بواسطة :
الزيارات : 2٬355 مشاهدة

بسم الله الرحمن الرحيم

المدخل إلى قراءة كتب الحديث

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .

أما بعد :

فإني أحمد الله – جل وعلا – على توالي الاهتمام بالعلم الذي أصله الكتاب والسنة ، فكل علم في هذه الشريعة إنما هو مأخوذ من كتاب الله جل وعلا ، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ أعني العلم المحمود الذي أثنى الله على أهله ، وأثنى عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد قال الله جل وعلا : ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [التوبة : 122] ، وقال أيضًا – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع : « نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ »( [1] ) ، فدل الحديث ودلت الآية على أصل نقل العلم ، ونقل السنة بالرواية ، وكذلك التفقه في دين الله – جل وعلا – في نص القرآن ونص السنة النبوية الكريمة . وإنما يكون إحياءُ السنن بالاهتمام بكتب السنة والعلم وفقه السنة والنقل في ذلك . والمعرفة بكيفية التعامل مع كتب السنة مطلب مهم ، وكان هذا من أهم ما كان يعتني به أهل العلم قديمًا وحديثًا .

الحديث والسنة :

الحديث والسنة لفظان يكثر ورودهما ، فمن قائل : إن الحديث أوسع من السنة لفظًا ومحتوًى ، ومن قائل : إن السنة أوسع في محتواها وفي موضوعاتها ومدلولاتها .

وحينما نقول : علم الحديث فإنه عند أهله المتحققين به يعنون به ما نقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أو عن أصحابه ، أو عن التابعين ، أو عن تابعيهم من الآثار والأخبار ، أي الأحاديث المنقولة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وآثار الصحابة والتابعين وتبع التابعين المنقولة في كتب الحديث .

ولفظ الحديث يشمل كل ما نقل عن هؤلاء في جميع أبواب العلم ، وما نقل عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في التفسير أو في المعتقد أو في الفقه أو في الأخلاق أو في الرغائب أو في الترغيب والترهيب أو في الأذكار . . . إلى آخره .

ويشمل أيضًا ما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم ، وما نقل عن التابعين وتبع التابعين ، ولذلك تجد في كتب السنة والحديث هذه جميعًا ، تجد فيها الحديث المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو الأكثر ، وربما وجدت الأثر عن الصحابي ، أو الخبر عن التابعي وتبع التابعي .

وهذا يدلك على أن لفظ الحديث الذي له كتبه الخاصة به يشمل المنقول عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وصحابته والتابعين وتبع التابعين من الآثار والأخبار في فنون العلم المختلفة .

أما السنة فهي الطريقة التي كان عليها رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه ومن تبعهم بإحسان ، ولذلك فإن لفظ الحديث يظهر منه النقل ، ولفظ السنة يظهر منه الاقتداء ، ولهذا من قال من أهل العلم : إن الحديث أوسع ، أو قال آخرون : إن السنة أوسع ؛ فإن الأمر قريب ، فالحديث يرجع إلى السنة وهي الطريقة والاقتداء ، والسنة ترجع إلى نصها ، وهو الحديث بنقله ونقل رواته .

وإذا كان الأمر كذلك فإن موضوعنا هو : المدخل إلى قراءة كتب الحديث ، ونعني بها كتب الحديث التي يحرص طالب العلم على العناية بها لأجل العناية بعلم الحديث بخصوصه ، وهناك كتب كثيرة ألفت باسم السنة ويُعنَى بها المعتقد ، وهذه متنوعة كثيرة ؛ كالسنة للإمام أحمد ، والسنة لعبد الله ابن الإمام أحمد ، والسنة للخلال ، والسنة لابن أبي داود ، وسنن كثيرة ، ويعنون بكتاب السنة العقيدة ، أي عقيدة أهل السنة والجماعة ، وهذا لا يدخل في كلامنا هنا ، فكلامنا بخصوص المدخل إلى قراءة كتب الحديث .

نرجع إلى ما نحن بصدده ، وهو أن الحديث نُقل ، كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يتكلم بالكلمة ، ويفعل الفعل ، أو يقر بإقرار ، أو يوافق أو يوجه ، وهذا كله يسمعه الصحابة ويرونه وينقلونه ، ولذلك فإن ما نُقل في كتب الحديث يشمل أقوال النبي – صلى الله عليه وسلم – ويشمل أفعاله ، ويشمل تقريراته عليه الصلاة والسلام .

وهذه كلها مشتملة عليها كتب الحديث من حيث الموضوع العام ، فالحديث سُمِعَ ، وإذا كان كذلك فإنه بعد سماعه سيُنقل ، الصحابة – رضوان الله عليهم – نقلوا الحديث ، نقل الحديث بعض الصحابة إلى بعض ، وهذا هو الأكثر ، يسمع من النبي – صلى الله عليه وسلم – كلمة أو يرى منه فعلًا فينقله إلى الآخر ، ولذلك فإننا إذا رأينا في كتب الحديث الصحابي يقول عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فإنه قد يكون سمعه منه مباشرة ، وقد لا يكون سمعه منه مباشرة ، وإنما سمعه من صحابي آخر .

مثال ذلك أحاديث ابن عباس رضي الله عنهما ، ابن عباس من صغار الصحابة ، وقد أتى إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – في حجة الوداع وقال : وقد ناهزتُ الاحتلام( [2] ) ، وقد روى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أحاديث تجوز أو تزيد عن الألف فيما هو موجود بين أيدينا ، لكن قال أهل العلم : إنه لم يسمع ، يعني لم ينقل مباشرة أنه قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلا في اثني عشر حديثًا تقريبًا ، وقال بعضهم : لا ، بل هي سبعة أو ثمانية أحاديث .

فإذن ابن عباس – رضي الله عنهما – فيما نقل وقال : عن النبي – صلى الله عليه وسلم – فهذا مثال لسماع الصحابة بعضهم من بعض ، وهذا كثير ؛ لأن الصحابة جميعًا عدول ثقات ، لا يحتاج إلى البحث في ثقتهم ولا في عدالتهم ، ولا في حفظهم ولا في دقتهم فيما نقلوا ، ومثل هذا كثير فيما ينقله الصحابة بعضهم عن بعض .

ثم تناقل الصحابة ذلك إلى من بعدهم ، ثم التابعون نقلوه إلى من بعدهم ، وكانوا ينهون عن تدوين الحديث ، كما نهى عن ذلك الحسن البصري ، وسعيد بن المسيَّب ، وجماعة ؛ لئلا يختلط الحديث بالقرآن الكريم ، حتى أتى وقت عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد – رحمه الله تعالى رحمة واسعة – فإنه كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم واليه في المدينة : انظر ما كان من حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاكتبه ؛ فإني خفت دُرُوس العلم – يعني ذهاب الحديث – وذهاب العلماء( [3] ) . وهكذا إلى عدد من ولاة الأمصار ، فأخذوا يجمعون ذلك لعمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى ، فلما حانته الوفاة في سنة واحد ومائة من الهجرة النبوية المباركة توفي عمر بن عبد العزيز وبقي الأمر على عدم الجمع على هذه الطريقة .

ثم أتى الإمام الحُفَظَة ابن شِهاب الزُّهْري فانتدب نفسه لجمع السنن ، فبدأ تدوين السنة بشكل ظاهر ، وإلا فإن الصحف التي كُتبت فيها السنَّة موجودة قبل ذلك في عدد من الصحف التي كان يروى فيها بإسناد واحد وفيها حديث صحابي واحد ، أو بعض الأحاديث التي جمعها أحد التابعين . . ولكن بشكل علم مسند أو مبوب فإن أول من انتدب نفسه لذلك ابن شهاب الزهري الإمام المعروف رحمه الله تعالى ، وبعده بدأ الناس في القرن الثاني الهجري يكتبون الحديث ، وكانت أول كتابته على هيئة أحاديث سرد ، يعني على هيئة مسانيد ، يجمع الحديث مسندًا غير مبوب ، ثم دخلوا في التبويب شيئًا ، ومن أوائل من بوبه ونظمه الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة المعروف ، المتوفى سنة تسع وسبعين ومائة ، رحمه الله رحمة واسعة ، فكتب الموطَّأ ، وموطأ الإمام مالك كتبه في قصة معروفة لأحد الولاة ، واعتنى به جدًّا ، وسماه الموطأ لأنه وطأ العلم فيه ؛ أي سهل العلم فيه ، فهو أخصر كتاب في فقه السنة في العبادات والأخلاق وما يلي ذلك والأحكام الفقهية العامة .

اشتمل الموطأ على أحاديث النبي – صلى الله عليه وسلم – المرفوعة ، ثم أحاديث مرسلة ، ثم أقوال الصحابة موقوفة ، ثم بعض المقاطع عن التابعين في ذلك .

وموطأ الإمام مالك الرواية المشهورة له هي للإمام يحيى بن يحيى الليثي ، وهو من أهل الأندلس ، وجاء إلى الإمام مالك وأخذ عنه الموطأ وانتشر كتاب الموطأ بروايته ، ولذلك تجد أن مسلمًا في صحيحه اعتمد في نقله عن الإمام مالك على يحيى بن يحيى الليثي فيما يرويه عن الإمام مالك رحمهما الله تعالى ، بينما اعتمد البخاري على رواية أخرى .

المقصود من ذلك أن ابتداء تدوين العلم كان على هيئة فقه مبوب عند الإمام مالك رحمه الله ، وعلى هيئة مسانيد .

وفي المسانيد التي يروى فيها الحديث مسندًا تنوعت كتب الحديث كثيرًا ، وأكبر المسانيد وأشهرها مما هو موجود بين أيدينا مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني المتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين في بغداد ، رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، وهذا المسند فيه نحو من ثلاثين إلى أربعين ألف حديث ، ولكن النسخة التي بين أيدينا اليوم من المسند سواء الطبعات القديمة أو الطبعات الجديدة ليست بالكاملة ، وإنما ينقصها أشياء مما كتبه الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، يظهر ذلك برؤية الفهرست الذي وضعه هبة الله ابن عساكر رحمهما الله تعالى .

والمسانيد كثيرة جدًّا ، وتبوب تارة على مسانيد الصحابة ، مثل الإمام أحمد ؛ مسانيد العشرة ، ثم مسند المكيين ، ثم مسند المدنين ، على تبويبات . واختلفت نظرة أهل الحديث في ترتيب المسانيد .

صحيح البخاري :

والذي يهمنا بعد ذلك هو تطور كتابة الحديث ، فكُتب الحديث على هيئة نقل مبوب فيه الفقه ، وهذا ظهر في عدد من المصنفات ، ولكن أكبرها وأشهرها وأحظاها بالعناية هو صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى ، والإمام البخاري هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن المغيرة بن بَرْدَزْبَة البخاري ، وقد أسلم جده المغيرة على يد والي خراسان ، ودخل في الإسلام ودخلت أسرته في الإسلام ، وأنجبت لنا تلك الأسرة هذا الإمام الفحل الذي تدين له الأمة بالفضل والمعرفة والعلم ، حيث جمع لها صحيح كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – في كتابه الجامع الصحيح .

هذا الكتاب ( جامع الصحيح ) للبخاري أراد فيه شيئين : الأول أنه أراد جمع الحديث الصحيح بحسب الشروط التي وضعها لنفسه ، يعني كيفية الحكم بالصحة على ما اختاره من الأحاديث ، قال رحمه الله تعالى : ما وضعت حديثًا في مصنفي – يعني في الجامع – إلا ركعت قبله ركعتين .

وهذا الكتاب هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ، وفيه العلم الكثير الذي لا يُستغنى عنه البتة ، بل لقد تنافس العلماء في العناية ومعرفة كتاب البخاري .

والبخاري – رحمه الله – جعل كتابه الصحيح كتاب علم ، ولذلك ابتدأه ببدء الوحي ، ثم العلم والإيمان ونحو ذلك ، فهو كتاب أراد فيه جمع الأحاديث الصحيحة التي يستخرج منها الفقه لسنن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأيامه .

وهذا الأمر جعل لهذا الكتاب المنزلة الكبيرة ، فهذا الكتاب اشتمل على أحاديث مسندة ، واشتمل على تصديرات للأحاديث ، يعني للأبواب ، هذه التصديرات قد تكون غير مسندة ، وهي ما يسميها أهل العلم الأحاديث المعلقة أو معلقات البخاري ، وفيها بعض المعلقات عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أو عن الصحابة ، أو عن التابعين ، وفيها بعض الكلام عن نفسه ، يعني عن البخاري رحمه الله تعالى بنفسه ، وهو قليل ؛ كقوله مثلًا : وقال عمر : تفقهوا قبل أن تُسَوَّدُوا – يعني قبل أن تكونوا سادة تتولون أعمالًا قد تعيقكم عن التفقه – قال أبو عبد الله : وبعد أن تُسَوَّدُوا( [4] ) ، وهكذا في نظائر لذلك .

وصحيح الإمام البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى ، وأجمعت الأمة على أن ما فيه صحيح ؛ إلا أنه نُوزع في نحو أربعة أحاديث قال أهل العلم : والقول فيها قول أبي عبد الله البخاري .

والمصنف حين يكتب كتابًا يرويه ، يعني يقرؤه على تلامذته ، أو يقرءونه من نسخته حتى يجيزهم بالرواية وحتى ينقلوه إلى الناس مرويًّا عنه ، فلم يكن حالهم في ذلك الوقت كحال زماننا ؛ لم يكونوا يؤلفون الكتاب ويضعون نسخة منه عند الوراق أو عند النساخ ، وينسخ الناس منه ويأخذونه ، لم يكن الأمر كذلك ، وخاصة الكتب التي فيها الأسانيد ، وإنما تأتي وتقرأ على المصنِّف .

صحيح البخاري أشهر من رواه عنه الفربري ، والرواة عن البخاري كثيرون جدًّا حتى قال بعض أهل العلم : إنه ربما قرأ عليه في المجلس الواحد تسعون من الناس ، لكن الروايات المحفوظة المشهورة عن البخاري أربع روايات كبيرة ، هذه الروايات الأربع الكبيرة رواية الفربري أشهرها وتفرعت عنها روايات أيضًا متعددة .

وهذه الروايات هناك فروق بينها في لفظ أو في زيادة أحاديث أو في نقصها ، ويعلم ذلك أهل العلم ، ولذلك مع مرور الزمن بعد البخاري ومع النقل فإن هذه الروايات زاد أمرها وكثرت بين أيدي الناس حتى وقع فيها الكثير من الاختلاف ؛ فانتدب الحافظ شرف الدين أبو الحسين علي بن محمد بن أحمد اليونيني ، أحد الحفاظ البارعين ، وأحد أوجه الدنيا كما وصفه الإمام الذهبي رحمهما الله تعالى جميعًا . . انتدب نفسه لجمع روايات البخاري جميعًا فيما وقع تحت يده بجميع الروايات ، ثم أراد من الإمام حافظ العربية الإمام المتقن ابن مالك صاحب الألفية أراد أن يقرأ عليه صحيح البخاري ، فأخذ يقرأ الحافظ اليونيني البخاري والناس معهم الروايات وابن مالك يصحح اللفظ ويضبط البخاري ضبط المصحف ، وابن مالك بعد ذلك استجاز رواية البخاري من شيخه اليونيني فأجازه في جملة من أجازه .

الحافظ اليونيني كتب نسخة من صحيح البخاري فيها جميع الفروقات في مجلدين ضخمين فيها جميع الفروقات التي بين روايات البخاري مما زاد ومما نقص ، مثال ذلك من الفروقات مثلًا في الدعاء بعد فراغ المؤذن نقول : « اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة ، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة » ، بعض الناس يقول : « والدرجة العالية الرفيعة » ، هذه ليست في أكثر روايات البخاري ، ثم تأتي في آخرها : « آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه اللهم مقامًا محمودًا الذي وعدته » في نسخ البخاري تقف هنا ، وفي رواية الكشميهني التي صححها اليونيني في كتابه زاد : « إنك لا تخلف الميعاد » ، وهي صحيحة مروية في رواية معتمدة عن الإمام البخاري في ذلك .

ولذلك ينتبه بعض طلاب العصر ممن يعانون العلم بالحديث أو التخريج أو العناية بالألفاظ أنهم لا يستعجلون في تخطئة العلماء السابقين والحفاظ المبرزين من سلف هذه الأمة إذا عزوا حديثًا للبخاري ، أو عزوا حديثًا حتى لغيره إلا بعد البحث والتحري عن اللفظة .

الحافظ اليونيني لما جمع فروقات البخاري في هذين المجلدين الضخمين لتكون حجة له في حفظ صحيح البخاري ، ولتكون في يد العلماء ، اختصرت هذه النسخة إلى نسخة أخصر منها فيها الفروقات ، وجعلت في داخل النص بعلامات بالحمرة وهي التي اعتمد عليها أكثر المتأخرين .

ومن أهم شروح الحديث التي اعتمد فيها مؤلفها على نسخة اليونيني شرح الحافظ القسطلاني – رحمه الله تعالى – المتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة في كتابه المشهور ( إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ) فإنه من مزايا هذا الكتاب أنه اعتمد فيه على كتاب اليونيني ، وكان عنده مجلد منه ولم يجد الآخر ، وإنما تلقفه من هنا وهناك ، ثم وجده فأكمل شرح كتابه على ذلك .

أما كتاب ( فتح الباري ) للحافظ شهاب الدين أحمد بن علي ابن حَجَر العسقلاني المتوفى سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة للهجرة – رحمهم الله تعالى جميعًا – فإنه لم يعتمد اعتمادًا كليًّا على رواية من روايات اليونيني ، وإنما شرح على نسخة من نسخ البخاري المعتمدة ، وهذا الشرح موجود ، ولذلك يمتاز شرح القسطلاني على شرح ابن حجر بأن المدرس لصحيح البخاري المعلم الذي يريد أن يفهم صحيح البخاري في ألفاظه ومعانيه وتراكيبه وفقهه بتسلسل تعليمي والروايات ؛ هذا المدرس يعتني في ذلك بإرشاد الساري ، أما فتح الباري فكما قيل : لا هجرة بعد الفتح ، ففيه الكثير الكثير من المعلومات المختلفة ؛ منها الرواية والدراية والخلافات والألفاظ والضبط مما لا يحتاج فيه العالم للتحرير في الرواية والدراية وفقه الحديث وكلام أهل العلم وشراح الصحيح بعد فتح الباري إلى شيء ، لكن المعلم لا يستغني عن إرشاد الساري إلى صحيح البخاري .

وشروح البخاري كثيرة جدًّا حتى بلغت نحوًا من ثمانين شرحًا أو تزيد ، منها المطبوع وهو كثير ، ومنها المخطوط وهو أكثر ، وبعضها يأخذ من بعض .

صحيح البخاري هو أول الكتب الستة ، والكتب الستة مصطلح عند أهل العلم على ستة كتب ؛ أولها صحيح البخاري ، ثم يليه صحيح مسلم ، ثم يليه سنن أبي داود سليمان بن أشعث السِّجْزِي أو السِّجِسْتَانِي ، ثم يليه جامع التِّرْمِذِي ، ثم سُنن النَّسائي ، ثم سنن ابن ماجه .

وهناك من أهل العلم من قال بغير ذلك ، نحو رزين بن معاوية العبدري في كتابه ( التجريد للصحاح الستة ) ؛ وتبعه الحافظ أبو السعادات ابن الأثير الجزري في كتابه ( جامع الأصول ) ، فجعل الموطأ بدل ابن ماجه كما هو معروف عند أهل العلم ، لكن الشهرة لجعل ابن ماجه سادس كتب الحديث .

وهذه الكتب الستة متشابهة ؛ لأنها كتب مبوبة ، وتبويبها العلمي يعين طالب العلم على التفقه .

صحيح مسلم :

ثاني هذه الكتب هو صحيح مسلم ، ومسلم هو مسلم بن حجاج القشيري صَليبة من أنفسهم عربي ، النيسابوري بلدًا ، ألف كتابه الصحيح بعد تأليف البخاري لكتابه الصحيح ، وانتقد – رحمه الله تعالى – في مقدمة صحيحه طريقة شيخه وأستاذه البخاري وشرطه في صحيحه ؛ وذلك أن شرط البخاري في صحيحه أشد من شرط مسلم في صحيحه ، وفي مقدمة مسلم هناك تعنيف شديد من مسلم – رحمه الله – على البخاري في شروطه ، ولكن الحق مع البخاري رحمه الله تعالى ، وهناك من كتب في المحاكمة بين الشيخين في شروطهما .

مسلم – رحمه الله – لم يجعل لكتابه أبوابًا ، والبخاري بوب ، فمسلم ليس عنده في كتابه إلا الكتب فقط ؛ كتاب الإيمان ، كتاب الطهارة ، كتاب الصلاة ، كتاب الزكاة ، كتاب الصيام ، كتاب الحج ، كتاب الجهاد ، كتاب التفسير ، كتاب المغانم ، كتاب الرقى ، كتاب التعبير . . . وهكذا ، وليس هناك أبواب في داخل الكتب .

وأكثر طلاب العلم لديهم النسخة المشهورة من صحيح مسلم التي طبعها الأستاذ محمد فؤاد بن عبد الباقي المصري رحمه الله تعالى ، ومحمد فؤاد عبد الباقي طبع صحيح مسلم في أربعة مجلدات ، لكنه أدخل تبويبات في داخل المتن ليست هي من صنيع الإمام مسلم ، ولذلك ينتبه طالب العلم للحديث وفي نقله للسنة لا يقول : ورواه مسلم في كتاب كذا في باب كذا ، هذا ليس بصحيح من حيث الصناعة الحديثية ، وإنما يقال : رواه مسلم في كتاب الصلاة ، لا يقال : في كتاب الصلاة باب كذا .

فمحمد فؤاد عبد الباقي لما طبع صحيح مسلم عن النسخة التي طبعت في أسطنبول رأى أن تبويبات النووي وعياض ومن شرح صحيح مسلم مناسبة وتقرب صحيح مسلم للطلاب ، فجعل التبويبات ، وهذه التبويبات فيها النَّفَس الشافعي أو المالكي ؛ لأن شراح صحيح مسلم أكثرهم شافعية أو موالك .

ولذلك قد تأخذ من الأبواب حكمًا يتبع فقه الشافعي أو يتبع فقه مالك ، وإنما هو من كلام النووي ، أو من كلام أحد علماء المالكية إما عياض أو من تبعه في ذلك .

لذلك تنتبه أن مسلمًا رحمه الله ليس له تفقه في كتابه ، إنما له الرواية ، وقد ذكر مسلم – رحمه الله – في مقدمة صحيحه أنه قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام ، فأورد الحديث ثم أورد ما يشهد له . ذكر العلماء أن هذا الكلام يؤخذ منه أن مسلمًا في كتابه له أصول وله شواهد ، فيقول بعضهم : رواه مسلم في الأصول ، ويقول بعضهم : رواه مسلم في الشواهد ، وهذا في التحقيق العلمي لا قوة له في كل ما ادعوه ، وإنما قد يصدق أحيانًا ؛ وذلك لأنه لم يبن – رحمه الله تعالى – عن مراده بهذه التقاسيم .

ولذلك نجد أن بعض أهل العلم مثل الحافظ المنذري في تهذيبه لسنن أبي داود ؛ تجده أحيانًا يقول إذا ذكر حديثًا في سنن أبي داود : رواه مسلم . فيأتي من يأتي ويقول : وهِم الحافظ المنذري فإن مسلمًا لم يروه ، وهذا ليس بجيد ، بل ليس بصواب ؛ لأن الحافظ المنذري – رحمه الله تعالى – حافظ ، فهو ينظر إلى الإسناد مع المتن ، ومخرِّج العصر أو الذي يعاني التخريج في هذا العصر هو ينظر إلى المتن دون نظر دقيق إلى الإسناد ، فينظر إلى هذا المتن الذي رواه أبو داود بالسياق الذي جاء في أبي داود وليس في مسلم ، وهو مصيب فإن المتن ليس موجودًا في مسلم ، لكن مسلمًا قال بعد أن ساق متنًا من متون الحديث ليس موافقًا لذلك ؛ قال : وحدثني فلان بمثله ، أو بنحوه ، أو بمثله سواء ، وهذه عبارات تجدها في صحيح مسلم بعد أن يورد المتن يأتي بعده بأسانيد يتبعها بقوله : بنحوه ، بمثله ، بمثله سواء . . وهذه الكلمات لها دلالات عند حفاظ الحديث وأئمة الحديث ، فإن حافظ الحديث يعلم بهذا أن هذا الإسناد له هذا المتن ، فإذا جاء الحديث بهذا الإسناد في أبي داود فلا حرج على الحافظ المنذري وغيره أن يقول : رواه مسلم . ولذلك وجدت عند المنذري في مواضع يقول : رواه مسلم ، ولم يذكر لفظه ، وهذا من العناية الكبيرة .

والحافظ ابن حجر في ( بلوغ المرام ) ربما استعمل ذلك ، وقد وهّمه بعض أهل العصر في أن الحديث ليس في مسلم ، أو ليس في كتاب كذا ، وهو نظر إلى وجود الإسناد وعدم وجود المتن في كتاب مسلم رحمه الله .

سمى مسلم كتابه كما سمى شيخه ( الجامع الصحيح ) ، فالبخاري سمى كتابه ( الجامع المسند الصحيح المختصر من سنن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وأيامه ) ومسلم سماه ( الجامع الصحيح ) ، لكن مسلمًا – رحمه الله تعالى – لم يعتن فيه بالرواية ، يعني بأن يرويه إلى من بعده ، فإنما رواه عن مسلم واحد فقط من تلامذته ، والبخاري رواه عنه الجمع الغفير ، ولذلك في مسلم لا نجد اضطرابًا ولا اختلافًا في الروايات ، لا يوجد إلا رواية واحدة هي هذه ، لا يوجد رواية لفلان ولا رواية لفلان ، وإنما هي رواية لواحد ، مع أنه في روايته لمسلم قد فاته أربعة مواضع لم يسمعها ، ونقلت نقلًا عن كتابه دون سماع ، ولذلك البخاري – رحمه الله تعالى – من حيث الصناعة الحديثية تأليفًا ورواية بلغ القمة ، وأما مسلم من حيث الصناعة والدقة إلى آخره فقد تفنن في صنع كتابه ، لكنه من حيث الرواية فإنه لم يرو كاملًا في نسخة بين أيدينا في الدنيا ، وإنما روي أكثره أو نقول : روي كله على فوات في أربعة مواضع .

والبخاري ومسلم يقال لهما : الصحيحان ، ويقال لهما : الشيخان ، فيقال : رواه الشيخان يعني رواه البخاري ومسلم ، ويقال : خرجاه في الصحيحين يعني صحيحي البخاري ومسلم .

هناك عبارة أحيانًا تقال وهي : متفق عليه ، كلمة متفق عليه اصطلاح متأخر ليست عند المتقدمين ، هذا الاصطلاح بعضهم يريد به اتفاق البخاري ومسلم على الحديث ، وبعضهم يريد اتفاق البخاري ومسلم وأحمد ، وبعضهم يريد به اتفاق البخاري ومسلم وبقية الكتب الستة في أنحاء من الاختيارات ، لكن الشائع أن قول العالم : متفق عليه يريد به أن البخاري ومسلمًا اتفقا على صحته وعلى تخريجه .

سنن أبي داود :

بعد ذلك تأتي كتب السنن ؛ وأولها : سنن أبي داود ، أبو داود – رحمه الله تعالى – تلميذ الإمام أحمد ؛ كتب كتابه هذا ووضع فيه الأبواب والأحاديث لإظهار فقه الإمام أحمد بحسب الرواية التي أخذها أبو داود عنه ، ولذلك تجد أن الحنابلة – رحمهم الله تعالى – يهتمون كثيرًا بسنن أبي داود ؛ لأنه تلميذ الإمام أحمد ، ولأنه اعتنى كثيرًا بالفقه ، فتبويباته عظيمة محررة مشتملة على كثير جدًّا من المسائل .

ومن اللطائف أنه لما صنف السنن عرضه على شيخه أبي عبد الله أحمد بن حنبل ، فقال له الإمام أحمد : يا أبا داود ، لمن صنفت هذا؟ ويقصد بالسؤال يعني لأي فئة من طلاب العلم صنفت هذا التصنيف؟ أبو داود – رحمه الله – قال : صنفته لله . خشي أن يكون صنفه بطلب من أحد الولاة أو أحد الأمراء ، أو أحد التجار ، أو أن أحدًا حركه ليصنف السنن ، ففهم من كلام الإمام أحمد أنه يعني : هل أحد حركك لكي تصنفه؟ والإمام أحمد يريد : لأي فئة من طلاب العلم صنفته حتى وضعت فيه هذه الأبواب وهذه الطريقة؟ فقال أبو داود : صنفته لله . يعني ما أردت به بشرًا ، ولا أحد حركني لذلك ، فقال له الإمام أحمد – رحمه الله – كما نقل ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية : لَله عزيز ، ولكن قل : حُبب إليّ أمر ففعلته( [5] ) . يعني من الصعب أن تقول : أنا ألفت هذا الكتاب لله ، وهذا كما هو موجود الآن فيقول المصنف : أنا ألفت هذا الكتاب وأريد وجه الله ، أو يقول : أنا عملت هذا العمل وأريد وجه الله ، فهذا كلام صعب .

لذلك يقول الإمام أحمد مربيًا تلميذه : لَله عزيز ، ولكن قل : حبب إليّ شيء فعملته .

سنن أبي داود من الكتب المهمة جدًّا في التفقه في كتب العلم ، لكنها اشتملت على الحديث الصحيح والحسن وعلى أحاديث ضعيفة ، هذه الأحاديث الضعيفة هي ضعيفة من حيث الصنعة الحديثية ، من حيث الإسناد والرواة والرجال .

فسنن أبي داود فيها بعض الأحاديث الضعيفة ، لكن الحديث الضعيف فيها موافق لقول الإمام أحمد شيخ أبي داود : إذا لم أجد إلا الحديث الضعيف فإنه خير عندي من الرأي . لهذا فإنه يورد بعض الأحاديث التي في إسنادها شيء ؛ لأن المنقول أحب إليه من أن يجتهد برأي يخطئ ويصيب ، فإن الرواية عندهم أولى من الاجتهاد ، سيما إذا كانت مدعمة بأحاديث أو بقواعد أو بفقه السلف . . . إلى آخر ذلك .

جامع الترمذي :

ثم بعد ذلك جامع الترمذي ، ولا يصح أن نقول : سنن الترمذي . والترمذي هو أبو عيسى الحافظ ، والإمام الترمذي – رحمه الله تعالى – هو محمد بن عيسى بن سورة ؛ كتب كتابه الجامع لأجل أن يكون قريبًا من صنيع البخاري ، ولذلك فإنه جعل فيه من حيث المضمون الكثير من التبويبات ، لكن فقه الترمذي ليس بمنزلة فقه البخاري ، والترمذي أورد فيه أحاديث متنوعة ، أورد فيه الصحيح ، وأورد فيه الحسن الصحيح ، وأورد فيه الحسن ، وأورد فيه الضعيف ، وأورد فيه الغريب .

والحافظ الترمذي في كتابه الجامع لم يترك الأمر دون إيضاح ، ولذلك ختم كتابه بعكس طريقة مسلم ، مسلم جعل مقدمة ، الترمذي جعل في خاتمة كتابه الجامع جزءًا صغيرًا سماه العلل ، ذكر فيه بعض طريقته في ذلك ، وله شروح مختلفة .

كتاب الترمذي اعتُني به كثيرًا مثل سنن أبي داود شرحًا وأداءً وروايةً ، وهناك نسخ كثيرة ، لكنها تختلف زيادة ونقصًا ، وخاصة في الحكم على الأحاديث ، ولذلك تجد بعضهم ينقل عن جامع الترمذي ويقول : قال الترمذي : هذا حديث حسن ، وينقل آخر فيقول : قال الترمذي : حديث حسن صحيح . وهذا ليس بالكثير جدًّا ، ولكنه موجود ، وسبب وجوده اختلاف نسخ الترمذي فيما رواه الترمذي نفسه ، واجتهادات الترمذي نفسه .

وبعض هذا يكون خطًّا من النساخ كما وضحه الشيخ أحمد بن محمد شاكر في شرحه المختصر على الترمذي في المجلدين اللذين طبعهما في حياته ، لكن هذه الاختلافات الكثيرة تجعل الاعتماد على كلام الترمذي إنما يكون فيما لم تختلف فيه النسخ ، أما ما اختلفت فيه النسخ فيصعب أن تقول : قال الترمذي كذا بيقين .

والترمذي له مصطلحات خاصة لا توافق مصطلحات المتأخرين في الألفاظ ؛ فإنه يروي أحاديث مختلفة وتارة يقول : هذا حديث صحيح ، ويقول في أحاديث أخر : هذا حديث حسن صحيح ، ويكون الحسن الصحيح أقوى درجة من الحديث الصحيح ، ولذلك لا يتوهم أحد حين يقرأ كتاب الجامع للترمذي أن مصطلحات الترمذي هي المصطلحات التي نشأت عند المتأخرين بعد ابن الصلاح لما قسموا الأحاديث إلى صحيح وحسن وضعيف ، وصحيح لغيره ، وحسن لغيره . . . إلى آخره ، فإنه ليس مرتبة الحسن الصحيح أقل مرتبة من الصحيح عند الترمذي ، فلا تتصور أن المراتب هي صحيح وحسن ، وإنما قد يكون الحسن الصحيح أقوى من الصحيح لأمور أرادها هو من مثل تعدد الطرق ، فإنه إذا تعددت طرق الحديث فإنه قد يجمع بين الحُسن والصحة ، وهو الأكثر ، فيريد بالحَسن ما ذكره في علله من أنه جاء من غير وجه ، ويريد بالصحة صحة الإسناد بحسب ما اشترط رحمه الله تعالى .

سنن النسائي :

الكتاب الخامس هو سنن النسائي ، وتوفي النسائي – رحمه الله تعالى – سنة ثلاث وثلاثمائة ، والنسائي جعل كتابين : كتاب السنن الذي أسماه السنن ، ثم انتخب منه أو انتخبه بعض تلامذته في كتاب سماه المجتبى من السنن ، وقد يقال : المجتنى من السنن بالنون ، والأكثر شهرة عند أهل العلم المجتبى بالباء ، وهو مختصر من السنن الأصلية التي كتبها النسائي رحمه الله .

والسنن هي التي يسميها المتأخرون السنن الكبرى ، والمجتبى مطبوع وله شروحه ، والسنن الكبرى أيضًا مطبوعة ، سُميت السنن الكبرى تمييزًا لها عن السنن الصغرى ، لكن هي في الحقيقة عند أهل العلم السنن للنسائي ، ثم انتخب منها أو انتخب بعض تلامذته ما اسمه المجتبى أو المجتنى .

قال كثير من أهل العلم : إن الذي يأتي في الكتب الستة هو المجتبى ، وقال آخرون : لا ، بل السنن ، ولذلك نجد أن الذين كتبوا في الرجال من أهل العلم أو كتبوا في الأطراف أدخلوا السنن الكبرى ؛ من مثل كتاب الكمال للحافظ المقدسي ، وفروع كتاب الكمال ؛ كتهذيب الكمال للمزي ، وتذهيب الكمال للذهبي ، وتقريب التهذيب ، وتهذيب التهذيب ، وكتب كثيرة في ذلك ، فأدخلوا رجال السنن الكبرى في ذلك ، كذلك الحافظ المزي لما وضع كتابه ( تحفة الأشراف إلى معرفة الأطراف ) فإنه أورد النسائي وأراد به سنن النسائي الكبرى في ظاهر صنيعه .

وسنن النسائي مبوبة ، وفيها فقه عزيز فيه أناة ؛ فإن تبويبات النسائي فيها دقة كبيرة ، وإيراده للأحاديث في تسلسلها في السنن أيضًا فيه ترتيب منهجي بحسب درجات الحكم وتنويعاته ، ولذلك يعتني من قرأ في السنن بهذا الفقه فإنه كثير الفائدة وكثير العوائد في معرفة فقه الحافظ أحمد بن شعيب النسائي رحمه الله تعالى .

سنن ابن ماجه :

ثم آخر هذه الكتب سنن ابن ماجه ، للحافظ ابن ماجه ، وماجه هذا لقب لجده ، فمن قائل : إن ماجه هي أمه ، ومن قائل : إنه لقب وليست بأمه ، وهي كلمة فارسية أعجمية لا يصح معها أن تبدل الهاء تاء ، يعني لا تقول : ابن ماجة ، وإنما هي هاء مسكنة غير معربة ، دائمًا .

ابن ماجه في كتابه السنن ليس له شرط فيه ، وإنما أورد فيه الأحاديث وبوبه أيضًا تبويبًا حسنًا في ذلك ، وهذا التبويب لابن ماجه ارتضاه كثير من أهل العلم لاشتماله على الكثير من الفوائد والتبويبات ، وله شروح كثيرة .

فهذه لمحة بإيجاز عن الكتب الستة .

كتب الأئمة الأربعة والمستخرجات والمعاجم والمصنفات :

الأئمة الأربعة كل واحد منهم له مسند أو له كتاب في الحديث ، ذكرنا الإمام مالك وله الموطأ ، والإمام أحمد وله المسند ، والشافعي أيضًا مسند مطبوع يسمى مسند الشافعي ، وهذا المسند مجموع ؛ جمعه الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي من كتبه وجعله في مسند ، وسماه مسند الشافعي . أو من روى عن الربيع ونسبه للربيع . كذلك الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زُوطَى – رحمه الله – المتوفى سنة خمسين ومائة جُمع له كتاب اسمه المسند ، أو جمعت مسانيد باسم مسانيد الإمام الأعظم ، وهذه كلها من صنيع التلامذة ، فليس من الأئمة الأربعة من صنف في الحديث إلا الإمام أحمد ومالك وله الموطأ .

وبسنن ابن ماجه يتم الكلام عن الكتب الستة ، وكتب الحديث متنوعة كثيرة ، والعلماء صنفوا فيها باعتبارات مختلفة ، فهذه كتب مصنفة مبوبة ليفقه العلم ، وليؤخذ العلم مسندًا ، وليتفقه في الأحاديث بما فيها من علم ينبئ عنه تبويب صاحب الكتاب .

هناك كتب أخرى في الحديث إنما هي صنعة المسندين ، لا تصلح لعامة طلاب العلم في القراءة ، إنما هي صنعة المسندين ، أو الذين يريدون التخريج ويعانون المرويات وما أشبه ذلك ، من مثل المستخرجات ؛ فهناك مستخرجات على البخاري ، ومستخرج على مسلم ، ومستخرج على أبي داود . . . إلى آخره ، وهناك كتب المعاجم المختلفة ؛ من أشهرها معجم الطبراني الصغير والأوسط والكبير ، وهناك مسانيد كبيرة أيضًا جدًّا من مثل مسند ابن أبي شيبة ، ومسند بقي بن مخلد تلميذ الإمام أحمد ، وهو مسند كبير جدًّا جدًّا يقال : إنه أكبر مسند صنف .

وهناك كتب تسمى المصنفات ، يعني صُنفت على الأبواب ، كمصنف ابن أبي شيبة ، ومصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة إحدى عشرة ومائتين ، ومصنف معمر ومصنف ابن أبي عروبة ، ومصنفات كثيرة في ذلك ، هذه المصنفات تمتاز بأنها تجمع كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – والصحابة ، والتابعين ، وتبع التابعين ، كل كلمة يُروى فيها شيء مما يفيد في التفقه .

فقه الحديث :

نأتي إلى ما يهم طالب العلم في ناحية التفقه والعناية بفقه الحديث ، وهو المقصود من طلب العلم ، فإن العلم بالحديث رواية ودراية ، وإن الرواية مهمة ، والدراية أهم ، والدراية نعني بها المعنى الأخص لها وهو أن يتفقه في الحديث .

عدد من العلماء جمعوا أحاديث الأحكام في كتب خاصة ، وهذه الأحاديث التي جمعت في كتب خاصة هي التي ينبغي على طالب علم الحديث أن يعتني بها ؛ لأنها في هذا الزمن تختصر عليك الوقت ، ومن أهمها ثلاثة كتب :

1 – كتاب ( عمدة الأحكام ) لأبي محمد عبد الغني المقدسي الحنبلي ، والثاني : كتاب ( منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار ) ، أو ( المنتقى ) للحافظ مجد الدين ابن تيميَّة جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام .

أما كتاب ( عمدة الأحكام ) فإنه مختصر جدًّا جمع فيه بعض الأحاديث ، وشرطه فيه أن تكون الأحاديث التي فيه جاءت في الصحيحين أو في أحدهما ، فهذا شرطه فيها أن يكون الحديث صحيحًا ، والأحاديث لا تبلغ خمسمائة حديث ، لذلك كان طلاب العلم يحفظون عمدة الأحكام هذا لحسن ترتيبه ولانتقاء ألفاظه ، والمنتقي لها حافظ إمام .

2 – بعد ذلك جاء الحافظ مجد الدين ابن تيميَّة فكتب كتابًا طويلًا في الأحكام سماه ( المنتقى ) ، هذا المنتقى فيه نحو ستة آلاف حديث ، وكان بعض أهل العلم يحفظها ، وقد جمع فيه الأحاديث التي يُحتج بها في الأحكام عند أصحاب المذاهب الأربعة ، وخاصة عند علماء مذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ، ولذلك لا تكاد تجد مسألة لأصحاب المذاهب فيها حجة ، وخاصة مذهب الإمام أحمد إلا ودليلها موجود في كتاب المنتقى لمجد الدين ابن تيميَّة .

و( عمدة الأحكام ) له شروح كثيرة جدًّا ، وهذه الشروح متعددة ؛ منها الطويل ومنها المختصر ، و( منتقى الأخبار ) له الشرح المشهور ( نيل الأوطار بشرح منتقى الأخبار ) ، وهذه كتب مهمة جدًّا ونفيسة لا بد من العناية بها .

3 – كتاب ( بلوغ المرام إلى أدلة الأحكام ) للحافظ أحمد بن علي ابن حجر شهاب الدين ، وشرطه فيه الأحاديث التي يشتهر الاحتجاج بها في كتب الفقه ، لم يورد كل شيء ، لذلك بعض الناس قالوا : أحاديث كثيرة فاتته ولم يورد الدليل كذا ، وإنما الأحاديث التي يشتهر الاستدلال بها فإنه أوردها ، وأوردها مخرجة ، وفي كثير منها يتبع التخريج بحكمه ؛ بحكم الحافظ ابن حجر على الحديث .

و( بلوغ المرام ) له شروح كثيرة ، وخاصة في اليمن ، ومن الشروح التي يعتني بها العلماء شرح الأمير الصنعاني الذي هو ( سبل السلام في شرح بلوغ المرام ) .

وحسن قراءة هذه الكتب الثلاثة بالخصوص يعطي ملكة فقهية في الاستدلال عالية .

ونسأل الله – جل وعلا – أن يجعلنا ممن منّ عليهم بالفقه في الدين وباتباع سنة سيد المرسلين ، جعلنا الله ممن يحشر تحت لوائه يوم لا ينفع مال ولا بنون ، ونضر الله وجوهنا جميعًا ، إنه سبحانه جوَاد كريم ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

*** *** ***

الأسئلة

سؤال : كيفية التدرج في طلب علم الحديث؟

جواب : الحمد لله وبعد :

علم الحديث يشتمل على علم الدراية وعلى علم الرواية ، والدراية اختلفوا في تفسيرها ، لكن نأخذ من تفسيرها المقصود بالدراية ؛ وهو فقه الحديث ، والرواية هي فهم الأسانيد وكيفية نقل الحديث وتصحيح الأسانيد .

والتدرج في طلب علم الرواية هذا له شأن وله كلام وتفصيلات . .

والتدرج في شأن فقه الحديث له شأن ، وسأذكر ما يتعلق بفقه الحديث :

الذي تبعه أهل العلم ممن تفقهوا في الدين وأخذوا بعلم الحديث وتفقهوا في الأحكام أنهم أولًا يبدأون بـ( عمدة الأحكام ) ، وعمدة الأحكام كتاب مختصر ، وله شروح كثيرة ، فيحفظ طالب العلم العمدة ويستمع إلى شرح من شروحه أو يقرأ ويدقق .

وهناك شروح كثيرة فيها الكثير والكثير من الفوائد ، وهي متقاربة ليس بينها ثَم كبير فرق .

ثم بعد العمدة يذهب طالب العلم إلى ( بلوغ المرام ) ؛ لأن العمدة فيه ما اتفق على صحته من الأحاديث ، وأما ( بلوغ المرام ) فهو فيما اشتهر الاستدلال به في مسائل الفقه ، فإذا حفظ بعد ذلك ( بلوغ المرام ) فإنه يأخذ حصيلة أوسع ، وهذا الذي يعمله طلاب العلم في القديم ؛ فإنهم يحفظون ( العمدة ) ثم يحفظون ( بلوغ المرام ) ، ويقرءون شرحًا من شروح ( بلوغ المرام ) مثل ( سبل السلام ) أو غيره ليكون معينًا لهم على فهم أوجه الاستدلال .

بعد ذلك في المرحلة المتقدمة يأتي كتاب ( المنتقى ) وشروحه ، والمنتقى طويل ، ويندر من حفظه من أهل العلم ، فيمر عليه طالب العلم ويقرأ معه شرح ( نيل الأوطار ) ؛ فإن شرح ( نيل الأوطار ) ممتع جدًّا ، ولكن ينتبه إلى ألا يكون متأثرًا بالاجتهادات البعيدة للإمام محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى .

إذا أدرك ذلك طالب العلم فإنه بعد ذلك يتفقه مباشرة في كتاب البخاري ومسلم وسنن أبي داود وبقية كتب الحديث ، لكن لا يعني هذا أنه وهو يقرأ هذه الكتب ويتفقه فيها أنه لا يطالع البخاري ، ولا يطالع مسلمًا ، بل بالعكس هو يهتم بهذه الكتب ويطالع البخاري ومسلمًا بنَهَم ، وكذلك كتب الحديث ، حتى يكون على بينة من الفرق ما بين تصنيف الأولين وما بين تصنيف المتأخرين ، هذا من جهة ، ومن جهة ثانية حتى يكون مرتبطًا بالأصل ، لكن لا يصلح كطريقة منهجية في طلب العلم أن يكون مقتصرًا على الكتب الستة قراءة وشرحًا ، ولا يصلح أيضًا أن يكون مقتصرًا على هذه الكتب الثلاثة العمدة والبلوغ والمنتقى حفظًا ومدارسة ؛ لأنه سيفوته الكثير من علم الحديث من جهة الدراية والتفقه في ذلك ، والله أعلم .

سؤال : هل في الكتب الستة أحاديث موضوعة؟ وما معنى قولهم : رواه الجماعة؟

جواب : أما الأحاديث الموضوعة فإن الكتب الستة لا يوجد فيها حديث موضوع متفق على وضعه ، يعني اتفق العلماء على أنه موضوع ، وإنما قيل في بعض أحاديث الترمذي ، أو لحديث في سنن أبي داود ، أو لبعض الأحاديث في سنن ابن ماجه ؛ حيث حكم عليها بعضهم بالوضع ، ولكن هذا ليس بصحيح ، ليس في الكتب الستة حديث موضوع ، وإنما فيها بعض الأحاديث الضعيفة لغرض في الاستدلال .

أما قول : رواه الجماعة ، فهذا مصطلح للحافظ مجد الدين ابن تيميَّة ومَن تبعه في ( منتقى الأخبار ) ، يريد بالجماعة أحمد والكتب الستة ، وهناك من أراد غير هذا ، لكنه اصطلاح غير علمي ، فكلمة الجماعة ما لها معنى ، إنما هو اصطلاح تصنيفي حتى لا يكرر المصنف قوله : رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة ، أو رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود . . . فهو اصطلح على هذه العبارة لكنها ليست تعبيرًا علميًّا دقيقًا .

سؤال : كيف أبدأ بقراءة ( فتح الباري )؟ وهل تحصل الفائدة بالمرور عليه سريعًا؟

جواب : تحصل الفائدة بقراءة ( فتح الباري ) ، فما له علاج إلا بقراءته ، ومن أدمن قراءة ( فتح الباري ) صار عنده دربة في معرفة طريقته ؛ كيف يعاني أولًا التخريج والألفاظ والروايات ، وبعد ذلك يدخل في التفقه واختلاف الشراح . . . إلى آخره ، فللحافظ طريقة معروفة ، والحافظ ابن حجر مكث في تأليف فتح الباري نحو ثلاثين سنة وهو يؤلف ويجمع في كتابه ، والكتاب ليس كتابًا علميًّا ميسورًا ولكنه كتاب مليء بالفوائد ، ولذلك يعسر إلا على طالب علم متحقق به ، لكن من أدمن النظر فيه فإنه يحصل عنده ملكة .

أما صحيح مسلم فليس له من الشروح ما يبل القلب ، هناك مسائل كثيرة وتجد ألفاظًا وروايات وإشكالات لا تجد جوابًا عنها ، ولكن البخاري خُدم وأما مسلم فلم يخدم الخدمة اللائقة به .

سؤال : هل أقوال الرسول – صلى الله عليه وسلم – نُقلت إلينا باللفظ أو بالمعنى؟ وإذا كان بالمعنى كيف نجزم أنه قول رسول صلى الله عليه وسلم؟ طرحت هذا السؤال لأن البعض في بلادنا الهند يشوشون على العامة أن الحديث بالمعنى وليس باللفظ ، أفيدونا جزاكم الله خيرًا .

جواب : أولًا لا شك أن الأحاديث تُنقل بالسماع ، لم تكن كتابة ، ولذلك النبي – صلى الله عليه وسلم – دعا لمن أدى ما سمع كما سمع ، فقال في خطبة الوداع وقد حضرها مائة ألف أو يزيد : « نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى – يعني أفقه – مِنْ سَامِعٍ »( [6] ) يعني يمكن أن يكون الأول حظه الحفظ ، ويكون الثاني متفقهًا أي عنده فقه في الدين فينقل ما سمع إلى من هو أفقه منه ، ولذلك جاء : « رب ناقل فقه غير فقيه ، ورب ناقل فقه إلى من هو أفقه منه » .

والأصل في نقل الصحابة – رضوان الله عليهم – أنهم نقلوا باللفظ ، لكن ربما نقل بعضهم بالمعنى ، وهم أهل اللغة وأهل الإدراك بالمعاني . . فإذا كان مراد من يقول : إنه نقل بالمعنى ألا تتركوا مذهبًا لأجل حديث – وفي الهند المذهب الحنفي شائع – لاحتمال أن يكون الحديث نُقل بالمعنى ، فإن هذه حجة باطلة ؛ لأن السنة حجة بما نقل إلينا فيها ، إلا ما تبين خطؤه .

وعلماء الحديث ضبطوا السنن ضبطًا دقيقًا جدًّا جدًّا ، حتى إنهم يذكرون أنه – عليه الصلاة والسلام – قال كذا ثم خفض رأسه ثم قال كذا . . قال كذا ثم تبسم فقال . . حتى إنهم في بعض الروايات نقلوا عنه – عليه الصلاة والسلام – أشياء مما يُستغرَب ، مثل ما رواه مسلم في الصحيح في حادثة تأبير النخل لما مر النبي – صلى الله عليه وسلم – على قوم يؤبرون نخلًا فقال : « مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا » ، فهم ظنوا أنه – عليه الصلاة والسلام – حين قال ذلك الكلام قاله في مقام النبوة ، يعني تبليغًا عن الله جل وعلا ، وليس اجتهادًا بشريًّا زراعيًّا ، فهو – عليه الصلاة والسلام – لم يوجههم ، فنُقل كلامه ، ثم بعد ذلك لم يؤبروه ، فشاص النخل ، فأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم : « أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ »( [7] ) ، وفي رواية : « إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا ، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ »( [8] ) ، فهذا ظن بشري ولا علاقة له بالتبليغ ، فلاحظ أنه حتى هذه التفاصيل نُقلت عنه عليه الصلاة والسلام ، ولذلك فإن رواية الحديث سواء نقلها الصحابة باللفظ – وهو الأصل – أو نقلوها بالمعنى فإنها محمولة على النقل باللفظ ، والتابعون ربما نقلوا عن الصحابة باللفظ أو نقلوا بالمعنى ، ثم من بعدهم . . . وهكذا .

ولذلك علماء الجرح والتعديل يميزون بين نقلة الحديث من حيث الضبط ، ولذلك مُيز صحيح البخاري وصحيح مسلم والموطأ لأجل تحري المؤلفين في دقة ما نقل أولئك ، والكلام في ذلك يطول .

فإذن ما احتجوا به سواء رواية باللفظ أو بالمعنى فهم أدرى باللغة ، وهو حجة إلا ما تبين لنا أن الراوي أخطأ فيه .



( [1] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 34 ، رقم 2658 ) ، والإمام أحمد ( 1 / 437 ، رقم 4157 ) .

( [2] ) أخرجه البخاري ( 1 / 26 ، رقم 76 ) ، ومسلم ( 1 / 361 ، رقم 504 ) ولفظه : «أقبلت راكبًا على حمار أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يصلي بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي» .

( [3] ) أخرجه البخاري ( 1 / 31 ، باب : كيف يُقبض العلم )

( [4] ) باب الاغتباط في العلم والحكمة ( 1 / 25 ) .

( [5] ) جامع المسائل لابن تيمية رحمه الله ( 5 / 191 ) .

( [6] ) أخرجه الترمذي ( 5 / 34 ، رقم 2658 ) ، والإمام أحمد ( 1 / 437 ، رقم 4157 ) .

( [7] ) أخرجه مسلم ( 4 / 1836 ، رقم 2363 ) .

( [8] ) أخرجه مسلم ( 4 / 1835 ، رقم 2361 ) .

شاركها مع أصدقاءك