بواسطة :
الزيارات : 3٬462 مشاهدة

كلمة معالي الشيخ

في حفل جماعة تحفيظ القرآن بجامع الرحمانية 1418 هـ

الحمد لله حق الحمد وأوفاه ، و﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا[ الفرقان : 1 ] . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، وصفيه وخليله ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا .

أما بعد :

فإني أحمد إليكم الله – جل جلاله – على نعمه المتواترة ، وآلائه المتتابعة فنُمْسِي في نعمة ، ونصبح من غدٍ في نعمة ، متنعمين بنعم دينية وهي الأعظم ، وبنعم دنيوية نستعين بها على طاعة الله جل وعلا ، فالحمد لله الذي تفضَّل بالنعم ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ[ النحل : 53 ] ، والشكر له – جل وعلا – شكرًا متواصلاً باعتقاد القلب ، وبإقرار اللسان ونطقه ، وبالعمل بالجوارح على ما مَنَّ به – جل وعلا – علينا من هذا الاجتماع المبارك ، الذي نسمع فيه كلام الله جل وعلا ، وندعو فيه إلى الله – سبحانه – بتشجيعنا لهؤلاء الطلاب الذين سرَّنا منهم ما سمعنا من هذه التلاوات الطيبة الحسنة المجودة . فأسأله – سبحانه – أن يُبَارك فيهم ، وأن يجعلنا وإياكم ممن قَرَّت أعينُهم بأولادهم جميعًا .

ثم إن القرآن العظيم هو نعمة الله العظيمة ، الذي به يحق الفرح ، وبه يحق السرور ، فقد قال جل وعلا : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[ يونس : 58 ] . فإنه لما جاءت إبل الصدقة ، وكانت كثيرة قال مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه : يا أمير المؤمنين ، هلم بنا إلى إبل الصدقة ننظر إليها . فلما ذهب الغلام مع أمير المؤمنين ، ورأى كثرة الإبل وسَعَتها ، وكانت محبوسة خارج المدينة في المراعي ، قال : يا أمير المؤمنين ، هذا فضل الله ورحمته . فالتفت إليه عمر ، وقال له : كذبت ، ولكن فضل الله ورحمته القرآن هو خير مما يجمعون ، وهذا مما يجمعون ، وتلا قول الله تعالى : ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ[ يونس : 58 ] ، بعد قوله : ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [ يونس : 57 – 58 ] .

لذلك يحق لنا جميعًا أن نفرح بهذه البراعم الناشئة ، وبأولادنا البررة الذين سعوا في حفظ كتاب الله ، وفي تلاوته ، وفي تجويده ، فرحًا بفضل الله علينا جميعًا أن وَسِعَت صدرونا كلامَ ربنا جل جلاله وتقدست أسماءه ، فله الحمد على ذلك ، وله الثناء الحسن .

ثم إنني أشكر الأخوة الكرام القائمين على هذه الحلقة في هذا المسجد الذين عنوا بهذه الناشئة الذين كَثُر عددهم . ولا شك أن كثرة هذا العدد تحتاج إلى رعاية ، وتحتاج إلى عناية نراها من وراء رؤيتنا لهؤلاء ، فلهم منا الشكر ، وأسأل الله سبحانه أن يشكر لهم سعيهم ، وأن يضاعف لهم أجورهم ، وأن يثبتهم وأن يزيدهم من الهدى ، وأن يزيدهم من النشاط في دعم هذه الحلقة بجهدهم ونشاطهم وتربيتهم وإرشادهم لهؤلاء الناشئة .

ثم إنني أشكر مَن وراء هذا النشاط في منطقة الرياض ، وهو فضيلة الشيخ الجليل / عبد الرحمن بن عبد الله الفريان على جهوده الماضية ، وجهوده الحاضرة ، وجهوده الآتية إن شاء الله تعالى في دعم هذه الحلقات في المساجد . فلا شك أننا نرى جميعًا له من الجهد المشكور على ذلك ما جعلنا ندعو له بأن يثيبه الله – جل وعلا – وأن يجزيه عن المهتمين بالقرآن وأهل القرآن خيرًا ، فإنه سبحانه جواد كريم .

ولا شك أيضًا أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله جل وعلا ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « لاَ يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لاَ يَشْكُرُ النَّاسَ » ([1]) ، فمن ثَمَّ لا بد من شكر أولياء الأمور ، والذين أسهموا في إنجاح هذه الحلقة ، وفي تخريج هذه الدفعة من الحفظة ، ومن التالين لكتاب الله ، والحافظين لعدد من أجزائه ، فلهم منا الشكر الجزيل ، لأولياء الأمور ، وللمعلمين ، ولمن أسهم في جوائز هذه السنة ، لهم منا جميعًا الدعاء أن يبارك الله – جل وعلا – لهم في ذريَّاتهم ، وأن يصلح لهم نياتهم ، وأن يجعلهم مباركين ، وأن يقر أعينهم بأحبابه ، إنه سبحانه جواد كريم .

وكما ترون أيها الإخوة ، أننا في هذه البلاد ، ولله الحمد قد نشأنا على سماع القرآن ، وعلى محبة القرآن ، وعلى تشجيع أهل القرآن . وهذا التشجيع العام ، وهذه العناية العامة لا تكون إلا بإرشاد من ولاة الأمر في هذه البلاد؛ لأنه بدون دعم ومؤازرة وإرشاد ونصح من ولاة الأمر ، وحض على ذلك فإن الخيرات الدينية لا تكون بهذا الشكل المفرح؛ لأن ولي الأمر هو الذي جعله الله – جل وعلا – بيده الأمر في نشر الخير ، وتقليل الشر ، ومكَّنه – تعالى – من ذلك .

فلحكومتنا وعلى رأسها الملك/ فهد بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين ، لهم منا الدعاء الخالص أن يبارك الله – جل وعلا – في أعمارهم ، وأن يجعلهم من الهداة المهتدين ، وأن ينفع بهم عباده وبلاده ، وأن يثيبهم خيرًا على ما قدموا ، وعلى ما أمرونا أن نعمل ، وعلى ما حضونا عليه من بذل الخير في الدعوة إلى الله جل وعلا ، وفي مساندة مدارس تحفيظ القرآن ، وجمعيات تحفيظ القرآن في المملكة العربية السعودية بأجمعها ، بل وفي خارج هذه البلاد .

ولا شك أن وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد تعلم من وصية ولاة الأمر ما لا يعلمه الناس فلهذا نسأل الله – جل وعلا – أن يجزي عنا ولاة أمرنا خيرًا ، وأن يبارك في جهودهم ، وأن يريهم الحق حقًا ، وأن يَمُنَّ عليهم باتباعه ، وأن يريهم الباطل باطل ، وأن يَمُنَّ عليهم باجتنابه .

ثم إنني بهذه المناسبة أوجِّه كلمة للمعلمين الذين يعلِّمون الطلاب القرآن بأن من مقاصد تلاوة القرآن أن يُعْمَل به ، فإن القرآن أُنْزِل ليعمَل به ، ولُيَتذكَّر به ، ولتتدبر آيايه ، كما قال جل وعلا : ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ ﴾ [ ص : 29 ] فجعل الله – تعالى – إنزال القرآن لغايتين :

الأولى : أن يتدبر القرآن .

الثانية : أن يتذكر به أولو الألباب .

وهذا من وراء العمل الصالح بهذا القرآن بأن نعمل بمحكمه ، وأن نؤمن بمتشابهه ، ونصدق أخباره ، ونعمل بالأمر والنهي الذي فيه . لهذا ينبغي على المعلمين أن يحضُّوا الطلاب على معرفة تفسير القرآن؛ لأن القرآن إنما يُعْلَم ويُتَدبر بمعرفة تفسيره ، وقد قال جل وعلا : ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا[ محمد : 24 ] ، وقال – سبحانه – أيضا : ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الأَوَّلِينَ [ المؤمنون : 68 ] .

        وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم : عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْكِلَابِيِّ ، يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : « يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ، وَآلُ عِمْرَانَ »  ، وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ – بَعْدُ ، قَالَ : « كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا » ([2])

وهذا فضل من الله جل وعلا؛ لهذا أوصي الجميع بالعناية بالتفسير ، بتدبر القرآن ، بتحريك القلوب به لكي يكون للقرآن فائدة عظيمة في الإيمان بما جاء به من الأخبار والعمل بما فيه من الأمر والنهي كما قال سبحانه : ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ [ الأنعام : 115 ] . وتمت كلمة ربك صدقًا في الأخبار التي في هذا القرآن ، فلا خبرَ في القرآن إلا وهو محض الصدق ، وعدلاً في الأمر والنهي ، فلا خير إلا في القرآن حض وأمر بالعمل به ، ولا شر إلا وقد حذرنا منه كتاب الله جل وعلا .

ثم أُوصِي المعلمين أيضًا بالعناية بالوقف والابتداء ، بأن يعلِّموا الطالب ما يمتنع فيه الوقف؛ لأن من الوقف ما لا يجوز ، وللأسف مما يحدث ونسمعه أن بعض القراء ، وبعض الطلبة يقف على آيات ، ويستأنف في جمل من الآي ، ويكون مع هذا الوقف وذلك الابتداء خلل إما في عقيدة ، أو في حكم فقهي ، أو لا يتم المعنى ولا يتضح بمثل هذا الوقف والابتداء؛ لهذا لا بد بعد أن يعتني المعلِّم بالتفسير ، أن يعتني بتعليم الطالب الوقف الممتنع في المواضع في القرآن التي يمتنع الوقف فيها لفساد المعنى ، أو لأن الوقف عليها يفهم عقيدة فاسدة أو نحو ذلك .

 وذلك مثل قول الله – جل وعلا – في آخر سورة البقرة : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ ﴾ فبعض الناس يقف على : ﴿ كَمَا حَمَلْتَهُ والله – جل وعلا – لم يحمل إِصْرًا وحاشا لله – تعالى – من ذلك ، بل إذا انقطع النفس بالقارئ هنا أن يقول : ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا ثم يبتدأ ويقول : ﴿ كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا[ البقرة : 286 ] .

ومن مثل ذلك قول الله – جل وعلا – في سورة الأحزاب : ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ فيقف البعض على ﴿ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ﴾ وهذا وقف ليس بجيد ، بل ممتنع عند كثير من علماء السنة؛ لأنه يوافق عقيدة زائغة في زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ، بل الصواب أن يقرأ القارئ : ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء ﴾ ، ثم يستأنف فيقول : ﴿ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ[ الأحزاب : 32 ] .

 ومن مثل ذلك قوله – جل وعلا – : ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ[ آل عمران : 181 ] هذه القراءة الصحيحة والوقف الصواب ، ففيها تمام القول والمعنى ، ولا يسوغ أن يقول : ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ ﴾ ثم يستأنف القراءة : ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ لأن هذا الوقف يوهم احتمال تقرير في ذلك ، وهذا باطل ولا يجوز .

المقصود أنه على المعلِّم أن يعلِّم الطلاب الوقف والابتداء ، وكذلك على الإمام أن يتعلم ذلك ، وهذا إنما يكون بمعرفة التفسير ، وهو فرع من فروع العلم بكتاب الله جل وعلا .

وأسأل الله – جل وعلا – أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته . ثم في ختام هذه الكلمة ، أشكر لفضيلة شيخنا / عبد الله بن عبد العزبز بن عقيل حفظه الله حضورَه لهذا المسجد وتشجعيه لنا ، ولأبنائه الطلاب, وأشكر له جهوده الماضية . وأسأل الله سبحانه أن يجعله مباركًا ، وأن يكتب له أجرًا ، وأن يجزيه عنا خيرًا . هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .



( [1] ) أخرجه أحمد ( 2 / 295 ، رقم 7926 ) ، وأبو داود ( 4 / 255 رقم 4811 ) . وصححه الألباني في الصحيحة 416 .

( [2] ) أخرجه مسلم ( 1 / 554 ، رقم 805 ) ، وأحمد ( 4 / 183 ، رقم 17674 ) . ومن ومن غريب الحديث : تَقْدمه : أي تتقدمه . شَرْق : بفتح الراء وإسكانها أي ضياء ونور . وحِزْقَان : أي جماعتان أو قطيعان أو فرقتان . صَوَافّ : أي بسطت أجنحتها في الطيران . تُحاجَّان عن أصحابهما : أي تُدَافعان الجحيم والزبانية عن أصحابهما ، وهو كناية عن المبالغة في الشفاعة .

 تم بحمد الله

شاركها مع أصدقاءك