بواسطة :
الزيارات : 977 مشاهدة

ألقيت هذه الكلمة

في حفل وقف السلام الخيري

السبت 26/1/1424هـ .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

أيها الإخوة إنني في هذه الساعة جدُّ فرح ومسرور ومغتبط بهذا الخير العميم الذي نراه متتابعًا متواترًا في هذا الجمع المبارك ، ولاشك أن كل مؤمن يحب الله – جل وعلا – ، ويحب رسوله صلى الله عليه وسلم ، ويحب هذا الدين ليفرح أولاً بكل خير يراه ، ثم يسعى في دعم هذا الخير ، وفي تشجيعه وانتشاره ؛ ذلك لأننا نرى أن هذا الزمن مليء بالصوارف عن الحق ومليء بالأمور التي قد تصرف الناشئة والشباب عما أوجب الله – جل وعلا – عليهم .

ووجود مثل هذه الحِلق وهذه الدورات لتبعث الهمة بالاقتداء وتنشر الخير في البيوت ، ويتأثر منها الآباء والأمهات قبل أن يتأثر بها الطلاب والناشئة . وهذا الترتيب الذي رأيناه يحملنا على شكر القائمين على هذه الحِلق والدورات الشرعية وفي مقدمتهم الأخ الشيخ / أحمد بن محمد بن عثمان المنيعي جزاه الله خيرًا هو وجميع الإخوة القائمين على هذا الوقف ، والقائمين على هذا المسجد والحِلق والدورات ، ونطلب منهم البذل والمزيد في نشر هذا الخير في هذا الحي والأحياء المجاورة له .

 ونحن بخصوصنا في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد نضع كل ما لدينا من إمكانيات ومن تسهيلات ومن عون مادي أو معنوي في سبيل إنجاح هذه الحِلق والدورات المهمة هذا الجانب . نسأل الله – جل وعلا – للجميع التوفيق والسداد وأن يبارك في الجهود .

أيها الإخوة : القرآن العظيم هو ذكر هذه الأمة ، أُنزل القرآن وليس لهذه الأمة شأن وليس لها منار فجعل الله – جل وعلا – هذا القرآن شان هذه الأمة ، وجعله منار هذه الأمة ، قال سبحانه : ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ [سورة الأنبياء : الآية10 ] ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ أي فيه ذكر هذه الأمة بعد أن لم يكن لها ذكر ، وفيه رفعتها بعد أن كانت موضوعة ، وفيه علو شأنها بعد أن كانت ضعيفة مبعدة بين الأمم ، وقال جل وعلا : ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ ﴾ [ سورة الحجر : الآية 9 ] وفي هذا الشأن العظيم .

فالواجب علينا أن نحتفل بهذا القرآن ، وأن نُقبل عليه تلاوة وحفظًا وتدارسًا . ولقد سرني ما سمعت من جملة من الحفظة من الشباب والصغار ، فالقرآن حفظه سهل ميسر : ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا ٱلْقُرْءانَ لِلذّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ [ سورة القمر : الآية 17 ] وليس الشأن في الحفظ فحسب بل الشأن في المراجعة والمعاهدة كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم : « تَعَاهَدُوا القُرْآنَ ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا » ([1]) .

هذا القرآن أعطانا العلم النافع في حق الله – جل وعلا – في توحيده ، وفي أمور الغيب ، وفي الحلال والحرام ، وفي القصص والأمثال ، وفي الرقائق . فهذا القرآن منهج متكامل ، من أقبل عليه يريد العقيدة الصحيحة البريئة المتخلصة من آفات المتكلمين وانتحال الفلاسفة والضالين فسيجدها ماثلة أمامه وما بيَّنه أهل العلم في ذلك ، ومن أقبل عليه يريد الحق فيما اختلف الناس فيه فسيجده في هذا القرآن .

ففيه الحلال بيِّن وفيه الحرام بيِّن ، وفيه قصص الأنبياء التي فيها العظة والعبرة ﴿ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى ٱلالْبَـٰبِ[ سورة يوسف : الآية 111 ] ، فيه الخير كله ﴿ مَّا فَرَّطْنَا فِى ٱلكِتَـٰبِ مِن شَىْء ﴾ [ سورة الأنعام : الآية 38 ] . ولكن الشأن في أن نأنس لهذا القرآن وأن نُقبل عليه وأن نُربي الناشئة عليه ، فحريٌّ بنا أن نربي هذا الجيل والناس جميعًا على هداية القرآن ﴿ إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانَ يِهْدِى لِلَّتِى هِىَ أَقْوَمُ ﴾ [ سورة الإسراء : الآية 9 ] .

فإذا سمعنا الله – جل وعلا – يقول في كتابه : ﴿ وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا ﴾ [ سورة النساء : الآية 36 ] ، ويقول :﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا [سورة الإسراء : الآية 23] فيجب أن نربي الناشئة على هذا الأصل الذي أمر الله – جل وعلا – به ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له واجتناب الطاغوت كما أمر به جل وعلا .

إذا سمعنا الله – جل وعلا – يقول في كتابه : ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 132 ] علمنا أن سبب الرحمة التي يفيضها الله – جل وعلا – على عباده هي طاعته – جل وعلا – وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فندعو الناس ونحثهم إلى طاعة الله – جل وعلا – ، وطاعة رسوله – صلى الله عليه وسلم – بما في سنته ، وبما عمله السلف الصالح .

إذا سمعنا الله – جل وعلا – في كتابه يأمر بطاعة ولاة الأمر ﴿ يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ [ سورة النساء : الآية 59 ] فإن تنشئة الناس على هذا الأصل هو امتثال لما أمر الله – جل وعلا – به وازدلاف وقربى له جل وعلا .

إذا سمعنا الله – جل وعلا – في كتابه يأمر بالصبر على كيد الكائدين وعلى عداوة الأعداء فإن أمر الناس بالصبر والأناة والحكمة امتثالاً لأمر الله – جل وعلا – ليس ضعفًا ولا خضوعًا ولا شرودًا عن منهج الله – جل وعلا – قال سبحانه : ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ﴾ [ سورة الروم : الآية60 ] .

وهنا وقفة عند هذه الآية وهي مناسبة هذه الأحداث التي تجري الآن وما يُكاد للمسلمين وما نال طائفة من المسلمين من أذى وقتل ودمار من قِبَل طائفة من أعداء الله جل وعلا ، فإن الشأن في هذا الأمر أن نمتثل للقرآن الكريم وأن نراه أمام أعيينا في كل ما يجري من أحداث ، وذلك وفقًا لآيات كريمات منها قول الله جل وعلا :﴿ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا ﴾ [ سورة النساء : الآية 45 ] فعداوة أعداء الله ليست مجهولة لأهل الإسلام ، بل هي مبينة في القرآن في سورة ( البقرة ) التي تبين عداوة طائفة من اليهود ، وفي سورة ( آل عمران ) التي تبين عداوة طائفة من أهل الكتاب من النصارى وأمثالهم ، وفي سورة ( النساء ) و( التوبة ) وغيرها مبنية عداوة طائفة من المنافقين ، وفي سورة ( المائدة ) مبينة عداوة المشركين ، وفي سورة ( الأنعام ) ، وهكذا .

فأعداء الله – جل وعلا – معلومين نعلمهم من القرآن الكريم ، هذه الأحداث تحتم علينا أن ننظر إلى وجوب موالاة المؤمنين ، موالاة المؤمنين بمحبتهم ونصرتهم بما يُستطاع من النصرة وبالدعاء لهم بأن يرحم الله – جل وعلا – المستضعفين ، وينصر أولياءه ويجعل كلمته هي العليا ، وكلمة الذين كفروا السفلى إنه –سبحانه – جواد كريم . فالدعاء أمضى سلاح وشيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – يقول في معرض كلام له ، “القلوب الصادقة والدعوات المخلصة هي العسكر الذي لا يُغلب والجند الذي لا يخذل “ ([2]) .

والوقفة الثالثة مع هذه الأحداث ومع هدي القرآن فيها يجب أن نعلم منها أنه لا يجوز أن نجعل الذين لا يوقنون يستخفوننا كما قال سبحانه :  فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ  [ سورة الروم : الآية60 ] والذين لا يوقنون لهم مؤسسات ولهم هيئات ولهم ربما أقوام ومن ذلك الكثير مما يجري في وسائل الإعلام ويُقال . فهل يجوز أن يكون المسلم مُستخفًا بما يُقال ، ومُستخفًا بما يُنشر فيتصرف تصرفات لا تتفق مع الشرع لأنه قِيل كذا ونُشر كذا .

ونحن نعلم أن كثيرًا من وسائل الإعلام ليست في أيدي المخلصين من المؤمنين ، إنما يُراد بأهل الإسلام أشياء تبثها تلك الوسائل الإعلامية ، ومن ذلك الشحناء فيما بينهم والتفرق في كلمتهم . ويجب علينا أن نراعي هذا في أن المؤمن يأخذ بالقواعد المحكمة في كتاب الله – جل وعلا – ؛ لأنها من الله وليس له أن يسير وفق استخفاف الذين لا يوقنون ، فعليه بالصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ، وعليه أن يكون صاحب أناة وحكمة ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [ سورة البقرة : الآية 269 ] .

نرى في القرآن أيضًا الحث على اجتماع الكلمة والنهي عن الفرقة بأنواعها ، قال سبحانه : ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 103 ] ، وهذه الآية تدل على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة أولاً ، ثم ثانيًا النهي عن التفرق بجميع أنواعه ، التفرق في الدين ، والتفرق على الولاة ، وثالثًا أن نتذكر النعمة بالاجتماع والائتلاف .

 فمن سعى بأي نوع من أنواع السعي في أن يضعف شأن الاجتماع والائتلاف والاتفاق فإنه سعى في رفع هذه النعمة ، بنص القرآن ﴿ وَٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُم أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فمن سعى في زعزعة هذا الإلف بين الناس فيما بينهم ، وبين العامة وعلمائهم ، وبين العامة ورعاتهم وولاة أمرهم فإنه سعى في سلب هذه النعمة بنص القرآن الكريم . وهذه الشدائد التي تأتي يجب علينا أن نعمل فيها وفق هدي القرآن الكريم ، هذه كلمة اقتضتها هذه المناسبة .

وفي هذا الحفل أشكر القائمين عليه مرة أخرى ، وجميع من حضره تشجيعًا لهذه الناشئة ، وتشجيعًا لهؤلاء الطلاب وأخص بالشكر الآباء والأمهات الذين لا شك أعانوا أولادهم وأعانوا شبابهم وناشئتهم على الالتحاق بهذه الحِلق . كما أشكر أيضًا من دعم هذه الحِلق ماديًا ومعنويًا والمدرسين القائمين عليها ، سائلاً الله – جل وعلا – أن يوفق الجميع لما فيه السداد ، وأن يُرينا عزًا لهذه الأمة وأن يُرينا رجوعًا إلى هذا المنهج القويم ، منهج السلف الصالح المنهج الذي أقره أئمة الإسلام وجاهدوا في سبيله ، جاهد في سبيله الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، وجاهد في سبيله أئمة الحديث كالبخاري ومسلم وأبي داود وغيرهم وجاهد في سبيله شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ، وجاهد في سبيله الإمام محمد بن عبد الوهاب وأبناءه وتلامذته ، وجاهد في سبيله جمع كثير من علماء الأمة في أصقاع كثيرة من الأرض ليبقى ما وعدنا الله – جل وعلا – به على لسان رسوله – صلى الله عليه وسلم – بقوله : « لا تزالُ طائِفةٌ مِنْ أُمّتِي ظاهِرِين على الْحقِّ لا يضُرُّهُمْ منْ خذلهُمْ حتّى يأْتِي أمْرُ اللّهِ وهُمْ كذلِك » ([3]) .

 وهذا من فضل الله – جل وعلا – على هذه البلاد أن هيأ لها هذه الدعوة وهيأ لها من ينصرها من ولاة الأمر . أسأل الله الكريم أن يوفقنا جميعًا لما فيه الرشد والسداد ، وأن يقينا العثار والزلل في القول والعمل إنه سبحانه أكرم مسئول ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .



([1]) أخرجه البخاري ( 4 / 1921 ، رقم 4746 ) ، ومسلم ( 1 / 544 ، رقم 790 ، 1 / 445 ، 791 ) . تعاهدوا هذا القرآن : أي واظبوا على تلاوته وجددوا عهدكم بملازمته لئلا تنسوه .

([2]) مجموع الفتاوى ( 28 / 644 ) .

([3]) أخرجه البخاري ( 6 / 2667 ، رقم 6881 ) ، ومسلم ( 3 / 1523 ، رقم 1921 ) .

شاركها مع أصدقاءك