بواسطة :
الزيارات : 980 مشاهدة

ألقيت هذه الكلمة

في مسابقة الأمير سلمان للقرآن

24/2/1424هـ .

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وبعد :

صاحب السمو الملكي الأمير / سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ، صاحب الجائزة وراعي هذا الحفل ، سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية والسعودية ورئيس هيئة كبار العلماء ، أصحاب السمو الأمراء ، والمعالي أصحاب الفضيلة ، أصحاب السعادة حفظة القرآن الكريم والمتنافسين فيه ، أيها الحفل الكريم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإني لأحمد الله – جل وعلا – كثيرًا كما أنعم علينا كثيرًا بأن جعلنا نتنافس ونتسابق في دعم القرآن الكريم ، في دعم حملة القرآن بالجوائز السخية ، وفي دعم القرآن الكريم بما أُنزل له بالحكم به والتحاكم إليه ، والأخذ بمنهاجه .

ولقد عزت هذه الأمة بعد أن لم تكن عزيزة ، وارتفعت بعد أن كانت وضيعة بهذا القرآن العظيم ، قال الله – جل وعلا – لنبيه وللعرب : ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ[ سورة الأنبياء : الآية10 ] وحقًا كان بهذا القرآن الذكر لهذه الأمة بعد أن كانت منسية ، فأنشأ النبي – صلى الله عليه وسلم – بهدي القرآن جيلاً كان رعيلاً أول مقتدًا به .

وأقام الخلفاء الراشدون دولة الإسلام مطبِّقة لهذا القرآن ، وفتحوا البلاد بهداية القرآن ولم يفتحوها بالسيف والسنان ، فدخلت القلوب واشرأبت الأعناق إلى هذه الهداية ، وإلى هذا الدين فانتشرت الحضارة القرآنية والمدنية الإسلامية في أرجاء الأرض رحمة وهداية وسعة فيما ينفع الناس ، وبعدًا عما يضرهم في أمورهم الخاصة ، وفي الأمور العامة .

لقد رفع الله – جل وعلا – هذه الأمة لما رفعت رأسًا لهذا القرآن ، ولما آل الزمن إلى أن خفضت طائفة من هذه الأمة رأسًا بهذا القرآن ، انخفضوا وخفضوا أقوامهم ومجتمعاتهم .

وكان مما هيأ الله به – جل وعلا – لهذا البلد بخصوصه أن قام الإمام الملك الصالح / عبدالعزيز بن عبدالرحمن – رحمه الله تعالى رحمة واسعة – فأقام المملكة العربية السعودية على هداية القرآن ، والناس في ذلك الزمن يتلفتون يمينًا وشمالاً ويتلفتون شرقًا وغربًا في طلب دساتير تحكمهم وفي طلب حضارات يقتبسونها ، فكان الحل هو المعادلة الصحيحة بين هداية القرآن وبين معطيات المدنية التي أقرها القرآن الكريم .

ولما كان الأمر كذلك ، كانت سمة المملكة العربية السعودية منذ ذلك الحين إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك / فهد بن عبدالعزيز أيده الله – كان هذا العهد ، وهذه السمة بارزة في التوازن الكامل الذي دعا إليه القرآن .

فلما ادلهمت الخطوب في هذا الوقت وفيما قبله رجعنا إلى هداية القرآن ، فلم نَهُن ولم نحزن؛ لأن الله – جل وعلا – يقول لنا : ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ [سورة آل عمران : الآية 139] ، ادلهمت الخطوط فرجعنا إلى هدي القرآن فوجدنا الصبر هو المثال .

ووجدنا عدم الاستخفاف بما يُقال ويُنشر هو الأمر الحتمي امتثالاً لقول الله – جل وعلا – : ﴿ فَٱصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ﴾ [ سورة الروم : الآية60 ] فكان الصبر والحكمة لما يُقال ولما يُنشر كان هو الحق ، وألا نقول هجرًا ، وألا نسارع في أمر تكون مضرته على البلاد والعباد ، فضلاً على أن المسارعة في أمر ليس في مصلحة الدين ، وفي مصلحة الناس ليس منهجًا يقره القرآن الكريم ، وفي الآية التي ذكرنا قول الله – جل وعلا – : ﴿ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ﴾ فكان منهجًا لقادة هذه البلاد ، وكان منهجًا لأهل العلم في هذه البلاد ، وكان منهجًا لأهل الفكر والقدوة الصالحة ، ولحملة القرآن ولأهل الدعوة ولخطباء المساجد أنهم لم يكونوا مستخفين بما يُنشر في وسائل الإعلام أو بما تقوله الوسائل التي تتربص بأهل الإيمان سوءًا في أن تضطرب الأفئدة مع ما يُنشر أو مع ما يُقال .

فكنا إذا ما انخبثت الأمور رجعنا إلى القرآن فوجدنا فيه الطمأنينة ، وجدت هذه البلاد بحكمها بالقرآن الكريم الطمأنينة في منهاجها في التعامل مع الناس في جميع شئونهم ، فلهذا دعت إلى الاعتصام بحبل الله تعالى ، وعدم التفرق امتثالاً وإقتداءً بقول الله تعالى :﴿ وَلاَ تَنَـٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُواْ ﴾ [ سورة الأنفال : الآية 46 ] وبقوله تعالى : ﴿ وَٱعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ ﴾[ سورة آل عمران : الآية 103 ] .

وأخذت بمنهج الوسطية لأن الله – جل وعلا – يقول لأهل القرآن ، ويقول لهذه الأمة : ﴿ يأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لاَ تَغْلُواْ فِى دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْحَقَّ ﴾[ سورة النساء : الآية 171 ] فالغلو مذموم بجميع صوره ، وبجميع تصرفاته؛ لأن الحق في الوسط ﴿ وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [ سورة البقرة : الآية 143 ] .

واتسمت هذه الدولة بجميع أفرادها ، بجميع قادتها وعلمائها ومؤسساتها ودعاتها اتسمت بأنها تحمل القرآن قولاً وعملاً ، فلذلك كانت مطمئنة لما اضطرب الناس ، وكانت ناعمة بالأمن لما خاف الناس ، وكانت أمورها ميسرة لما تعقدت أمور الناس ، وكانت تتخذ الرفق في سياستها مثالاً وامتثالاً لقول نبينا – صلى الله عليه وسلم – : « إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأمْرِ كُلِّهِ » ([1]) والرفق كما يكون في التصرفات ، يكون في السياسات ويكون في الألفاظ ، ويكون في التعامل ، فكان الرفق سمة من سمات المملكة العربية السعودية في تعاملها مع الموافق ، وفي تعاملها مع المخالف .

صاحب السمو ، أيها الحفل الكريم إن هذه الجائزة التي تفضل بها سموكم على أبناءكم حفظة القرآن الكريم في جميع مناطق المملكة في دورتها الخامسة هذه قد أحرزت تقدمًا كبيرًا فيما شاهدنا – ولله الحمد – في مستوى الأداء والحفظ ، وفي مستوى العناية بالقرآن في التلاوة والتجويد ، وفي معرفة التفسير فلله الحمد والمنة . ولقد قابل سموكم في مكتبكم الكريم جميع المتسابقين ، وكان عددهم خمسة وخمسين من جميع مناطق المملكة بلا استثناء ، وكانت هذه سمة لكي ينظر سموكم إلى أن هذه الجائزة شملت جميع مناطق المملكة ولم تغادر منها شيئًا ، وكان التنافس فيها عظيمًا لكي يحظى المتسابق بفضل الله – جل وعلا – عليه بهذا القرآن أولاً وأخيرًا .

صاحب السمو / إنا لنشكر لكم هذه الجائزة وهذا الاعتناء وهذا الاهتمام مني ومن جميع زملائي في وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ومن جميع منسوبي الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في المملكة جميعًا ، وما عملكم هذا الدؤوب في هذه الجائزة إلا مثالاً لما توليه حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمة ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني من العناية الفائقة بالقرآن الكريم وبحملته .

وأقول لحفظة القرآن الكريم إن للقرآن الكريم عليكم حقًّا ولا شك ، بأن تكونوا ممتثلين ، له فحامل القرآن يحمل في صدره أعظم ما يُحمل ، بل ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت : الآية 49 ] .

 فحامل القرآن تجده دائمًا موحدًا لله – جل وعلا – مخلصًا لربه سبحانه وتعالى؛ لأن الله – جل وعلا – يقول للناس ولحامل القرآن ﴿ فَٱعْبُدِ ٱللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ ٱلدِّينِ[ سورة الزمر : الآية 2 ] ، حامل القرآن تجده مطيعًا لله ولرسوله ﴿ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران : الآية 132 ] حامل القرآن بار بوالديه ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّـٰهُ وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا ﴾ [ سورة الإسراء : الآية 23 ] .

حامل القرآن نافع غير ضار أي يأخذ بالنافع ويدع ما يضر الفرد أو يضر المجتمع؛ لأنه طيب ومعه الطيب ، والله – جل وعلا – يقول لنبيه : ﴿ وَقُل لّعِبَادِى يَقُولُواْ ٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾ [ سورة الإسراء : الآية 53 ] حامل القرآن عفو في تصرفاته ، نافع في جميع مجالاته ، قدوة صالحة . خذوا بذلك وامتثلوا القرآن في أقوالكم وأعمالكم .

ثم إني لأشكر جميع الذين أسهموا في إنجاح هذه المسابقة من أمانة المسابقة وأصحاب الفضيلة في لجنة التحكيم وجميع أصحاب الفضيلة ورؤساء الجمعيات لتحفيظ القرآن الكريم ومن أسهم في ذلك من الجهات التأمينية كوزارة المعارف وغيرها ، فللجميع مني الشكر والتقدير لما قدموه لإنجاح هذه المسابقة على مدى عدة أشهر ، كان حصادها الأسبوع الماضي فيما تسابق فيه من رُشِّح لهذه المسابقة .

وأشكر جميع من حضر الحفل وأجاب الدعوى من أعضاء السلك الدبلوماسي وجميع أصحاب الفضيلة المشاركين لنا مهما كانوا . وأسأل الله – جل وعلا – للجميع التوفيق والسداد .

 وختامًا أسأل الله – جل وعلا – أن يجزي سماحة الشيخ / عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ مفتي عام المملكة خير الجزاء على ما أفادنا به من هذه الكلمة ورقق به قلوبنا ، نسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه رضاه .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



([1]) أخرجه البخاري ( 6 / 2539 ، رقم 6528 ) ، ومسلم ( 4 / 1706 ، رقم 2165 ) .

شاركها مع أصدقاءك