بواسطة :
الزيارات : 1٬244 مشاهدة
  • إسم الملف : طالب العلم والاعتناء بكتب السنة - الجزء الأول
  • عدد الزيارات : 1٬244 مشاهدة

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

بسم الله الرحمن الرحيم
طالب العلم والاعتناء بالسنة

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك الحق المبين ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ، هو الصادق الأمين ، وصلى الله وسلم وبارك عليه كلما صلى عليه المصلون ، وكلما غفل عن الصلاة عليه الغافلون .
أما بعد :
فأسال الله – جل وعلا – أن يجعلنا ممن استعملهم فيما يحب ويرضى ، وبارك لهم في أقوالهم وأعمالهم ، ومنحهم التوفيق في حركاتهم وسَكَناتهم ، إنه – سبحانه – جوَاد كريم ، وغفور رحيم ، وهو على كل شيء قدير ، جل جلاله ، وتقدست أسماؤه ، وعلت صفاته .
أهمية السنة :
مما يجدر التنبيه عليه والاهتمام به من كل طالب علم الاعتناء بالسنة والحديث ؛ لأن السنة هي أصل العلوم ؛ فهي : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . والنبي – عليه الصلاة والسلام – بيّن للناس الدين في حياته بأقواله وأفعاله ، فحقيقة رسالة النبي – عليه الصلاة والسلام – هي إيداع سنته في الناس ، وبيان ما أمره الله – جل وعلا – بإبلاغه قولًا وعملًا ، ولهذا كان أعظم ما يعتني به طالب العلم بعد العناية بالقرآن أن يعلم سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – العلمية والعملية ، بما فيها العقائد والأحكام ، وعلوم القرآن والتفسير ، والآداب والأخلاق والسلوك . . إلى آخر ذلك من أنواع وموضوعات السنة .
فالاهتمام بالحديث وبالسنة يجعل طالب العلم قويًّا في مَلَكَته ، متصلًا على الحقيقة بميراث الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي – عليه الصلاة والسلام – إنما ورّث أمته العلم ، والله – جل وعلا – أمرنا في كتابه في أكثر من ثلاثين موضعًا بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، الطاعة هنا في الأخبار باعتقادها ، واعتقاد ما دلت عليه ، وفي الأحكام والأوامر والنواهي بامتثالها بحسب الاستطاعة ، والانتهاء عما نهى الله – جل وعلا – عنه ، والاستغفار عن التقصير ، وهذا مع غيره إنما يُعلَم بالسنة وبالحديث .
ولهذا كان العلم في زمن السلف – زمن الصحابة رضوان الله عليهم ، وزمن التابعين وتبع التابعين – إما أن يكون آية محكمة أو سنة ماضية ، هذا هو العلم ، والصحابة اجتهدوا ، ثم بعد ذلك صار إضافة إلى الكتاب والسنة هناك هدي الصحابة واجتهادهم وما قالوه ، ولهذا قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى :

العِلم قــــــــال الله قال رسوله      قال الصحابة ليس خُلفٌ فيهِ

ما العلم نَصْبُك للخِلاف سفاهةً     بين الرسول وبين رأي فقيهِ

أو كما قال أيضًا ابن القَيِّم – رحمه الله – في النونية :

العِلم قال الله قال رسوله       قال الصحابة هم أولو العرفانِ

ما العلم نَصْبُك للخلاف سفاهةً      بين الرسول وبين رأي فلانِ

وهذا يشمل الخلاف في رد السنة لخلاف أحد المتكلمين في العقائد ، وهو أعظم الخلاف الذي رُدت به السنة ، ولا يُعذَر فيه أحد ، ثم بعد ذلك يأتي الخلاف الذي حصل بين الصحابة في المسائل العلمية والفقهية وفي تفسير القرآن . . . إلى آخر ما هنالك من خلاف في ذلك ، فصار المتميز عند السلف هو الذي يعلم الكتاب والسنة أكثر ، فمن زاد علمه بكتاب الله – جل وعلا – وبسنة النبي – عليه الصلاة والسلام – كان هو الأعلم وهو الأفقه .
ولهذا مثلًا في الموازنة ما بين إبراهيم النَّخَعِي وبين عامر بن شَرَاحِيل الشَّعْبِي ، وهما فقيهان معروفان ، أحدهما كان في الكُوفة والآخر بالبصرة ، كانوا يقدمون الشعبي ؛ لِمَا كان عليه من السنة والعلم بما قال النبي عليه الصلاة والسلام ، وقلت مخالفته للصواب لأجل كثرة اتباعه للدليل وسماعه له ، فكثرة معرفته بالأخبار وبالسنن وكثرة ما روى منها جعل طائفة من أهل العلم يقدمون ما يقول أو ما يفتي به على غيره .
وهذا هو المعروف في هدي السلف ؛ فإنه إذا زاد العلم بسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – التي منها تفسير القرآن ومنها تقرير التوحيد والعقائد ، ومنها الفقه ، ومنها الآداب ، ومنها هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع المشركين ومع المخالفين ومع صحابته ؛ إذا زاد علمه في هذا كان أعلم وأفقه ، وكان أحرى بالصواب .
وهذا يعني أن هدي السلف الصالح في العلم والتعلم هو الاهتمام بالسنة ؛ سنة النبي – عليه الصلاة والسلام – والأحاديث .
جهود أهل السنة ومصنفاتهم :
ثم يسّر الله الأمر بأن صُنفت كتب الحديث ، فكان من أوائل ما صُنف في ذلك الْمُوَطَّأ لإمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمه الله تعالى ، والموطأ على اختصاره فيه من العلم الشيء الكثير جدًّا ، حتى قال طائفة من أهل العلم : ليس بعد كتاب الله أصح من موطأ مالك بن أنس . وذلك لأجل أنه كان قبل كتاب البخاري ومسلم ، ثم لما تتابع أهل العلم في التأليف في الحديث وفي كتابة السنن تنوعت المصنفات ما بين صحاح ومسانيد ومعاجم وأجزاء حديثيه وأنواع كثيرة من التآليف معروفة عند المتتبعين .
وكان من أجلّ ما كتب أهل العلم الكتب الستة المشهورة ؛ كتاب البخاري أبي عبد الله ، وكتاب مسلم بن الحَجَّاج ، وكتاب أبي داود السِّجِسْتاني السنن ، وجامع أبي عيسى التِّرْمِذِي ، والْمُجْتَبَى للنَّسَائي ، والسنن للحافظ ابن ماجه ، رحمهم الله تعالى .
وهذه الكتب مصنفة على الأبواب وعلى الموضوعات .
وأما المسانيد فأعظمها مما هو بين أيدينا مسند إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل أبي عبد الله ، الذي كتب وصنف مسنده على الأمصار ، وجعل مسند العشرة ، ثم مسند المهاجرين ومسند الأنصار ومسند المكيين والمدنيين والشاميين . . إلى آخر ذلك ، ثم مسند النساء في آخره .
وهذه الكتب لم يزل أهل العلم يعتنون بها جدًّا ، فالكتب الستة مع مسند الإمام أحمد مع الموطأ والعلم بالسنة من أهم ما يعتني به طالب العلم ، فالاهتمام بحديث النبي – صلى الله عليه وسلم – يقوي في طالب العلم الْمَلَكَة في العلم ، ويقوى به الحفظ ، وتقوى به الدراية في الفقه والفهم ، ويحصل له خير كثير في السلوك وفي معرفة الهدي والسنن في أموره كلها ؛ في بيته وفي لفظه وفي حواره وفي تعامله ، وفيما يأتي وفيما يذر, وفي حُسن خُلقه .
فسنة النبي – صلى الله عليه وسلم – أبوابها واسعة ، وإذا كان الأمر كذلك وأن العناية بعلم الحديث لم يزل أهل العلم يوصون بها ويهتمون بها ، فطلاب العلم بحاجة كبيرة جدًّا إلى العناية بهذا العلم ، والعناية به هو موضوعنا هنا .
ويمكن أن نجعله في عدة نقاط أو موضوعات :
علم الحديث : رواية ودراية :
الرواية :
أما الأول فهو أن علم الحديث قسمه العلماء إلى علم رواية وعلم دراية ، وعلم الرواية قصدوا به نقل الحديث بالإسناد ، فقد كان الصحابة والتابعون في غالب أحوالهم يذكرون سندهم في السنة والحديث منهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، وربما لم يذكروا السند وإنما قالوا : قال النبي صلى الله عليه وسلم . وكانوا إذا نشطوا أسندوا ، وإذا تقاصروا لم يسندوا وأرسلوا .
والرواية يُعنى بها نقل الحديث بالإسناد بالسماع ، فيتحرى أن يسمع من المشايخ الأحاديث فينقلها ويرويها ، ويكتب عنده ما سمع ، أو يكون عند الشيخ الذي سمع منه أجزاء أو كتبًا فيأخذها إجازة ، ويقرأ عليه ، ويكون عنده سماع بذلك ، ثم يرويه كما سمعه ؛ لأجل ما جاء في هذا من الفضل في قول النبي صلى الله عليه وسلم : « نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فوَعَاهَا فأدَّاها كما سَمِعَها ؛ فرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِن سَامِعٍ » (1) .
وهذا الدعاء العظيم منه – عليه الصلاة والسلام – بقوله : « نَضَّرَ اللهُ امْرَأً » يعني جعل وجهه في نضرة ، وهي نضرة النعيم ، دعاء له بالجنة .
وأعظم من جاهد في العلم في الحقيقة هم أهل الحديث بروايته ، فكانوا يرحلون في الأمصار ويطلبون حديثًا واحدًا في رحلة طويلة ، قد رحل بعض الصحابة – رضوان الله عليهم – لأجل حديث ، رحل بعضهم من مصر إلى المدينة ، ومن بغداد إلى الكوفة ، وبعضهم من الشام إلى مصر لأجل حديث واحد ، كما رحل أحد الصحابة في سماع حديث « مَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ » (2) ، جاء يطلب هذا الحديث حتى يرويه ويبقى .
فحرص الصحابة ومن بعدهم على السماع حتى تكونت الرواية ، وهذا الرواية بقيت منقولة بـ “حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وعن” حتى زمن التصنيف ، ثم انتقلت الرواية من هذا الزمن إلى زمن التصنيف ، فصار لا ينقل السماع المفصل لأحاديث مجموعة ، وإنما ينقل سماع الكتب ، فنُقل مثلًا مصنف ابن أبي عروبة سماعًا ، ونقل موطأ مالك سماعًا ، ونقل جامع ابن وَهْب سماعًا ، ونقل مُصَنَّف عبد الرزَّاق ، ومصنف ابن أبي شَيْبَة . . . وهكذا الكتب الستة ، وهكذا المعاجم والمسانيد والأجزاء ، نُقلت بالسماع ، فصارت بدل أن تكون مجموعة كما كان في القرن الأول والثاني يذهب العالم وطالب علم الحديث يذهب يجمع من هذا البلد ومن هذا البلد ومن هذا البلد ثم ينسقها ، صار الأمر مدونًا في الكتب ، فصارت أسهل ، فنقلت بالسماع .
ظلت الرواية بعد ذلك للكتب ، وسواء منها كتب الحديث أو كتب التفسير ، وهناك أيضا رواية للكتب جميعًا ، حتى كتب اللغة ، فأي كتاب إنما يُنقل بالرواية .
فظلت هكذا عدة قرون ، ثم تُركت قراءة الكتب وروايتها بالقراءة والمطالعة ، يعني بأن يقرأ الكتاب على شيخه ثم يجيزه به لقراءته له من أوله إلى آخره ، وفي القرنين السادس والسابع كثرت الإجازة مجملة للحاضر ، بأن يقرأ ثم يحضر من يحضر للختم ويجيز الحاضرين بكل ما رواه ، فكثرت الإجازات .
وهذه تسمى الرواية ، والإجازات باقية في الأمة إلى وقتنا هذا ، ويعتني طائفة من الناس ومن طلبة العلم بهذه الإجازات بقاءً لهذه السنة ، والمحافظة على الرواية ، سواء أكانت رواية للكتب أم كانت رواية للأحاديث ، وهي نادرة ، يعني الأحاديث بدون كتب ، وغالبا ما يُسمِع المجيز للرواية المجاز أول حديث ، وهو الحديث الذي لقب بالحديث المسلسل بالأولية ، وهو حديث « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأرضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ في السَّماءِ » (3) ، وهذا يسمى المسلسل بالأولية ؛ لأنه كان أول حديث يسمعه الطالب من شيخه من القرن الثاني ثم الثالث إلى زماننا الحاضر .
هذا الصنف الأول يسمى الرواية ، والرواية طالب العلم له معها أحوال :
الاهتمام بمعرفة الرواية :
الحال الأولى في طالب علم الحديث اهتمامه بالرواية ، وأن يكون عارفًا بكيفية الرواية في التلقي ، كيف ينقل الحديث وصيغ التحديث ، وكيف يبتدئ المحدث بالحديث سابقًا ، وكيف كتبت الكتب ، وروايات الكتب ، واختلاف هذه الروايات المنقولة ، والأحاديث كيف نقلت بالرواية بزيادة وبنقصان ، وما يتعلق بالرواية التي هي نقل وليست بحثًا في الاتصال أو عدمه ؛ لأن هذا في القسم الثاني, كيف تكون الإجازات وأنواع الإجازات ؟ من هو مثلًا البخاري ؟ من رواة مسلم ؟ من رواة سنن أبي داود ، من الذي روى المسند ؟ ما حال المسند من جهة الرواية ؟ وأشباه ذلك ، ليعرف كيف رُويت الأحاديث ؛ لأن طالب العلم لا بد له من هذه المعرفة إذا أراد التمكن ؛ لأنه يحصل له بذلك فهم لكلام العلماء في مسائل كثيرة في الترجيح وفي النظر وفيما يجيبون به عن الشبهات والأقوال المختلفة .
كان طائفة من أهل العلم لا يهتمون كثيرًا بالرواية في العصور المتأخرة ؛ لأنها أصبحت للنقل ، لا للحفظ ، وإنما يحرص الطالب على الإجازات وعلى كثرة السماع ويرحل من بلد إلى بلد لتحصيل كثرة المشايخ وكثرة من سمع منهم وأجازوه! وهذا صار فيه هبوط في المقصود من الرواية وهو حفظ السنة إلى أن يكون المقصود من الرواية هو التكاثر ؛ كما حصل في الأعصر المتأخرة .
ولهذا امتنع كثير من العلماء عن الإملاء وامتنعوا عن تلاوة الأحاديث بإسنادها منهم إلى النبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأجل كثرة الإجازات وفشوها ، فامتنع طائفة من كثرة السماع وتتبعه كالحافظ ابن كثير مثلًا ، انشغلوا بغيره ، ولهذا الحافظ ابن حجر لما ذكر ابن كثير في ( الدرر الكامنة ) ذكر عنه أنه لم يكن له همة في تحصيل الأسانيد والإجازات كعادة أهل الحديث .
أما في زماننا الحاضر فثم من طلاب العلم ومن المشتغلين بتحصيل الأسانيد من بالغ في تحصيل الإجازات وصارت شغله الشاغل وهمه الذي يفكر فيه دائمًا .
وهذا في الواقع ليس مقصودًا ؛ لأن تحصيل الإجازات والأسانيد وبقاء الرواية هذا مطلوب لأجل الحفاظ على هذه السنة وعلى هدي أهل العلم في ذلك ، لكن هو مقصود لغيره ، المقصود هو الفقه في الدين ؛ لأن الله – جل وعلا – أثنى على من يتفقه في الدين ، أما مجرد تحصيل هذه الإجازات دون علم بما فيها فهذا ليس مطلوبًا ، بل ليس مرغوبًا فيه ، فوُجد من عنده إجازات عالية وأسانيد في بعض الأمصار وليس من أهل الاستقامة أصلًا ، عنده مثلًا الكبائر من الذنوب ، وعنده موبقات ، أو عنده أشياء ليست بحسنة ، وبعضهم على غير طريقة أهل الحديث في سلوكه ، وبعضهم على عقائد باطلة وغلاة في التصوف مثلًا أو في المذاهب البدعية ، وفي العقائد كالأشعرية وغيرها ، وبعض المنتسبين أيضًا لعلم الحديث بالغوا في ذلك حتى صاروا يجمعون هذه الروايات من هاهنا وهاهنا ، وهذا ليس مقصودًا بذاته ، وإنما إذا حصل فلا بأس ، هذا شيء طيب ويحرص عليه طالب العلم ، لكن إذا لم يحصل إلا بتعب فليس هو المقصود .
والناس اليوم بحاجة إلى تعلم العلم النافع ، نعم لا بد من بقاء سلسلة الإسناد وبقاء الرواية ، لكن أن تكون هي الشغل الشاغل فهذا خلاف الأصل والمقصود من الرواية وطلب علم الحديث .
مما يدخل في بحث الرواية أيضًا عند بعض العلماء : معرفة طبقات الرجال والحفاظ ورواة الأحاديث ، حتى يميز في الرواية في السماع وصحته ، يعني في طريقة الأداء واللقي وأشباه ذلك ، لكن هي تدخل في القسم الثاني ، وهو الدراية ، الذي سيأتي بيانه .
ومما يتصل بالرواية أن كثيرًا من كتب أهل العلم التي طبعت ، وخاصة الكتب الستة والمسند ونحوها لم تطبع على رواية واحدة معروفة ، هناك ما طبع على رواية ، لكن الأكثر أنها طبعت على نسخ خطية ، لكن ليست على رواية معروفة ، بأن يقال مثلًا في صحيح البخاري : هذا صحيح البخاري من رواية أبي الوقت ، هذه نسخة الكشميهني ، هذه رواية الفربري عن البخاري ، هذه رواية ابن شاكر عن البخاري ، وهي غير موجودة .
لذلك كثر الغلط عند الذين يعتنون بتخريج الأحاديث اليوم وتحقيق الكتب في أنهم جعلوا هذه الكتب المطبوعة معتمدة في التخريج ، ويتعقبون العلماء الأوائل إذا نسبوا حديثًا وعزوه إلى السنن أو إلى الصحيح ، أو ما شابه ذلك ، يعتمدون على ما بين أيديهم من الكتب في نفي أو إثبات كلام العلماء السالفين ، وهذا غلط جرهم إليه عدم المعرفة بالروايات ورواية الكتب وكيف طُبعت هذه الكتب والنسخ ، وكيف تعتمد النسخة الخطية من غير النسخة المعتمدة .
ولقد أحسن كثيرًا الحافظ الزَّيْلَعِي في ( نَصْب الراية ) حينما تكلم في عدد من المواضع عن أحاديث نسبت مثلًا لسنن ابن ماجه ، وسنن ابن ماجه بالذات فيه اختلاف من حيث التقديم والتأخير ، ولا يقول : هو ليس في السنن ، وإنما يقول : ليس في نسختنا من السنن . ولهذا بعض العلماء المعاصرين المدققين يقول مثلًا : لم أره في الطبعة كذا من سنن أبي داود ، لم أره في طبعة البخاري الموجودة مع فتح الباري الطبعة السلفية ، أو راجعت مواضع كذا وكذا ولم أره .
ومن غير هدي المتحققين بالعلم والعالمين بمنزلة أهل الحديث السالفين والعلماء والأئمة الحفاظ ، من غير اللائق بأهل العصر أن يقول : غلط فلان ووهم فلان ويغلطونهم ، وهو لا يعرف روايات كتب الحديث وما فيها من الاختلاف!
الدراية :
القسم الثاني من علم الحديث : علم الدراية ، وتقسيم علم الحديث إلى رواية ودراية هو تقسيم المتأخرين .
والدارية اختلف فيها أهل العلم على قولين : الأول أن الدراية يُقصَد بها دراية رواية الحديث من حيث صحة السند أو عدم الصحة ، ومنزلة الرجال من الثقة وعدمها ، فترجع الدراية إلى دراية التخريج والحكم على الأحاديث .
وقال آخرون : الدراية إنما هي دراية بالمتن ، لا بالسند ، يعني بفقه الحديث وبما يحمله من العلم .
والأظهر في ذلك أن كلمة الدراية من حيث هي راجعة إلى درى يدري وأنها لفظ مصطلح ، والاصطلاح لا مُشاحّة فيه ، والأظهر أنها تشمل الأمرين ؛ لأن هناك دراية للسند وهناك دراية للمتن ، ودراية السند بتصحيحه ومعرفة رجاله ، ودراية المتن بالفقه فيه .
وهذه الدراية هي التي تنافس فيها العلماء وتميز فيها الأئمة وأهل العلم بالحديث عن أهل السماع والنقل ، فأهل المرتبة الأولى الرواة هؤلاء قد لا يكون عندهم فقه ، وقد لا يكون عندهم علم ، وإنما هم نقلة ، وقد أدوا ما سمعوا ، ونسأل الله – جل وعلا – لهم نضرة في وجوههم ودخولهم في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام .
أما الدراية فهذه تشمل دراية الأحاديث المروية صحةً وضعفًا ومنزلة الرجال وطبقات الرجال ، وكلام أئمة أهل الجرح والتعديل وما يتصل بذلك من المباحث ، ودراية المتن بمعرفة فقهه واختلاف العلماء في ذلك ، وهاتان المسألتان يأتي الكلام عليهما فيما نستقبل إن شاء الله تعالى .
رجال الحديث :
الموضوع الثاني هو موضوع رجال الحديث ، وهو جزء من الدراية التي ذكرنا : دراية الرواة أو دراية الحديث ، وتشمل دراية الرواة ودراية الإسناد من حيث الاتصال وعدمه ، ودراية الحديث من حيث الصحة والضعف . أما الرجال فعلم الحديث في معرفة الرجال علم طويل وصعب ، وكان العلماء سابقًا يستصعبون البحث في الرجال ومعرفة رجال الحديث ، وقليل منهم مَن يُحسِن ذلك ؛ وذلك لأن المسألة ليست مقتصرة على تحصيل كتب الجرح والتعديل كالكمال ، وتهذيبه ، وتهذيب التهذيب ، أو التاريخ الكبير ، والجرح والتعديل ، والضعفاء للعقيلي ، والكامل لابن عَدِي ، وطبقات الحفاظ . . . إلى آخره ، تحصيل هذه الكتب ليس كافيًا في أن يكون طالب العلم عارفًا بالرجال .
وعلم الرجال مهم ، لكن لا يمكن لكل أحد أن يبرز فيه ؛ لذلك هناك قدر يحتاجه طالب العلم في معرفة الرجال ، وهو أن يعلم مشاهير علماء الحديث وحفاظ الحديث في كل طبقة من الطبقات ، وهذه ييسرها له مثل كتاب طبقات الحفاظ للحافظ شمس الدين الذهبي رحمه الله تعالى ، أو مشاهير علماء الأمصار لابن حِبَّان رحمه الله تعالى ، يعلم في كل طبقة المشاهير ، فليس المطلوب أن يعرف مثلا عشرة آلاف راوٍ ، ولكن في كل طبقة يعلم المشاهير ، فيركز مثلا الآن على الصحابة المشهورين الذين رووا الحديث ، وأسماؤهم دائما تأتي على الذهن من كثرة ما يسمع ؛ مثل أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر الدَّوْسِي رضي الله عنه ، ومثل عائشة رضي الله عنها ، ومثل الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم أجمعين ، ومثل جابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن عمرو ، وأبي الدرداء ، وعُبادة بن الصامت ، العشرة المبشرين ، وثَم كثير من الصحابة ، لكنهم ليسوا كثيرين جدًّا ، يعني ليسوا بالمئات ، وإنما قد بلغ عددهم ثلاثين من المشهورين بالرواية ، والبقية تكون رواياتهم أقل ، فهؤلاء يعرف طالب العلم من حيث الزمن أين كانوا وفي أي بلد ، يعرف تلامذة الصحابي الذين نقلوا عنه الحديث ، فستجد مثلًا أن الرواة عن أبي هريرة محصورين ، يعني المشاهير منهم أربعة أو خمسة ، وأكثر الأحاديث عليهم ، ثم تجد أن الرواة عن ابن عمر المشهور منهم عشرة أو أحد عشر .
بعد تحصيل هذا القدر من علم الجرح والتعديل والرواة وطبقات الرواة ستجد أنك عرفت شيئًا ، وهذا الشيء الذي تعرفه هو الذي ستجده متداولًا كثيرًا في كتب أهل العلم ، وهو الذي تجده متداولًا كثيرًا في التفسير وفي شروح الأحاديث . . . إلى آخره .
وهذا لا يتطلب جهدًا كبيرًا ، إنما هي بضعة أشهر ، أو خمسة أو ستة أشهر إلى سنة ، فتعرف هذا الراوي من يروي عنه وذاك من يروي عنه ، وفي أي بلد ؛ لأنه مهم أن تعرف انتقال الأسانيد والرواة ، ومتى كان الحديث مدنيًّا ، ثم كيف صار شاميًّا ، ثم كيف صار مصريًّا ، ثم كيف صار مثلًا كوفيًّا . . . إلى آخره ، فهذا لها فوائد كثيرة في فهم كلام العلماء وتحرير المسائل والدقة في النقل ، وهكذا في التابعين وتبع التابعين ، ثم الحفاظ الذين تدور الأحاديث عليهم ، يعني مثلًا الزهري وأصحاب الزهري مثلا الشعبي ، إبراهيم النخعي وأصحابه ، مثلًا أبو إسحاق السبيعي ومن معه ، مثل الأعمش وأشباه هؤلاء ، سفيان الثوري وسفيان بن عُيينة ومالك وأصحاب مالك وأشباه هؤلاء ، فتجد أن الأحاديث محصورة في هؤلاء المشهورين أو الحفاظ ، وهم ليسوا بالكثير ، ثم بعد ذلك إذا انتقلت إلى فئة الذين كتبوا وصنفوا يكون الأمر أسهل عليك بكثرة تداول أسمائهم وأشباه ذلك .
علماء الجرح والتعديل :
القسم الثاني في معرفة الرواية في الرجال أن تعلم من الحفاظ وأئمة الحديث الذين تكلموا في الرجال ، هذا من الدراية ، فتعلم من هم الذين جرحوا وعدلوا ، من هم الذين تدور أسماؤهم بأن يقال : قال فلان مثلًا : هذا ثقة ، فهؤلاء الذين يحكمون هم أئمة الجرح والتعديل ، وأسماؤهم محصورة ومعروفة ، وهم طبقات ، منهم المتشدد ، ومنهم المتساهل ، ومنهم المعتدل ، فمنهم المتشدد الذي يقدح ويطعن في الراوي لأدنى مخالفة وأدنى غلط ، ومنهم المتساهل الذي يوثق من ليس بثقة ، أو بحسب ما رأى له بدون سبر أحاديثه والنظر ، أو يوثق المجاهيل أو ما أشبه ذلك ، ومنهم متوسطون معتدلون يأخذون بالنظرة الشمولية للراوي ، ويسبرون أحاديثه ، ولا يكتفون بالقليل ، ذكر هذا السخاوي في جزئه المعروف ، وذكر أمثلة لهم ، وهؤلاء تعرفهم في كتب الجرح والتعديل .
ومن المهم أن تعلم أيضًا مكان العالِم في أي بلد ، يعني مثلًا واحد من أهل المدينة قدح في أحد رواة الشام ، وأحد أئمة الجرح والتعديل في الشام وثقه ، فالقريب منه أوثق ؛ لأن القريب منه أعرف ، كذلك يكون عندك معرفة البلدان .
كثير من صنيع الذين يعلقون على الكتب الآن أنه ينظر بحسَب الأَشهر! وبعضهم يجمع العدد ؛ كم عدد الذين وثقوه وكم عدد الذين ضعفوه! هذه قضايا ما هي قضايا انتخاب ولا قضايا مَن الأكثر! هذا علم لا بد له من أصوله .
إذن فمسألة أقوال أئمة الجرح والتعديل ومن يؤخذ به ومن لا يؤخذ به هذه مسألة عظيمة تحتاج إلى نظر من الأئمة وأهل العلم بالحديث ، وليس كل أحد يستطيع ذلك ، لكن طالب العلم من أمثالنا يكفي أن يعرف طبقات أئمة الجرح والتعديل في أي بلد كانوا ، ومن هو المتشدد منهم ومن هو المتساهل والمتوسط ، يكون عنده خلفية بحيث إذا قرأ شرحًا من شروح الأحاديث أو راجع ترجمة من تراجم الرجال يعرف الكلام الذي يدور وكيف ينزله منزلته .
تصحيح الأحاديث وتضعيفها :
الموضوع الثالث موضوع تصحيح الأحاديث وتضعيفها ، وهو داخل في الدراية كما ذكرتُ ، وهذا مما اعتنى به الصحابة والتابعون واعتنى به أئمة أهل العلم والحديث ، فكان الحفظ وكتابة الأجزاء والمقابلة والمقارنة والسبر والاعتبار وجمع الشواذ لمعرفة الأحاديث الصحيحة من غيرها .
والأحاديث الصحيحة في معرفتها لا شك أنها راجعة إلى تحقق شروط الحديث الصحيح ، والحديث الصحيح عرفه طائفة من المتأخرين بأنه ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه ، وكان خاليًا من الشذوذ والعلة ، وهذا في الجملة تعريف لا بأس به ، ويستقيم في الجملة .
فمعرفة الحديث الصحيح إذن تكون مبنية على معرفة السند والثقة والعدالة والخلو من الشذوذ والعلة إلى آخره ، وهذه المسائل لا شك أنها راجعة إلى الاجتهاد ؛ لأن معرفة أن هذا عدل وضابط يختلف فيه العلماء ، هذا يقول : فلان ثقة وهذا يقول : فلان صدوق ، من الذي يرجح ؟ مسلم – رحمه الله تعالى – عند أكثر العلماء ثقة وإمام ، وعند بعض أهل عصره صدوق ، بعض أهل العلم إمام ثقة وعند غيره يكون ثقة ربما أخطأ ، عنده أغلاط ، بعضهم كان ثقة لكن ربما كان يغرب ويخطئ في بعض الأحاديث إذا كان في بلد من البلدان .
فإذن المسألة راجعة إلى الاجتهاد ، فمثلًا مَعْمَر إمام معروف وعالم ، وهو شيخ عبد الرزّاق الذي يروي عنه الطريق المعروف ؛ طريق الصحيفة الصادقة ؛ صحيفة أبي هريرة ، فأحاديثه التي يرويها في كل البلدان صحيحة إلا إذا روى في البصرة ، فما رواه في البصرة فيه نظر ، فبعض العلماء إذا رآه في السند يصحح الحديث ، لكن المدققون من أهل العلم ينظرون : هل هذا مما يعل أو لا يعل ؟ هل روايته هذه مقبولة أم ليست مقبولة ؟
فبعضهم صحيح حديثه في الشاميين ، ولا يصح حديثه في المدنيين ، وبعضهم العكس ، فالحكم على حديث بالصحة راجع إلى اجتماع شروط ، هذه الشروط يحققها اجتهاد العالم الذي يحكم هل هي متحققة أو ليست متحققة ، هذا أمر اجتهاد ، فرجع الأمر إلى أن مسألة التخريج ومعرفة الأحاديث الصحيحة من غيرها أمر اجتهادي .
لكن هناك أحاديث ظاهرة الصحة ، وهناك أمور فيها اجتهاد ؛ بعضهم يصحح وبعضهم يضعف ، فهذا البخاري – رحمه الله – لما عرض كتابه ، وقد مكث فيه سنين طويلة لجمعه والتحري في صحته ، فلما عرضه على علماء عصره وافقوه على ما أورد وأن أحاديثه صحيحة ، خلا أربعة أحاديث لم يوافقه علماء عصره عليها ، فأتى المتأخرون فقالوا : الصواب في هذه الأربعة الأحاديث مع البخاري رحمه الله ، لكن أهل العصر من العلماء كأحمد وكأبي زُرعة ونحوهم لم يوافقوه على ذلك . إذن المسألة فيها اجتهاد .
كذلك مسلم – رحمه الله – عرض كتابه فما قالوا : هذا صحيح أبقاه ، وما قالوا : إنه غير صحيح أزاله ، وهو كان يرى أنه صحيح . كذلك هناك أحاديث صححها الإمام أحمد تجد أن غيره يضعفها .
إذن هذه المسألة فيها اجتهاد ، وإذا كان الأمر كذلك كان واجبًا على طالب العلم أن ينظر فيها على تؤدة ومهل ، ما يأتي ويقول : هذا الحديث صحيح ويطعن في كلام عالم أكبر منه وأعلم منه ، أو من هو متحقق بعلم الحديث أو الأئمة السابقين .
فكون عالم مثلًا من المعاصرين صحح الحديث لا يعني أنه صحيح عند الجميع ومتفق على صحته ، المتفق على صحته هو ما رواه البخاري ومسلم واتفقوا عليه ، فهذا متفق على صحته ؛ كما هو الاصطلاح ، وبعضها فيه مناقشة كما هو معروف .
إذن معرفة طالب العلم بأن اجتماع شرائط الحديث لأجل أن يكون صحيحًا مسألة اجتهادية ؛ تجعله يهتم أكثر بعلم الحديث وطلب مشاركة أهل العلم ، وتجعله مهتمًّا بالتخريج وصحة الأحاديث ، وأيضًا تجعله متواضعًا متطامن الرأس والنفس لأئمة أهل الحديث السالفين ، فمثلًا ليس من صفة طالب العلم أن يقول : هذا الحديث صححه الإمام أحمد ويقول بعدها : وليس كما قال . فعبارة “وليس كما قال” هذه ما يقولها طالب علم يعرف معنى الاجتهاد في الحديث وفي التخريج وأنها مسألة اجتهادية في التصحيح والتضعيف ، الإمام أحمد يحفظ ألف ألف حديث ، أنت هل تحفظ ألف حديث ؟! هل تحفظ ألفين ؟! الإمام أحمد خرج مسنده فيه نحو أربعين ألف حديث من سبعمائة ألف حديث مسموعة كما يقول عبد الله بن الإمام أحمد .
إذن المسألة تحتاج من طلاب العلم إلى خوض في علم الحديث بقوة وفرح به ومعرفة ، لكن بتواضع لأهل العلم السابقين ، وألا يرفع رأسه ويقول : إن هؤلاء بحثوا ونحن نبحث! فهنا تأتي مسألة الضعف ؛ لأن علم الحديث إنما هو بالحفظ ، ليس هو بالبحث ، والبحث يوصلك إلى أشياء لكن تغيب عنك أشياء كثيرة ، والحافظ يقارن ما بين الروايات ، مثلًا يأتي ويقول لك : هذا روى ألف حديث أخطأ في ستة أحاديث . فمن يعرف هذا ؟ يعرفه الحافظ الذي جلس يقلب في ذهنه روايات فلان بهذا الحديث الذي رواه ، فحينئذٍ يحكم على الراوي بأنه ثقة أو أنه ربما أخطأ أو . . . إلى آخره .
فالمسألة تحتاج منك إلى عناية حتى تعرف كلام العلماء ومنزلة كلام أئمة أهل الجرح والتعديل الذين يصححون الأحاديث ويتكلمون فيها ؛ من السابقين والمتأخرين ، وبعدها يكون عند طالب العلم مشاركة ومعرفة ، لكنها مع تواضع وتطامن ، وهذه سمة أهل العلم وطلاب العلم المتحققين بأخلاق أهل العلم .
والتصحيح والتضعيف تارة يكون منصوصًا عليه في كتاب من كتب العالم ، فمثلًا يقول : هذا حديث صحيح ، وتارة يكون بالنقل بأن هذا صححه فلان ، وخاصة عند العلماء المتأخرين ؛ مثل النووي والحافظ العراقي وشيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير والحافظ العراقي وابن حجر . . . إلى آخره ، فقد حكموا من عند أنفسهم على كثير من الأحاديث .
فقه الحديث :
الموضوع الرابع يتعلق بالدراية من حيث فقه الحديث ، وفي الحقيقة أن هذا هو المقصود ، ففقه السنة هو المطلوب شرعًا ، فالمطلوب شرعًا : فقه القرآن وفقه السنة ؛ لأن الله – جل وعلا – أثنى على الذين يتفقهون في الدين ، فقال جل جلاله : ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [ المجادلة : 11 ] ، والعلم هذا هو العلم بالكتاب والسنة ، العلم بالدين ، وهو الذي قال الله – جل وعلا – فيه : ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾ [ التوبة : 122 ] الدين في ذلك الوقت ما هو ؟ هو القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا .
فإذن دراية السنة هي حقيقة دراية الشريعة ودراية الدين ، فالعلم بالدين هو العلم بالسنة ، والسنة من حيث ما اشتملت عليه مشتملة على أعظم أمر وهو الذي من أجله بعثت الرسل ، وهو توحيد الله جل وعلا ، وما ينبغي لله – جل وعلا – من صفات الجلال والكمال ، وما يستحقه – سبحانه وتعالى – في العبادة ، وما يجب له – جل جلاله – من الخوف والرجاء والمحبة . . إلى آخر ذلك من أنواع العبادة .
هذا هو أصل السنة ، لكن عند طائفة من المتأخرين انقلبت المسألة إلى أن العلم بالسنة هو العلم بالآداب في المشي واللباس والأكل ، أما السنة في توحيد الله وفي العقيدة والسنة في شرائع الإسلام العظيمة فلا تُعلم ، أو تُبدل و تُغير! هذا في الحقيقة ليس من أهل السنة والجماعة ؛ لأنه وإن اهتم بالحديث في أشياء لكن أصل السنة هو ما بُعث به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو لم يُبعَث – عليه السلام – معلمًا للناس كيف يأكلون وكيف يشربون وكيف يلبسون وكيف يمشون وكيف ينامون أو نحو ذلك ؟ هو بعث للناس ليدعوهم إلى كلمة التوحيد : لا إله إلا الله محمد رسول الله . بعث للناس للإيمان بالله والكفر بالطاغوت ، وهذه المسائل من سنته ؛ فمنها ما هو واجب – يعني مسائل الآداب – ومنها ما هو مستحب ، ومنها ما هو من خصائصه ، فالعلم بها مطلوب ، والعمل بها مطلوب شرعًا ، لكنها ليست في منزلة توحيد الله جل وعلا ، ولا العلم بأحكام الطهارة والصلاة والعبادات وحقوق الخلق وما أشبه ذلك .
فحقيقة العلم والعمل بالسنة إنما هي العلم والعمل بما يستحقه الله – جل جلاله – في توحيد عبادته وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ، ومسائل الإيمان والقضاء والقدر ومسائل اليوم الآخر ، وهذه المسائل العظام التي فيها نور الإيمان وبها نور الصدر والخروج من الابتلاء بالإيمان بالنبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه بعث للابتلاء « إِنَّما بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ » (4) – هذه أعظم المسائل .
فالعلم بالسنة ودراية السنة أن تهتم بمسائل التوحيد والعقيدة في السنة ، وأن تحفظ الأدلة فيها ، في كتاب الله – جل وعلا – وفي سنة رسوله – صلى الله عليه وسلم – المبينة للقرآن ، وأن تعلم مكان الاستدلال من الدليل ، هذه دراية السنة وفقه السنة ، ثم إذا انتهيت من توحيد العبادة وتوحيد الأسماء والصفات تنتقل بعد ذلك إلى مسائل القدر والإيمان ، شيئًا فشيئًا ، هذا هو العلم بالسنة والحديث .
مثلًا قد يأتي طالب العلم ويكون مهتمًّا بالسنة في التخريج وفي معرفة الصحيح والضعيف ، لكن الأحاديث الواردة في التوحيد قد ما يعرف فقهها ، والأحاديث الواردة في الأسماء والصفات ، في القدر ، في الإيمان ؛ لا يعرف حُسْن توجيهها ، هذا فيه نقص في العلم بالسنة, ولهذا أحسن ابن القيم لما قال – رحمه الله – في الأبيات المشهورة في العلوم :

والجهلُ داءٌ قاتلٌ وشِفاؤه      أمرانِ في التركيب مُتَّفِقانِ

نصٌّ من القرآنِ أو من سُنّة     وطَبيبُ ذاك العالم الرَّبَّاني

والعِلمُ أقسام ثلاث ما لها    من رابعٍ والحقُّ ذو تِبيانِ

علمٌ بأوصاف الإلهِ وفِعله     وكذلك الأسماءُ للرحمنِ

والأمرُ والنهيُ الذي هو دِينه     وجزاؤه يوم المعاد الثاني

والكلُّ في القرآن والسنن التي     جاءت عن المبعوث بالفُرقانِ

فهذا هو العلم النافع .
فعلوم التوحيد والجزاء ليس فيها اجتهاد ، إذا جاء النص استسلمنا ، أما مسائل فقه الأحكام فهذه قد يكون فيها اجتهاد لدلالة الحديث على أكثر من وجه .
إذن فلا بد من الاهتمام بالسنة وبالأحاديث في توحيد الله جل وعلا ، ومعرفة الصحيح منها .
أما الأحكام – وهي القسم الثاني – فهذه صنَّف فيها العلماء مصنفات جمعت أحاديث الأحكام بما فيها الصحيح وغير الصحيح ، لكن مما احتج به طائفة من العلماء ؛ مثل كتاب الإلمام لابن دَقيقِ العِيد ، ومثل المحرَّر لابن عبد الهادي ، ومثل بلوغ المرام ، وقبله عمدة الأحكام للحافظ المقدسي ، قبلها منتقى الأخبار للمجدد ابن تيمية ، وما أشبه هذه الكتب ، هذه صُنفت في الأحكام ، تجمع ما في الصحيحين وما في السنن والمسند . . . إلى آخره ، هذه العناية بها عناية بالسنة . وللأحكام فقه ، ودرايتها دراية بالسنة ، ومعرفة كيف تستنبط الأحكام ، وخلاف العلماء في ذلك مما هو معروف في هذا الباب .
القسم الثالث : الآداب العامة ، وهذه معرفة السنة فيها والأحاديث المروية مهمة ؛ لأن طالب العلم يحتاجها في الوعظ ، يحتاجها في الخطب ، يحتاجها في البيان للعوام ، يحتاجها في البيان في بيته ، يحتاجها في العلم بالآداب والرقائق والمواعظ .
ولهذا لما أتى المتصوفة وذهبوا إلى التصوف واخترعوا أشياء من عند أنفسهم في العبادات وفي الزهد وفي الانقطاع ألف علماء الحديث كتبًا في الزهد . وكتب الزهد أو كتب الرقائق كتب مستقلة ، وتارة في الكتب الكبار ، مثل كتاب الزهد لابن المبارك ، أو هَنَّاد بن السَّرِيّ ، أو الإمام أحمد ، أو كتاب مثلًا البخاري فيه الزهد والرقائق في أثناء كتابه ، وهناك الأدب المفرد له ، لماذا ألفت هذه الكتب ؟ لأنها قسم من السنة ، لا بد من أن يعلمها أهل العلم ، وأن يعلمها الناس ، وأن تُبيَّن لهم ، وربما كانت حاجة الناس في الوعظ والإرشاد وفي الترقيق إلى هذه المسائل أعظم فيما يبين حقيقة الدنيا والآخرة ، سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، أحوال الصحابة ، كيفية الآداب العامة وآداب المجالس ، آداب المسجد وآداب الحديث ، آداب الطعام الشراب ، الأذكار ، وأشباه ذلك ، فهذه مهمة ولا بد منها لطالب العلم .
الاعتدال :
الموضوع الخامس هو أن الاهتمام بالسنة الناس فيه ما بين غالٍ وجافٍ ومعتدلٍ ، وهَدْيُ أهل العلم الراسخين من القديم هو الاعتدال ، وليس الغلو وليس الجفاء :
– فهناك من غلوا وجعلوا مسائل من السنة كالأصول العظيمة والقواعد العظيمة في الشريعة ؛ من حيث الدعوة إليها والإنكار فيها ، والكتابة فيها ، والاهتمام بذلك اهتمامًا أكبر من الاهتمام بالسنة في العبادات والسنة في التوحيد ، وأشباه ذلك ، فغلوا في ذلك حتى جعلوا بعض المسائل يفاصل فيها ، وهي من المسائل المختلف فيها أصلًا ، والسنة فيها غير واضحة ، وهذا مما لا ينبغي ؛ لأن هذا تشدد وغلو ، والله – جل وعلا – نهانا عن الغلو في دينه .
– وهناك أناس جفوا ، وهم أكثر الذين لا يعتنون بالسنة من المنتسبين إلى العلوم المختلفة ، مثل علوم الآلة وبعض المنتسبين للتفسير ، وبعضهم من المنتسبين لعلم الكلام وما أشبه ذلك في الأمة من قديم وحديث ، جفوا حتى لا يُرى للسنة عليهم أثر ولا يعلمون السنة ، فينطقون بالآراء وبالقواعد التي ورثوها ودرسوها في بعض الكتب ، فهؤلاء كما أن عندهم جفاء وتقصيرًا فكذلك عندهم عدم علم ؛ لأن حقيقة العلم العلم بقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم وقال الصحابة ، هذا العلم النافع .
– أما أهل العلم الراسخون من القديم فهم أهل الاعتدال في هذا ، يعظمون السنة ويُنزِلون مسائلها بحسب مقتضى الشريعة ، ويعلمون مسائل الواجبات ومسائل المحرمات ومسائل المستحبات والمكروهات ، والمسائل التي فيها السنة ظاهرة ومشهورة ، والمسائل التي فيها السنة خفية ، ويأخذون الناس بما يصلحهم ، لا بما يفرقهم .
مثال ذلك : كتب أحد الدعاة في رسالة لسماحة الجد الشيخ محمد بن إبراهيم – رحمه الله تعالى – يقول له : إني ذاهب إلى الهند للدعوة ، وإنهم إذا رأوا أني أضع اليمنى على اليسرى ، أو أقبض اليدين – لا يقول : إذا رأوا أني أرفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام – قالوا : هذا وهَّابي ، وربما لم يسمعوا لي ، أو لم يمكنوني من الحديث في مساجدهم ؛ لأن هذه المسألة مسألة فيها شدة ، في كثير من البلاد مسألة الجهر بالتأمين ومسألة رفع اليدين ، وكذلك مسألة القبض في بعض بلاد المغرب والمالكية وأفريقيا . . فكان من جواب سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله تعالى : أنك إذا رجوت بترك هذه السنة بينهم أن تدعوهم إلى توحيد الله – جل وعلا – وإلى السنن العظيمة ؛ فهذا هو الواجب عليك ؛ أن تترك السنة لما هو أوجب ، لكن إذا لم ترجُ ذلك فلا تترك السنة .
وهذا هو الذي ينبغي على العبد أن يعمله ؛ أنه يدرج الناس من الأقل إلى الأعظم ، يعني ربما ترك بعض الأشياء لتحصيل أشياء .
ومثل هذه الأشياء ربما تحصل في المجالس ، فأحيانا يأتي المخاطَب بغلط لكنك لو جادلته في كل شيء فاتك أن تركز على إفهامه أو إفهام الناس المسألة العظمى .
أحيانًا نناقش بعض العلماء في بعض البلاد ، وهناك بعض الأشياء تمر منه غلط ، يخطئ فيها ، لكن لا نتعقب ما يقول في كل مسألة ؛ لأنك إذا تعقبته في كل مسألة يخطئ فيها فاتك المهم ، فأصبحت المسألة في ذهنه أنك تعارضه في كل مسألة ، يعني أنه مخطئ في كل مسألة ، فربما سكت صاحب الحكمة والدعوة عن أشياء لأجل أن يركز وأن يهتم بالمسائل العظمى مما أخطأ فيها صاحب الكلام والمخالفة للسنة .
ومثال التشديد في بعض المسائل أن يرى أحدهم أن القول في مسألة ما أنها واجبة ، والجمهور يقولون بالاستحباب ، أو أنه يرى أن الصواب الحرمة والجمهور يقولون بالكراهة, أو كثير من أهل العلم يقولون بالكراهة فتجد أنه يشدد الإنكار فيها ويجعلها من المسائل التي السنة فيها كذا ويدخلها تحت ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [ النور : 63 ] هذه الآية ليست في مثل هذه المسائل ، إنما هذه في المسائل العظيمة أو المسائل التي استبانت فيها السنة ، وليس فيها خلاف في فهم ودراية السنة ، أما التي فيها خلاف نظر ؛ هل هذا واجب ، أو هذا محرم ؛ فلا تكون مسألة مفاصلة وإنكار شديد ، وإنما هي تعليم .
مثلًا : الأكل بالشمال ، الأكل بالشمال نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة من العلماء – وهم الظاهرية وبعض أهل العلم – قالوا بحرمة الأكل بالشمال ، وجمهور أهل العلم على أن الأكل بالشمال مكروه لمشابهة الشيطان ، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فإذا علم طالب العلم حقيقة السنة في ذلك وكلام أهل العلم فيكون توجيهه لمن وقع في هذا الأمر بالأسلوب المناسب الذي يبين الأمر ، مثلًا يقول : السنة الأكل باليمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأكل بالشمال . لكن أن يأتي أحدهم ويقول : الشيطان يأكل بالشمال ، هذا حرام عليك لأنك . . .! فهذا ليس بالصواب . وقد يدخل في كبيرة ؛ لأنه شبهه بالشيطان ، مثلما يقوله طائفة من الظاهرية .
فإذن العلم بالسنة ومعرفة مراتب خلاف العلماء فيها يجعل طالب العلم تبعًا للأئمة الأوائل ، يجعله معتدلًا فيما يأتي وفيما يذر .
مثلًا : الشرب قائمًا ، اختلف فيه العلماء ، وعامة العلماء أو أكثر العلماء على كراهته إذا كان لغير حاجة ، أو في غير شرب زمزم ، ومن أهل العلم من قال بالتحريم ، ومنهم من قال بالنسخ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – شرِب في حجة الوداع قائمًا فقالوا : هذا ناسخ للنهي قبله ، وعلي بن أبي طالب شرب في رحبة الكوفة قائمًا . . . إلى آخره في البحث المعروف ، وعامة أهل العلم والجمهور مثل الأئمة الأربعة وشيخ الإسلام يقولون بالكراهة لغير حاجة ، إذا صار ثم حاجة فإن الحاجة ترفع الكراهة . . يأتي أحدهم ويشتبك في بيته أو مع الناس في كل مسألة من هذه المسائل ، أو ينكر فيها ويغلظ فيها الإنكار ، ويجادل فيها حتى يظن أن كل مسألة هي مسألة مجادلة ، وهذا ليس صفة المتحقق بالسنة وإنما هو يرشد ويعلم ، يقول مثلا : النبي – صلى الله عليه وسلم – نهى عن الشرب قائمًا ، السنة الشرب جالسًا ، لا يأتي ويقول : الشرب قائمًا حرام .
فإذن مسائل الآداب في السنة الناس فيها بين أهل غلو وتشديد ، وما بين أهل جفاء ما يهمهم شيء في هذه المسائل ، وما بين أهل اعتدال ؛ وهم أهل العلم الراسخون الذين هداهم الله – جل وعلا – ووفقهم .
فالسنة واجب الاهتمام بها ، والعناية بعلم الحديث وفقه السنة مع فقه القرآن هو حقيقة العلم ، لهذا نوصي الجميع بهذا الأمر ، وأن يعتنوا به أكمل عناية ، ودائمًا من كان همه كتاب الله – جل وعلا – حفظًا وتلاوة ومدارسة ، والسنة كذلك حفظًا وقراءة ومدارسة فإنه ولا شك سيرى النور في قلبه وفي صدره ، ويرى أن الفتن وما يعرض على النفوس فيصدها عن الحق ، يرى أنها تضمحل لأجل قوة الوارد عليه من الحق الذي يحرق الله – جل وعلا – به ما يعرض للقلوب من الباطل ، وهذا ما ينبغي علينا جميعًا أن نهتم به ؛ العناية بالسنة ، قراءة كتب الحديث والمطالعة فيها وكثرة مراجعتها .
أسأل الله – جل وعلا – أن يوفقنا لما فيه رضاه ، وأن يكتب لنا الحسنى ، وأن يجعلنا من أهل الحديث العاملين به ، وأن يغفر لنا نقصنا وزللنا ، إنه سبحانه جوَاد كريم ، غفور رحيم ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد .

***   ***   ***

أسئلة
سؤال : بعض الناس يقول : لماذا نشغل الناس بالمتون الفقهية كالزاد وغيره بدلًا من أن نشغلهم بالتعلم من كتب الأحاديث كالبلوغ وعمدة الأحكام ، فكيف نرد عليه ؟
جواب : كتب الحديث لا تغني عن كتب الفقه ، لا بد من أن يكون طالب العلم ماشيًا على سنة الأولين في العلم ، وسنة الأولين في العلم هي هذه ، فإذا لم يمشِ على هذا المضمار وعلى نحو ما مشى العلماء الأوائل فلن يدرك ، سيصيبه تخبط ، ثم بعد ذلك يكون خطؤه أكثر من صوابه .
فالزاد أو عمدة الأحكام أو نحوهما من الكتب الفقهية في أي من المذاهب الأخرى هذه تجمع لك مسائل الباب في مكان واحد ، ومسائل الباب التي تحتاج إليها وتراها تحدث أمامك ، قد يكون دليلها القرآن ، وقد يكون دليلها السنة ، وقد يكون دليلها فعل الصحابة ، وقد يكون دليلها القياس ، وقد يكون دليلها القاعدة ، وقد يكون دليلها مرسلات ، وقد يكون دليلها اجتهاد الإمام .
وهذه ليست كلها في البلوغ ، يعني كم أحاديث الطهارة في البلوغ ؟ عدة أحاديث ، اثنا عشر حديثا ، مثلا ما يتعلق بالمياه ؛ أنواعها ؟ تجد عدة أحاديث .
وإذا أتيت مثلا للصلاة تجد الأحاديث فيها كثيرة ، وكذلك الزكاة ، لكن هناك مسائل مثل كتاب الحوالة ، كم فيه من أحاديث ؟ حديث واحد ، ما في الباب إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم : « مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ ، وإذا أُحِيلَ أَحَدُكُم على مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ » (5) ، ما في الباب إلا هذا الحديث ، فتقرؤه في البلوغ في صفحتين ، فهل هذا كتاب الحوالة ؟! كذلك الشركات ، مثل الكلام فيها على مسائل الربا وتفصيله ، والعلة فيه ، وما يتعلق به .
لهذا كان من الطرق المناسبة للتعلم عند بعض الناس – وليس لكل أحد – أنه إذا قرأت في الفقه مثلا باب الآنية تقرأ أحاديث الآنية في منتقى الأخبار وفي البلوغ ، أو في العمدة ، تقرأ حتى تعرف وتعلم حدود هذا و هذا والاجتهاد فيه .
فمثلا تقرأ في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم انكسر قدحه ، فاتخذ مكان الشَّعْب سِلْسِلَةً من فِضَّة(6) . كتب الفقه فيها : “إلا ضَبَّة يسيرة من فضة لحاجة” ، فلفظ الحديث ما فيه هذا الكلام ، فهذه القيود هي من اجتهاد العلماء ، والنظرُ في القواعد فيه قياس وفيه نظر في أحاديث أخر . ولهذا يحصل خلاف .
فإذن طريقة أهل العلم أن يجمعوا ما بين قراءة كتب الفقه وقراءة كتب الحديث ، والعناية بالسنة والاهتمام بها هي العناية بكتب الفقه والاهتمام بها ؛ لأن كليهما يعطيك قوة في العلم ، وخذ مثلا علماء هذه الدعوة الحاضرين والمتقدمين إلى زمن الإمام محمد بن عبد الوهاب – أجزل الله له الثواب – كانوا يجمعون بين هذا وهذا ، فقويت ملكتهم في الحديث ، وقويت ملكتهم في الفقه .
والجميع يعرف ويدرك سيرة الشيخ عبد العزيز بن باز – رفع الله درجته مع النبيين – كيف قوته في الفتوى وفي السنة ، ومعرفته في الفقه ، ما تجد فتوى فيها غرابة ولا خروج ، مع قوة علمه وإدراكه ونصرته للسنة ، وهكذا من كان قبله من مشايخه ؛ الشيخ محمد بن إبراهيم ، والشيخ سعد بن عتيق ، وأئمة الدعوة ، فكتب الحديث تُتلى وتُقرأ وتُشرح ، وكتب الفقه تُدرس ، لكن في توازن ، هذا هو منهجهم .
أما من كانت طريقتهم عدم الاهتمام بكتب الفقه فانظر إلى قوتهم العلمية واحكم عليهم تجد فيهم نقصًا ، فإذا جاءت مسائل الفقه يحكم باجتهاده ، فاجتهادك أم اجتهاد الإمام أحمد ؟! هل كل مسألة تقول : والله الحديث عمومه يدل على كذا ، الحديث الاستثناء فيه يدل . . . وما اطلع على كلام أهل العلم أو ما عرفه ، فيلحقه النقص بقدر ما فاته من كلام الفقهاء .
سؤال : متى يكون قول أحد الأئمة معتبرًا – كالإمام مالك والإمام أحمد – إذا رد سنة لأنه لم يكن عليها عمل أهل المدينة ؟ أو إذا أثبت سنة لأنه رأى عليها عمل أهل مكة وغيرها من الأمصار ؟ وكذلك إذا قال أحد أئمة أهل السنة في هذا الزمن : رأيت أئمة الدعوة يعملون كذلك ؟
جواب : هذا سؤال جيد ، وإن كان في التعبير قصور ، الأئمة ما يقال فيهم : رد سنة أو أثبت سنة . فهي مسائل اجتهاد ، الإمام مالك ما يرد السنة ، فيقول : هذه السنة ، ويقول : قول النبي صلى الله عليه وسلم ثابت ، لكن ليس عليه عمل أهل المدينة . فإذن يكون منسوخا ، لماذا ؟ فكيف يكون من هدي سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – ويكون ما عمل به الخلفاء الأربعة ولا عمل به فقهاء أهل المدينة ؟! يعني هذه السنة هُجرت ، ما عمل بها أحد .
فالإمام مالك لا نقول : رد السنة ، فكان يرى أن الحديث إذا ثبت ولم يجر عليه عمل أهل المدينة فإنه منسوخ, ولهذا تجد في الموطأ الإمام مالك يذكر الحديث ، ثم يذكر بعده بالرواية مَن عمل به ، يذكر مثلا قول أبي بكر أو عمل عمر أو عمل ابن عمر أو : وكان ابن عمر يعمل كذا بعده ؛ ليدل على أنه كان معمولا به في المدينة ، يعني أن هذا الحديث ليس منسوخًا ولم يُترك العمل به ؛ لأنه عنده من نقل العلم والسنة عَمَلًا إنما هم أهل المدينة ؛ لأنها دار الخلافة ودار العلم .
لكن في بعض الأحيان تخفى السنة على مالك فقال بخلافها ، مثل إباحته لذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير لعدم ظهور السنة عنده في ذلك أو عدم التحريم لها, فعدم العلم بالسنة لا يعني رد السنة .
فإذن التأويل هذا بابه واسع, والتوجيه من العلماء لما جاء من الأحاديث بابه واسع, ومن الممكن مراجعة كلام شيخ الإسلام في رسالته : ( رفع الملام عن الأئمة الأعلام ) ، فهي مهمة في هذا الباب . . إمام ما عمِل بأحاديث صحيحة ، لماذا ؟ هل هو لا يعمل بالسنة ؟! لا ، هم نَصَرَة السنّة ، وهم حَمَلَة العلم ، وهم الذين نقلوا للناس كلام النبي – صلى الله عليه وسلم – ودعوهم إلى اتباعه ، لكن له في ذلك توجيه ، له في ذلك تأويل ، فتارة يعتقد أن الحديث منسوخ ، وتارة يعتقد أنه مخصوص ، وتارة يعتقد أنه ليس باقيًا على عمومه .
أما قول السائل : “إذا أثبت سنة” مثل الإمام أحمد أثبت سنة لأنه رأى عليها عمل أهل مكة ، فلا يقال : أثبت سنة ، إنما يقال : أفتى في المسألة أو قال في المسألة الجواز أو بأنها مستحبة . لكن ما يثبت سنة بدون دليل أنها سنة ، ما يقول : هذه سنة النبي – صلى الله عليه وسلم – وليس فيها دليل يثبت أنها سنة ، ففرق ما بين إجازة المسألة اجتهادًا في السنة ، وبين كون المسألة من السنة .
والسائل كأنه يشير إلى مسألة الختمة ؛ دعاء ختم القرآن الذي كان عليه أهل مكة ويأثر فيه أهل المدينة شيئًا عن عثمان ، وكان يعمل به أهل مكة والعلماء والأئمة .
كلام الإمام أحمد واضح(7) ، هذا اجتهاده ، وهو كلام الشافعي وكلام أبي حنيفة في هذه المسألة وعامة أهل العلم ؛ إذ لا منكر لهذه الصفة ، لا نعلم أحدًا من أهل العلم أنكر هذه الصفة في القرون ، وإنما أنكر بعض المالكية صفة أخرى كانت شاعت في بعض الأمصار وهي أن الإمام لا يدعو في الصلاة ، وإنما إذا سلم قام واقفًا وقام الناس وراءه ودعا هو وأمنوا قيامًا بعد الفراغ من الصلاة .
ومعلوم أنا نقول : الأئمة الذين اجتهدوا في هذا واضح أن اجتهادهم هو ما جاءت الرواية به أن لقارئ القرآن عند ختمه دعوة مستجابة ، هذا ثبت عن أنس رضي الله عنه ، وله حكم المرفوع ، وكذلك عن ابن مسعود بإسناد جيد ، وفعلها أنس ، وفعلها ابن مسعود ، وفعلها جماعة ، وكان معروفًا هذا الفعل في المدينة ؛ أنه إذا ختم دعا ، لم يكونوا يختمون القرآن في التراويح ، لما كثر الختم واعتنوا به جاء الدعاء ، هل يكون الدعاء في القنوت ؟ القنوت ليس محل دعاء الختم ؛ لأن القنوت دعاء قنوت .
إذن أين يجعل دعاء الختمة ؟ يقول : عند ختمه . فهو عند ختمه يكون متصلًا به . هل ما بعد الختم وقبل الركوع مكان للدعاء في الصلاة ؟ نعم ، هو مكان للدعاء ؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – دعا لما نزلت النازلة قبل الركوع ، قال العلماء : فدل على أن هذا الموضع هو دعاء ، إذن جاء ما يناسبه شرعًا ، فلذلك مشى عليه العلماء بدون نكير ؛ لأنه موضع دعاء ، ولقارئ القرآن عند ختمه دعوة مستجابة ، ولم ينكره أحد ، حتى قال به أئمة السنة كلهم ؛ مالك والشافعي وأحمد وابن تيمية وابن القيم ، وأئمة الدعوة والشيخ محمد ، فإذا كان هؤلاء على طريق فمن سار معهم هو سائر على السنة ، يعني هو الاتباع إن شاء الله تعالى .
المقصود هنا أننا ما نقول : أثبت سنة ، وإنما : قال في مسألة بقول اجتهادًا منه ، لتحقيق السنة أو المتابعة .
كذلك إذا قال أحد العلماء في هذا الزمن : رأيت أئمة الدعوة يعملون ذلك ؛ فلأن علماء الدعوة هنا من وقت الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى زماننا كانوا حريصين ، وكان العلماء سابقًا يشتدون في مخالفة الهدي ومخالفة السنة ، يعني في سنن العبادات وفي سنن الأقوال والأعمال ، فمشى هؤلاء العلماء على المحافظة على ما دلت عليه السنة ، نعم باجتهادهم ، لكن بتتابعهم في مسألة على اجتهاد واحد في المسائل الفقهية والمسائل العلمية ، حتى لو كان فيها قول آخر ، لكن يصلح الناس باتباع منهج العلماء ، علمائهم وطريقتهم سالفًا عن سالف ؛ لأن الاجتهاد الآخر هو قول آخر ، فلماذا يرجح القول الآخر على هذا القول ؟ هنا يأتي البحث العلمي .
أحد علماء الدعوة الشيخ سعد بن عتيق – رحمه الله – جاءه أحدهم في الدرس وذكر أن قول الشيخ محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – فيه مرجوحية ، فطرده من الحلقة وقال له : لا تحضر معنا . لأنه يعلم أنه فتح الباب ، فهو يعارض اجتهاده باجتهاد إمام . فلا ينبغي له أن يقول : قول الشيخ مرجوح ، ويعلن هذا ليحدث فجوة ، في حين أن الناس قد اجتمعوا على التوحيد واجتمعوا على حب هذه الدعوة والائتساء بأئمتها ، ولكن من الممكن أن يعبر بطريقة أخرى أو يفاتح مع العالم بينه وبينه ، يسأل عن وجه الصواب ، ما يقول : رأي العالم مرجوح ، أو استدلاله ليس في محله ، أو فيه ضعف .
وهذا هو الذي جعل الآن الانفتاح في المعارضة ، والانفتاح في المخالفة ، الآن صارت مسألة طلب الشفاعة من الأموات تناقش ، قالوا : فيها قولان!! فبعض طلبة العلم وصلوا إلى هذا ، وأخذوا كلام ابن تيمية ووعظه وقالوا : هذا يدل على أن المسألة ليست قولًا واحدًا!!
إذن ندخل شيئًا فشيئًا في مسائل التوحيد ، ويصبح اجتهاد واحد وكلامه هو المقدم على كلام الأئمة والعلماء!
هذا غير مقبول ، في هذا الزمن علماء يردون ، لكن لو فتح المجال سيأتي زمن يتكلم كل متكلم باجتهاده ويضعف العلم ، فلا يأتي من يرد عليه ، فيتبع الناسُ من يفتي لهم بحسب ما ظهر له ، ويقع الناس في قول النبي صلى الله عليه وسلم : « اتَّخَذَ الناسُ رُءُوسًا جُهَّالًا ، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا » (8) .
هناك مسائل راجحة ومرجوحة ، لكن الهدي العام ينبغي المحافظة عليه ، وتغييره يكون من أهل العلم ، هم الذين يعرفون ويرجحون ويرون المسألة ، لكن يأتي أفراد من الناس وطلبة العلم ويضادون الهدي أو يجتهدون في مساجدهم اجتهادات من عند أنفسهم فهذا غير مقبول .
سؤال : كثيرًا ما نسمع أن الخلاف رحمة . ما معنى هذه الجملة ؟ وهل هي صحيحة ؟
جواب : لا ، الخلاف ليس رحمة ، الخلاف شر ، والله – جل وعلا – يقول : ﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ [ هود : 118 ، 119 ] ، لكن من قالها قصد بها أن الخلاف فيه سعة للناس ، بمعنى أن الصحابة – رضوان الله عليهم – تفرقوا في الأمصار وصاروا يفتون بحسب ما يرون من حالة أهل البلد . . وأنت الْحَظْ هذا ، بعض الفتاوى تجد أنها تناسب بلادنا ، لكن في بعض البلاد الصحابة أفتوا بغيرها ، ثم ورثها أهل هذه البلاد ، أو صار فيها مثلًا فتاوى المذهب الحنفي ، فيكون الاختلاف فيها فيه سعة ، وفي البلاد الباردة نجد اختلافات في أوقات الليل والنهار وصلاة الفجر . . . إلى آخره . فالأصل أن الخلاف ليس رحمة ، الخلاف شر ، والرحمة في الاتفاق ، لا في الاختلاف ، لكن خلاف العلماء صار فيه توسعة على الأمة بالأقوال وبما يناسب البلاد . واختلاف الناس في بلادهم وعاداتهم وأحوالهم صار في اختلاف العلماء فيه سعة في بعض المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد ، أما المسائل الظاهرة التي فيها السنة والبينة فيكون الخلاف فيها إما أنه ملغي أو أنه ضعيف .
وفق الله الجميع لما فيه رضاه .
_______________
(1) أخرجه أبو داود ( 2 / 346 ، رقم 3660 ) ، والترمذي ( 5 / 33 ، رقم 2656 ) ، وابن ماجه ( 1 / 84 ، رقم 230 ) ، والإمام أحمد ( 5 / 183 ، رقم 21590 ) .
(2) أخرجه مسلم ( 4 / 2074 ، رقم 2699 ) .
(3) أخرجه أبو داود ( 2 / 703 ، رقم 4941 ) ، والترمذي ( 4 / 323 ، رقم 1924 ) ، والإمام أحمد ( 2 / 160 ، رقم 6494 ) .
(4) أخرجه مسلم ( 4 / 2197 ، رقم 2865 ) .
(5) أخرجه البخاري ( 3 / 94 ، رقم 2287 ) ، ومسلم ( 3 / 1179 ، رقم 1564 ) .
(6) أخرجه البخاري ( 4 / 83 ، رقم 3109 ) .
(7) قال ابن قدامة : “فصل في ختم القرآن : قال الفضل بن زياد : سألت أبا عبد الله فقلت : أختم القرآن ، أجعله في الوتر أو في التراويح ؟ قال : اجعله في التراويح حتى يكون لنا دعاء بين اثنتين . قلت : كيف أصنع ؟ قال إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع وادع بنا ونحن في الصلاة ، وأطل القيام ، قلت : بم أدعو ؟ قال : بما شئت . قال : ففعلت بما أمرني وهو خلفي يدعو قائمًا ويرفع يديه . قال حنبل : سمعت أحمد يقول في ختم القرآن : إذا فرغت من قراءة ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الناسِ ) فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع . قلت : إلى أي شيء تذهب في هذا ؟ قال : رأيت أهل مكة يفعلونه ، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة . قال العباس بن عبد العظيم : وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة . ويروي أهل المدينة في هذا شيئا ، وذكر عن عثمان بن عفان” . المغني لابن قدامة ( 1 / 838 ) ط . دار الفكر .
(8) أخرجه البخاري ( 1 / 31 ، رقم 100 ) ، ومسلم ( 4 / 2058 ، رقم 2673 ) .

شاركها مع أصدقاءك