل “الدفاع عن القرآن” ، رحمه الله  .

السائل : هل يخاف الإنسان ، أو يتحسس في كلامه ؟

الشيخ : تقصد أن هذا الباب فيه شوك ؟ لا ليس فيه شوك  .

سؤال : الاستعمال بدون روابط ، أو بدون العطف ، هذا يستعمله المتأخرون كثيرا ، ما رأيك فيه  .

الشيخ : مثل ماذا ؟

السائل : يعني مثلا يقول : جاء محمدٌ ، زيدٌ ، بدون عطف ، ويستعملون هذا أحيانا في بعض الخطب  .

الشيخ : يعني يكون العطف متأخرا ؟

السائل : لا ، بدون عطف ، هو يستعمل الجمل على أنها معطوفة في حقيقتها ، ولكن بدون إيجاد الرابط اللفظي  .

الشيخ : ما أدري والله ، هذا نحويًّا غلط  .

السائل : وإذا كان في الصفة ؟

الشيخ : إذا قال : جاء المتسابقون القارئون العالمون والصغار  . فهذا يصح عند مَن أعمَل “واو الثمانية([5])” فيما هو أقل منه ، وواو الثمانية فيها بحث كبير  .

السائل : فيها نظر ؟

الشيخ : نعم ، لأنها بُنيت على استنتاج ، ولم تُبْن على قاعدة  .

السائل : مَن أول من أنكرها ؟

الشيخ : لا أذكر ، لكن أحسن من تكلم عنها عبد الخالق عظيمة في كتاب “الدراسات” وهو بحث مفيد ، وفيه شواهد ونقول  .

السائل : ولكن ترتيبه يا شيخ متعب جدا  .

الجواب : لكنه من حيث الشواهد والنقول مرجع  .

قراءة من مقدمة في أصول التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، قال المصنف -رحمه الله تعالى- ونفعنا بصالح علمه([6])  .

تفسير القرآن بأقوال الصحابة

وحينئذ ، إذا لم نجد التفسير في القرآن ، ولا في السنة ، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة ، فإنهم أدرى بذلك ، لما شاهدوه من القرآن ، والأحوال التي اختصوا بها ، ولما لهم من الفهم التام ، والعلم الصحيح ، والعمل الصالح ، لا سيما علماؤهم وكبراؤهم ، كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين ، والأئمة المهديين ، مثل عبد الله بن مسعود  .

قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري([7]) : حدثنا أبو كُرَيْب ، قال : أنبأنا جابر بن نوح ، أنبأنا الأعمش ، عن أبي الضُّحَى ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله –يعني- ابن مسعود : والذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله ، إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ، وأين نزلت ، ولو أعلمُ مكان أحد أعلمَ بكتاب الله مني تناوله المطايا لأتيته  .

وقال الأعمش أيضا عن أبي وائل ، عن ابن مسعود قال : كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات ، لم يجاوزهن حتى يعرف مَعانِيَهن ، والعمل بهن  .

ومنهم الحَبر البحر ، عبد الله بن عباس ، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتَرْجمان القرآن ، ببركة دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له حيث قال : «اللهم فقهه في الدين ، وعلمه التأويل»([8])  .

وقال ابن جرير([9]) : حدثنا محمد بن بشار ، أنبانا وَكِيع ، أنبأنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، قال : قال عبد الله –يعني- ابن مسعود : نعم ترجمان القرآن ابن عباس  .

ثم رواه عن يحيى بن داود ، عن إسحاق الأزرق ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن مسلم بن صَبِيح أبي الضحى ، عن مسروق ، عن ابن مسعود ، أنه قال : نعم الترجمان للقرآن ابن عباس  .

ثم رواه عن بُنْدَار ، عن جعفر بن عَون ، عن الأعمش به كذلك  .

فهذا إسناد صحيح إلى ابن مسعود ، أنه قال عن ابن عباس هذه العبارة  .

وقد مات ابن مسعود في سنة ثلاث وثلاثين على الصحيح ، وعُمِّرَ بعده ابن عباس ستًّا وثلاثين سنة ، فما ظنك بما كسبه من العلوم بعد ابن مسعود ؟

وقال الأعمش عن أبي وائل : استخلف عليٌّ عبدَ الله بن عباس على الموسم ، فخطب الناس ، فقرأ في خطبته سورة البقرة -وفي رواية : سورة النور- ففسرها تفسيرا لو سمعته الروم والترك والدَّيلَم لأسلموا  .

ولهذا غالب ما يرويه إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي الكبير([10]) في تفسيره عن هذين الرجلين ، ابن مسعود وابن عباس ، ولكن في بعض الأحيان ينقل عنهم ما يحكونه من أقاويل أهل الكتاب ، التي أباحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم([11])– حيث قال : «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً ، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»([12])  . رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو  .

ولهذا كان عبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زامِلَتَين([13]) من كتب أهل الكتاب ، فكان يحدث منهما بما فهمه من هذا الحديث من الإذن في ذلك ، ولكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تُذكر للاستشهاد ، لا للاعتقاد ، فإنها على ثلاثة أقسام :

أحدها : ما علمنا صحته ، مما بأيدينا ، مما يشهد له بالصدق فذاك صحيح  .

والثاني : ما علمنا كذبه ، بما عندنا مما يخالفه  .

والثالث : ما هو مسكوت عنه ، لا من هذا القبيل ، ولا من هذا القبيل ، فلا نؤمن به ، ولا نُكذّبه ، وتجوز حكايته ، لما تقدم  .

وغالب ذلك مما لا فائدة فيه ، تعود إلى أمر ديني ، ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرا ، ويأتي عن المفسرين خلاف بسبب ذلك ، كما يذكرون في مثل هذا أسماء أصحاب الكهف ، ولون كلبهم ، وعدتهم ، وعصا موسى من أي الشجر كانت ، وأسماء الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ، وتعيين البعض ، الذي ضرب به القتيل من البقرة ، ونوع الشجرة التي كلم الله منها موسى ، إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن ، مما لا فائدة في تعيينه ، تعود على المكلفين في دنياهم ولا دينهم ، ولكن نقْل الخلاف عنهم في ذلك جائز ، كما قال –تعالى- ﴿ سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَدًا ﴾ [ الكهف : 22 ]  .

فقد اشتملت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام ، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا ، فإنه –تعالى- أخبر عنهم بثلاثة أقوال ، ضعَّف القولين الأولين ، وسكت عن الثالث ، فدل على صحته ، إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما ، ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا طائل تحته ، فيقال في مثل هذا : ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ [ الكهف : 22 ] ، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ، ممن أَطْلَعه الله عليه ، فلهذا قال ﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ﴾ [ الكهف : 22 ] أي لا تُجهد نفسك فيما لا طائل تحته ، ولا تسألهم عن ذلك ، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجْم الغيب  .

فهذا أحسن ما يكون في حكاية الخلاف ، أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام ، وأن ينبه على الصحيح منها ، ويبطل الباطل ، وتذكر فائدة الخلاف وثمرته ، لئلا يطول النزاع والخلاف فيما لا فائدة تحته ، فيشتغل به عن الأهم  .

فأما من حكى خلافا في مسألة ، ولم يستوعب أقوال الناس فيها ، فهو ناقص ، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه ، أو يحكي الخلاف ويطلقه ، ولا ينبه على الصحيح من الأقوال ، فهو ناقص أيضا ، فإن صحح غير الصحيح عامدا ، فقد تعمد الكذب ، أو جاهلا فقد أخطأ  .

كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته ، أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا ، ويرجع حاصلها إلى قول ، أو قولين معنى ، فقد ضَيّع الزمان ، وتَكَثَّر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثَوْبَي زُور  . والله الموفق للصواب  .

الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه ، أما بعد :

فأسأل الله -جل وعلا- أن يعلمنا من القرآن ما به انشراح صدورنا ، وثبات أمرنا ، واستقامة أحوالنا ، وأن يُذَكِّرنا منه ما نُسِّينا ، ويعلمنا منه ما جهلنا ، إنه –سبحانه- جواد كريم  .

قد ذكر المصنف الشيخ تقي الدين ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فيما سبق أن تفسير القرآن يكون بالقرآن ، ثم يكون بالسنة ، ثم يكون بأقوال الصحابة -رضوان الله عليهم- والصحابة -رضوان الله عليهم- الذين نُقل عنهم التفسير ، ليسوا بالكثير ، بل كانوا قليلين ، فممن نُقل عنهم التفسير الخلفاء الأربعة : أبو بكر -رضي الله عنه- كما في تفسير قوله –تعالى- ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾ [ المائدة : 105 ] ، فإنه لما قرأها قال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾  إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَإِنَّكُمْ تَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ : «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الْمُنْكَرَ ، لا يُغَيِّرُوهُ ، أَوْشَكَ اللهُ أَنْيَعُمَّهُمْ بِعِقَابِه»([14])  . فبين للناس أنهم ذهبوا إلى غير التفسير الصحيح فيها  .

ونقل أيضا عن عمر ، وعن عثمان -رضي الله عنهما-  .

وكان أكثر الخلفاء الأربعة تفسيرا للقرآن ، الإمام الحبر علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- ولهذا صار تلامذة علي بن أبي طالب في التفسير ، الذين نقلوا عنه التفسير والأقوال في تفسير الآي والأقوال ، أكثر من غيره من الخلفاء الثلاثة  .

وفسر القرآن أيضا -من الصحابة- ابن مسعود ، وكان له مدرسة كبيرة في الكوفة  .

وفسره أيضا ابن عباس ، وله مدرسة كبيرة في مكة ، وأخذ عنه جمع كثير -كما هو معروف-  .

وحاصل مدارس التفسير عند الصحابة ترجع إلى ثلاثة مدارس :

الأولى : مدرسة المدينة ، وهي مدرسة الخلفاء الأربعة ، وأكثرهم أصحابا علي بن أبي طالب  .

الثانية : مدرسة الكوفة ، وفيها عبد الله بن مسعود وتلامذته  .

الثالثة : مدرسة مكة ، وفيها عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- وتلامذته  .

تفسير الصحابة للقرآن ، هو أوثق التفاسير بعد تفسير النبي

وهناك آخرون من الصحابة نُقل عنهم التفسير الكثير أيضا ، ولكنه أقل من هؤلاء ، كأُبيّ بن كعب ، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم أجمعين- وغير هؤلاء من الصحابة ، ولا شك أن تفسير الصحابة للقرآن ، هو أوثق التفاسير بعد تفسير النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد ذكر شيخ الإسلام هنا عدة أسباب لذلك ، تُجمَل في الأتي :

أولا : أنهم شهدوا تنزيل الآي ، على النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة سبب النزول ، وهذا يُعين كثيرا على فهم معنى الآية ، ولهذا فقد أجمع العلماء على أن معرفة سبب نزول الآي من أهم الأسباب التي تعين على فهم الآية  .

ثانيا : أن أعمق هذه الأمة في فهم اللغة ، التي نزل بها القرآن هم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخاصة القرشيين منهم ، لأن علماء الصحابة كانوا يعتنون بموارد التفسير من اللغة ، كما جاء أنه بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ﴿ أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ ﴾ [ النحل : 47 ] فَسَكَتَ النَّاسُ ، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ : هِيَ لُغَتُنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، التَّخَوُّفُ التَّنَقُّصُ  . فَخَرَجَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا فُلَانُ ، مَا فَعَلَ دَيْنُكَ ؟ قَالَ : تَخَوَّفْتُهُ ، أَيْ تَنَقَّصْتُهُ ، فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ عُمَرَ فَقَالَ عُمَرُ : أَتَعْرِفُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي أَشْعَارِهِمْ ؟ قَالَ نَعَمْ ، قَالَ شَاعِرُنَا أَبُو كَبِيرٍ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ نَاقَةً تَنَقَّصَ السَّيْرُ سَنَامَهَا بَعْدَ تَمْكِهِ وَاكْتِنَازِهِ :

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا

 

كَمَا تَخَوَّفَ عُودُ النَّبْعَةِ السَّفَنُ

فَقَالَ عُمَرُ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، عَلَيْكُمْ بِدِيوَانِكُمْ شِعْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتَابِكُمْ وَمَعَانِيَ كَلَامِكُمْ([15])  .

يعني يبدأهم ، يُنقصهم شيئا فشيئا من النعمة ، مما هم فيه حتى يهلكم ، وهذا التفسير اعتمد على اللغة ، فالصحابة هنا نظروا إلى اللغة ، وقد كان الصحابة على دراية واسعة بلغة العرب  .

وكان ابن عباس -رضي الله عنه- عالما بأشعار العرب ، فكان يجلس في منزله في مكة ، ويصيح غلامه : من أراد أن يسأل عن شعر العرب ولغتها فليدخل  . فيدخل مَن يريد أن يسأل عن أشعار ، فيجيب ابن عباس رضي الله عنهما ، وهكذا  .

الاهتمام باللغة هو أساس التفسير

فالاهتمام باللغة هو أساس التفسير ، لأن القرآن أُنزل بلسان عربي مبين ، وأصح الناس فهما للغة هم الصحابة ، لأن اللحن لا يوجد عندهم ، ولم يتفرقوا في البلاد ، فيختلطوا بالأعاجم  .

ثالثا : أن الصحابة -رضوان الله عليهم- هم أسلم الأمة في التعبير عن القرآن ، فكانوا يتحرّون في كلامهم عن القرآن ، ولهذا كان كلامهم في التفسير قليلا ، كثير الفائدة ، ولم يكونوا يُكثرون من الكلام ، خشية أن يُقال في القرآن ما ليس بحق ، فهم يعرفون مواطن الزلل ، ومواطن الهداية  .

والصحابة -رضوان الله عليهم- شهد لهم الله -جل وعلا- بعمومهم ولعلمائهم بخصوصهم ، ثم النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- شهد للخلفاء الراشدين ، ولعلماء الصحابة في التفسير ، ومنهم ابن عباس ، وابن مسعود ، وأُبيّ بن كعب ، وجماعات منهم ، فقال لابن عباس : «اللهم علمه التأويل»  . وقال في ابن مسعود : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ»([16])  .

وسبق قول ابن مسعود : لو أعلمُ مكان أحد أعلمَ بكتاب الله مني تناوله المطايا لأتيته  .

وشهد ابن مسعود لابن عباس -كما ذكر شيخ الإسلام بإسناد صحيح- فقال : نعم ترجمان القرآن ابن عباس  . وهذه شهادة من بعضهم لبعض في ذلك  .

فالمصير إلى تفاسير الصحابة ، يأتي بعد التفسير بالقرآن ، وتفسيره بالسنة ، فلا بد من الرجوع إليهم ، فلا يصح لأحد أن يفسر القرآن ، بدون الرجوع إلى تفاسير الصحابة ، نعم قد يأتي شخص فيفصل من تفاسير الصحابة ما أجملوه ، ولكن لا يصح أن يكون هناك تفسير للصحابة ، ثم نذهب إلى غيره ، لأن معنى هذا أنهم لم يدركوا الصواب في تفسير القرآن  .

ثم ذكر شيخ الإسلام بعد ذلك ، الكلامَ على الإسرائيليات ، لما ذَكَر جمْع إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدِّي الكبير ، تفسير ابن عباس ، وابن مسعود  .

وطُرق التفسير لهؤلاء الصحابة منها ما هو صحيح ، ومنها ما هو حسن ، ومنها ما هو ضعيف ، وطرق التفسير بمعنى الأسانيد ، منها ما هو جادة معروفة يروى بها  .

فعلى سبيل المثال يوجد تفسير آيات كثيرة مسندة ، عن علي -رضي الله عنه- وكذلك عن ابن عباس ، وابن مسعود ، فكلٌّ منهم له أقوال في التفسير منقولة عنه بالإسناد ، وهذه معروفة اسمها “جواد الأسانيد في التفسير” ولذلك تجد ابن جرير يكرر هذه ، لأنها منقولة بنُسخ ، وأكثرها نُسخ ، وهي نسخ موجودة ، رواها بعض المتأخرين عن تلامذة ابن مسعود ، وظلت نسخة فيها تفسير آيات كثيرة جدا ، ثم يُفرّقها مَن ألَّف في التفسير ، في تفسيره  .

وهكذا ابن عباس -رضي الله عنه- عرض عليه مجاهد القرآن من أوله إلى آخره ، ومعرفة الأسانيد في التفسير لها بحث آخر يطول  .

وممن نقل التفاسير بأسانيد على الجادة ، إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدي الكبير ، وقوله هنا “السُّدِّي الكبير” ، تمييز عن السدي الصغير([17]) محمد بن مروان ، لأنه متهم بالكذب ، أما إسماعيل بن عبد الرحمن ، فهو صدوق في الرواية ، ولكنه عمدة في نقل التفسير ، فهو في الحديث صدوق ، وإن روى له مسلم في الصحيح ، ولكنه ليس في مرتبة الثقات الضابطين ، أما في التفسير ، فهو صحيح الرواية إلا أنه تصرف في تفاسير ابن مسعود ، وابن عباس وقد نص هو نفسه على ذلك ، حيث يقول : دخل حديث بعضهم في بعض  . وقال في بعض المواضع : وربما زِدت أشياء من غير حديثهم  .

وذكر ابن تيمية -رحمه الله- أن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي ، قد أدخل أشياء من الإسرائيليات في التفسير مما سمع ، وذلك لقول النبي -عليه الصلاة والسلام : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»  . وهذا قاده إلى البحث عن الكلام على الإسرائيليات ، وأن هذه الإسرائيليات طغت في كتب التفسير ، وزادت حتى دخلت في أشياء لا فائدة منها البتة ، كما ذكر من الكلام عن أهل الكهف وعدتهم وكلبهم ولَوْنه ، والشجرة التي كان موسى –عليه السلام- عندها عندما كلمه ربه ، يعني هذه التفاصيل التي يذكرها أصحاب الإسرائيليات  .

أقسام الإسرائيليات

وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية ، أن الإسرائيليات ثلاثة أنواع ، والصحيح أنها أربعة :

الأول : هو ما نعلم صدقه من شريعتنا ، وهذا لا بأس براويته ، لأنه قد جاء في شريعتنا ما يؤيده  .

والثاني : ما نعلم في شريعتنا ما يُكذّبه ويردُّه ، مثل مسائل العقائد ، والأخبار التي تُحكى عن الأنبياء ، أو عن الكتب ، أو نحو ذلك ، فهذا يجب علينا أن لا نرويه ، فالمعتمد ما جاء في شريعتنا ، لأن الإسرائيليات دخل فيها الكذب  .

والثالث : ما لا نعلم من شريعتنا أنه صحيح ، أو غير صحيح ، يعني لا نعلم ما يؤيده ، أو ما يبطله ، فهذا هو الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- : «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَقُولُوا : آمَنَّا بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ»([18])  . وهذا هو الذي جعل بعض الصحابة -كما فعل عبد الله بن عمرو وغيره- يروون بعض الإسرائيليات في التفسير ، خاصة في قصص الأنبياء ، وذكر المغيبات ، مما هو موجود في كتبهم وشروحهم  .

الرابع : هو ما ترفضه العقول ، يعني لم يرد في شريعتنا ، ولكن العقول ترفضه ، يعني العقل يرفضه ، ونقصد بالعقل ، العقلَ الصحيح ، أو العقل الصريح ، فهذا يجب أن يُرَدّ ، مثل تفسير “ق” بأنه جبل محيط بالأرض ، أو أن الأرض من صفتها كذا ، وأنها تنتهي إلى طرف كذا ، وطرف كذا ، أو أن الشمس كانت كذا ، ثم مسخت ، أو ما إلى ذلك ، فهذا إذا أحالته العقول ، فيجب أن يُرَد ، ولا يدخل هذا في القسم الثالث ، إذ هذا يُدرك بالعقل ، لا بالنقل  .

وهذا المبحث لو قيدناه بهذا القيد لوجدنا أن ما ورد عن بني إسرائيل ، مما يدخل تحت قوله : «إذا حدثكم بني إسرائيل فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم»  . سيكون قليلا جدا ، مقارنة بما هو موجود  .

وبهذا لن يتبقى لنا إلا نوع واحد ، وهو ما لا نعلم من شريعتنا أنه صحيح ، أو غير صحيح ، وهذا قليل ، وهذا هو القول الصحيح ، كما ذكر ابن تيمية ، وهو التوسط في مسألة النقل عن بني إسرائيل ، لأن الناس في النقل عن بني إسرائيل من زمن التابعين ، وزمن الأئمة على ثلاثة أنحاء : منهم مَن يمنعها ، ومنهم من يقبلها ، ومنهم من ينقُل ما يدخل تحت النوع الثالث فقط  .

وبعض أهل العصر اليوم -كما تسمعون- ينقدون أي تفسير بأن فيه إسرائيليات ، يقول : إن هذا فيه إسرائيليات ، أو نَقُّوا كتب التفسير من الإسرائيليات  . وهذا ليس بمنهج علمي صحيح ، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال : «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»  . وقال : «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ ، وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ ، وَقُولُوا : آمَنَّا بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا لَمْ تُكَذِّبُوهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا لَمْ تُصَدِّقُوهُمْ»  .

ووجدنا كثيرا الآن يعتنون بتخليص كتب التفسير من هذه الإسرائيليات ، لكن المشكلة أنه أحيانا يكون ذِكر هذه الإسرائيليات يوضح المقصود ، فمثلا في حديث الفُتون الطويل([19]) ، المعروف عن ابن عباس ، عند قوله -تعالى- ﴿ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ﴾ [ طه : 40 ] ، حيث ذكر الحديث الطويل ، وبعضه من القرآن ، وبعضه من الإسرائيليات التي تدخل في معنى الحديث السابق  .

والفُتون يعني ما تدرج فيه في حياته ، وابتلاه الله -جل وعلا- به ، وقد دخل هذا في تفسير ابن عباس ، فيُقبل ، لأنه مما لم يأت في القرآن ، ولا في السنة ما يردُّه  .

إذًا فالقول بأن كل تفسير فيه إسرائيلياتٌ ، مردودٌ ، أو ضعيف ، أو لا يصلح  . هذا فيه نظر ، بل ينبغي أن يُقَيَّد بهذه الضوابط التي ذكرناها  .

أوجه الترجيح في التفسير

والمسألة الثالثة التي بحثها شيخ الإسلام ، هي مسألة الخلاف والترجيح بين الأقوال ، وهذه لها ميدان بحث يطول ، فالترجيح بين أقوال أهل التفسير ، مثل الخلاف حول عِدَّة أصحاب الكهف ، فقد ينظر أحد المفسرين في الأقوال المحكية في ذلك ، ثم يُرجِّح قولا ، فيعتمد في الترجيح على بعض الأدلة التي يراها ، كأن يقول : في قوله –تعالى- ﴿ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ [ الكهف : 22 ] لم يقل بعدها : ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾  ، وإنما قال ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾  قبلها ، وهذا مما يؤيد هذا ، ويؤيده أيضا قول ابن عباس : أنا أعلم عدتهم ، كانوا سبعة وثامنهم كلبهم  .

فهذا ترجيح باللفظ ، وترجيح بقول الصحابي ، فابن عباس يعلم عدتهم بناء على برهان من الآية  .

وأوجه الترجيح كثيرة ومتعددة ، وهي التي سينتقل المصنف -رحمه الله- إلى الكلام عنها ، وعن اختلاف التَّنَوُّع ، واختلاف التَّضَاد ، وبيان أن اختلاف الصحابة في التفسير ، إنما هو من باب اختلاف التنوع ، وليس من باب اختلاف التضاد ، الذي يُسقط فيه أحد القولين القولَ الآخر ، وأن اختلاف التضاد قليل جدا ، واختلاف التضاد هذا هو الذي يُرجَّح الصواب فيه ، بناء على براهينَ وأدلة في ذلك ، ولكل مقام ما يناسبه  .

أسئلة

سؤال : إذا اختلف اثنان من الصحابة في التفسير ، وكان لابن عباس ، أو لابن مسعود ، ترجيح في هذه القضية ، فهل يُعمل بهذا الترجيح ؟

الجواب : والله ما أقدر أن أعطيك جوابا تقعيديًّا عامًّا  .

سؤال : بناء على القول بأن تفسير الصحابي له حكم الرفع ، فما الحكم إذا اختلف الصحابيان ؟

الجواب : تفاسير الصحابة ، ليس لها حكم الرفع أبدا ، فالصحابة يجتهدون في التفسير ، فقد وقع الاجتهاد في زمن النبي -عليه الصلاة والسلام- من بعضهم ، ورَدَّ عليهم النبي -عليه الصلاة والسلام- وصوَّب المصيب ، وخطَّأ المخطئ في التفسير ، فالصحيح أنه لا يُحمل كلام الصحابة أصلا على الرفع البتة ، إلا في مسألة واحدة ، وقع فيها الخلاف ، وهي فيما إذا قال شيئا هو من الأمور المغيبة ، التي لا مجال فيها للاجتهاد ، لا الاجتهاد اللغوي ، ولا الاجتهاد في الفهم ، فهل هذه تقبل أو لا ؟ وهذه أيضا فيها خلاف بين العلماء ، هل كلام الصحابي في مثل هذا له حكم الرفع مطلقا ؟

والصواب أن هذا فيه تفصيل ، فليس له حكم الرفع بشكل مطلق ، بل ننظر : هل هذا الصحابي يأخذ عن أهل الكتاب ؟ أو هل هو يجتهد في تفسير الآيات بما تبين له ؟ وهذه المسألة أيضا فيها بحث دقيق  .

ومن الصعب أن تقول : إن تفسير الصحابي له حكم الرفع  . لأنك تجعل قوله في الحجّيّة ، ووجوب العمل والاعتقاد ، بمنزلة أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهذا فيه نظر  .

السائل : ألا يكون تفسير الصحابي حجة عند عدم وجود نَصّ ، فيكون له حكم الرفع ؟

الجواب : لا نقول : له حكم الرفع  . والصواب أن نقول : إنه حجة  .

سؤال : ألا يمكن أن يستدل على هذا القول بأن الصحابة أدركوا التنزيل ، وعلموا أسباب النزول ؟

الجواب : نعم هم أدركوا التنزيل ، وعلموا أسباب النزول ، ولكن ينبغي عدم الإطلاق ، أنتم تقرءون -خاصة في مؤلفات المعاصرين- يقول القائل : وهذا مما لا يدخل فيه الاجتهاد ، فله حكم الرفع  . وهذا صار مَزِلَّة أقدام ، فقد يكون كاتب هذا الكلام أصلا لا يدرك معنى قوله : لا مجال فيه للاجتهاد  . كيف يجتهد الصحابي ، وكيف لا يجتهد ، هو لا يدرك ذلك ، هو لا مجال فيه للاجتهاد عنده ، يعني بحسب فهمه هو  .

فأنا عندي غلْق هذا الباب أولى ، وقَصْرُه على أشياء قليلة جدًّا جدًّا ، مثل أمورٍ عقيدية ، يعني عظيمة ، وذلك مثل قول ابن عباس : الكرسي موضع القدمين ، ونحو ذلك  .

سؤال : الخبر المنقطع ، ما هو القول الصواب فيه ، هل يجري مجرى الموقوف ، سواء عن التابعين ، أو من دونهم ؟

الجواب : يعني عن التابعين ، إذا كان لا مجال للرأي فيه ، فإنهم يجعلون له حكم الحديث المرسل ، فعند من يحتج بالحديث المرسل ، يحتج به ، وهذا فيه نظر أيضا  .

سؤال : الكثير الآن حاصل في كتب التفسير المتأخرة ، وفيه كلام لطلبة العلم ممن يتكلم في التفسير ، يأتي فيقول : إنه هذا الذي أُثر عن ابن عباس ، أو عن الضحاك ، أو عن أئمة التابعين في التفسير ، يقول : هذا من الإسرائيليات  . ويجزم بذلك ، ظنا منه أنه ليس هناك في الآية ما يدل على ما ذكره هذا الإمام ، فيقدح مباشرة بأنه من الإسرائيليات فيُرَدّ ، بينما هو مأخوذ من دلالة الآية ، مثل قوله –تعالى- ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [ الصافات : 103 ]  .

الشيخ : وهذا كثير جدًّا ، فأهل هذا العصر -مع الأسف- قد جاوزوا حدهم  .

سؤال : ولكن الإنسان إذا صار عنده نوع ورع وتأمل في كلام كبار العلماء ، وكلام الأئمة ، لصان نفسه عن مثل هذا  .

الشيخ : والله تجاوزوا ، وتجاوزوا حقهم ، كأن العلماء السابقين كانوا لا يعلمون ، يأتي أحدهم وينقض ابن كثير في التفسير- وهو لم يفهم طريقته أصلا ، ولم يستوعبها ، ونقدوا ابن حجر في الجزء الخاص بالتفسير ، من خلال شرح صحيح البخاري ، وهؤلاء لم تتحقق عنهم الأدوات العلمية التي تعينهم على الفهم الصحيح ، فضلا عن القدرة على نقض أمثال هؤلاء العلماء  .

سؤال : كلام الأئمة الكبار أصبح ما له كبير وزن  .

الشيخ : الشكوى إلى الله  .

السائل : يا شيخ ، لو أن هذه القضية أُثيرت وبُيِّنت لطلبة العلم ، بحيث يعلمون مآخذ الأئمة الذين فسّروا القرآن ، فلعل هذا يبين صدارة علماء الأمة في هذا الميدان ، ويبين خطأ هؤلاء المُدَّعين  .

الشيخ : هذا طيب ، ولكن سيشغلنا عن العلم النافع ، فالانشغال بالرد على هؤلاء ، والدفاع عن أهل العلم ، يضيع كثيرا من الوقت والجهد ، نحن لا نزعم أن أهل العلم معصومون من الخطإ ، لكن خطؤهم قليل ، أو نادر ، فإذا أردنا التنبيه على أمر من هذا ، يجب أن يكون بدليله ، مع عدم التجاوز معهم ، فهم أعلام الهدى ، الذين من سار على دَرْبهم نجا  .

وللأسف فإن تتبع سقطات العلماء ، أو الرد على من ينتقدهم –بعلم وبغير علم- يفوّت على طالب العلم الكثير ، والله المستعان  .

سؤال : تقدير العلماء ومكانتهم غير موجودة الآن ؟

الشيخ : للأسف هم يتكلمون عن حُفَّاظ العلم ، مع أنهم لم يدرسوا العلوم ، ولم يَشْتَمُّوا رائحته  .

سؤال : يقول ابن عبد البر -رحمه الله- : من استعجل النقد حُرم العلم  .

الشيخ : والله نحن نلاحظ هذا  .

سؤال : ترى يا شيخ ، ما هو المنهج في مواجهة الأزمات ، والأحزاب التي تستغل هذه الأزمات لدعوة الشباب ؟ نريد معرفة توجياهتكم وأصولكم ، وضوابطكم التي تمنع من الانزلاق في مثل هذه التيارات الحزبية  .

الشيخ : الذي عندنا لا جديد فيه ، سبحان الله ، ما أرى إلا أن أزمة الخليج ، أو حرب تحرير الكويت ، تكررت بشكل ، أو بآخر ، ولكنها تظهر في صور مختلفة ، ولذلك فإن ما قيل هناك ، هو الذي يقال هنا الآن ، فليس هناك جديد  .

لا أتكلم من حيث المناهج ، أو من حيث الاستعانة بالقوات ، ولكن نتكلم من حيث الآثار ، يعني استغلال الأحداث لتحقيق أهداف شخصية ، فهذا موجود ، وأنا أتعجب كل العجب من هؤلاء الذين يعملون على إسقاط العلماء ، ويجعلون ذلك هدفا ، فجميع هذه التيارات تسعى إلى ذلك ، وهذا لا يحقق إلا مصلحة إبليس فقط  .

سؤال : ما هو موقف طالب العلم الآن ، إذا حضر مجلسا مع عوام الناس ، فبدءوا يخوضون في العلماء والمشايخ ، هل نجالسهم ، أم نتركهم ونعتزلهم ؟

الجواب : أرى أن يجالَسوا ويُنصحوا ، أما الاعتزال ، فلم نصل إلى زمن الاعتزال بعد ، هذا زمن الصبر ، فانصح ولا تيأس ، فاليأس ليس من صفات أهل الإسلام ، قال –تعالى- ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [ يوسف : 87 ]  .

سؤال : يا شيخ ، النصيحة تثمر ، ولو بعد فترة طويلة ، وهذا شيء واقع ، فقد يحصل كلام بين بعض المختلفين ، فيقال بعض الكلام في حق العلماء ، ثم يأتي بعد فترة فيرجع ويُقرّ أنه كان مخطئا ، لكن الواقع اليوم من بعض الإخوة أنهم مصابون بإحباط ، أو يأس ، أو شيء من هذا  .

الشيخ : هذا صحيح ، فالبلاء لا بد منه في هذه الحياة ، قال –تعالى- ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [ محمد : 31 ] ، فالحياة مجاهدة للنفس ، ومجاهدة للشهوات ، ومجاهدة للشبهات والشهوات ، فالشهوات تجاهدها بدفعها ، والشبهات تجاهدها بالعلم النافع ، وكلٌّ بحسبه ، من مُدافعة الكلام الباطل بالكلام الحق ، ومدافعة الأفعال باطلة ، بفعل الحق ، وهكذا ، والله غالب على أمره  .

ونحن ليس لنا حيلة في تحصيل النتائج ، ولكن الهداية من عند الله –جل وعلا- وإنما يجب علينا الدفع والمجاهدة ، هذا واجب على طلاب العلم ، كلٌّ بحسب حاله واستطاعته  .

سؤال : أحسن الله إليك ، العالم الذي يتصدّى للولاة ، أو يتكلم في مسائل معينة ، هل لطالب العلم أن ينقص قدْره ، لأن العامة يُقَدِّرونه ، أم أنه يُظهر الحق ، ولا يتكلم في هذا الشخص ، أو هذا العالم ، ثم يُظهر الحق ، ويبين للناس منزلة أهل العلم ؟

الجواب : يبين منزلة أهل العلم ، ولكن إذا كان عند هذا الشخص أغلاط في منهجه ، فيجب الإنكار عليه ، ويُبيّن حاله للناس ، ويبين أن طريقته هذه في الإنكار ليست شرعية ، وخصوصا إذا كان في كلامه تثبيط الناس ، أو تأليبهم على ولي الأمر ، فهذا ليس من مصلحة الشريعة ، ولا الحكم ، ولا ائتلاف الناس ، لأنه النُّفْرة ، وتباغض القلوب ، وتباعدهم عن الولاة ، يؤدي إلى الفتن والقتال والتشتت  .

السائل : هذا سوء الظن  .

الشيخ : هذا سوء الظن ، وهو يؤدي إلى التشتت ، ويؤدي إلى المقتلة ، فليس هناك بلد حصل فيها فرقة ، إلا صار فيها فِتن ، وكلما اشتدت الفرقة ، كلما شُحِنت النفوس ، فيحصل القتال ، نسأل الله السلامة  .

سؤال : الاتجاه العقلاني الذي يتبناه منتدى الوسطية ، بإشراف الدكتور حسن العواجي الآن ، بدءوا يطرحون أُطروحات حتى في العقيدة يقولون : كل كتب العقيدة تحتاج إلى تجديد ، وإن الصحابة قد اختلفوا في بعض مسائل العقيدة ، وإن الإمام أحمد والحنابلة ، شددوا في مسائل ما ينبغي التشدد فيها ، وينبغي مراعاة الأقوال الأخرى  .

الشيخ : أنا أتصور أنهم ليس عندهم مشروع يقدمونه للأمة ، فليس عندهم مشروع دولة ، ولا مشروع عِلم ، ولا تربية ، ولا نحو ذلك  .

السائل : يعتبرون أنفسهم مجددين ؟

الشيخ : مجددين في أي شيء ؟

السائل : في العقيدة ، وفي الأصول ، يعني يريدون الانفتاح ، حتى على الحضارة الغربية  .

الشيخ : لا بأس بالتجديد ، فيما يصح فيه التجديد ، ولكن ما هو مشروعهم ، وما هو الهدف الذي يسعون إلى الوصول إليه ؟

السائل : هدف واحد يا شيخ  .

الشيخ : وهو ؟

السائل : هو إسقاط السلفية لتختلط الأمور ، فهذا هدف واضح عندهم ، فأشد عدو لهم هو السلفية ، ومنهج السلف ، وإسقاطه هدف كبير ، لأنه ليس هناك أحد يتصلب ، ويقف المواقف القوية ، إلا أهل السنة ، الذين اتخذوا من منهج السلف طريقا يسلكونه في جميع شئون حياتهم  .

الشيخ : أنا ما عرفت هذا الشيء  .

السائل : هذا ظاهر يا شيخ  .

الشيخ : ما أدري هل هم يقصدون إسقاط السلفية ، أو هذه تأتي تبعا وضمنا ؟ هذه محل نظر ، ولكن ما هو الهدف ؟ لأنه دائما الذي يقدم شيئا كبيرا مثل هذا ، يكون هدفه الإصلاح ، لكن هل هم يعملون على الإصلاح الآن ؟ ومن هو الذي يسعون إلى إصلاحه ؟

السائل : كأنه يريد أن يُخرج الناس من منهج الاتباع ، إلى منهج الرأي ، والخوض بالرأي وبالعقل ، والحوار ، فهم يركزون في كل مسألة على التحاور ، فهم يجيدون فن الحوار ، وقد دخل بعض طلبة العلم مع بعضهم في حوار ، والأمر الآن واضح بيّن ، فالشيخ بندر الشويقي في هذه الأيام الأخيرة ، قد رد على حسن المالكي بأسلوب علمي رائع ، حتى كتب بعض العلمانيين -وهو يعقد مقارنة بين الرجلين- فقال : أنا ما تصورت أن هناك شخصا سلفيًّا بهذه الطريقة في الحوار والنقاش ، والقوة في الطرح ، كنت أتصور أنه سيتكلم من خلال قَوالبَ جامدة بدون إقناع  .



([1]) الحيوان للجاحظ 3/67، وانظر دلائل الإعجاز للجرجاني 1/256.

([2]) هو شيخ العربية، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، أخذ النحو بجرجان عن أبي الحسين محمد بن حسن ابن أخت الأستاذ أبي علي الفارسي، وصنف شرحا حافلا “للإيضاح”، يكون ثلاثين مجلدا، وله “إعجاز القرآن”، ضخم، و”مختصر شرح الإيضاح”، ثلاثة أسفار، وكتاب “العوامل المائة”، وكتاب “المفتاح”، وفسر الفاتحة في مجلد، وله “العمد في التصريف”، و”الجمل” وغير ذلك. وكان شافعيا، عالما، أشعريا، ذا نسك ودين. وكان آية في النحو. توفي: سنة إحدى وسبعين وأربع مائة وقيل: سنة أربع وسبعين -رحمه الله-. بتصرف يسير من سير أعلام النبلاء 18/433.

([3]) هو محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر القاضي، المعروف بابن الباقلاني، المتكلم على مذهب الأشعري من أهل البصرة، سكن بغداد. فأما علم الكلام فكان أعرف الناس به، وأحسنهم خاطرا، وأجودهم لسانا، وأوضحهم بيانا، وأصحهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة، والمعتزلة، والجهمية، والخوارج، وغيرهم. مات في يوم السبت لسبع بقين من ذي القعدة، سنة ثلاث وأربع مائة. بتصرف من تاريخ بغداد 3/364.

([4]) هو مصطفى صادق بن عبد الرزاق بن سعيد بن أحمد بن عبد القادر الرافعي، عالم بالأدب، شاعر، من كبار الكتاب. أصله من طرابلس الشام، شعره نقيّ الديباجة، على جفاف في أكثره، ونثره من الطراز الأول. بتصرف واختصار من الأعلام للزركلي 7/236.

([5]) ذهب قوم إلى إثبات هذه الواو، منهم ابن خالويه، والحريري، وجماعة من ضعفة النحويين، قالوا: من خصائص كلام العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، فيقولون: واحد اثنان ثلاثة أربعة خمسة ستة سبعة وثمانية، إشعارًا بأن السبعة عندهم عدد كامل، واستدلوا بقوله –تعالى- ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾[التوبة: 112] ، وبقوله –تعالى- ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾[الكهف: 22]، وبقوله –تعالى- ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾[التحريم: 5]، وبقوله –تعالى- ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾[الزمر: 73]، قالوا: أُلحقت الواو، لأن أبواب الجنة ثمانية، ولما ذكر جهنم قال ﴿فُتِحَتْ﴾ بلا واو، لأن أبوابها سبعة. وذهب المحققون إلى أن الواو في ذلك إما عاطفة، وإما واو الحال، ولم يثبتوا واو الثمانية. وأنكر الفارسي واو الثمانية، لما ذكرها ابن خالويه في باب المناظرة. من الجنى الداني في حروف المعاني، للمرادي صـ 168.

([6]) مقدمة في أصول التفسير صـ 40-44.

([7]) تفسير الطبري 1/75.

([8]) أخرجه أحمد 1/266 (2397). وهو عند البخاري (1/41، رقم 143)، ومسلم (4/1927، رقم 138) بدون قوله «وعلمه التأويل».

([9]) تفسير الطبري 1/84.

([10]) هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُّدِّي، أبو محمد القرشي الكوفي الأعور، مولى زينب بنت قيس بن مخرمة، وقيل: مولى بني هاشم، أصله حجازي، سكن الكوفة، وكان يقعد في سُدّة باب الجامع بالكوفة، فسُمي السدي، وهو السدي الكبير. ترجمته في تهذيب الكمال 3/132.

([11]) يعني فيما يدمجه في الحديث، لأنه في روايته، قد يُدخل حديث ابن عباس في حديث ابن مسعود، ويقول: دخل حديث بعضهم في بعض.

([12]) أخرجه البخاري (3/1275 ، رقم 3274).

([13]) الزَّامِلَةُ: الْبَعِيرُ الَّذِي يُحْمل عليه الطعام والمتاع. النهاية: زمل.

([14]) أخرجه أحمد (1/5، رقم 16)، وأبو داود (4/122، رقم 4338)، والترمذي (4 /467، رقم 2168)، والنسائي في السنن الكبرى (6/338، رقم 11157) ، وابن ماجه (2/1327، رقم 4005). وصححه الألباني في صحيح الترمذي 2168.

([15]) تفسير القرطبي 10/110.

([16]) أخرجه أحمد (1/7، رقم 35)، وابن ماجه (1/138، رقم 138).

([17]) هو محمد بن مروان الكوفي، ويعرف بالسدى الصغير، صاحب الكلبى، كذاب، ذاهب الحديث، لا يُكتب حديثه البتة. انظر ترجمته في الجرح والتعديل 8/86.

([18]) أخرجه أحمد (4/136، رقم 17264)، وأبو داود (3/318، رقم 3644).

([19]) انظر تفسير الطبري 16/64.

شاركها مع أصدقاءك